تواصل معنا

تقارير مترجمة

وباء الكورونا / تحديات نظامية لدولة الكيان

نشر

في

 

ترجمة عمرو أبو غوش

صدر عن معهد دراسات الأمن القومي، قراءة للوضع الراهن للكيان في ظل التحديات التي أفرزها تحدي كورونا، حيث أشار كرميت فيدن، مائير اليرن، ساسون حداد، واحاز بن اري، أنّ آثار الفايروس تحتاج إلى وقفة أمثر متانة من قبل الحكومة والمجتمع.

وفق الكاتبين، دولة الكيان تعيش حالة طوارئ، مؤسسات التعليم مغلقة، الأعمال مغلقة، وأناس يفقدون مصدر رزقهم. من أجل مواجهة التحدي بأفضل طريقة يجب الدمج بين استراتيجية الوقاية، المقاومة، والاحتواء التي تم أخذها كجهد أساسي وبين استراتيجية تعزيز الوقاية المجتمعية كجهد ثاني.

الأولى تهدف الى كبح ” الاضطرابات أو الاقلاق ” والثانية تهدف لإنتاج استمرارية وظيفية ولبناء بنية تحتية من أجل الانتعاش الحيوي بعد ذلك. الدمج بين الاستراتيجيتين يؤسس لركائز أساسية للتكيف الناجح مع حالة الطوارئ.

هذا من خلال الحرص على نشر المعرفة والمعلومة الموثوقة بجانب المحافظة وتقوية ثقة الجمهور، توزيع صلاحيات القيادة، مشاركة المواطنين، وتنشيط الجيش لمساعدة لوجستية للنظام الصحي .

انتشار فايروس كورونا قاد منظمة الصحة العالمية للإعلان في 10 آذار عن الفايروس أنه ” وباء عالمي” ، وفي دولة الكيان ولمواجهة التحديات المتطورة للأمن الشخصي والمجتمعي والقومي صادقت الحكومة على قوانين لحالة الطوارئ .

كلما مرت الأيام يعلو عدد الاسرائيليين المصابين وعدد المطلوب منهم الدخول في الحجر المنزلي. لاقتصاد الدولة حدثت أضرار فورية واحتمالية ضرر الاقتصاد على المدى البعيد تسبب مصدر قلق وكل ذلك على خلفية عدم اليقين مما سيحدث بالمستقبل .

الادارة المركزية لحالة الطوارئ على يد الحكومة والسياسات الصارمة المفروضة على المواطنين تعكس تقييم لإمكانية كبح انتشار الفايروس بواسطة احتوائه وعلى الأقل منع انتشاره الواسع .

استخدام وسائل مادية معبرة باستخدام “بناء جدار” المقبولة في دولة الكيان والمستخدمة فيها . بشكل عام من أجل مواجهة تهديدات أمنية . الا أن نموذج “الجدار” لم يعطي حل كامل  وبالتأكيد ليس محكم لتشويشات أو اضطرابات صعبة ونشطة وغير معروفة، من فعل انسان “ارهاب” أو بفعل الطبيعة “تسونامي أو وباء”. جدران أو حماية صارمة لا يمكنهم أن يكونوا الاستراتيجية الوحيدة من أجل مواجهة تهديد كبير .فما بالك في الحالة الحالية الواسعة النطاق والمستمرة وكثيرة الضرر .

لذلك وفق الكاتبين، مطلوب في حالة الطوارئ الموجودة بناء سريع لاستراتيجية متكاملة الغرض منها المحافظة على الاستمرارية الوظيفية بمستوى مدني ومستوى الدولة بمستوى معقول. لا يفترض قيام نسيج حياة بالحد الأدنى فقط، وانما أيضا لتمكين الاستمرارية بزوال التهديد الفوري وانتعاش سريع للأنظمة بقدر الامكان .

في بناء وتطبيق استراتيجية متكاملة كهذه التي مغزاها تعزيز و تقوية الوقاية، سنتطرق للجوانب الاساسية التالية:

التحدي الاقتصادي –  دخلت دولة الكيان لحالة الطوارئ في وقت كان وضعها الاقتصادي يتميز بمعطيات نمو , دين , انتاج والبطالة جيد جدا . لكن للحكومة لا يوجد ميزانية مصادق عليها وهي موجودة في عجز يتجاوز المخطط له . جوهر الضرر الاقتصادي متوقع أن يظهر بانخفاض الانتاج نتيجة لانخفاض الطلب وتهاوي الأسواق المالية .هذا بعد تقليص القوة العاملة, تعطيل فروع السياحة, تقليص المواصلات, تعطيل الجهاز التعليمي, اغلاق خدمات غير ضرورية وبالأساس التعطيل حاضر في معظم الاقتصاد .

نعم متوقع أضرار بالإنتاج “الى حد النمو السلبي” , باقتصاد البيت و القدرة على الكسب . سوق المال الاسرائيلي وبالمثل السوق العالمي يتميز بانخفاض بما في ذلك تضرر أموال التقاعد، لصناديق الاستكمال، لجمهور المستثمرين.

من أجل تخفيض الضرر الاقتصادي على حكومة الكيان أن تعتمد على نقطة البداية الجيدة ولتكبير الميزانية والعجز بشكل ملحوظ . وهذا من أجل السماح برصد الميزانيات المطلوبة للعلاج الطبي وفي نفس الوقت لحماية الاقتصاد . الحماية هذه تحتاج الى التركيز على قطاع الأعمال المتنوعة أيضا باقتصاد البيت من أجل منع التحطم . وللسماح بتجاوز الفترة الصعبة من بين هذه الأمور بواسطة القروض , تأجيل الدفعات ومساعدة العائلات التي بضائقة . بالإضافة لذلك مطلوب على سبيل المثال سياسات مالية تتضمن تخفيض الفائدة وكذلك الشراء الاستباقي لسندات وطنية على يد الدولة من أجل تشجيع سوق المال . الخطوات هذه تتطلب مصادقة ميزانية وتدخل قوي بالاقتصاد من خلال تشريع سريع . هذه تتطلب لإنشاء حكومة عاملة تنفذ المطلوب من خلال التطرق لحماية النسيج المجتمعي الاسرائيلي .

المعرفة والمعلومة – على الرغم من أن هناك من يعتقدون انه لا ينبغي اعلام الجمهور بالتهديدات حتى لا تخلق قلق مبالغ فيه سيضر بعمله الوظيفي وهناك دراسات تشير على ان المعلومة والمعرفة التي بيدي الجمهور في وقت الطوارئ توجد تأثير ايجابي على قدرته في مواجهة التهديد. هكذا يتعاظم الشعور لدى الجمهور على الوضع وكذلك قدرته على مواجهة الصعوبات.

نقطة التوازن صعبة التحديد، من المتصور أن البث المتواصل “في استديوهات مفتوحة” وتعريض الجمهور لنقاشات متكررة قد تؤدي لإضعاف الحصانة. في المقابل يمكن تقييم بأن شعور السيطرة لدى الجمهور تتعزز عن طريق بث في ساعات الذروة فيها يرسل رئيس الوزراء تعليمات للجمهور ويزود تفسيرات(جزئية على الأقل) لإجراءات الحكومة.

كل هذا حتى في الظروف السياسية الحالية في دولة الكيان وظهوره هذا يسبب الازعاج بين الكثيرين.

الثقة والمصداقية _ في وضع الطوارئ المتميز بعدم التأكيد وانتشار المعلومة العقيمة, مطلوب انشاء سلسلة من التحديثات والتعليمات من مصدر معتمد ومقبول لدى الجمهور بمصداقيته ودقته كذلك لضمان الانضباط العام.

مع ذلك ومن أجل انتشار المصداقية “فما بالك بفترة أزمة سياسية مستمرة وتكافل اجتماعي يلوح في كل الأحوال” على القادة أن يتغلبوا على عائقين اثنين :الأول , عدم تجانس كبير في المجتمع الاسرائيلي الذي يضم في داخله مجموعات كبيرة ثقتها في الأنظمة السياسية منخفضة.

الثاني, تداعيات نشر” الأخبار المفبركة” بوسائل التواصل المختلفة. من معطيات استطلاع رأي الذي عمله معهد “غارتنر” لدراسة الوبائيات والدراسات الصحية في شباط الماضي يشير أن الجمهور لا يكلف نفسه عناء التحقق من الشائعات(76% من المستطلعين ادعوا انهم لم يحاولوا دحض أو تأكيد الاشاعة) . في سؤال هل تصدق الاشاعات؟ كان تقريبا تساوي بين المستطلعين (54% أجابوا لا,46% أجابوا نعم).

من هنا احتمالية كبيرة للخلط لدى الجمهور بالنسبة للثقة بالمعلومة التي يتعرض لها.

قيادة موثوقة تفصل بوضوح بين الوباء وبين السياسة تضمن اصغاء الجمهور واجابته للتعليمات.

 

قيادة موزعة الصلاحيات _ حتى الان ادارة  وضع الطوارئ في دولة الكيان تتميز بالتركيز  ” من الأعلى الى الأسفل” على يد رئيس الوزراء بشكل شخصي رفيع المستوى جنب الى جنب مع وزارة الصحة وملحقاتها. ومع ذلك في حالة الطوارئ  مطلوب ايضا ادارة وعمل نظامي موزع وتضمن مشاركة مسؤولين مشتركين في طول وعرض النظام . لمسألة ” المشاركة العرضية” الجدير بوزارات الحكومة أن تشارك أكثر لإدارة حالة الطوارئ من خلال اجراءات أخذ القرارات.

القرارات التي أتخذت سابقا على يد الحكومة وضعت المسؤولية الكاملة لتقييم حالات الطوارئ  – المدنيين أيضا- على وزير الدفاع , المسؤول عن لجنة سوق العمل في زمن الطوارئ المكونة من مدراء عامي الوزرات وحكوميين وهيئات اضافية وظيفة هذه اللجنة ايجاد مشاكل اقتصادية ” ادارية” وبلورة حلول لها معتمدة على نماذج معدة مسبقا. فعالية هذه اللجنة تبدأ عند اعلان الحكومة عن فترة تفعيل اللجنة. هذا الاعلان بحد ذاته ليس له أثر على الميزانية, هدفه ادخال هيئات الدولة لإدارة عمل منظم بحد ذاته يمكن اعطاء اجابات على مشاكل الميدان. ومن الجدير اشراك هذا الجهاز بإدارة الطوارئ. في نفس الوقت من الضروري انشاء قيادة تقود التشارك بين المسؤولين المختلفين من أجل ادارة وضع الطوارئ   “مشاركة عامودية ” تنفذ بواسطة تفعيل موازي للأنظمة ( من الأسفل الى الأعلى ) وبتضمنها منظمات قطاع ثالث ومواطنين متطوعين وخبراء معاهد لمواضيع ذات صلة . أيضا المجالس المحلية بإمكانهم المساعدة بالتعامل لمعرفتهم بحاجات والموارد المحددة للسكان وقدرتهم على الاستفادة من معرفتهم لتقديم اجابة هادفة ومناسبة, توضيح ونشر معلومة محلية ضرورية, مساعدة أصحاب الأعمال المحليين وتنشيط تجمعات لتقليل الضغط والخوف بين السكان.

مشاركة المواطنين_  المواطنون ليسوا فقط في حيازة مسؤول متشائم أو سلبي ومطلوب منهم تطبيق مراقبة الكترونية و مراقبة شرطية, أظهرت أبحاث أن مشاركة المواطنين في الطوارئ تزيد من وقايتهم وقدرتهم على مواجهة الوضع.

من معطيات الاستطلاع الذي أجراه معهد ” غارتنر ” تبين على الرغم من أن غالبية الجمهور (76%) يستمع للإرشادات للبقاء بالحجر طواعية , لكن ربع الجمهور ليس لديهم أمان للاستماع للإرشادات. تجنيد مشاركة الجمهور ضرورية ليس فقط من أجل الوقاية الشخصية للفرد وانما أيضا من شأنها المساعدة لمساهمة الجمهور لجهد جماعي لكبح انتشار الفايروس , وبالتالي تحسين الاستمرارية الوظيفية.

تفعيل الجيش _ هنالك ضرورة لدمج الجيش في الجهد القومي, فعيله في وقت حالات الطوارئ تساعد في تمكين الموارد الموجودة. في10 اذار بدأت عملية تجنيد احتياط موضعي لمهمات من بينها تحضير خطة اعلامية للجبهة الداخلية. زيادة عدد قوات نجمة  داوود الحمراء والتأهب لاستيعاب مرضى بشكل واسع, مع انتشار الفايروس سيتم استدعاء الجيش في التركيز على الجبهة الداخلية للمساعدة أكثر.

ووظيفته الواضحة للجبهة الداخلية تلامس لوضع الطوارئ في وضع الحرب. لكن انتشاره في مناطق مدنية هي واسعة ولوزير الدفاع صلاحيات للسماح له لمساعدة السكان في وقت المحنة وأيضا في حالة الطوارئ المدنية, من بين هذه الأمور بواسطة تقييد الحركة, التحضير الدقيق لذلك منفذ تقريبا منذ الان.

مفهوم ادارة الطوارئ لدولة الكيان بحاحة للأخذ بالحسبان” اليوم الذي يلي ” من أجل السماح للاقتصاد بالانتعاش بشكل سريع الى أقصى حد ممكن.

من المعروف بأن الحكومة تقوم بخطوات صحيحة من أجل كبح انتشار الفايروس ولكن ليست كافية لذلك هذه توصياتنا:-

* على المستوى الاقتصادي :- يجب زيادة الميزانية والعجز بشكل ملحوظ , لحماية قطاع الأعمال واقتصاد البيت ومن خلال ذلك لتخفيض الفائدة ولشراء السندات الوطنية بشكل استباقي.

* يجب ايجاد التوازن بين اغراق الجمهور بفيضان المعلومات من الشبكات المختلفة ومن المحتمل أن يضر بالوقاية عند المجتمع. وبين الحاجة لإنشاء الشعور بالسيطرة لدى الجمهور بواسطة تزويد المعلومة والمعرفة الصادقة والموثوقة.

* يجب تأسيس قيادة تقود المشاركة وتنشأ تآزر لإدارة حالة الطوارئ, لإشراك وزارات الحكومة أكثر في ادارة حالة الطوارئ وفي اجراءات اخذ القرارات لها, ولمنع منافسة مضرة بين مقر الأمن القومي الذي يدير التنسيق بين الوزارات وبين لجنة” سوق العمل في زمن الطوارئ” العليا التي تعمل من وزارة الدفاع.

* يجب تجنيد مشاركة المواطنين ليس فقط من أجل تقوية الحصانة الشخصية ولكن أيضا لتسخيرهم للجهد الجماعي لكبح انتشار الفايروس.

*يجب بالضرورة دمج الجيش بالجهد القومي بالتدرج, على حسب وتيرة سرعة انتشار الفايروس ونطاقه. الى حد مشاركة الجيش بشكل مباشر وواسع بمساعدات مباشرة لتشغيل أنظمة مهمة ومساعدة المواطنين. كل هذا بمراقبة مدنية صارمة واستمرار القيادة للقيادة السياسية .

* على باب رئيس الوزراء تقف المسؤولية للفصل بشكل حاد بين ادارة المعركة على صحة الجمهور وبين العباءة السياسية.

تطبيق هذه التوصيات لأهميتها المركبة هي بناء بنية تحتية ” نظامية – تنظيمية” لساعة الطوارئ هذه يحسن الاحتمالات لاحتواء و لكبح انتشار الفايروس ولانتعاش سريع الى أقصى حد ممكن بالرغم من الصعوبات المتوقعة .

وهكذا ادارة حالة الطوارئ الحالية يمكن استخدامها كفرصة لتقوية الحصانة المجتمعية.

 

 

 

 

 

تقارير مترجمة

ترجمات: ثلثا الخبراء في شؤون الشرق الأوسط يريدون من بايدن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران دون شروط*

نشر

في

بواسطة

ترجمات:

ثلثا الخبراء في شؤون الشرق الأوسط يريدون من بايدن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران دون شروط*

 

ترجمة: مركز القدس للدراسات

تحرير: ساري عرابي

 

يرى الخبراء في قضايا الشرق الأوسط، في استطلاع جديد لآرائهم، ضرورة عودة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 كما كان قائمًا، وذلك قبل الدخول في أيّ مفاوضات بخصوص قضايا أخرى مع إيران.

67٪ من الخبراء المشاركين في الاستطلاع يرون أنّ الإستراتيجية الأفضل للسياسة الخارجية الأمريكية تتمثل في عودة بايدن الفورية إلى خطة العمل الشاملة المشتركة [أي الاتفاق النووي الإيراني] (JCPOA) قبل التفاوض على أي شروط أخرى مع إيران، وهو أمر من شأنه أن يؤدي إلى “نتائج إيجابية” للولايات المتحدة.

وبحسب الاستطلاع ، الذي نُشر يوم الثلاثاء أيضًا [15 شباط/ فبراير]، قال 75٪ من الخبراء إن عودة الولايات المتحدة إلى الصفقة ستقلل من احتمال حصول إيران على سلاح نووي خلال العقد المقبل.

شبلي تلحمي، الباحث في شؤون الشرق الأوسط، وأستاذ كرسي أنور السادات للسلام والتنمية في جامعة ميريلاند، يرى في هذه النتيجة “ردًّا ساحقًا” كما قال  لمجلة نيوزويك.

تلحمي، الذي يعمل أيضًا زميلاً كبيرًا غير مقيم في معهد بروكينغز، طور الاستطلاع، بالتركيز على سؤالين أساسيين،  حول ما ينبغي أن تفعله الولايات المتحدة فيما يتعلق بعلاقتها مع إيران، أو بحسب تعبير تلحمي فإنّ قضيتين إشكاليتين ستبرزان حين فتح الصفقة من جديد.

السؤال الأول متعلق باحتياج الولايات المتحدة إلى التفاوض من جانب واحد على الاتفاقية مع الحلفاء المعنيين بهذا الاتفاق، بما في ذلك بعض شركاء أمريكا الأوروبيين المقربين.

وأمّا السؤال الثاني فيتعلق بـ “الخشية” من استحالة التوصل إلى اتفاق جديد مرة أخرى، فتأجيل المفاوضات، كما يقول تلحمي، من شأنه أن يضاعف من احتمال “التصعيد العسكري” الذي يرفضه المجتمع الأكاديمي إلى حد كبير، فـ 1٪ فقط ممن شملهم الاستطلاع يؤيدون العمل العسكري ضد إيران.

أجري الاستطلاع في الفترة الواقعة بين 8 إلى 15 شباط/ فبراير في مشروع مشترك بين استطلاع القضايا الحرجة بجامعة ماريلاند، الذي يديره تلحمي، ومشروع العلوم السياسية في الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن، وشاركت في الاستطلاع، عينة غير عشوائية ممثلة في 521 خبيرًا، بحيث يمكن من آراء تلك العينة، استخلاص وجهة نظر مقارنة، حول المقاربات الحالية للسياسات حيال الشرق الأوسط.

جميع الخبراء أعضاء إما في جمعية دراسات الشرق الأوسط، أو قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في جمعية العلوم السياسية الأمريكية، وهما مجموعتان من المجموعات الأكاديمية الرائدة في دراسة الشرق الأوسط.

وبينما تعني العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة رفع العقوبات عن إيران، فإنّ الرئيس السابق دونالد ترامب كان قد انسحب في العام 2018 من جانب واحد من الاتفاق، وأعاد فرض عقوبات معوقة على إيران في سياق حملة الضغط القصوى، شملت عقوبات ثانوية على الشركات العالمية التي تتعامل مع إيران، كما يقول تلحمي.

إستراتيجية الضغط الأقصى على إيران، أيدها فقط 4٪ من المشاركين في الاستطلاع، ويرى تلحمي أنّ هذه الإستراتيجية ضارّة بالشعب الإيراني، أكثر من ضررها بالبرنامج النووي الإيراني.

يفتخر القادة الإيرانيون، بأنّ ترامب فشل في فرض اتفاق بديل، الأمر الذي يعني انتصارًا لهم، وذلك في حين استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم في كانون الثاني/ يناير، في انتهاك مباشر لبنود خطة العمل الشاملة المشتركة.

قال بايدن خلال حملته إنه يعتزم الانضمام مرة أخرى إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، لكنه قال إنه لن يرفع العقوبات ويعود إلى الاتفاق حتى تتوقف إيران عن سياسات التخصيب.

وكان بايدن قد أجاب بكلمة واحدة هي “لا” حينما سُئل على قناة CBS Evening News في وقت سابق من هذا الشهر، عما إذا كانت الولايات المتحدة سترفع العقوبات أولاً عن إيران من أجل جذبها إلى طاولة المفاوضات بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة، وأكد في المقابلة نفسها أن إيران ستحتاج أولاً إلى وقف تخصيب اليورانيوم قبل أن تدرس الولايات المتحدة إجراء محادثات بشأن الصفقة.

قال تلحمي: “إنك تركض عكس مدار الساعة”، لأنّه من الصعب معرفة ما إذا كان لدى إيران ما يكفي من اليورانيوم المخصب لتطوير سلاح نووي، لذا فإن الوقت جوهري بالنسبة لبايدن للتوصل إلى اتفاق، كما يضيف تلحمي.

من جهة أخرى فإنّ المواجهة الطويلة بين واشنطن وطهران دفعت الصين وروسيا إلى الاقتراب من إيران، التي تسعى إلى تحالفات عالمية تخفف من تداعي ظروفها الاقتصادية والإنسانية، وكانت كل من الصين وروسيا، اللتين وافقتا من قبل على خطة العمل الشاملة المشتركة، قد طالبتا بايدن بالعودة مرة أخرى للاتفاق دون فرض شروط صعبة.

يقول تلحمي إنه من غير الواضح بعد ما إذا كان بايدن سيسعى إلى الحصول على شروط إضافية قبل عودة الولايات المتحدة للاتفاقية، وعن ذلك يقول تلحمي: “بينما قال [أي بايدن] إنه سيعود إلى الاتفاق كما هو، فقد ظهرت منه عبارات تشير إلى أن بعض المفاوضات قد تكون في مكانها”.

* معلومات المادة الأصلية:

المصدر: موقع مجلة Newsweek

– العنوان الأصلي: Two-Thirds of Middle East Experts Want Biden to Return to Iran Deal Without Conditions: Poll

– الكاتب: Nicole Fallert

– تاريخ النشر: 16 شباط/ فبراير 2021

– الرابط: https://bit.ly/3pAGidW

 

أكمل القراءة

تقارير مترجمة

محمود درويش والتوراة: تنظير لتقاسم فلسطين مع اليهود

نشر

في

بواسطة

أحمد أشقر

الرموز والإشارات

تعتبر الرموز والإشارات المُشفرّة التي يستخدمها الفرد والجماعة مفاتيح للبحث في المستويات الواعية واللاواعية في الهوية الفرديّة والجمعية على حدّ سواء.  لذا باتت دراسة مكنونات هذه الرموز والإشارات حقلاً معرفيّاً هاماً جدا وبالغ الأهميّة لمعرفة الواعي واللاواعي في مركبات ومستويات هذه الهوية، ابتداءً من السياسة مرورا بعلم الإنسان إلى علم النفس، من أجل التكيل بها أو استنهاضها أو التكيّف معها على حدّ سواء.

تزخر النصوص الأدبية، النثرية والشعرية، بهذه الرموز والإشارات، لأن الأدب شأنه شأن بقية الحقول المعرفية والجمالية الأخرى يبني تراكميّا على ما سبقه ويؤسس لما سيخلفه.  وبما أن الأدب ليس السياسة الممارسة المكشوفة، وإن عبّر عنها، فإنه يستخدم هذه الرموز للإعلان عن موقف سياسي واجتماعي، مثله مثل الفكري والجمالي والفلسفي، بطريقة غير مكشوفة ومباشرة.  وعليه فإن الإدعاء إن استحضار الأدب لهذه الرموز والإشارات تقع في مجال التناص الأدبي فقط، محض تضليل.

 

درويش، الاحتلال والتوراة

سأقتبس هنا من أول حديث صحفي لمحمود درويش أجراه الصحفي يوسف الغازي ونشره في “زو هديرخ”، صحيفة الحزب الشيوعي “الإسرائيلي”، في عددها الصادر في 19. 11. 1969.  وقد قامت مجلة الجديد بترجمته ونشرته في العدد 11، تشرين الثاني عام 1969. في هذا الحديث الذي تمت عنوته فيما بعد “وثيقة- حديث صحفي مع محمود درويش، يونيو 1969″، يتحدث درويش عن موقفه من اليهود والتوراة، أي يتحدث بكلمات أخرى عن احتلال الجزء الأول من فلسطين الذي كان قد مضى عليه واحد وعشرون عاماً، وسنتان على الاحتلال الجديد، قائلاً:

“لقد خلق لي شِعري المتاعب منذ البداية. ودفعني إلى الصدام مع الحكم العسكري. وإذا أردت مثالاً على ذلك: كنت طالباً في الصف الثامن عندما احتفلوا بمناسبة إقامة دولة إسرائيل. وقد نظموا مهرجانات كبيرة في القرى العربية باشتراك تلامذة المدارس في هذه المناسبة. طلب مني مدير المدرسة أن أشترك في مهرجان عقد في قرية دير الأسد. وعندها، ولأول مرة في حياتي، وقفت أمام الميكرفون وبالبنطلون القصير، وقرأت قصيدة كانت صرخة من طفل عربي إلى طفل يهودي. لا أذكر القصيدة ولكني أذكر فكرتها: يا صديقي! بوسعك أن تلعب تحت الشمس كما تشاء. بوسعك أن تصنع ألعاباً. ولكني لا أستطيع. أنا لا أملك ما تملكه. لك بيت، وليس لي بيت، فأنا لاجئ. لك أعياد وأفراح، وأنا بلا عيد وفرح. ولماذا لا نلعب معاً؟!

وفي اليوم التالي استدعيت إلى مكتب الحاكم العسكري في قرية مجد الكروم. هددني وشتمني، فاحترت. لم أعرف كيف أرد عليه. وعندما خرجت من مكتبه بكيت بمرارة لأنه أنهى تهديده بقوله: إذا استمررت في كتابة مثل هذه الأشعار فلن نسمح لأبيك بالعمل في المحجر!. يؤلمني أن أذكر الآن أن تهديدات ذلك الحاكم العسكري أثرت عليّ تأثيراً سلبياً. وبمنطق الصبي قلت لنفسي: سأحصل على القصاص. ولن أكتب. وبالمنطق ذاته عجزت عن فهم السبب الذي يجعل مثل تلك القصيدة تثير حاكماً عسكرياً. وأسجل الآن أن ذلك الحاكم العسكري كان أول يهودي أقابله وأتحدث إليه! لقد ضايقني سلوكه: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا أتحدث إلى الطفل اليهودي؟ لقد تحول الحاكم العسكري إلى رمز الشر الذي يؤذي العلاقات بين الشعبين. ومن الواضح، الآن فقط أستطيع الإجابة على الأسئلة التي ضايقتني آنئذ”.

لاحظوا: فتى عربي فلسطيني لم يمض على طرده من وطنه عقدٌ ونصف من الزمن يكتب رسالة “صرخة” من طفل عربي إلى طفل يهودي ينتمي إلى المجموعة التي هجّرت درويش وأهله وشعبه واحتلت وطنه! ثم يحمل الحاكم العسكري مسؤولية تدهور العلاقات بين الشعبين! كيف يمكن أن يحدث هذا؟  الفتى محمود درويش يُلقي بالمسئولية على الحاكم العسكري وليس على الاحتلال الذي احتل أرضه ومنحها للطفل اليهودي وأهله!

ثم يضيف متحدثا عن علاقته بالتوراة قائلا:

“ومن حسن حظي ظهرت في حياتي صورة أخرى مناقضة للحاكم العسكري. بعد ذلك الحادث ببضعة شهور، انتقلت إلى الدراسة في مدرسة كفرياسيف الثانوية. هناك التقيت بشخصية يهودية أخرى تختلف تمام الاختلاف، هي المعلمة شوشنه (وردة) التي لا أمل الحديث عنها. لم تكن معلمة. كانت أُمَّا. لقد أنقذتني من جحيم الكراهية. كانت– بالنسبة لي– رمزاً للخدمة المخلصة التي يقدمها يهودي طيب لشعبه. [لا أفهم ما يقصده، هل يحبها كأمه لأنه أحبته فعلا، أم لأنها رمزٌ للخدمة المخلصة التي يقدمها يهودي طيب لشعبه!؟] لقد علمتني شوشنه أن أفهم التوراة كعمل أدبي، [لم تُطرح أصلا إلا نصّا أدبيا فقط] وعلمتني دراسة بياليك بعيداً عن التحمس لانتمائه السياسي، وإنما لحرارته الشعرية [هل يمكن قراءة بياليك (1973- 1934)، أكبر الشعراء الصهاينة في العصر الحديث، قراءة أدبية فقط؟]. لم تحاول أن تعبئنا بسموم البرامج الدراسية الرسمية التي ترمي إلى دفعنا للتنكر لتراثنا. لقد أنقذتني شوشنه من الحقد الذي ملأني به الحاكم العسكري. لقد حطمت الجدران التي أقامها ذلك الحاكم [نفهم من هذا أن وعيه تشكل بين اليهودييّن شوشنه التي كانت مثل أمه والحاكم العسكري].

يجب الإشارة هنا إلى أن كاتب هذه السطور تعرض للغة العبرية أكثر بكثير من درويش من المدرسة إلى الجامعة إلى العمل والكتابة بها وعنها، ولم يرها مرة واحدة إلا مشروعا سياسيا استعماريا.

 

التوراتيات عند درويش: “إلا لينسجم السياسي مع الأدبي”

كان درويش عندما غادر البلاد عام 1971 عضوا في الحزب الشيوعي “الإسرائيلي”، الذي لا يزال يدعو إلى تقاسم فلسطين مع المُستعمر اليهو-صهيوني. في المنفى الاختياري، كان درويش محسوباً على التيار التسووي في (م. ت. ف).  وبعد هزيمة دولة الفاكهاني في لبنان عام 1982 عيّنه أبو عمّار عضوا في لجنتها التنفيذية، أي أعلى هيئة اتخاذ القرارات. وطوال حياته كان لدرويش صوتٌ بارزٌ في السياسة.  لذا سأتعامل معه بصفته الشاعر- السياسي، لأنه قدم نفسه كذلك.  وسأشير إلى ثلاث عشرة إشارة من عنده يؤكد فيها موقفه من الرموز التوراتية وعلاقاتها بموقفه السياسي.

الإشارة الأولى- يمكن اعتبار كلمته في جنازة إميل حبيبي (1921- 1996) بالناصرة مخاطبا إياه “معلمي” وما قاله فيه عبارة عن جوهر شعره- موقفه السياسي حين قال:

“لقد شاءت طبيعة التطور التاريخي في تقاطع المصائر الإنسانية أن تجعل هذه الأرض المقدسة بلدًا لشعبين […] وكنت أنت منذ البداية وحتى هذه اللحظة، أحد المنابر المتحركة الأقوى والأعلى، الداعية إلى سلام الشعوب بحق الشعوب. السلام القائم على العدل والمساواة ونفي احتكار الله والأرض، للوصول إلى المصالحة التاريخية بين الشعبين، مع قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس […] إذا كنا نلعب، فتلك هي شروط اللعبة، لسانًا بلسان، لا طائرة ضد طائر. وفي هذه المنطقة أيضا يتبطن المعنى ثانيًا، ويلجأ إلى ذاته ساخرًا من عبء رسالتها فيخفّ الحمل الثقيل من أجل الانتقال إلى حمل أثقل، في صحراء الإيقاع الذي لا يتوتر إلا لينسجم السياسي مع الأدبي”. وبما أن “هذه الأرض المقدسة بلدا للشعبين”.

 وفقا لهذا فإنه بحاجة للإشارات والرموز المقدسة كي تسهم “في المصاحة التاريخية بين الشعبين”. وبما أن التوراتيات مشتركة “للشعبين” توجب استخدامها كي يقنعهما بتقاسم الأرض والركون “إلى المصالحة التاريخية” بينهما. أليس توظيف هذه الرموز توظيفا سياسيا!؟

وعندما نأتي على ذكر إميل حبيبي، لا بدّ من التأكيد على: كان إميل حبيبي ضمن وفد الحزب الشيوعي “الإسرائيلي”، الذي ضمّ، بالإضافة له، موشي سنيه (1909- 1972) وشموئيل ميكونيس (1903- 1982)، إلى تشيكوسلوفيا قبل قيام الكيان الصهيوني في العام 1948 للتباحث مع قيادتها التي أقنعوها بأن تكون أول دولة ترسل السلاح للعصابات الصهيونية! لذا كرّمته دولة “إسرائيل” بأن منحته “جائزة إسرائيل للأدب” عام 1996. وأطلقت بلدية حيفا الصهيونية اسمه على زقاق في وادي النسناس.

الإشارة الثانية- كان درويش قد أجاب على سؤال، في حوار أجرته معه مجلة الكرمل عام 1995، عن كثرة استخدامه الرموز التوراتية، بالقول:

“ليس استعمال مثل هذه الإشارات [الرموز التوراتية] لدواع جرسية وتغريبية فقط. إنها موظفة- إذا جاز التعبير- لإخراج الراهن ووضعه في أيقونة أو دراما تاريخية. أي لجعل النصّ يعمل في التاريخ أو الماضي. يعمل في اللحظة نفسها على مستويين زمنيين مختلفين”.

الإشارة الثالثة- في العام 2002، شارك درويش في مهرجان الشعر العالمي في برلين. وفي مقابلة مع “إلداد بيك”، مراسل صحيفة “يديعوت أحرونوت” الـ”إسرائيلية”، قال ما يلي:

“[…] ولكن موضوع القصيدة- مقاومة أو احتجاجًا- لا يهمّني، وما يهمّني هو الجوانب الجمالية”.

 أما في الأمسية الشعرية، “جامعيون من أجل فلسطين”، التي نظمتها الجامعة الأمريكية في القاهرة في شهر كانون الأول من العام 2003، فقد قال درويش قولاً مختلفا للغاية:

“الشاعر في مرحلة الطوارئ سياسي بالضرورة لأنه جزء من مقاومة الاحتلال وهو مطالب بالوفاء للصورة التي يرسمها له القارئ ومطالب أيضا بالتمرد على ما هو متوقع منه”.

 بناء على الإشارتين الأولى والثانية نريد أن نصدق ما قاله درويش في الجامعة الأمريكية في القاهرة، أي أنه شاعر سياسي بامتياز، وما استخدامه الرموز التوراتية إلا بغرض سياسي.

الإشارة الرابعة- بعد عدة أشهر من احتلال العراق عام 2003 عقد رأسماليو العالم منتداهم الدوري، “دافوس الاقتصادي”، في أحد منتجعات الجانب الأردني من البحر الميت.  حضر المنتدى “بول بريمر” القائد العسكري للعراق المحتل في حينه، والصهيوني “شمعون بيرس”، إضافة إلى 140 شخصية سياسية- اقتصادية أخرى، وكذلك الشاعر- السياسي محمود درويش. في المؤتمر، ألقى درويش قصائد لمدة ثماني دقائق! “بريمر” و”بيرس” وغيرهم ليسوا مثقفين أمضى درويش معهم أمسية ثقافية، إنهم سلاطين المال وإفقار الشعوب.  ودرويش قبل على نفسه ليس فقط تجنيد الثقافة في خدمة أهداف مؤتمر “دافوس”، بل إنه ولمكانته الرفيعة في حقل الثقافة، أضفى مشروعية أخلاقية على مخططات مؤتمر “دافوس” واحتلال العراق. ولو بقي على التوراتيات فقط لحمدنا ربّنا وشكرناه!

الإشارة الخامسة- إضافة للتوراتيات، استخدم درويش الرموز والإشارات الكنعانية.  في قصيدته “على حجر كنعاني في البحر الميت”، يقول مخاطبا العدو الذي أصبح “الـ”غريب” قائلا:

“علّق سلاحك فوق نخلتنا يا غريب، لأزرع حنطتي

في حقل كنعان المقدس.. خذ نبيذًا من جراري

… وقسطًا من طعامي

… خذ

صلوات كنعانية في عيد كرمتها…”

ويضيف: “فيا غريب…

أوقف حصانك تحت نخلتنا! على طريق الشام

يتبادل الغرباء في ما بينهم سينبت فوقها

حبق يوزعه على الدنيا حمام قد يهبّ من البيوت”.

ويضيف في ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيدا؟”، مخاطبا العدو الذي أصبح “غريب” قائلا:

“سّلِّم على بيتنا يا غريب.

فناجين

قهوتنا لا تزال على حالها. هل تَشُمُّ

أصابعنا فوقها؟ هل تقول لبنتك ذات الجديلة والحاجبين الكثيفين إنَّ لها

صاحبًا غائبًا، (لماذا تركت الحصان وحيدا).

و:

“… لن تنتهي الحرب ما دامت الأرض

فينا تدور على نفسها!

فلنكن طيبين إذاً. كان يسألنا

أن نكون طيبينَ. ويقرأ شعرًا

لطيار “ييتْس”: أنا لا أحب الذين

أدافع عنهم، كما أني لا أعادي الذين أحاربهم…”.

و كي يقنع الفلسطيني بأن لا طائل أو فائدة من نضاله يقول:

“[…]: وهل كان ذاك الشقي

أبي، كي يحمّلني عبءَ تاريخه؟”.

و:

“الشعر سلّمنا إلى قمر تعلقه أنات [عنات]

على حديقتها، كإمرأة لعشاق بلا أمل،

[…]

وأنات تقتل نفسها

            في نفسها

                    ولنفسها”. 

المثير حقّا عند درويش أن عنات جدتنا الكنعانية هي التي تقتل نفسها/ في نفسها/ ولنفسها، أما أبطال التوراة فقد بقوا أبطالا أحياء عنده، لذا علينا تقاسم وطننا مع أحفادهم المستعمرين!

الإشارة السادسة- بعد هزيمة دولة الفاكهاني في بيروت عام 1982 عيّنه أبو عمّار عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، واستمر عضوا فيها حتى العام 1993. خلال هذه الفترة استقر درويش في باريس.  يبدو لي، لم يكن اختيار درويش عضوا في اللجنة التنفيذية لعظمته بالتنظير السياسي، بل تم انتدابه لفتحِ وتوسيع قنوات الحوار مع “إسرائيليين” يؤيدون التسوية.  فأصبح درويش ضمن (مجموعة إيلان هليفي) التي غزت المنظمة ببرنامج “العقلانية والواقعيّة السياسية”.

الإشارة السابعة- في الأشهر الأولى من اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، الهبّة الشعبيّة التي تم اغتيالها بالمال وأوسلو وجمعيات التمويل الأجنبي، تحمس محمود درويش وكتب قصيدته “أيها المارون بين الكلمات العابرة” التي تصلح لأن تكون مانيفستو الثورة. غضب “الإسرائيليون”، حتى أصدقائه منهم، ليس لأنه يقول: “خذوا أمواتكم وانصرفوا”- كما يشاع، بل لأنه يقول: “رقصة الهدهد الأخيرة”، التي فيها إشارة من إشارات الدمار في التراث اليهودي الديني.  فهاجمه رئيس الحكومة، الإرهابي يتسحاق شامير على منبر “الكنيست”. وفي حديث لدرويش من صحيفة “هآرتس” بتاريخ 10. 3. 2000، ردّ على الذين انتقدوه وهاجموه، وتحديدا “شامير”، فقال:

“الأشعار التي اطّلع عليها رئيس الحكومة السابق يتسحاق شامير وقُرِئت في الكنيست محرّفة، وفُهمت خطأ، وأنا لم أقلها كما أوردها شامير، فأنا لم أدعُ إلى دمار إسرائيل، ولم أكتب ذلك، ولا أؤمن بذلك […]. وما قلته هو: خذوا موتاكم، وهذا شعر احتجاجي في زمن الانتفاضة، وليس عدوانيّا، أو دعوة للقتل، وما هو في الحقيقة سوى وقوف ضدّ احتلال الضفة الغربية والقطاع، والحكومة نفسها تعدُّه احتلالاً، هذا ما حصل […]. أما الادعاء بأنه اعتراض على وجود إسرائيل، فكلام فارغ، ينأى عن الحقيقة وتكذبه الأحداث”.

درويش الذي يعرف معنى رمزية الهدهد في التراث اليهودي تنازل عنه وسارع إلى لغة السياسة المباشرة فقال ما قال لصحيفة “هآرتس”.

لم يتوقف درويش عند حدّ التنازل عن موقفه السياسي، بل سار أبعد كثيرا؛ حدثني أثناء عملي الصحفي عضو كنيست- صار اليوم في دار الحقّ ونحن لا نزال في دار الباطل- من أصدقاء درويش، وكان كثير التردد عليه في باريس بالقول، إن درويش كان مرعوبا من أن تغتاله “إسرائيل”. لذا فكّر بطريقة “يصطلح” فيها مع “إسرائيل”. فاقترحت عليه- والكلام لعضو الكنيست- أن يكتب شيئا.  قال له درويش: سأكتب. وكتاب الرّد- والكلام لا يزال لعضو الكنيست- هو “لماذا تركت الحصان وحيدا؟”، كان ذلك في العام 1995.  هذا الكتاب بتقديري أخطر الكتب التي كتبها درويش، لأنه يحوّل العدو إلى غريب يشرب القهوة ويتقاسم النايات معه ويتنازل عن أربعة أخماس فلسطين له.  لذا سارعت لترجمتها دار النشر “الإسرائيلية”: أندلس، التي كانت صاحبتها اليهودية تدور في فلك الذي كان يسير على خطّ الكنيست الصهيوني الذي أنَتُدِب يوماً إلى قصر المهاجرين في دمشق واليوم ينعم بفتات القصر الأميري في “كتار”- كما يلفظها شمعون بيرس.  نذكر في هذا السياق أن درويش كان من بين 25 مثقفا فلسطينيا وقعوا على بيان 2002، يرجون “المثقفين الإسرائيليين” مساندة الفلسطينيين قائلين: “[…] لقد ارتضينا على أنفسنا العيش في خُمس فلسطين التاريخية وارتضينا لكم دولة في أربعة أخماسها!” (“هآرتس” 15 آذار 2002).

الإشارة الثامنة- في مقابلة مع مجلة الدراسات الفلسطينية (خريف 1995) يساوي فيها درويش بين الرواية الاستعمارية اليهو-صهيونية وروايتنا الوطنية قائلا:

“ولأن الحوار بين الروايتين فقط، يمكن أن يشكلّ الخصوبة العميقة للطرفين، وقبل ذلك يحفظ للسيكولوجيا الإسرائيلية القدرة على أن تفتح إناءها على الآخر… الآخر الذي يجب أن يشارك في تشكيل الإناء”.

إذن درويش حريص إيضا على “السيكولوجيا الإسرائيلية”! ويضيف:

“إن خطابي الشعري واضح وملتبس لكنه يحمل سيرة داود وكنعان. وفيه مساحة لتاريخ اليهود على هذه الأرض وكل الشعوب التي عاشت أو مرّت من هنا وتركت بصمات ثقافتها وحضارتها. إذن أنا أعبّر عن حصيلة الثقافات والحضارات والأعراق والأديان التي مرت على فلسطين بما فيها الخطاب اليهودي، فهل عليّ أن أخرج من هذا التكوين، وأن أبدأ تاريخ فلسطين من يوم 13 أيلول (سبتمبر) 1993؟” (مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 6، العدد 24 (خريف 1995)، ص 217).

بما معناه يقول درويش أن لا فرق لديه بين داود الغازي وكنعان الذي قاومه! ولا فرق بين “يهوه” و”ءل” والبعل وعنات! وأن أول إبادة في التاريخ مارسها التوراتيون الغزاة ضد أهالي أريحا هي من تاريخنا أيضا! (ترد القصة في سفر يشوع التوراتي). والمثير أنه ينصبّ نفسه متحدثا رسميا باسم الجميع أهالي البلاد والغزاة منذ فجر التاريخ إلى اليوم.  يا لها من عَظَمَةٍ مريضة!

الإشارة التاسعة- وفي كتابه النثري الذي أصدر منه عدة طبعات منقحة بدءا من 1973 إلى 1997 يرد ما يأتي:

– “ماذا تعلمت في المدرسه؟

[يجيب] سلام على العصفور العائد من بلاد الشمس الى نافذتي في المنفى، أخبرني أيها العصفور عن حال أهلي وأجدادي. [قصيدة للشاعر الصهيوني حاييم نحمان بيالِك].

– والأغنية السابقه؟

ألغوها.

– ماذا كانت تقول الأغنية التي ألغوها؟

عليك مني السلام

يا أرض أجدادي

ففيك طاب المقام

وطاب إنشادي.

[ويضيف] لا فارق كبير بين الأغنيتين، غير الحنين القادم من بعيد والحنين الطالع من قريب، كلتا الأغنيتين تعلن الحب للأرض ذاتها، وكلتاهما تحدد مفهوم الوطن بالانتماء للأجداد، الأولى- لشاعر يهودي عاش في روسيا والثانية- لشاعر عربي عاش في فلسطين وما رأى المنفى وما سمع به، بعد قليل تغلبت الأغنية الأولى على الثانيه وصار الشاعر الثاني يغني الحنين البعيد وصار الفتيان العرب الباقون في بلادهم محرومين من التغني بقصيدة شاعرهم، وصار طريقهم الى المستقبل مرهونا بإتقان الشاعر اليهودي الذي كان يقيم في روسيا، والمعلم العربي الذي يجرؤ على تلقين أغنية حب الوطن مطرود من العمل بتهمة التحريض على دولة اسرائيل وبتهمة اللاسامية، ثم كبرنا قليلا، فعلمونا ملاحم ذلك الشاعر الصعبة، ولم نأخذ من المتنبي إلا؛ فيك الخصام وأنت الخصم والحكم”.

بكلمات أخرى: إن مشاعر الغزاة الصهاينة تجاه أرض فلسطين شبيهة بمشاعرنا نحن الفلسطينيين الذين طرَدنا الصهاينة منها. أي، وبما أن المشاعر شبيهة، يجب علينا أن نتفهمهم، الذي معناه الحلّ بالعيش المشترك بين الغازي والمغزو، أو القبول بالأمر الواقع وقبولنا دولة في خُمس فلسطين فقط (كما جاء في بيان 15 آذار 2002 في صحيفة “هآرتس”)، وكذلك عدم استفزاز مشاعرهم عندما نتحدث عن “المحرقة” كحدث تاريخي (كما رأينا في الإشارة السادسة).

الإشارة العاشرة- يضيف أحمد فكري الجزار سببا إضافيا لاستخدام درويش الرموز التوراتية بالقول: “لم يقتصر فهم درويش للتوراة كعمل أدبي، بل إنه فهم تاريخي كذلك، فاستطاع أن ينجو من الربط بين الدين اليهودي والاحتلال الصهيوني، ومن هنا كانت شرعية استخدام درويش للرمز التوراتي في تعبيره عن قضية وطنه، […] إن الرمز التوراتي موظف توظيفا جيّدا من أجل إخراج العقيدة اليهودية من أيديولوجية الاحتلال، من خلال تناقض إنسانية الدين ووحشية الاحتلال”. (كتابي المذكور، ص 46- 47). الجزّار ودرويش يتعاميان ويتغابيان أيضا؛ لذا نسألهم: من أين وكيف ولدت الصهيونية؟ لماذا لا تصدقون ادعاء اليهود القائل بأنهم يعودون إلى أرض الآباء والأجداد الذي وعد بها “يهوه” نسل أبراهيم من إسحق؟ بالمناسبة: كنت عدة مقالات تؤكد على أن الصهيونية ليست إلا الفقه المعاصر لليهودية وسأنشر قريبا كتابا عن الموضوع.

الإشارة الحادية عشر-  في الخامس عشر من شهر آذار من العام 2001 وقع درويش ومعه خمسة عشر مثقفا فلسطينيا على بيان وجهوه إلى الحكومة اللبنانية كي تمنع عقد مؤتمر (المراجعة التاريخية) الذي كان يهدف إلى مراجعة الدراسات والأبحاث التي تحوّل الكارثة التي حلّت بيهود أوروبا إلى قضية طابو مقدسة لا يمكن نقدها ومراجعتها. درويش ومن معه غدروا بقاعدة الحريّة الأساسية التي عليها يتم إنتاج وتطور ثقافة وحرية التعبير وبحث لا تحابي قوى القمع المختلفة. وبما أن غالبية الموقعين لا يزالون في دار الحقّ نريد أن نسألهم: لماذا لا تطالبوا “إسرائيل” واليهود من محو الأسفار التي تمجد إبادة أهالي أريحا؟ لماذا لا تطالبونهم بمحو الأسفار التي تدعو إلى إبادة شعوب بأكملها من التوراة وفتاوى التلمود؟ لماذا!؟ هل مشاعر المجرمين اليهود أغلى من دمنا!؟

الإشارة الثانية عشر- بعد صدور كتابي التوراتيات بسنة تقريبا أجرى عبده وازن حوارا مطولا مع درويش ونشره في كتيّب. ورد في الحوار ما يأتي:

“ما دمنا نتكلم عن الدين نلاحظ أن في شعرك أثراً توراتياً ولا سيما من “نشيد الأناشيد”، يتمثل في غنائيتك العالية في ديوان “سرير الغريبة” وسواه! ما الذي يجذبك كشاعر في النص التوراتي وكيف أثر فيك؟

        في البداية، درست في الأرض المحتلة، وكانت بعض أسفار التوراة مقررة في البرنامج باللغة العبرية، ودرستها حينذاك. لكنني لا أنظر الى التوراة نظرة دينية، أقرأها كعمل أدبي وليس دينياً ولا تاريخياً. حتى المؤرخون اليهود الجادون لا يقبلون أن تكون التوراة مرجعاً تاريخياً. أو لأقل انني انظر الى الجانب الأدبي في التوراة. وهناك ثلاثة أسفار مملوءة بالشعر، وتعبر عن خبرة إنسانية عالية وهي: سفر أيوب، سفر الجامعة الذي يطرح سؤال الموت، ونشيد الأناشيد.

والمزامير؟

        بعض المزامير، فهي أقل أدبية من الأسفار التي ذكرتها. إذاً التوراة هي كتاب أدبي بالنسبة إليّ، وفيها فصول أدبية راقية وشعرية عالية.

هل التوراة مصدر من مصادرك؟

        لا شك في أنها أحد مصادري الأدبية.

هل أعدت قراءة التوراة بالعربية؟

        أجل، قرأت ترجمات عربية عدة ومنها الحديثة. وأحب فيها بعض الركاكة. فمثل هذه الكتب يجب أن يترجم في طريقة خاصة. و”نشيد الأناشيد” يعتبره كبار الشعراء في العالم من أهم الأناشيد الرعوية في تاريخ الشعر، مع غض النظر عن مصادر هذا النشيد الفرعونية أو الآشورية” (محمود درويش كما يرى نفسه وكما يراه عبده وازن (2006).

يمكنني القول أن تنصل درويش من اعتبار التوراة كنصّ تاريخي، كما لاحظنا في العديد من الإشارات السابقة، جاء نتيجة لكشفي وإدانتي للموقف السياسي التسووي الذي اشتقه منها (حدثني الكثير من معارف درويش أنه تضايق جدا من كتابي وكان كثير الحديث عنه، وهذا باب آخر لا ندخله الآن).

وبعد؛ من يريد نماذج من توراتيات درويش يمكنه العودة إلى كتابي: التورتيات في شعر محمود درويش (من المقاومة إلى التسوية) على هذا الرابط: (ص 56- 63\ http://www.cadmusbooks.net/index3.php?page=show_book&Id=7). ومقال موسى حوامدة على هذا الرابط: ( http://www.doroob.com/?p=18527)

بعد صدور كتابي شنّ غالبية الذين تناولوا الكتاب نقدا عنيفا عليّ بحجّة هدم “رموزنا” دون أن ينتبه هؤلاء بأن التزام الكاتب والمثقف هو تجاه وطنه وأمته وليس الأفراد والرموز المختلفة. وعليه أقول: حاولت قدر الإمكان أن أفتح الصفحات الغامضة لتحوّل درويش شاعرا للتسوية والإضارة عليها لتصويب الشاعر وليس “إدانته” كما اتهمني البعض أيضا.. ويبقى هدفي الأول والأخير القول بأعلى صوتي رغم أصوات الإنتهازيين والتسوويين:

فلسطين عربيّة!

*(الكاتب باحث في مقارنة الأديان)

أكمل القراءة

تقارير مترجمة

(كارل شميدث): ما بين كفر برعم 1951 و(أدلشطاين) 2020

نشر

في

بواسطة

 

أحمد أشقر

جهاز القضاء في السياق الاستعماري يمكن القول إن أجهزة القضاء في الدول والأنظمة المختلفة تعيد إنتاج التشريعات والقوانين والتعليمات المختلفة وتشكيلها بما يتناسب مع ثقافة شعوب وأمم تلك الدول وتاريخها ومصالح أنظمتها.

في هذا السياق تصبح التشريعات والقوانين والتعليمات الموحدة في الشكل مختلفة في مفاهيمها وتطبيقاتها. تختلف حقوق الإنسان على سبيل المثال في دول الرفاه الاجتماعي وتنحو أكثر نحو الجمعي عنها في الدول الرأسمالية التي تقدس حقوق الفرد على حساب الجماعة.

وفي السياق الاستعماري، تبنى المُستعمرون الأوروبيون الديموقراطية لهم في جنوب أفريقيا على حساب سكان البلاد الأصليين. كذلك يعتبر المُستعمرون اليهود في فلسطين أن الديموقراطية وحقوق الإنسان لهم وحدهم دون غيرهم من العرب إذ يتجلى هذا في محاولاتهم المحمومة لمصادرة ثراوتهم المادية والروحية: الأرض والمياه والوعي.

يُضاف إلى النموذجين المذكورين نموذجان استثنائيان يتعلقان بقضية العرق في السياسة والتشريع. الأول- النموذج الألماني النازي الذي جنح إلى نظرية العرق التي باتت نتائجها معروفة (…)، والثاني- “إسرائيل” التي تعتبر اليهود “شعب الله المختار” والعرب هم ال (goyem) ولا حقوق لهم في هذه البلاد، فتنكر لهم  وطنهم.

لهذا السبب رحبت بعض النخب اليهودية بصعود النازية للسلطة وقد وضع الرابي (Prinz) كتابه (wir Juden) سنة 1934 مع صعود النازية مباشرة. وما قانون القوميّة إلا تعبيراً لهذا النموذج. ومن لا يدرك معاني وتداعيات “شعب الله المختار”- مقابل الـ(goyem) التي أصبحت مغناة صاخبة في فترة سلطة (نتنياهو) فهو عاجزٌ عن الفهم والإدراك. محكمة العدل العليا وشرعنة جرائم الاحتلال كنت قد كتبت وصرحت أكثر من مرّة أن مهام جهاز القضاء في إسرائيل هو إعادة  إنتاج ذلك الجهاز ضمن سياقه الاستعماري، أي بناء جهاز قضائي يعمل على شرعنة تشريعات وقوانين (الكنيست) التي يتم اقتراح 80% من قوانينها من قبل الحكومة.

أي أنها تعمل لإضفاء الشرعية على ممارسات الاستعمار اليهودي في فلسطين الانتدابيّة. والجدير بالذكر  أن محكمة العدل العليا تضطلع بمهام المحكمة الدستورية، ومن يراجع ملفات قراراتها قلما يجد إنصافاً لعربي في قضايا مصادرة الأراضي وهدم المنازل والنضال الوطني (الوعي). فهي التي أضفت الشرعية على مصادرة الأراضي وهدم المنازل وبناء الجدار وتعذيب المناضلين والنشطاء السياسيين أثناء التحقيق، وشكّلت مصيدة العسل للعرب الذين اعتقدوا أنها ستكون ملاذاً آمناً أو شبه آمن للعرب من قمع الأنظمة العربية وتعسفها. والذين يعون دورها في إنتاج النظام الاستعماري لم ينتظروا سماع النتيجة التي توصل إليها الدكتور حسن جبارين، القائم على مشروع (عدالة) منذ أكثر من ثلاثة عقود، والذي اتبع نهج ومنهج التوجه إليها في كل قضيّة تخصّ الجماعة العربية في فلسطين، يقول جبارين: “[إن] توجه المحكمة العليا مؤشر خطير على مستقبل تمثيلنا السياسي”، فالعمل السياسي هو حاصل نشاطات عرب فلسطين في كل المجالات.

جاء تصريح جبارين بهذه النتيجة في سياق حديث مطوّل مع الصحفي السيد سليمان أبو ارشيد ونُشر في موقع عرب 48 بتاريخ 15. 3. 2020. ويمكن القول إنها مصيدة العسل التي أشرت إليها في السابق والتي لا تقل مأساوية عن قصة أحد زعماء سكان أمريكا الأصليين الذي قاوم الغزاة الأمريكان، إلا أنه بعد أن اعتقلوا نجله تقلصت مطالبه بأن يحاكَم بعدالة وفقاً لقوانين الغزاة أنفسهم! ويشكلّ الحديث مع د. جبارين فاتحة لنقاش نقديّ حاد عن تداعيات استمرار التقاضي أمام المحكمة العليا في المسائل التي تخصّ الشعب الفلسطيني، وليس الجماعة الفلسطينية، بأعين أكثر المُتنورين في جهاز القضاء الإسرائيلي. كفر برعم وإقرث والغابسيّة و(أدلشطاين) عندما احتلت العصابات الصهيونية قريتي إقرث وكفر برعم في تشرين الأول 1948 “أخرج” أهاليهما منهما واعدين إياهم بالسماح لهم بالعودة بعد أيام.

لكن بعد سنتين من مطالبات الأهالي بالعودة ورفض الجيش عودتهم توجهوا إلى محكمة العدل العليا التي أصدرت قراراها في الحادي والعشرين من تموز 1951 بعدم ممانعتها عودة الأهالي إلى قريتهما. وفي الثلاثين من شهر كانون الثاني في نفس السنة أصدرت المحكمة ذاتها قرارها بإعادة أهالي الغابسية إليها.

إلا أن الجيش وبعد سبعين سنة لا يزال يرفض عودة اللاجئين بحجة “الأمن”. ومنذ ذاك الحين تمارس محكمة العدل العليا الدور المنوط بها بإعادة إنتاج الجهازين والمنظومة القضائية والحقوقية للكيان على حساب العرب. يقضي القانون الإسرائيلي بضرورة انتخاب رئيس للكنيست في أول جلسة تعقدها بعد الانتخابات مباشرة، وقد تم تطبيق هذا القانون بحذافيره على مدار 22 دورة كنيست. لكن عندما تيقنت الكتلة التي يتزعمها نتنياهو بوجود أغلبية 61 لعزل رئيس الكنيست الـ23، (يوري أدلشطاين)، وانتخاب رئيس آخر بدلاً منه حرّضته على عدم احترام ما ينصّ عليه القانون وتمترس (أدلشطاين) في موقعه. توجه تجمع الكُتل الذي يضم 61 عضواً برئاسة غانتس إلى محكمة العدل العليا، بعدها ليطلب منها أن تُلزم (أدلشطاين) بعقد جلسة لانتخاب رئيس جديد للكنيست.

لكن الذي يقف على رأس برلمان “الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” رفض الامتثال لقرار المحكمة مُعتقداً أنه لا يزال يعيش أجواء سجنه في الاتحاد السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي وأن الصهيونية العالميّة ستعفيه من تطبيق قرار المحكمة، لكنه عندما أيقن أن عدم الامتثال لقرارها سيدخله في ورطة استقال قبل الامتثال لقرار المحكمة، عازياً ذلك لأسباب ضميرية! وبذلك أدخل مجمل الجهاز القضائي الإسرائيلي في ورطة سنأتي على تداعياتها لاحقاً. مما تقدم يمكننا الإمساك بجنزير- وليس بخيط- عدم احترام قرارات المحكمة العليا من طرفيه: الأول- رفض السلطة التنفيذية (حكومة الكيان) تطبيق قرار المحكمة بإعادة لاجئي كفر برعم وإقرث والغابسية إلى قراهم؛ والثاني- رفض رئيس المجلس التشريعي (الكنيست) تطبيق قرار المحكمة ذاتها بالسماح للكنيست انتخاب رئيس جديد لها.

ما بين القرارين سبعون سنة من قرارات محكمة العدل العليا (والجهاز القضائي) في الكيان كلّها على حساب العرب، والشيء الجديد في رفض (أدلشطاين) هو “خلخلة أسس الديموقراطية” كما وصفها البروفسور (دانييل فريدمان) الذي تم تعيينه وزيراً للقضاء (2007-2009) من قبل السجين السابق بقضية فساد، الذي كان ذات مرة رئيساً للحكومة، إيهود أولمرت، كي يعمل على “إضعاف” دور المحكمة العليا ومكانتها في قضايا الاستئناف ومراجعة القوانين المسنونة. كتب فريدمان مقالاً في (24.3.2020 ynet)، قال فيه إن “تدخل محكمة العدل العليا هذه المرة شرعي وضروري” لكنه عاد إلى نقده لها في قضايا كثيرة، وقد كرر مضمون المقال ذاته في مقابلاته التلفزيونية والإذاعية.

ومن تداعيات رفض (أدلشطاين) الامتثال لقرار المحكمة هو محاولة الجنائيين الكبار- أمثال (نتنياهو) والصغار ممن يتأخرون عن تسديد الفواتير- تحويل هذه السابقة إلى ثغرة في القانون ومن ثم إلى طريق لعدم تطبيق أحكام المحاكم المختلفة.  وصف الكاتب الصحفي (أوري مسجاف) أن ما حدث هو “انقلاب” (هآرتس، 25. 3. 2020). والبعض وصفها “بالفاشيّة” لأن تراث الانقلابات في التاريخ الحديث هو في الغالب من فعل القوى الفاشيّة التي تفشل بالاستمرار في فرض سلطتها بواسطة الديموقراطية.

(كارل شميدث): اليهود أعداءٌ الـ(goyem/ العرب) بحث العديد من فقهاء علوم الدولة في أسباب قصور الديمقراطية الإسرائيلية عن “مثيلاتها” الديمقراطيات الغربية وكأنها من سلالة واستحقاقات الدولة القومية (أتفق معهم في المستوى الإجرائي بهذا الطرح)، ليتوصلوا إلى نتيجة هي أن اليهود الذين أنشؤوا الدولة جاؤوا من دول أوروبا الشرقية التي لم تكن ديمقراطية بالمعايير الأوروبية الغربيّة (…). وعندما تطورت الدراسات القومية، وبما أن الصهيونية هي القومية اليهودية بنظرهم قالوا إن منظريها تأثروا بنظريات القومية في أوروبا الشرقية وألمانيا (…). وحتى الآن بقي تفكير النخب اليهودية في برّ الأمان، أي بعيداً عنهم كمجتمع استعماري ويهود ثقافتهم مُشبعة بثنائية: “شعب الله المختار”- والـ(goyem).

منذ أن عاد (نتنياهو) لرئاسة الحكومة قبل أكثر من عشر سنوات، اتخذ لنفسه منهجاً يُخلخل فيه الأسس الديمقراطية التي لا تنسجم مع معايير الديمقراطيات الأوروبية، كما تشهد النخب الإسرائيلية عليها. وتراوحت تفسيراتها بين السطحي العاجز القائل بمحاولة (نتنياهو) التهرّب من تحقيق الشرطة وقرار المستشار القضائي تقديمه للمحاكة الذي تتبنّاه النخب العربيّة؛ وبين تفسير أكثر وجاهة يُعزي ذلك كون إسرائيل قوة محتلة منذ سنة 1967 (لا يتحدثون عن احتلال سنة 1948).

يمكن القول إن كلا التفسيريّْن لا يفسران أبداً هذه الظاهرة. لذا سأنطلق بتفسيري من نظرية “السيادة الشعبية” التي طرحها أحد منظري الرايخ الثالث، (كارل شميدث/ 1889- 1985). انتسب (شميدث) في شبابه إلى الحزب النازي وأصبح أحد منظريه السياسيين. وعندما كان أستاذاً جامعيّاً أسهم مع زميله (هايدجر/ 1889- 1976) بإبعاد عدد كبير من الأساتذة اليهود من الجامعات الألمانية. وبعد هزيمة ألمانيا سنة 1945 اعتقل لمدة سنة واحدة ورغم التحقيق مع النازيين في (نيرنبرج) إلا أنه لم يقدم للمحاكمة.

بعدها استمر في الكتابة والتنظير ولم يتنازل عن نظرية “السيادة الشعبية” التي تنطلق من القول بوجود تناقض لا يمكن حلّه بين الليبرالية التي انتقدها بعنف، والديمقراطية بمؤسساتها المختلفة إلا “السيادة الشعبية”، المبدأ الذي يحتوي نسقاً مستقلاً عن النسق الليبرالي ومضاداً له، منطلقاً من الديمقراطية التي جوهرها “السيادة الشعبية” التي يجب أن تتجسد في قائد شعبي ديمقراطي يمثل المجتمع في وحدته وتجانسه، ويُحدث توافقاً شعبيّاً، ويمكنه اتخاذ الإجراءات الحاسمة لحماية الدولة والأمة، واصلاح الدمار الذي أحدثته الليبرالية، والأهم هو أن يُقيم الحدود الفاصلة بين الأمة- الدولة والعدو، لأن وجود العدو ضروري لتماسك الأمة والدولة، وليس كالليبرالية التي تشبه الشركة المُساهمة. هذا ما أورده في كتابه (Legality and Legitimacy). يجب التشديد في هذا السياق على وجود العدوّ لأنه ضروري لفهم طرحنا هذا.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما علاقة هذا بالسياسة التي ينتهجها (نتنياهو) ومؤيدوه في مفاصل إدارة الدولة؟ منذ وصول (نتنياهو) إلى سدّة الحكم في إسرائيل بصورة ديموقراطية وفقاً للمبادئ والمحددات التي أفرزها مجتمع المستعمرين اليهود في فلسطين، وهو يواصل عرض نفسه كقائد شعبي يسعى إلى ترميم الدمار الذي ألحقه من سبقوه في السلطة ولا فرق بين حكومات (المعراخ) التي استمرت حتى سنة 1979 أو الحكومات التي تلتها (ليكودية) أو حكومات وحدة وطنية. لهذا الغرض اخترع إيران عدواً يُضاف إلى العرب (…). من أجل هذا بدأ الهجوم على مؤسسات الدولة كأجهزة القضاء والشرطة والإعلام متهماً إياها بمنعه من آداء مهامه كما يريد، وبأنها تحابي خصومه في الساحة السياسية.

فأنتج لهذه المهام سياسيين وخبراء وإعلاميين متوسطي الكفاءة يجيدون الثرثرة وتكرار “دعوا الشعب يقرر” تحديداً عندما كانت الشرطة تحقق معه في ملفات فساده الكثيرة وبعد أن قرر المستشار القضائي للحكومة تقديمه للمحاكمة. فـ”دعوا الشعب يقرر” معناه إلغاء كل المؤسسات التشريعية والتنفيذية وأجهزتها المختلفة وهو هدم لأسس الديموقراطية التي قام عليها الكيان. هذه الممارسات هي التعبير الأمين عن رفض (شميدث) للنظام الليبرالي- الديموقراطي، وتجسيد فكرة “السيادة الشعبيّة”.

للاطلاع على دراسة حول جماعة متوسطي الكفاءة، يمكن العودة إلى كتاب نظام التفاهة لـ(ألان دونو) الذي يشرح نشوء هذه الجماعات وخطورتها على المجتمعات. من يقرأ نهج (نتنياهو) وممارساته والنظام الذي يعمل على إقامته سيصل إلى نتيجة مفادها أنه تبنى نظرية (كارل شميدث) كاملة. وأن العدو هو الآخر من تنظير (شميدث) واختراعه. إلا أن البحث في ملفات العقيدة والشريعة اليهودية التي عادة ما يُهملها فقهاء علوم إدارة الدولة يكشف لنا أن العدو عند (شميدث) هو الـgoy)) عند اليهودية والملازم لها بصورة جوهرانية، ولا يُمكن تخيّل وجودها بدونه.

من هنا يمكن الاعتقاد- ليس الجزم- أن (شميدث) كان متأثراً بمبدأ الـ(goy). لكن يمكن الجزم أن ضرورة وجود “عدو” للأمة والدولة تعود جذورها إلى اليهودية فقط. سيردّ البعض بأن جميع الأمم والشعوب كان لها أعداء، إذن لماذا التركيز على اليهودية فقط؟- لأن اليهودية هي العقيدة/ الفكر الوحيد الذي اعتبر كل من يوجد خارج دائرتها هو (goy). ولا مثيل لهذا في عقائد الأديان وثقافات الشعوب والأمم والجماعات المختلفة.

ومن هنا نفهم أن عداء نهج (نتنياهو) ومن معه للعرب في فلسطين وخارجها مبدأ لا يمكن تجاوزه إلا إذا تحوّل اليهودي إلى لايهودي يقرأ التناخ بصفته تراث وأساطير الشعوب التي عاش اليهود بين ظهرانيها، وأن نشيد الأنشاد ليس إلا أغاني إيروتيكية عند البدو. هذا المبدأ هو الذي يدفع (نتنياهو) وسائر السياسيين اليهود إلى احتقار العرب وما “الزُعبيز” و”أبو دربكّة” و”الدابّة” وأشباههم إلا كائنات وضيعة جداً في هذه السلالة.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهر واحد

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهر واحد

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهر واحد

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

مقالاتمنذ شهرين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ شهرين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ شهرين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ شهرين

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

الأكثر تفاعلا