تواصل معنا

تقدير موقف

تقدير موقف: الجولة الأخيرة.. “أقل من حرب وأكثر من مواجهة”

نشر

في

اعداد/ ياسر مناع – مركز القدس لدراسات الشأن الاسرائيلي والفلسطيني

 

مقدمة

أثارت جولة “الساعات الخمسة” التي دار رحاها في قطاع غزة، في اعقاب سقوط صاروخ اطلق من قطاع على منزل في منطقة “هشارون” شمال تل الربيع المحتلة، موجة جديدة من الأسئلة حول نهاية هي الحالة من المد والجزر بين فصائل المقاومة من جهة والاحتلال من جهة أخرى، ذلك كله في ظل دارية الأولى بطبيعة القيادة والمجتمع في “اسرائيل”، والتي على اساسها ترسم خطواتها التالية.

حيثيات الجولة الأخيرة

جاءت هذه الجولة في ظروف أكثر تعقيداً من سابقاتها، فالحالة الغيرمسبوقة في السجون، واشتداد مصلحة السجون حربها ضد الاسرى، والتي ترى بهم الدعاية الأسهل في الانتخابات القادمة،  بالتزامن مع تفاقم الأزمة الانسانية في القطاع وما يتلوها من آثار انسانية تلقي بظلالها على المواطن الغزي، ذلك في ظل فجوة الانقسام الداخلي الآخذة بالازدياد، وحالة التراشق الاعلامي في اعقاب الحراك الذي شهده قطاع غزة.

جاءت هذه الجولة وسط جهود مصرية تسعى لإرساء تهدئة هشة، ولاسيما بعد التسريبات التي نشرتها صحيفة “اسرائيل اليوم” العبرية حول المقترح المصري الذي يرمي الى رفع الحصار تدريجاً وعلى ثلاثة مراحل مقابل أن تقوم المقاومة بتسلم السلاح الثقيل الذي بحوزتها.

أضف الى ذلك كله، اقتراب الانتخابات الاسرائيلية، والتي بدورها تلعب عاملاً هاماً في منع نشوب أي مواجهة عسكرية، قد تؤثر على رئيس حكومة الاحتلال سلباً، وتفقده الكثير من الأصوات في صناديق الاقتراع.

تغيير قوانين اللعبة

من الواضح ان اخيار “هشارون” لم يكن عبثاً، فلوتتبعنا خارطة فلسطين المحتلة، لوجدنا أن “هشارن” تلي “غوش دان” المنطقة التي سقطت بها الصواريخ قبل اقل من اسبوع، وبالتالي فإن الرسائل في هذه الاحداث واضح لاتحتاج الى تاويل او تفسير، أضف الى ان هذه الجولات سحبت من يد “اسرائيل” التحكم في مجريات الأحداث و بداياتها ونهاياتها.

 

الحرب النفسية من اداوت الجولة

لجأ الاحتلال منذ بداية الحادثة، الى استخدام سياسة التهويل الاعلامي، وذلك عبر الوكالات الاخبارية العبرية والمحلليين السياسين، مع العلم ان ذلك يخضع لرقابة عسكرية مدروسة وموجهه، لسكان غزة على وجه الخصوص، مضافاً الى ذلك البعد الزماني بين حادثة قصف “هشارون” و بداية شن الغارات على القطاع، وتمثل ذلك في:

  1. التروج لامكانية شن عملية عسكرية في قطاع غزة.
  2. نشر اخبار حول تعزيز الجيش لوحداته العاملة في غزة، واستدعاء عدد محدود من جيش الاحتياط.
  3. إظهار صور معينة ومحدد حول قيام الجيش باغلاقات والانتشار في غلاف غزة.

 

افلاس بنك الاهداف لدى جيش الاحتلال

قرابة 12 ساعة كانت المدة الزمنية بين قصف “هشارون” و الاعلان عن بداية الهجوم الجوي على القطاع، وذلك يدلل على افلاس بنك الاهداف التي تتمتلكه المؤسسة العسكرية، والناظر في سير القصف يرى بان الاستهداف لم يتجاوز المألوف عدا استهداف مكتب رئيس المكتب السياسي لحماس اسماعيل هنية، والذي لم يبتغي فيه نتنياهو سوى الانجازالاعلامي الذي يسوقه للناخب المقبل بعد اسبوعين على الاقتراع.

 

التصريحات المقتضبة

لوحظ خلال هذه الجولة بأن تصريحات الفصائل الفلسطينية كانت مقتضبة جداً، بل وحتى كانت عبر غرفة العمليات المشتركة فقط، مما أضفى صعوبة على المتابع والمحلل للأحداث في التنبؤ بمستقبلها، مما شكل صعوبة ايضاً على “اسرائيل” في رسم مجريات الأحداث القادمة، وبات عنصرالمفاجأة هوالأبرز، كما في الحدث الأبرز قصف “هشارون”.

التهدئة الهشة

منذ بداية الوساطات المصرية والأممية، كانت التوقعات تشير الى نجاحها، ولاسيما في ظل عدم الرغبة الواضحة لجميع الأطراف في خوض اي مواجهة جديدة، لكن الملفت للنظر كان الصمت الاسرائيلي حول الاتفاق الذي جاء بعد ساعات من بداية القصف، بالاضافة الى حالة التخبط التي برزت في الاعلام العبري، لكن تصريحات بعض الساسة في “اسرائيل” اشارت الى وجود اتفاق مخجل بالنسبه لهم، مما دفع نتنياهو الى الغاء فكرة تقصير زيارته الى واشنطن كما اعلن في وقت سابق، أما فيما يتعلق بالفصائل فكانت على موقف واضح وموحد والتي عبرت عن التزامها بالتهدئة مادام التزمت “اسرئيل” بها.

 

الخلاصة

يمكن لنا أن نصف ما جرى بأنه أقل من حرب وأكثرمن مواجهة عادية، قد نرى اثارها مستقبلاً، وان التحرك العسكري ضد قطاع غزة مرتبط بعملية انهاك حماس داخلياً، وذلك على الارجح بعد طرح صفقة القرن التي لا مكان لحماس فيها.

وأن ما يجري هو ترجمة عملية لما صرح به يعلون  في ايلول من عام 2000 بان “اسرائيل” تسير في الجزء المكمل لحرب الاستقلال التي لم تنتهي.

من خلال المؤشرات الراهنة، فإن “اسرائيل” لن تصبر طويلاً على حالة الاستنزاف مع القطاع، لكنها تنتظر انقضاء الانتخابات وتشكيل الحكومة، وبذلك تكون مستعدة نوعاً ما لخوض غمار مواجهة غير مسبوقة باهظة الثمن مع غزة.

اعتتقد بأن المفاوضات حول غزة ما زالت جارية على قدم وساق، والاحتلال يسعى جاهداً لربطها بيوم 30/3 يوم الارض ومرور عام على مسيرات العودة، كي يضمن الهدوء النسبي على الحدود، الامر الذي ترفضه حماس.

احتمالية التصعيد ما زالت قائمة، ومظاهره لا زالت موجودة عودة نتنياهو من زيارته للولايات المتحدة، تعطيل الدارسة في الجنوب، اغلاق شاطئ عسقلان

 

 

 

 

 

 

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تقدير موقف

المظاهرات ضد نتنياهو، إلى أين؟

نشر

في

بواسطة

 

 

عماد أبو عواد\ مركز القدس

  • المظاهرات تقود الكيان إلى المزيد من الفجوات، والشرخ السياسي والمجتمعي في أوجه.
  • انتخابات قريبة على الأبواب نهاية العام أو ربيع العام المقبل، تحت ذريعة عدم الاتفاق على الميزانية.
  • نفتالي بنت، النجم القادم في منافسة نتنياهو داخل اليمين التقليدي.

مقدمة

منذ نحو شهر ومع بداية الموجة الثانية من جائحة كورونا، بدأت المتظاهرات في “إسرائيل” تتصاعد احتجاجاً على سياسة الحكومة “الإسرائيلية” في مواجهة الأزمة، وتحديداً من الناحية الاقتصادية، في ظل وجود قرابة مليون عاطل عن العمل، سواءً بشكل مؤقت أو جزء منهم بشكل دائم، على خلفية إغلاق بعض المصالح التجارية.

المظاهرات بدأت برفع شعارات إصلاحية اقتصادية، وتركزت مع بداياتها بضرورة فتح المصالح التجارية، ومن ثم تحولت وبشكل متسارع إلى كتلة رافضة ومحتجة ضد رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الأمر الذي أعطاها المزيد من التوّهج، وزاد من وتيرة تسارع أعداد المشاركين فيها، خاصة من المحسوبين على اليسار والمركز “الإسرائيلي”.

 

لماذا تصاعدت المُظاهرات

المظاهرات جاءت في بداياتها على خلفية اقتصادية، وبسبب شعور شريحة كبيرة من “الإسرائيليين” أنّ أوضاعهم الاقتصادية في خطر، حيث وفق معهد دراسات الدمقراطية الإسرائيلي، فقد أشار 60% من الجمهور “الإسرائيلي” عن تخوفهم على مستقبلهم الاقتصادي[1]، ولم تكن الشريحة التي ترى في اداء الحكومة سبباً في ذلك، حيث كانت نسبة الرضى عن أداء الحكومة تقترب من 61%[2].

نسبة الخوف مع نسبة الرضى عن أداء الحكومة، بدأتا بالارتفاع والنزول عكسياً، حيث مع ارتفاع الأولى كانت الثانية تتسارع هبوطاً، هُنا ازداد توّهج المظاهرات، خاصة مع الأخبار التي بدأت تتسرب عن احتمالية انهيار الحكومة، التي قد تتفكك على خلفية عدم الاتفاق على الميزانية، الأمر الذي أعطى المعارضة “الإسرائيلية” فرصة للتسريع من دعايتها الانتخابية.

زعيم المعارضة يائير لبيد، هو وآخرون من أقطابها، بدأوا بالعمل المتسارع من أجل تشجيع المتظاهرين، وإن كانوا في البداية حريصون على عدم تسيسها، وحالوا الاختفاء عن الأنظار مع بداية الاحتجاجات، لكنّ ذلك لم يدم طويلاً، حيث عبّر لبيد ذاته عن وقوفه مع المتظاهرين، وأكدّ أنّ أنصار وأعضاء حزبه جزء أساس من مكونات الجماهير المحتشدة[3].

عدم قدرة لبيد وآخرون من القيادات السياسية المُعارضة التنحي جانباً وترك المظاهرات تسير بعفويتها، أعطى الاحتجاجات صبغة غير التي بدأت بها، حيث لم تعد ذات نكهة اقتصادية، بل توسعت لتُصبغ سياسياً، حيث أنّ المشاركين باتوا يُحسبون على تيار المعارضة، من المركز واليسار، الأمر الذي بدا واضحاً كذلك من خلال التغطية الإعلامية، ما بين اعلام يميني يرفضها، ووسائل اعلام أخرى محسوبة على الطرف الآخر تُمجدها وتدعمها.

مع تسييس المظاهرات تحت عنوان “نتنياهو إلى البيت”، بدا واضحاً أنّها ستأخذ زخماً متزايداً، حيث من المعلوم ورغم شعبية نتنياهو في أوساط اليمين، لكنّه الشخصية الأكثر كراهية في أوساط غير اليمين، وقد كانت الانتخابات الثلاث الأخيرة في محاولات متكررة للخلاص منه، وقد تجلى ذلك بوضوح مع دعم الحزب المنافس له، حتى من تيارات يسارية، الأمر الذي لم يتحقق، وربما هناك من يجد في هذه المظاهرات فرصة لبداية الخلاص.

تأثير المظاهرات على الساحة السياسية

تعمّق المظاهرات الجارية في كيان الاحتلال، المأزق الداخلي سواءً من زاويته السياسية أو الاجتماعية، والتي ستنعكس بطبيعة الحال على الساحة السياسية تحديداً، من حيث زيادة الانقسام الحاصل ما بين تيارين، تيار يريد نتنياهو تحت أي ظرف، وتيار لا يريد نتنياهو ويعمل لذلك بكل قوة.

سياسياً تُرى هذه المظاهرات على أنّها مسيسة، حتى أنّ الشارع الإسرائيلي انقسم حول نسبة تحمل نتنياهو للفشل في إدارة ملف كورونا، ما بين يمين مُشارك في الائتلاف الحكومي يُعطيه نسبة جيدة، ومعارضة تُعطيه النسبة الأسوأ، الأمر الذي بات يؤكد تباعد الأطراف ائتلافاً ومعارضةً حتى في الاجماع على قضايا مُجمعٍ عليها.

ويُمكن اجمال الانعكاسات للمُظاهرات الجارية حالياً في نقاطٍ أهمها:

  1. ازدياد الهوّة المجتمعية ما بين تيار نتنياهو وتيار “لا لنتنياهو”، الأمر الذي سيقود إلى احتدام الصراع على الأرض، بما يشمل مظاهر الفوضى والاشتباك بالأيدي.
  2. ظهور صور التطرف بشكل موّسع، بحيث ستتركز على المساس بقيم الآخر، بمعنى رفض الثقافة الكلية للتيار المنافس، وهذا بات واضحاً بما تشتمله المظاهرات من رفع شعارات، وسلوكيات هدفها تثبيت رؤية ورفض الأخرى، مثل التعري في مظاهرات اليسار والمساس بالدين، مقابل رفع الطرف الآخر شعارات دينية وأيدولوجية.
  3. زيادة الشلل الحكومة في ظل وجود تيارين غير متناغمين بالأصل، وفي ظل المظاهرات الجارية بات التنافر يسود بشكل أكبر.
  4. زيادة فقدان الثقة المجتمعية في المؤسسات بشكل عام، والحكومة والكنيست بشكل خاص، في ظل إدارة الأزمة بما يتناسب مع رؤية ضيقة لرئيس وزراء الاحتلال، الذي يواجه محاكمات في قضايا فساد متنوعة.

 

 

سيناريوهات متوقعة

أمام تصاعد المظاهرات في الساحة السياسية “الإسرائيلية”، وفي ظل مساعي نتنياهو للتخلص من الاتفاق مع بيني جانتس وحرمانه من أن يكون رئيسا للوزراء بالتناوب، فإنّنا أمام سيناريوهات أربعة:

  1. وهو المرجح، تفكيك الحكومة “الإسرائيلية” والذهاب إلى انتخابات جديدة، حيث من الواضح أنّ نتنياهو يُعطل الميزانية واقرارها من أجل الذهاب إلى الانتخابات، حيث وفق الاتفاق الائتلافي، كان من المفترض أن يتم اقرار ميزانية لعامين، من أجل أن يدخل جانتس رئاسة الوزراء في ظل وجود ميزانية، لكن نتنياهو يُعطل ذلك، ويريدها لعام واحد، ويبدو أنّ ذلك ينبع من نيته عدم إقرارها للعام القادم، والذهاب إلى انتخابات في ظل كونه رئيس الوزراء الانتقالي.

من هُنا، إمّا أن تُقرّ الميزانية لعام واحد، وبالتالي تأخير الانتخابات لربيع العام القادم، وإمّا ألا تُقرّ مطلقاً وتكون الانتخابات مع نهاية هذا العام.

  1. انسحاب أزرق أبيض من الحكومة، وقدرة نتنياهو على ابقاءها من خلال ضم حزب يمينا، وعضوي كنيست آخرين من أزرق أبيض، أو حزب “طريق البلاد”، والذي يضم عضوي الكنيست المتطرفين، هاوزر وهندل.
  2. استمرار الحكومة الحالية، لكن أن يتنازل جانتس عن رئاسة الوزراء بالتناوب، الأمر الذي سيدفع نتنياهو للحفاظ على الحكومة.
  3. استمرار الحكومة وفق الاتفاق الائتلافي الموقع، لكن هذا السيناريو لا يحظى على نسبة كبيرة، وتكاد أسهمه تكون معدومة.

الراجح أنّ الانتخابات على الأبواب، لكنّ الأزمة السياسية مستمرة، والقدرة على تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات القادمة، سيكون ربما بنفس درجة الصعوبة على نتنياهو، الذي قد يجد نفسه في صراع داخلي في تكتل اليمين التقليدي، مع بروز شخصية نفتالي بنت، الذي أُرجح بأنّ دولة الاحتلال ستسيده رئيساً للوزراء ما بعد حقبة بنيامين نتنياهو، والتي لم تقترب من نهايتها.

 

 

[1]  تمار هيرمان واور عنبي. (2020). مع ارتفاع اعداد المرضى، 60% متخوفون على مستقبلهم الاقتصادي. مركز الدمقراطية الإسرائيلي. https://www.idi.org.il/articles/31957

[2]  نفس المرجع السابق.

[3]  أخبار 0404. (29.07.2020)، لبيد أنا اشجع الظاهرات. https://www.0404.co.il/?p=629244

أكمل القراءة

تقدير موقف

معادلة الردع المتغيرة، حدث الشمال نموذجاً.

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عواد

استطاع الكيان حتى العام 1973 تثبيت معادلة تفوق ردعي كبير لصالحه، بل يُمكن الجزم بأنّ الردع كان من طرفٍ واحد، إلى أن دخلت مصر حرب أكتوبر 1973، واستطاعت في بداية المعركة توجيه ضربات قاسية للاحتلال، قبل أن تكون النتائج السياسية ليس كما أرادها المصريون حينها.

معادلة الردع التي رسختها “إسرائيل” من خلال تثبيت مفهوم بأنّها الدولة التي لا تُهزم، وأنّ دخولها للمعركة يعني الوصول إلى حسم النتيجة لصالحها، لم تعد صالحة تحديداً في العقدين الأخيرين، مع ازدياد شوكة المقاومة قوّة، ومع اتضاح خفايا مكامن الضعف في الكيان، والتي تزداد وضوحاً وترسخاً بمرور الوقت.

حدث أمس في السمال، سواءً كان كما قالت “إسرائيل” أو لم يكن كما أشار حزب الله، فإنّ المعادلة الأهم هُنا هي قدرة الحزب على تثبيت معادلة مهمّة، أنّ “إسرائيل” الدولة الأولى تكنولوجياً في المنطقة، والتي انتصرت على دول عربية مجتمعة، باتت ترى بأنّ الخطر يأتي في سياق مواجهة تنظيمات ليست على شكل دولة، لكنّها أكثر كفاءة في إدارة المعركة.

بالعودة إلى أيام قليلة من اليوم، حاولت “إسرائيل” لملمة موضوع اغتيال القيادي في الحزب، وأين في الساحة السورية!، كان من الممكن “لإسرائيل” أن تقول بأنّ الساحة السورية مباحة لها، وهذا الواقع ضمنا في سياق سلوك الاحتلال هناك، وبأنّ استهدافها لمن يُشكلون خطراً عليها وفق رؤيتها، لكن أنّ ترسل برسائل بأنّ ذلك حدث بالخطأ، فهذا يعني أنّ مساحة الردع تتسع والمعادلة تتغير في غير صالح الاحتلال.

حيث أنّ محاولة “إسرائيل” التنصل ممّا قامت به يأتي في سياق مهم، بأنّ هذه الدولة لم تعد تحتمل وجود أيام قليلة من الحرب أو التصعيد الطويل، وهُنا جوهر عملية الردع. حيث أدركت المقاومة سواءً الفلسطينية أو اللبنانية، أنّ نقاط ضعف الكيان تكمن في عدم قدرته على تحمّل الاستنزاف، رغم الايمان المُطلق بأنّ القوّة المفرطة التي لديه من ناحية العتاد والتكنولوجيا، ربما تُمكنه من تدمير لبان كلّ لبنان في أيام، وغزة في أقل من ذلك، لكن السؤال، هل يحتمل أن تتلقى جبهته أياماً من القصف، ومقاومة تخترق ساحاته الداخلية؟.

هذا التساؤل يأخذ حيّزاً واسعاً من النقاش الداخلي، ففي ظل استطلاعات الرأي التي تُشير إلى عدم جاهزية الجبهة الداخلية للحروب[1]، وفي ظل تراجع الحافزية للتجنيد في الوحدات القتالية[2]، جاءت رؤية رئيس هيئة الأركان في دولة الاحتلال، والتي تقضي بضرورة أن تكون أي مواجهة حربية قصيرة جداً، وأن تؤخر “إسرائيل” الحرب إلى الحد الممكن، بمعنى أن تُجنب نفسها الحروب، وإن كانت فلا بدّ أن تكون قصيرة.

هُنا يتضح عُمق الردع المتبادل بين المقاومة و”إسرائيل”، حيث أنّ طبيعة المعادلة ليست مرتبطة بحجم الضرر الذي يُمكن الحاقه، بل بطول النفس الذي يتمتع به كلّ طرف، والقدرة على استخدام التكتيك بدرجة كبيرة، لتثبيت معادلات جديدةٍ في الصراع والمواجهة.

ويُمكن اجمال التغييرات التي طرأت على مفهوم الردع في نقاط محددة:

  1. لم تستطع “إسرائيل” منع وجود تهديدات أمنية، ولم تستطع اقناع العرب بأنّها دولة لا تُهزم، ربما نجحت على مستوى الأنظمة، لكنّها فشلت على مستوى تنظيمات المقاومة.
  2. الرغبة الحربية في تراجع مستمر لدى دولة الاحتلال، يُقابلها تصاعد كبير في هذه الروح لدى المُقاومة الفلسطينية واللبنانية.
  3. القدرة التدميرية لم تعد هي معيار تثبيت معادلات للردع، بل باتت قدرة الاحتمال لدى الجبهات الداخلية، وهُنا وفق الاستطلاعات النسبة متدنية جدّاً لدى الجمهور الصهيوني.
  4. إقرار “إسرائيل” بأنّ الردع بات مُتبادلاً، أدخل الصراع العربي-الصهيوني في سياق جديد، صاحب النفس الأطول، هو الأكثر قُدرة على تحقيق حسم النتيجة لصالحه في النهاية.
  5. أدخلت “إسرائيل” مؤخراً إلى نظريتها الأمنية بند الدفاع كبند رابع، بعد فشل النظرية القديمة، التي تم بناؤها على الردع، التحذير والحسم.
  6. حالة الرعب والخوف المستمرة، والتي باتت تستمر لأشهر طويلة من كلّ عام في الكيان، في ظل التوتر شبه الدائم مع قطاع غزة، ووجود توتر ما بين الفينة والأخرى على الجبهة الشمالية، تؤكد حضور الردع للمقاومة بشكل كبير.
  7. تأكيد “إسرائيل” من خلال قياداتها الأمنية والسياسية، وميل الجمهور الصهيوني إلى عدم ضرورة الحرب البرية، يؤكد انخفاض روح التضحية، حيث دون البرّ لا حسم للمعارك، واستبعاده من المعادلة، يعني إقرار “إسرائيلي” ضمني بأنّ حسم الحروب بات من الماضي.

تغيّر معادلات الردع بات يصب في صالح المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وهو غير مرتبط فقط بالقدرة التدميرية، فاذا كانت المقاومة تُحاول تجنب الحرب لتجنيب بلدها ما سيحل به من دمار، بفعل الآلة الحربية الصهيونية، فإنّ “إسرائيل” تتجنب المواجهة لما قد تُشكله من انهيار لجبهتها الداخلية، وعدم قدرة احتمال مشاهد القصف في عمقها، فغزة التي بدأت بقصف عسقلان، انهت آخر معاركها بقصف ما هو أبعد من تل ابيب، لتكون روح التضحية والقدرة على الاحتمال، هي العنصر الأهم في الردع المتغير، بتغير هذا العنصر.

[1]  https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001279910

[2]   https://www.inss.org.il/he/publication/combat-military-service-the-crisis-in-motivation/

أكمل القراءة

تقدير موقف

الاختراق الأمني ما بين الحذر والثقة ؟!

نشر

في

بواسطة

 

وليد الهودلي

يأتي عادة اكتشاف اختراق عال المستوى في جسم المقاومة في سياق حرب الادمغة التي تسجّل فيها النقاط لصالح الأعداء أحيانا ولصالح المقاومة أحيانا أخرى، وهذا هو من طبيعة الحرب القائمة وهذا من شانه أن يراكم الخبرات ويرفع من مستوى قدرات المواجهة خاصة إذا تم استخلاص العبر والاستفادة من التجربة، سواء كان ذلك حالة النجاح أو حالة الفشل، وسنجد دائما من يهوّل ويذهب بعيدا بروح مقيتة الى حيث التبشيع على المقاومة والاستخفاف بقدراتها وانجازاتها على هذا الصعيد، وبالمقابل هناك من يهوّن الامر ويجعل منه شيئا عابرا ويمرّ به مرور الكرام بعيدا عن الدراسة الموضوعية للأمر أو يضرب في عالم التبرير بعيدا عن رؤية الخلل  بما يجعلنا نبقى عرضة لتكرار ذات الخطأ.

وقد أثبتت تجارب المقاومة أنها عادة ما تستخلص العبر وأنها تجعل من ذلك فرصة لتطوير القدرات ورفع مستوى الحيطة والحذر وهذا هو سرّ ما حققته من إنجازات كبيرة في هذه الحرب المفتوحة مع قوة دولة الاحتلال التي لا يستهان بها على مستوى المنطقة، ولدى المقاومة سجل حافل على هذا الصعيد يضيق المجال على تعداد أمثلة شاهدة على هذا الوعي العميق والقويّ والحاضر في كل تفاصيل الاشتباك والمواجهة، فقادة العدوّ مثلا اعترفوا أكثر من مرّة على ضعف قدراتهم الاستخبارية في تقديرات قوة المقاومة وجهوزيتها قبل أكثر من حرب شنتها على المقاومة في غزة. شاليط جندي وقع في أسر المقاومة خمس سنوات وفي منطقة ضيقة ومحصورة، لم تستطع ان تصل الى أية معلومة أو خيط يوصل اليه وكانت النتيجة عظيمة لتخضع دولة الاحتلال الى صفقة لأول مرة يكون أسيرهم فيها داخل فلسطين ولتدفع الثمن المطلوب، كانت بالفعل خمس سنوات من صراع الادمغة والجهود الاستخبارية على أشدّها أثبتت فيها المقاومة تفوّقها بشكل حاسم ، ثم كان من تجليات قدراتها على سبيل المثال: افشال قوة المستعربين الاخيرة في خانيونس للوصول الى أي هدف من أهدافها وباءت بالفشل الذريع.

السجل حافل والنتيجة كانت أن هناك خبرة أمنية متراكمة يعتدّ بها وقادرة على الوقوف على قدميها بكل جدارة في مواجهة غير متكافئة أمام قدرات هائلة لدولة الاحتلال، ومع هذه القدرات التي يتمتع بها الاحتلال الى أن المقاومة بإمكاناتها المتواضعة استعصت عليه وأصبحت قادرة على ان تكون ندّا وسدّا منيعا لنذره العاتية بل أيضا قادرة على اختراق جدرانه المنيعة وتسجيل انتصارات كثيرة.

وهنا المقاومة تقف بين أمرين لا ينبغي لأحدهما أن يبغي على الاخر:

الامر الأول: عبوسة الحذر في ظلّ ظروف في غاية التعقيد وأمام عدوّ لا يكلّ ولا يملّ ويستخدم كل قدراته وتقنياته وامكاناته الهائلة في حربه الاستخبارية ومحاولة اختراقه باستغلاله لظروف إنسانية قاسية أو حاجات معيشية قاهرة، هنا الحذر على أشدّه مطلوب ولا بدّ من فتح نوافذ اليقظة على مصراعيها والاستفادة من كل الإمكانات المنظمة والاشتغال كثيرا على ثقافة المجتمع وضخ الوعي الأمني المطلوب.

الامر الثاني: الثقة التي يجب أن تسود العلاقات الداخلية في جسم المقاومة والخارجية مع الحاضنة الشعبية لها، وهذه معادلة أكدناها قبل ما يزيد عن عشرين سنة في كتاب ستائر العتمة الذي كان في بدايات الطرق على جدران خزان الوعي الأمني، ان لا يكون الحذر على حساب الثقة ولا الثقة على حساب الحذر، كيف نجمع بين الامرين في معادلة واحدة بحيث لا يبغي أحدهما على الاخر؟

تطبيقان متلازمان يجب ان لا يبتعد أحدهما عن الاخر: الثقة والحذر، يجب ان لا نضرب الثقة بالحذر الذي يصل الى درجة الهوس وهذا هدف مارسه الاحتلال في السجون بحيث أوصل الاسرى في فترات عصيبة سابقة الى حالة فقدان الثقة وضرب النسيج التنظيمي والاجتماعي، وفي ذات الوقت ألا نضرب الحذر بالثقة البلهاء التي تفرط عرى الحذر والعمل الأمني المحترف على أصوله الصحيحة. العمل بهما معا يحتاج الى الاستفادة من الخبرات السابقة واستخلاص العبر من كل ما نصاب به صغيرا كان أم كبيرا.

ولا بد أن أؤكد كذلك بضرورة العمل على ثقافة الوعي الأمني والاستثمار بها كثيرا وتوظيف قدرات ثقافية وأدبية وفنية في هذا المجال وذلك لتنمية الحسّ الأمني فالصراع ممتد وواسع والمعركة طويلة.

هذا من شأنه أن يمنع تسلل الخطر بين عبوسة الحذر وابتسامة الثقة.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 20 ساعة

ماكرون سوبرمان الملعب السياسي اللبناني؟!

  وليد الهودلي\ مركز القدس ماكرون يذكرنا بزيارة جوسبان ” رئيس وزراء فرنسا لجامعة بيرزيت أيام الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر...

مقالاتمنذ 3 أيام

عندما تنفلت البارودة من اخلاقياتها ؟!

  وليد الهودلي\ مركز القدس رصد مسلسل التغريبة الفلسطينية عدة مواقف تجسّد علاقة الفلسطيني بالبارودة، والمكانة العزيزة التي تتبوأها في...

مقالاتمنذ أسبوعين

احراق مسجد البر والاحسان في مدينة البيرة، داعشية صهيونية متوحشة؟!

  كتب وليد الهودلي لم يكن حدثا عابرا ولا يجوز ابدا ان يكون عابرا، أن تتسلّل مجموعة من المستوطنين الى...

مقالاتمنذ أسبوعين

ما الذي يشجع الاحتلال على ضرب سوريا والمصالح الإيرانية؟

كتب: علاء الريماوي سؤال متكرر مع كل ضربة وتجاوز إسرائيلي تجاه إيران ومصالحها، يطرح في الاعلام، فتكون الإجابة متناقضة بين...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

ابن سلول بنسخته الجديدة؟!

  وليد الهودلي يُحكى أنّ هناك حراكا اجتماعيا معاكسا لحركة تغيير مجيدة لامة العرب، كان يقوده شخص يدعى ابن سلول،...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

أسيراتنا يتقنّ صناعة الذات الثورية ؟!

    وليد الهودلي بيان فرعون تتحرّر من حبسة أربعين شهرا.. نموذجا وشاهدا.. جرائم مركّبة يقترفها الاحتلال عند اعتقاله للفتاة...

مقالاتمنذ شهر واحد

فتح وحماس هيدروجين وأوكسجين القضية

كتب: وليد الهودلي حتى أن أبحاثا ودراسات صهيونية (أعداء الطرفين) خلصت بأن الفصيلان هما الأقرب ايدولوجيا وهما الأقرب لتشكيل وحدة...

مقالاتمنذ شهر واحد

المطفّفين والمتقاعدين؟!

  وليد الهودلي وقد وصلنا من أخبار تلك البلاد في ذاك الزمان، زمان عجب العجاب أنّ الناس قد ابتدعوا نظاما...

مقالاتمنذ شهر واحد

عاصم الفارس الذي نزّل تطبيق: لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة؟!

وليد الهودلي هناك أمور لا تحتمل التأجيل ثانية واحدة، فعندما انكفأ جيش الأحزاب الذي هاجم المدينة بقضّ الجاهلية وقضيضها لاستئصال...

مقالاتمنذ شهرين

الاحتلال والقفص؟!

    وليد الهودلي لمّحت في مقال سابق عن سياسة القفص الاحتلالية، وحيث أتانا بعد قفص أوسلو سياسة الضم أو...

الأكثر تفاعلا