تواصل معنا

دراسات

“إسرائيل” في العام 2019.. تحديات متنوعة

نشر

في

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

مقدمة
على الطاولة الإسرائيلية وكذلك في الميدان، فإنّ سنة 2019 ستكون حُبلى بالملفات الثقيلة التي على الساحة الإسرائيلية مواجهتها، وحبس الأنفاس للتعامل معها. فعلى الصعيد الداخلي تمر “إسرائيل” باستحقاق انتخابي يشهد دخول شخصية ذات خلفية عسكرية، تحظى بشعبية جيدة في الأوساط الإسرائيلية، إلى جانب احتمالية مواجهة “إسرائيل” انتفاضة فلسطينية موسعة خلال العام القادم.

كما تتناول هذه القراءة، الواقع السياسي الإسرائيلي الداخلي، من حيث الواقع الاقتصادي واتجاهاته في الدولة العبرية، إلى جانب الفجوات الاجتماعية المتصاعدة، في ظل ارتفاع نسبة الفقر، وضعف الطبقة الوسطى، والشعور الإسرائيلي العام، أنّ أكبر المخاطر التي تواجه الدولة العبرية، هي من الداخل وليس العكس.

على الصعيد الأمني من الجهة الأخرى، فإنّ الدولة العبرية تواجه خطري اندلاع مواجهة شاملة في الجبهة الشمالية، أو الجنوبية، أو كليهما في نفس التوقيت. يأتي ذلك في ظل المساعي الإسرائيلية الكبيرة للولوج في الساحة الإقليمية واستكمال دورة التطبيع مع الدول العربية واختراق ساحات أخرى عالمياً.

 

الملف الانتخابي الإسرائيلي
في العام 2019، ستكون الانتخابات العامة الحادية والعشرين في الدولة العبرية، وفي الأصل أن تكون هذه الانتخابات في شهر تشرين ثاني من العام المقبل، لكن تم تقديم الانتخابات لشهر أبريل، على خلفية ضيق الحكومة التي لا تمتلك سوى 61 عضو كنيست (القناة الثانية، 2015) من أصل 120، إلى جانب الخلافات الكبيرة حيال الكثير من الملفات، والتي من بينها قانون التجنيد الذي يُعفي الحريديم من الخدمة في الجيش، وحجم الابتزاز الكبير لحزب الليكود الحاكم، والذي بات ينصاع لمطالب الأحزاب الصغيرة خوفاً من انهيار الائتلاف.

هذا العام سيشهد دخول حزب جديد عالم السياسة، حزب بنكهة خاصة يتزعمه رئيس هيئة الأركان الأسبق بني جانتس، الذي يُعيد للأذهان الشخصيات العسكرية التي ترأست الحكومات العسكرية لسنوات طويلة، كرابين، باراك وشارون وغيرهم. ووفق استطلاعات الرأي فإنّ الحزب سيحتل المرتبة الثانية بعد الليكود، اذ سيحصل على قرابة 20 مقعداً، فيما الليكود الحاكم على 30 (استطلاع ويلا، 2018).

ومن المعلوم أنّ حزب الليكود يحكم “إسرائيل” من العام 2009، وبرئاسة بنيامين نتنياهو، الذي شكل الحكومة الأخيرة في العام 2015، من الأطياف اليمينة فقط، والتي تملك 66 عضو كنيست، لكن بعد انسحاب حزب “إسرائيل بيتنا” بقيت الحكومة ب61 عضو كنيست. ووفق الترجيحات والاستطلاعات فإنّ أطياف اليمين لا زالت تمتلك الغالبية في الكنيست، وحتى في حال وجود حزب برئاسة جانتس، الذي يُصنفه الكثيرون على أنّه من أحزاب المركز، فإنّ حصة اليمين ستبقى قرابة 67 مقعداً (استطلاع ويلا، 2018)، بمعنى أن لا تغيير على التكتلات في “إسرائيل”.

حتى أن دخول جانتس الحلبة السياسية، وترجيحات حصوله على 20 مقعداً، فإنّها ستكون على حساب أحزاب المركز، المعسكر الصهيوني (حزبي العمل والحركة)، وحزب يوجد مستقبل، الأمر الذي سيُبقي اليمين متصدراً، وسيزيد من شرذمة الوسط.
بناءً على ترجيحات استطلاعات الرأي، والتي تُعطي اليمين بزعامة الليكود أغلبية، فإنّ سيناريوهات تشكيل الحكومة القادمة، تتمحور حول ثلاث.
الأول: والذي يحظى بنسبة 45%، أن تعود حكومة اليمين الخالصة للحكم، دون وجود شركاء من الوسط، وبالتالي لن يشهد المشهد الكثير من التغيير.
الثاني: والذي يحظى هو الآخر بنسبة 45%، أن تتشكل حكومة يمين-مركز، بزعامة الليكود وشراكة حزب بني جانتس، ويُمكن لهذا السيناريو أن يرى النور، في ظل حقيقة أنّ الليكود ضاق ذرعاً بأحزاب اليمين الصغيرة التي استطاعت فرض اجندتها، إلى جانب أنّ الليكود يُريد احداث تغيير، مرتبط بترتيب الأوضاع في الضفة الغربية، وعدم الوصول إلى مرحلة الضم الكامل كما تريد بعض أقطاب اليمين الأخرى، وبهذا يتقاطع معه جانتس، الذي لن يُفضل الجلوس في المعارضة بعد دخوله الكنيست، حيث يحمل جانتس فكراً قريباً من الليكود من الناحية السياسية، والقائم على أنّ التجمعات الاستيطانية الكُبرى في الضفة هي التي يجب أن تُضم للدولة، والوصول لتسوية دولية تضمن ذلك.

الثالث: ويحظى بنسبة 10%، حيث من المُكن أن تتشكل حكومة وسط-يمين، برئاسة جانتس وشراكة أحزاب المعسكر الصهيوني، يوجد مستقبل والحريديم، في ظل مواجهة نتنياهو تُهم فساد من الممكن أن تبعده عن الحلبة السياسية.

انتفاضة محتملة في الضفة الغربية
تترقب “إسرائيل” احتمالية اندلاع انتفاضة شاملة في الضفة الغربية في العام المقبل، وقد بدأت ارهاصاتها في الشهر الأخير من هذا العام، حيث زادت نسبة العمليات الفلسطينية في الضفة الغربية ضد جيش الاحتلال، ومع المزيد من التضييق الاحتلالي، تزداد ردّة الفعل الفلسطينية بمزيد من مقاومة الاحتلال.

وفي تقرير عبري مفصل، بمناسبة مرور ثلاثون عاما على الانتفاضة الأولى في العام 1987، يُشير التقرير أنّ ذات الحلول التي استخدمتها “إسرائيل” مع بداية الانتفاضة لوأدها، لم تفلح وقتها وباتت “إسرائيل” تُعيد استخدامها الآن (ليفي، 2017)، هذه السياسة التي تركزت على القمع، توسيع دائرة الاعتقالات، هدم البيوت، تكسير ايادي المتظاهرين الفلسطينيين، ابعاد النشطاء وغيرها، لم تُساهم إلّا بمزيد من الانتفاض الفلسطيني في وجه الاحتلال.

“إسرائيل” زادت على سياستها السابقة ما تقوم به من مصادرة كبيرة للأراضي، تهويد للمسجد الأقصى، إغلاق الأفق السياسي والاقتصادي، الأمر الذي دفع رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي جادي آيزنكوت، ورئيس الشاباك الإسرائيلي لوصف الهدوء في الضفة الغربية بأنّه مخادع ومضلل، والضفة قريبا ستشهد مزيداً من العمليات الفدائية ضد الاحتلال (ليبا، 2018)، التي ستكون أكثر خطورة في ظل الاحتكاك الكبير بين الفلسطينيين والمستوطنين.

قد لا تكون الانتفاضة في الضفة الغربية، كسابقتها التي اندلعت في العام 1987، من حيث المشاركة الجماهيرية الكبيرة، لكنّ المرجح أن تكون من خلال سلسلة عمليات متواصلة، مدعومة بحاضنة جماهيرية كبيرة، الأمر الذي سينعكس على الاحتلال من حيث:

1. استنزاف الجيش في الضفة، واضعاف قدرته على التفكير بالمواجهة في جبهات أخرى، حيث تعتمد “إسرائيل” بشكل كبير على جيش الاحتياط حتى في أحداث أمنية غير موسعة.

2. إعادة صورة “إسرائيل” كدولة احتلال وفصل عنصري في الساحات العالمية، بعد أن استطاعت الأحداث الإقليمية تغييب هذه الصورة أو جزئها الأكبر ولو مؤقتاً، وهذا الأمر من شأنه أن يربك حسابات “إسرائيل” على الساحة الدولية، رغم الدعم الكبير لها من الدول الغربية، إلى جانب احتمالية أن يؤثر ذلك على مشروع التطبيع العلني مع الدول العربية.

3. الجمهور الإسرائيلي لا يحتمل المعركة الطويلة، وقد شهدت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، نسبة الهجرة الأكبر من الكيان بعد سلسلة من العمليات الفدائية.

4. سيصعد من الخلاف الإسرائيلي الداخلي، حيث هناك تيّاراً اسرائيلياً يعتبر أنّ الاستيطان وسياسة الحكومة في الضفة الغربية هي سبب عدم الاستقرار، هذا إلى جانب أنّ ذلك سيُساهم في خلاف داخل الائتلاف الحكومي من حيث السياسة المرجوة والتي يجب أن تُتبع لمواجهة التحدي الأمني هذا.

5. تأثيرات ليست بالقليلة على الاقتصاد والسياحة في “إسرائيل”، حيث كشفت هبة القدس في العام 2015 أنّ الاقتصاد الإسرائيلي والسياحة تأثرتا (ميلمان، 2015)، وأنّ استمرار ذلك كان سينعكس بشكل كبير على الاقتصاد، تحديداً الأعمال التجارية المتوسطة.

هذا يُضاف إلى حقيقة أنّ “إسرائيل” الباحثة عن شرعية وجود منذ سبعين عاماً، ستبقى الانتفاضة العامل الأهم، في تجسيد الفشل الإسرائيلي، وتأكيد الحق الفلسطيني الراسخ، فهي حربٌ على الوعي (ميخال و سيبوني، 2018)، كما يراها الباحثان البارزان في معهد دراسات الأمن القومي، كوبي ميخال، وجابي سيبوني.

فجوات داخلية
تُعرفُ “إسرائيل” باقتصادها القوّي، فكما أنّ ساستها دأبوا على التفاخر بقوّة جيهم العسكرية، فإنّهم كذلك لم يتوقفوا عن التفاخر باقتصادهم القوي، الذي استطاع الصمود في ظل أزمات اقتصادية عالمية بدأت في العام 2008، ولا زالت رحاها تطحن اقتصادات بعض الدول إلى يومنا هذا.

رغم ذلك فإنّ “إسرائيل” تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الفقراء، بالمقارنة مع الدول المتقدمة التي تقارن “إسرائيل” نفسها بهن، حيث ارتفعت نسبة الفقر من 19% عام 2016 (مؤسسة الضمان القومي، 2017)، إلى نحو 23% في العام 2018 (ايلان، 2018)، علماً أنّ هذا يأتي وسط انتشار الفقر، بين فئات الحريديم والعرب، واليهود الشرقيين والقادمين من اثيوبيا بنسب أعلى بكثير من يهود الغرب.

ووفق استطلاعات الرأي، التي يُعدّها المركز الأهم في هذا الجانب في “إسرائيل”، مركز الدمقراطية الإسرائيلي، فإنّه ولأول مرة احتلّت الفجوات الاجتماعية المرتبة الأولى من حيث أنّها الأهم، والتي يجدر على الحكومة متابعتها كأولوية أولى، وقد جاءت النتائج على النحو التالي (هيرمان، 2018):

ما هي الأولوية الأولى التي على الحكومة متابعتها عام 2019
1. تضييق الفجوات الاجتماعية 22%.
2. تحسين الواقع الاقتصادي 18%.
3. القضاء على الفساد 16%.
4. زيادة وحدة الشعب 14%.
5. تقوية الجيش 12%.
6. التوصل لسلام مع الفلسطينيين 6%.

ووفق معطيات (OESD) فإنّ “إسرائيل” ذات الاقتصاد القوي، تُعاني من وجود فجوات اجتماعية كبيرة، ساهم بها ارتفاع تكلفة السكن في الدولة، إلى جانب نسبة الفقر المرتفعة وغلاء المعيشة، الذي يُعتبر أعلى من المعدل في تلك الدول (مولدبسكي، 2018)، ويُذكر أنّ قضية غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف السكن، هي التي جاءت بموشيه كحلون وحزبه “كولانو” إلى الساحة السياسية، بعشر مقاعد بهدف مواجهتها.

كحلون والحكومة الإسرائيلية، ورغم المحاولات الدؤوبة لم يفلحا في الحد من توسع الفجوات الاجتماعية، فعلى مستوى توفير السكن بقي غالبية الشباب من دون ال35 عام دون شقة سكنية خاصة، وغالبية الأزواج الشابة لا يمتلكون شقة، وفي الوقت الذي كان الشاب الإسرائيلي، يحتاج إلى 60 راتب لشراء شقة قبل 30 عام، فإنّه اليوم بحاجة ل220 راتب لشرائها، في ظل الحديث عن نقص 135 الف شقة في “إسرائيل” (نيفيبرت، 2018).

وتُشير المُعطيات أيضاً إلى فرق كبير في الدخل، بين اليهود الغربيين من جهة، واليهود من الأصول الأخرى، هذا إلى جانب أنّ الرجال ذوي دخل أعلى بكثير من النساء (شيده، 2018)، الأمر الذي خلق فجوة اجتماعية بين كطبقات مختلفة، والأهم من ذلك، أنّ الطبقة الوسطى في الدولة العبرية تزداد ضعفاً، وفق مُعطيات مقلقة للكنيست الإسرائيلي (بار، 2016)، الأمر الذي بات يُشير إلى ارتفاع طبقة الفقراء بنسبة كبيرة، فيما الطبقة الغنية بنسب أقل.

فشل الحكومة الإسرائيلية الحالية في التعاطي مع هذا الملف، أثر بشكل كبير على الحزب الذي جاء إلى الكنيست بحملة انتخابية لتحسين الأوضاع المعيشية وتقليص نسبة الفقر، حيث فقد حزب كلّنا نسبة 50% من قوّته (استطلاع ويلا، 2018)، بعد فشله الكبير في هذا الملف، وزيادة أسعار الشقق وارتفاع تكلفة المعيشة.

هذا الملف سيكون من الملفات الثقيلة التي ستواجهها الحكومة الإسرائيلية في العام المُقبل، وسيكون له انعكاسات على انتخابات 2019، حيث وفق الترجيحات أنّ الحكومة الإسرائيلية لن تستطيع تقليص الفجوات التي باتت تترسخ في المجتمع العبري، لكنّها من الممكن أن تنجح في ايقافها عند هذه المستويات.

والأهم من ذلك أنّ الفجوات الاجتماعية، مرتبطة بطبيعة الحكم الذي يُسيطر عليه اليهود الغربيين، فيما الشرقيون اللذين يُشكلون 50% من الدولة، يُعانون من الدونية في دولتهم، فلك أن تتخيل أنّه لم يصل لرئاسة الوزراء، أو الشاباك أو الموساد أي شخصية من أصول يهودية شرقية، هذا إلى جانب أنّ دخل الغربي أعلى من الشرقي بنسبة 20%، وغالبية الوظائف العليا يشغلها الغربيين بنسب تفوق نسبتهم في الدولة بكثير (ديتيل، 2015).

في خضمّ الحديث عن تفاقم هذه الأزمة، فإنّ فرص نجاح الحكومة الإسرائيلية بمواجهة ذلك ضعيفة، وذلك نابع من حقيقة أنّ الفوارق الاجتماعية في الدولة هي فوارق متجذرة منذ نشأة الدولة، ولها انعكاسات سياسية-اقتصادية على الدولة، ويُضاف إلى ذلك أنّ الحريديم اللذين يُشكلون 10% من الدولة، في غالبيتهم لا يعملون ويتفرغون لتعلّم التوراة، الأمر الذي سيبقيهم تحت خط الفقر من جانب، وسيستنزف الدولة من خلال الانفاق عليهم من الجانب الآخر.

وفيما يتعلق بالسكن، فإنّ مُعطيات اللجنة المركزية تُشير أنّ المساحات الداخلية لن تسمح بمشاريع بناء تحل المشكلة، الأمر الذي سيُبقي أسعار الشقق مرتفعة، خاصة في ظل فشل مشاريع إسكان النقب. وهذا الأمر قد يكون مقلقاً من الناحية الفلسطينية، حيث من المُمكن أن تُقدم الحكومة الإسرائيلية على البدء بحلّ ذلك من خلال مشاريع اسكانية في مستوطنات الضفة، والتي تُعتبر ذات تكاليف قليلة بالمقارنة مع الداخل المُحتل.

التحدي العسكري مع قوى المقاومة
على جبهة المواجهات العسكرية، فإنّ “إسرائيل” تتوقع اندلاع حرب على احدى الجبهتين المحاذيتين لها، سواءً في الشمال أو الجنوب، في ظل تعاظم قوّة المقاومة في غزة، إلى جانب أنّ “إسرائيل” لم تتوقف عن الاستفزازات في الشمال، فهي لا زالت تستهدف الوجود الإيراني في سوريا، وشرعت مؤخراً بما أسمته “درع الشمال” للقضاء على أنفاق حزب الله.

ووفق الترجيحات الإسرائيلية فإنّ الدولة العبرية ستصل في النهاية لمرحلة مواجهة شاملة، على إحدى الجبهتين الشمالية أو الجنوبية (اون، 2018)، في ظل تصاعد التحديات، وعدم قدرة “إسرائيل” على احتمال تصاعد قوى المقاومة تحت عينيها.
عام 2019، سيشهد استمرار حالة التوتر، فعلى جبهة غزة لا زالت العلاقة ما بين غزة و”إسرائيل” لم تصل إلى مرحلة نضوج التهدئة، رغم اقتراب الطرفين نحوها، ولا زالت “إسرائيل” تبحث عن ترميم صورتها بعد الجولة الأخيرة في تشرين ثاني، والتي فقدت فيها “إسرائيل” قوة ردعها في غزة وفق تقديرات محلليها (جلبوع، 2018).

الترجيح السائد ألا تصل الأمور في العام 2019 إلى حرب مفتوحة، بل استمرار جهود التوصل إلى تهدئة، وذلك للأسباب التالية:
1. حرب مع غزة، ستُعيد الأوضاع إلى ما هي عليه الآن بمعنى لن تكون حلّاً للمعضلة الأمنية الإسرائيلية، إلى جانب أنّ “إسرائيل” تخشى من حرب برية تدفع فيها ثمناً قاسياً، أو كما اعتبرها سياسيون إسرائيليون حرب زائدة لا داعي لها، خاصة أنّها ستُعيد الطرفين لمربع التفاوض من جديد كما هو الحال عليه اليوم.

2. كما أنّه من الناحية العملية، فإنّ احتلال غزة شعار غير قابل للتطبيق، وإن كان كذلك فإنّ تكلفته ستكون عالية جداً على الاحتلال الإسرائيلي، وحتى وإن تم ذلك، وإن كان مستبعداً، فإنّ “إسرائيل” ستجد نفسها مضطرة لإدارة القطاع، والعودة لمربع المسؤولية مرة أخرى عن قرابة مليونين فلسطيني، وهذا ما لا يريده نتنياهو، الذي يسعى للتخلص من العبء الديموغرافي الفلسطيني.
3. اتفاق التهدئة مع غزة، سيُساهم عملياً في تجسيد الانقسام الفلسطيني، وسيدعم الرؤية الإسرائيلية في التعامل مع فلسطين ضمن سياسات منفصلة، تضمن هدوءً في الجنوب واستفراداً في الضفة، من حيث الاستيطان والتهويد وربما العمل على ضم الضفة أو أجزاء منها.
4. هذه الخطوة ستُسهل تجسيد الخطاب الإسرائيلي في المنصات الدولية، حيث ذلك سيحسن من قيمة الخطاب الذي يتنكر لوجود شريك فلسطيني للسلام، ولطالما طرحت “إسرائيل” أنّ إدارة ظهرها لاتفاقيات السلام، ينبع من كون السلطة الفلسطينية لا تُسيطر على كل الأراضي الفلسطينية.

5. تهدئة جبهة غزة، تعطي فرصة جيدة ل “إسرائيل” للتفرغ لمخاطر الجبهة الشمالية، في ظل الوجود الإيراني في سوريا، وتعاظم قوّة حزب الله.

من هُنا فإنّ عمل “إسرائيل” سيكون باتجاه التهدئة مع الحرص على تصعيد محدود ومحسوب، يُحسن من صورتها السيئة التي بدت عليها في الجولة الأخيرة، وهو بالتأكيد سيناريو غير مضمون، فقد تقع “إسرائيل” في نفس الدائرة الأولى فتخرج بصورة مهزوزة بشكل أكبر، وربما تجد نفسها في حرب مفتوحة هي لا تُريدها.

على الجبهة الشمالية والتي تبدو أكثر تعقيداً في حال اندلاع حرب فيها، فإنّ الحالة هناك متشابكة ومتداخلة، وفي ظل وجود أطراف متعددة فيها، ترسم سياستها وتتدخل في شؤونها، ورغم ارتفاع حدّة التوتر فإنّ المرجح ألّا تشهد الجبهة الشمالية هي الأخرى حرباً مفتوحة خلال العام القادم، وذلك للاعتبارات التالية:

1. حالة الردع المتبادلة بين “إسرائيل” وحزب الله، أوصلت كلا الطرفين لقناعة أنّ الحرب المفتوحة تعني دماراً كبيراً، وخسائر فادحة تتطلب تفادي المواجهة قدر الإمكان.

2. الساحة الشمالية باتت أكثر تعقيداً في ظل الوجود الروسي والأمريكي، والقناعة العامة أنّ كلا الطرفين، لا يريدان وصول المواجهة بين “إسرائيل” من جانب وحزب الله وإيران من جانب آخر إلى مواجهة مفتوحة.

3. روسيا الدولة الأكثر تدخلاً في الساحة السورية تبدو غير معنية بانفلات الأمور، مصلحتها الأولى بالاستقرار، وفي الوقت الذي ترى فيه في إيران حليفاً، فإنّها ترى ب “إسرائيل” صديقاً، يجب الحفاظ على مصالحه، وهذا ما يُفسر التنسيق الكبير بينهما، في كلّ حالات القصف التي استهدفت فيها “إسرائيل” الأراضي السورية.
4. روسيا تتفهم المصالح الإسرائيلية بعدم وجود قوّات إيرانية في جنوب سوريا، كما أنّ القناعة العامة أنّ حزب الله لن يتحرك ضد “إسرائيل” لسببين، الأول أنّ “إسرائيل” لا تستهدف الأراضي اللبنانية، والثاني أنّ الحزب مضبوط بإيقاع روسي إيراني سيمنعه من ذلك.

5. “إسرائيل” معنية بعدم تصاعد الأمور شمالاً، وهي تُدرك أنّ جبهتها الداخلية غير جاهزة للحرب، وستحاول منع اندلاعها قدر الإمكان.

في هذه الزاوية ستبقى “إسرائيل” تعمل لمنع الوصول إلى مواجهة مفتوحة، ف”إسرائيل” التي تمتلك تكنولوجيا متطورة، وتجهيزات كبيرة، تفتقد إلى العنصر الأهم الحاسم في الحرب وهو الجندي المقاتل، كما يراه اللواء السابق بنيامين عميدرور (لورد، 2016)، والأهم من ذلك أنّ “إسرائيل” ستبقى تنسق بشكل كبير مع القوى الكبرى في الشمال لبلوغ أهدافها دون الوصول للحرب، وعلى الجبهة الجنوبية، ستبقى تُحاول منع الوصول لحرب مفتوحة. لكنّ هذه الترجيحات قد تصطدم بحقيقة أنّ الوصول للحرب، في كثير من الأحيان، يأتي بفعل عملٍ غير محسوب يُساهم في اندلاعها.

حركة التطبيع مع الدول العربية وغيرها.

سجلت “إسرائيل” نجاحات كبيرة على مستوى التطبيع مع الإقليم العربي خلال الأعوام الأخيرة، إلّا أنّه شهد هذا العام قفزات كبيرة، بفعل زيارة رئيس وزراء الاحتلال لعُمان، وقريبا للبحرين، وحالة الغزل المتبادلة ما بين “إسرائيل” وبعض الدول الخليجية.
لم تكن “إسرائيل” تتوقع أن تُحقق اختراقاً كبيراً في الساحة العربية، قبل التوصل لاتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين، بل إنّ أحد دوافع التسوية مع الفلسطينيين كان هدف التطبيع مع العرب، وحالة التطبيع التي باتت واقعاً متجسداً، بالتأكيد ستنعكس بشكل سلبي على القضية الفلسطينية، التي ترى “إسرائيل” بأنّهم اداروا ظهرهم لها، لا بل وبات بعض العرب يعتبرها عبئاً عليها، وحجر عثرة في العلاقة مع “إسرائيل”.

وفي الوقت الذي يُعاني فيه نتنياهو من قضايا فساد باتت تقربه من لائحة اتهام، فإنّ أحد أهم الإنجازات التي يُفاخر بها، هي قدرته الكبيرة على اختراق العديد من الساحات العربية والعالمية، حيث استطاع أن يجسد العلاقة مع الهند لحود العلاقة الاستراتيجية بعد أن كانت أحد الداعمين الرئيسيين للقضية الفلسطينية، وبات على أبواب علاقة كبيرة مع الصين، إلى جانب اختراق العديد من الساحات الأفريقية.

“إسرائيل” التي تسوق نفسها على أنّها صمام الأمان للعرب من الخطر الإيراني، تتحدث أنّها على أبواب علاقة استراتيجية مع السعودية، سيُساهم في خلق شرق أوسط جديد (دبار ريشون، 2017)، تكون فيه الدولة العبرية، في خط واحد مع مجموعة الدول العربية التي أطلقت عليها المعتدلة، وما تساقط العواصم العربية أمام زيارات نتنياهو إلّا جزءً من هذه الرؤية.

لذلك فإنّ العام القادم من المرجح أن يشهد نجاحات “إسرائيلية” إضافية في هذا الملف، وذلك يعود للعديد من الأسباب، التي من بينها:
1. الضغط الأمريكي الكبير على هذه الدول، والتي بات يتعامل معها البيت الأبيض دون دبلوماسية، بل بسياسة الفرض والإملاء العلني، وهذا ما يُفسر الهرولة السريعة لبعض الدول العربية نحو التطبيع.

2. الاعتقاد العربي أنّ علاقة مع تل أبيب، سيكون لها انعكاسات إيجابية في تلقي دعم أمريكي لمواجهة الملف الإيراني، الذي يؤرق بعض دول الخليج تحديداً.

3. سعي “إسرائيل” الدؤوب لوأد ما تبقى من القضية الفلسطينية، ترى “إسرائيل” أنّ أقصر الطرق لذلك سيكون من البوابة العربية، التي من خلال تطبيعها ستقضي على أحلام الفلسطينيين بالدولة (ابيتار، 2018).
من هُهنا فإنّ النجاح الإسرائيلي في هذا الملف تحديداً يُمكن ترجيحه وبقوّة، وربما سنشهد حضوراً اسرائيلياً في عواصم عربية لم تكن في وارد أن تكون من ضمن قافلة المطبعين.
خاتمة
بعد سبعين عاماً على تأسيسها، لا زالت الدولة العبرية رغم التفوق التكتيكي في الكثير من الملفات، إلّا أنّها تُعاني من وجود ملفات شائكة طوال رحلتها القصيرة، ويُمكن فهم ذلك في إطار كونها دولة طارئة فاقدة للشرعية، الأمر الذي يضعها في موضع الهجوم والدفاع في الكثير من تلك الملفات.

الحالة الداخلية الإسرائيلية مقلقة، فالدولة العبرية تُعاني من انقسامات حادة، على صعيد الواقع السياسي، ما بين يمين ووسط، ومتدين وعلماني، لكنّ هذه الخلافات تجد لها منفساً، في ظل التراجع الإقليمي الذي يُساهم في مدّ “إسرائيل” بمزيد من فرص القوّة والحياة.

على المستوى التكتيكي القريب لا زالت “إسرائيل” تستطيع التعامل مع المآزق التي تواجهها في كل عام، لكنّها على المستوى الاستراتيجي فهي لا تمتلك رؤىً واضحة، وإنّما لا زالت تُدير الملفات بناءً على ردّات الفعل، والتكتيك الضيق، الذي لن يكون حاسماً في مواجهتها للملفات الثقيلة، وتحديداً الأمنية منها.

References
استطلاع ويلا. (21 تشرين ثاني, 2018). سيكر حدشوت ويلا ( استطلاع اخبار ويلا ). تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3202075
القناة الثانية. (15 ايار, 2015). هكيروا ات خبري هممشلا هحدشا ( تعرفوا الى اعضاء الحكومة الجديدة ). تم الاسترداد من القناة الثانية: https://www.mako.co.il/news-military/politics-q2_2015/Article-d0b753ba7145d41004.htm
الون ابيتار. (30 تشرين ثاني, 2018). بجيدات همدينوت هعربيوت ( خيانة الدول العربية ). تم الاسترداد من يديعوت امريكا: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5417356,00.html
الينيت بار. (13 تشرين اول, 2016). مشكال معماد هبيناييم ( وزن الطبقة الوسطى ). تم الاسترداد من موقع الكنيست: https://fs.knesset.gov.il/globaldocs/MMM/55432aa8-bab2-e511-80d0-00155d0acb9e/2_55432aa8-bab2-e511-80d0-00155d0acb9e_11_7907.pdf
امنون لورد. (11 نيسان, 2016). ما عوفير عل تساهل ( ماذا يحدث للجيش ). تم الاسترداد من ميدا: https://mida.org.il/2016/04/11/%D7%9E%D7%94-%D7%A2%D7%95%D7%91%D7%A8-%D7%A2%D7%9C-%D7%A6%D7%94%D7%9C/
اور ربيد. (21 نيسان, 2017). 14.5 مليون يهوديم حييم بعولام ( 14.5 مليون يهودي يعيشون في العالم ). تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3058466
تساخي شيده. (10 تشرين اول, 2018). 70 شنا شل بعريم ( 70 عام على الفجوات ). تم الاسترداد من واي نت: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5150990,00.html
تمار هيرمان. (5 تشرين ثاني, 2018). اوهبيم اروخوت مشبختيوت ( يحبون الوجبات العائلية ). تم الاسترداد من مركز الدمقراطية الإسرائيلي: https://www.idi.org.il/articles/24477
تيدي نيفيبرت. (7 ايار, 2018). محسور بديروت؟ هنتونيم هاميتييم عل هعوديف بشوك هديور نحشافيم ( نقص في الشقق؟ المعطيات الحقيقية عن نقص الشقق في اسرائيل تم الكشف عنها ). تم الاسترداد من بزبورتال: http://www.bizportal.co.il/marketopionion/news/article/742333
جيا مولدبسكي. (11 اذار, 2018). هاوسد: كلكلات يسرائيل حزكا ابل هبعريم هحبرتييم مورجاشيم ( الاوسيد: اقتصاد اسرائيل قوي، لكن الفجوات الاجتماعية واضحة ). تم الاسترداد من كان: https://www.kan.org.il/item/?itemid=28664
دبار ريشون. (17 حزيران, 2017). مزراح تيخون حداش ( شرق اوسط جديد ). تم الاسترداد من دبار ريشون: https://www.davar1.co.il/72521/
درور ليبا. (6 تشرين ثاني, 2018). روش هشاباك مزهير: هشيكت هيحسي بجدا متعتع ( رئيس الشاباك يحذر: الهدوء النسبي في الضفة مضلل ). تم الاسترداد من واي نت: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5390289,00.html
شاخر ايلان. (13 كانون ثاني, 2018). دوخ هعوني هالترنتيبي ( تقرير الفقر المتغير ). تم الاسترداد من كلكلست: https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3751986,00.html
شاي ليفي. (4 تشرين اول, 2017). 30 شنا لبيروتس هانتفاضة هريشونا ( 30 عاما لاندلاع الانتفاضة الاولى ). تم الاسترداد من ماكو: https://www.mako.co.il/pzm-magazine/Article-00640d77bfc4e51006.htm
عاموس جلبوع. (15 تشرين ثاني, 2018). هسيبب هنوخخي عم عزا، اوبدان هرتعا يسرائيلي ( الجولة الحالية مع غزة، فقدان الردع الإسرائيلي ). تم الاسترداد من نيوز ون: http://www.news1.co.il/Archive/003-D-130886-00.html
عامي دور اون. (14 تموز, 2018). هئم تسفويا ملحما بدروم او بتسفون ( هل من المتوقع حرب في الشمال أو الجنوب ). تم الاسترداد من نيوز ون: http://www.news1.co.il/Archive/003-D-128821-00.html
عمري ميلمان. (13 تشرين أول, 2015). هبجيعا بتيروت مئيميت عل هعسكيم بيروسلايم ( المساس بالسياحة يهدد الاعمال التجارية في القدس ). تم الاسترداد من كلكلست: https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3670854,00.html
كوبي ميخال، و جابي سيبوني. (20 آذار, 2018). هيعرخوت حماس لتسعدات هنكبا، هملحما عل هتودعا ( استعداد حماس لمسيرات العودة، الحرب على الوعي ). تم الاسترداد من معهد دراسات الأمن القومي: http://www.inss.org.il/he/publication/hamas-prepares-for-the-nakba-procession-the-battle-for-the-hearts-and-minds/
ليئور ديتيل. (11 كانون أول, 2015). محكار: اشكنزيم مرفيحيم 20% يوتير ممزراحيم ( بحث: الغربيين يربحون أكثر 20% من الشرقيين ). تم الاسترداد من ذ ماركر: https://www.themarker.com/career/1.2535517
مؤسسة الضمان القومي. (كانون ثاني, 2017). ممدي هعوني فهبعريم هحبرتييم 2016 ( مستويات الفقر والفجوات الاجتماعية 2016 ). تم الاسترداد من مؤسسة الضمان القومي: https://www.btl.gov.il/Publications/oni_report/Documents/oni2016-new.pdf

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دراسات

هجمة المحتل والعجز السياسي.. رأس العوجا نموذجاً لسياسة الاحتلال في الأغوار

نشر

في

بواسطة

مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

على مساحة 720 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل مساحة ربع الضفة الغربية، يمتد الغور الفلسطيني، الذي يُعتبر السلة الغذائية للفلسطينيين، حيث أنّ 39% من أراضي الغور-أي ما يُعادل 280 ألف دونم- تُعتبر صالحة للزراعة، يُزرع منها فقط 50 ألف دونم!، وتسد 60% من احتياجات السوق الفلسطيني من الخضار.

منذ احتلال الضفة الغربية، وحتى أيامنا هذه، يُمارس الاحتلال شتى أنواع التضييق على الفلسطينيين، تحديداً في منطقة الأغوار التي تأخذ حيّزاً واسعاً من المزاودات الداخلية الإسرائيلية من أجل ضمها، حتى من أولئك اللذين يتأمّل الفلسطينيون من فوزهم بالانتخابات عودة إلى طاولة المفاوضات.

سياسة الاحتلال في المنطقة تهدف إلى تهجير أهلها، وقطع سبل الحياة بهم، الأمر الذي حوّل 154 تجمعاً بدوياُ في الأغوار، إلى مناطق يتهددها التهجير بشكل مستمر، ومصير 17500 فلسطيني مجهولاً في ظل الواقع الصعب، والعجز السياسي، وإدارة الظهر للفلسطيني اقليمياً وعالمياً.

فريق من مركز القدس زار منطقة العوجا، في العاشر من كانون ثاني، بعد ثلاثة أيّام من قيام جيش الاحتلال بهدم 9 منشآت سكنية، بحجة أنّه تم تجديدها! منطقة رأس العوجا، كنموذج على الأغوار الفلسطينية، تحدث سكانها بشكل تفصيلي عن سياسة الاحتلال تجاههم، هذه السياسة المتبعة في مناطق الأغوار تحديداً، والمناطق الفلسطينية في الضفة عموماً.

يسكن في منطقة العوجا قرابة المئة عائلة، بمعدل 8 أفراد للعائلة الواحدة، تتوزع تلك العائلات على 7 عائلات كبيرة، حريزات والرشايدة من مدينة يطا جنوب الضفة الغربية، فيما عائلات خرابشة، غوانمة، طريفات، نجادة، وكعابنة، من أصول بدوية فلسطينية، تعيش في هذه المناطق منذ عقود طويلة، حيث يعتمدون على المراعي والمياه لتلبية احتياج مواشيهم، والتي يبلغ عددها قرابة 5000 رأس، يملكها السكان في تلك المنطقة.

في حديثه للمركز أشار كلّ من محمد حريزات، ومسعف أبو عوّاد، أنّ هدم المنشآت لم يتوقف على حالة الهدم فقط، بل أيضاً تم مصادرة ما تم هدمه، وتخريب المرايا الشمسية، التي يعتمد عليها السكان في سدّ جزءٍ من حاجتهم من الكهرباء.

بدأت قصة الهدم وفق السكان هناك، بعد أن قامت مؤسسة معاً ببناء عدد من المنشآت هناك، وهي عبارة عن بركسات سكنية بمساحة 30 متراً للبركس المكون من الاسبست أو الصفيح، الذي لا يستطيع مقاومة برد الشتاء أو حرّ الصيف، المساحة الصغيرة هذه تحوي بداخلها حوالي 10 أفراد، باتوا الآن يلتحفون السماء ويفترشون الأرض.

وتتنوع ممارسات الاحتلال في تلك المنطقة، والتي تهدف بشكل أساسي لتضييق لقمة العيش على السكان، ودفعهم لترك المنطقة والبحث عن مناطق أخرى، أو ترك عملهم في تربية المواشي، مع الإشارة الى أن تلك المناطق هي المُغذي الرئيسي للسوق من المواشي، إضافة إلى كونها المزود الأساسي للسوق الفلسطيني من الخضار.

سرقة المياه

ومن أبرز ممارسات الاحتلال تجاه الفلسطينيين في الأغوار، سرقة ماءهم!، بل والأبعد من ذلك معاقبتهم على استخدام مياههم الجارية، ورغم أنّ المواطنين هناك قدموا طلبات لتركيب عدادات مياه منذ العام 1995، لكنّ طلبهم حتى هذا اليوم لم يخرج حيز التنفيذ.

مصادرة الأراضي وتحويلها الى عسكرية

حوّل غالبية المراعي في الغور، إلى مناطق يُمنع على الفلسطيني دخولها، وإعلانها مناطق عسريكة، بينما يُسمح للمستوطنين ببناء بؤرهم الاستيطانية، التي يُسارع الاحتلال إلى مدهم بالماء، والكهرباء وفتح الشوارع. ففي منطقة رأس العوجا على سبيل المثال، وإلى اليمين من المنطقة، يحتل مستوطن واحد، قرابة 1000 دونم من أراضي الفلسطينيين، والتي تعود ملكيتها للأوقاف الفلسطينية، لهذا المستوطن حراسة، ومشاريع في المنطقة، على حساب السكان الأصليين اللذين باتوا يُحاطون بالمستوطنين من كل جانب!

مصادرة الممتلكات والهدم

إلى جانب ذلك، فإنّ المصادرة والهدم هي ركن أساس في سياسة الاحتلال، فمصادرة التراكتورات (مركبات زراعية)، ومصادرة المنشآت بعد هدمها، آخذة في التوسع، لمنع الفلسطيني من امتلاك أبسط أدوات الحياة، وتركه في العراء دون مأوى.

منع المراعي

يمنع الاحتلال على الفلسطيني استخدام مراعيه التاريخية في المنطقة، ويفرض غرامات على من يُحاول مخالفة ذلك، ويأتي هذا في ظل ارتفاع أسعار أعلاف الأغنام، الأمر الذي بات يُعرض المزارع هناك، إلى مخاسر مالية، إضافة إلى العناء المرتبط بالسياسات الأخرى.

الحرمان من الكهرباء

ولا يتوقف الأمر على ما سبق من انتهاكات بحق الحياة الفلسطينية في منطقة الأغوار، إنما تصل الى حد منع إيصال الكهرباء لتلك المناطق، والتي يهدف الاحتلال من خلالها إلى منع وجود مناطق ثابتة هناك، بل أيضاً يهدم الالواح الشمسية والتي عن طريقها يتم توليد الطاقة لسكان المنطقة.

منع تعبيد الشوارع

شوارع قديمة تملؤها الحفر، هذا هو حال الطرق التي تصل إلى تلك المناطق، وعند الاستفسار عن عدم تعبيدها منذ عقود طويلة، كانت الإشارة إلى أنّ الاحتلال يمنع ذلك.

سياسة الاحتلال هذه تصب جامّ غضبها على الفلسطينيين، اللذين يؤكدون أنّهم باقون في أرضهم رغم التضييقات، مطالبين السلطة الفلسطينية بالمزيد من العمل من أجل دعم صمودهم.

بعد أربعة أيام من هدم المنشآت هناك، قامت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بتزويد أهالي تلك المنطقة، بثمان خيم، كحلّ مؤقت. وقد طالب السكان بضرورة العمل على توفير منشآت حديثة، وتوفير الامكانيات لتوليد الطاقة الشمسية، وقد توجهوا بثلاث كتب من خلال المركز للجهات المعنية.

بدوره قام مركز القدس بالتواصل مع وزير مقاومة الجدار والاستيطان، السيد وليد عساف، وإيصال رسالة أهالي رأس العوجا، وقد أشار عسّاف فيالسياق أنّ عمل الهيئة محفوف دائما بالمخاطر، خاصة فيما يتعلق بإيصال المعونات للسكان هناك، حيث من الممكن أن يقوم جيش الاحتلال باعتراضهم ومصادرتها.

وحول السياسة الاستيطانية في الضفة الغربية، قال عساف إنّ الجدار ابتلع 10.5% من أراضي الضفة الغربية، تُضاف إلى 3.5% مساحة الأراضي المبنية عليها المستوطنات، و6% مساحات أمنية يُسيطر عليها الاحتلال، وكانت عملية الضم الأكبر في العام 1983، عندما أعلن الاحتلال عن ضم مليون ومئتي ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، وتحويلها إلى أراض دولة، ليصبح مجموع ما يُسيطر عليه الاحتلال بشكل مباشر قرابة 31% من مساحة الضفة الغربية.

ورداً على سؤالنا بأنّ الاحتلال يتحدث عن احتمالية هدم عشرات آلاف المنازل الفلسطينية في المناطق المصنفة “ج”، استبعد عساف ذلك، وأضاف: الاحتلال بات يشدد على الفلسطينيين ويمنعهم من انشاء أبنية جديدة هناك، مؤكداً أنّ المناطق “أ + ب” لم تعد تكفي حاجة السكان الفلسطينيين للبناء والتوسع.

وأردف قائلاً: إنّ 95% من محاولات تسريب الأراضي استطاعت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان احباطها، من خلال محاميها، حيث تم استعادة 600 دونم في صفقة واحدة، مؤكداً أنّ عمليات التسريب تتم من خلال وثائق تزورها مؤسسات إسرائيلية.

ختاماً، سياسة الاحتلال في تلك المنطقة من المرجح أن تتصاعد في ظل المزايدات الداخلية من أجل ضم الأغوار، وهذا ما يؤكده السكان هناك من خلال معايشتهم للحراك المستمر والمكثف للاحتلال في التضييق عليهم ومصادرة الأرض. وتأتي هذه السياسة في ظل عجز الأداء السياسي الفلسطيني عن القدرة في المواجهة، في ظل الانقسام، وخسارة الفلسطينيين للساحات الدولية الأبرز التي كانت تدعمه، إلى جانب إدارة الظهر الإقليمية للقضية الفلسطينية ومسيرة التطبيع مع الاحتلال.

ما يقوم به الاحتلال يحتاج إلى وقفة حقيقية، وخطوات جريئة من قبل السلطة الفلسطينية، تتمثل بإعادة الحسابات فيما يتعلق بالاحتلال، يتخلله التحام حقيقي مع فئات الشعب الفلسطيني، واتمام المصالحة الفلسطينية.

 

 

أكمل القراءة

دراسات

في ندوته الأولى.. مركز القدس: الانتخابات الإسرائيلية تُشير أنّ القادم أسوأ للقضية الفلسطينية ولا حلّ إلّا بإنهاء الانقسام

نشر

في

بواسطة

عقد مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني وبالتعاون مع بيت المقدس للأدب أمس الاثنين، ندوة حوارية، في رام الله، بعنوان “الانتخابات الإسرائيلية والقضية الفلسطينية”.

وقدّم الندوة الدكتور أحمد رفيق عوض، واشتملت على مداخلات من مدير مركز القدس الأستاذ عماد أبو عوّاد، والقيادي في حركة فتح محمد الحوراني، والمختص في الشأن الصهيوني عصمت منصور.

وجاءت الندوة مع قرب الانتخابات الإسرائيلية، وانعكاساتها على القضية الفلسطينية على اعتبارها تعكس الرؤية اليمينية المهيمنة على سدة الحكم في دولة الاحتلال، مع التأكيد على أن فهم العدوّ هو جزء من مشروع التحرر.

وفي مداخلته أكد الحوراني على أن الاحتلال يتمتع بقوة ونفوذ في العالم على عدة مستويات، نتيجة لهذا التحالف المتين تزداد قوته بشكل ملحوظ، الأمر الذي أتاح للاحتلال أن يشرع قانون “يهودية الدولية”.

وأضاف أن الجيل الإسرائيلي الجديد هو جيل يؤمن بيهودية الدولة، الأمر الأيديولوجي الديني غير القابل للنقاش، بالتالي يزيد الأمر صعوبة وتعقيدات على الفلسطينيين في مواجهة هذا الاحتلال.

وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم هدايا شخصية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في فترة الانتخابات الاسرائيلية المنصرمة، أهمها الاعتراف بالقدس والجولان السوري تحت السيادة الإسرائيلية. عدا عن ارتفاع مستوى التطبيع العربي مع دولة الاحتلال على حساب القضية الفلسطينية الأمر الذي يحوّل “إسرائيل” على كائن طبيعي في الشرق الأوسط.

وحمل الانقسام الفلسطيني  والفكر الفصائلي الذي يسيطر على الشعب الفلسطيني جزءاً من الصعوبات التي تحول دون التحرر وتخطي عقبة الاحتلال.

واعتبر الانتخابات الإسرائيلية مناسبة مهمة لنرى ما يفيض بالعقل الاسرائيلي الباطني المحمل بكل أسباب القوة ضد الفلسطينيين. والاطلاع على ماذا يطرأ على اللغة الاسرائيلية والمقولات الايديولوجية. نعتبراً أننا في معادلة دقيقة جداً، صمود الناس هو أقرب الى العبادة بالمعنى الوطني والديني والانساني.

وكان دور مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني عماد أبو عواد الحديث عن الأحزب الإسرائيلية والمتنافسة في الانتخابات القادمة.

وأضاف أن أولويات الإسرائيليين اليوم مقارنة بمثيلتها قبل نحو 20 عاماً اختلفت، بات الاقتصاد واغلاق الفجوات الاجتماعية ذات أهمية كبيرة.

وحول شخص نتنياهو، أضاف أبو عواد أن ما يقارب نصف الإسرائيليين يقرّون بفساد نتنياهو، ولكنه يرونه الوحيد القادر على إدارة الحكومة في الفترة الحالية، على اعتباره استطاع تحقيق الكثير من الانجازات لهم، سواء على مستوى العلاقات الخارجية والتطبيع العربي وأهمية اسرائيل في الشرق الأوسط،وكذلك استطاع نتنياهو القفز فيها بشكل كبير في عدة مستويات.

وعن الأحزاب الإسرائيلية أوضح أن تكتل اليمين وعلى رأسه “الليكود”، لديه نقاط قوة كبيرة، تتمثل في تلبيته تطلعات اليمين بشكل عام ووجود شخصية كاريزمية كنتنياهو على رأسه. إلى جانب وجود أحزاب الصهيونية الدينية التي تضمن وجود نسبة تصويت جيدة لليمين، حيث تؤمن هذه الأحزاب بضرورة ضم الضفة الغربية.

بينما يفتقد حزب العمل الذي أسس الدولة للدعم الكبير له، لفقدانه الشخصية المؤثرة عدا عن كون برنامجه الاقتصادي غير واقعي. رغم أن الفوارق بين الحزبين المذكورين أعلاه ليست كبيرة في الأيديولوجيا.

وكذلك حزب أبيض أزرق، الذي تأسس هذا العام، تعتبر اغلب شخصياته يمينية التفكير، رغم تقديم نفسه على أنّه حزب مركز، حيث لا يؤمن بفكرة الانسحاب احادي الجانب من الضفة الغربية المحتلة، ويريد مؤتمر للسلام مع الفلسطينيين لكن أن يضمن أن تبقى المستوطنات الاستيطانية الكبرى تحت سيطرة اسرائيل، وضمان وجود أمن اسرائيلي على الحدود مع الاردن بشكل مستمر. بمعنى أنّه قريب جداّ من فكر اليمين الإسرائيلي، وتأسيسه جاء فقط للإطاحة بنتنياهو وليس لطرح بديل حقيقي.

وأشار أبو عواد أن تكتل الحريديم، المتمثل بيهدوت هتوراة وشاس، لديهم برنامج ديني واضح يضمن عدم المشاركة في الجيش وعدم تدنيس السبت المقدس، مدللاً على أن هذه الأحزاب كانت ترفض الصهيونية قديماً، بينما باتت اليوم تقترب منها خاصة عند الحديث عن حزب شاس.

وأما عن التكتل الثالث، فهو صغير ويسمى باليسار، “ميرتس” لديه قناعات بأمور داخلية والاعتقاد بأنه يجب أن يكون هناك سلام مع الفلسطينيين، تحالف مع بارك السفاح الذي كان أكثر يمنية مع الفلسطينيين مقارنة بنتنياهو.

وكانت مداخلة الأسير المحررعصمت منصور الحديث عن مشاركة القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست وجدوى ذلك، واعتبر أن الانتخابات الاسرائيلية تشير الى موت اليسار الإسرائيلي والتوجه نحو اليمين الإسرائيلي.

وعن ماهية وجدوى وجود العرب داخل الكنيست والمشاركة فيه، بعد أن سمح الكنيست للقائمة المشتركة –المكونة من 4 أحزاب عربية في الداخل- ، أشار منصور الى أن الأحزاب الأربعة في القائمة استنفذت دورها وما عادت الجماهير العربية تثق بها بصورة كبيرة ولو نزلت الانتخابات بشكل مستقل لما استطاعت النجاح.

وأشار الى ان الوجود العربي في الكنيست بدأ منذ عام 1966 بعد سقوط الحكم العسكري الاسرائيلي، وعام 1993، كان وجودهم انعكاس على تعبير وجودهم في الداخل وتحدي الاحتلال كجزء من النضال لصالح القضية الفلسطينية، ولكن بعد هذا العام الذي شهد أوسلو أصبح دورهم يضعف.

بينما اليوم أصبح الوجود العربي في الكنيست من أجل الحقوق الخاصة للفلسطينيين في الداخل والمساواة مع الاحتلال.

وشدد منصور على أن اليمين الإسرائيلي يسعى للسيطرة على مفاصل الدولة الإسرائيلية بكل مجالاتها، وترك سؤال جدوى مشاركة العرب في الكنيست في ظل هذه الظروف مفتوحاً.

وأجمل أحمد رفيق عوض أطروحات الندوة مؤكداً على أن التطرف الإسرائيلي لا يغطى بغربال، مطالباً بضرورة اتمام الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام كأحد أهم وسائل التحرر من الاستعمار الإسرائيلي، وأن الانتخابات الإسرائيلية تشير الى أن القادم أسوأ بكثير مما عليه نحن الآن.

 

 

 

أكمل القراءة

دراسات

تراجع ثقة الجمهور الإسرائيلي بديمقراطيته وبشعوره بالأمان

نشر

في

بواسطة

 

إعداد وتحليل: فريق مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

في تقريره الشهري، والذي يحمل عنوان : مقياس السلام، أظهر استطلاع رأي مركز الديمقراطية الإسرائيلي، أنّ هناك تراجعاً ملحوظاً في ثقة الجمهور الإسرائيلي بديموقراطيته، وفي شعوره بالأمن، إلى جانب شعوره أنّ الحوار السياسي في الكيان بات أكثر عُنفاً (هيرمان و عنبي، 2019)، وفيما يلي أبرز ما ورد في الاستطلاع.

  1. تراجع التفاؤل بالديمقراطية والأمن.

أظهر الاستطلاع أنّ 47% فقط متفائلين بمستقبل الديمقراطية في دولتهم، علماً أنّ النسبة كانت 54% في شهر نيسان الماضي، وحيال الأمن أظهر فقط 50% تفاؤلهم بواقع دولتهم الأمني، فيما كانت النسبة قد وصلت إلى 59% خلال شهر نيسان الماضي.

تراجع ثقة الجمهور الإسرائيلي بديمقراطيته، مرده إلى العديد من الأمور والقضايا، منها أنّ عدم قُدرة الأحزاب المُنتخبة على تشكيل حكومة بعد الانتخابات الأخيرة، وضيق مطالب الأحزاب، وتركيزها على المصالح الداخلية، ساهم بشعور المواطن الصهيوني، أنّ الهم الأول لسياسييه المصلحة الخاصة، وتجلى ذلك بوضوح حين حاولت ولا زالت مجموعة من أحزاب اليمين، تسيير القانون الإسرائيلي باتجاه حماية رئيس وزراء فاسد، يضمن للنخبة في محيطه استمرارهم في الحكم في ظل أنّه صمّام الأمان للنخبة الحاكمة لما يحظى به من شعبية.

أمّا تراجع شعور المواطن الصهيوني بالأمن، ما بعد شهر نيسان المنصرم، بحدود 9%، فهذا ارتبط بشكل كبير بالفشل الكبير في التصعيد الأخير مع قطاع غزة في بداية أيّار، اذ كان لموجة التصعيد، دوراً مهمّاً في ترسيخ مفهوم تآكل الردع الإسرائيلي، وأنّ المقاومة الفلسطينية باتت اللاعب الأهم في تحديد مسار الاشتباك مع الاحتلال، وهذا تجلى بانتهاء الجولة بتسجيل المقاومة نقاط ضد الاحتلال، انعكست انتقاداً واسعاً، بعدم قدرته التعامل مع مقاومة غزة، واقراره الضمني بأنّ الحرب خيار غير وارد على الطاولة، في ظل استحالة حسم المواجهة، وتكلفتها العالية إسرائيلياً.

  1. الحوار السياسي في الدولة عنيف.

74% من الجمهور الصهيوني، اليمين، الوسط وكذلك اليسار، يعتقدون أنّ الحوار السياسي في الدولة أكثر عنفاً من الماضي، وقد عبر كبار السن عن هذا الشعور بنسبة أكبر، وهذا مرتبط أنّ الأجيال الأكبر عاصرت أوضاعاً أفضل من هذه في الدولة العبرية، وقد أشار 72% من الجمهور أنّ المواضيع التي يتم نقاشها قليلة الأهمية، وغير مرتبطة بالحقائق.

تحول الخطاب الداخلي في الكيان إلى شكل أكثر عنفاً، يُمكن فهمه في سياق توسع الفجوات الداخلية، وزيادة التعصب للانتماء الفكري، تحديداً بين اليمين الديني، والتيارات العلمانية، هذا إلى جانب ارتفاع منسوب العنصرية تجاه الأقليات الأكثر ضعفاً، وتحويل مفهوم الدولة العبرية، من ديمقراطية تحترم الدين، إلى دولة يهودية في الدرجة الأولى وبعد ذلك ديمقراطية.

هذا التحول ساهم بجعل أجندة التيار الديني اليميني، الذي يُعتبر بيضة القبان في الحكومات الأخيرة، إلى الأجندة الأكثر تحقيقاً لأهدافها، الأمر الذي بات يجعل من المجتمع الصهيوني، مجتمعاً أكثر انقساماً وحقداً على المكونات المُخالفة له، خاصةً إذا ما ارتبط الأمر بقضايا الدين والدولة، وشعور شريحة كبيرة، أنّ هناك شرائح كالحريديم، تقتات من الدولة، دون أن تُقدم لها شيئاً، بسبب رفضهم التجنيد في الجيش على سبيل المثال، وهذا ما يدفع مؤخراً شرائح وازنة غير دينية، للمطالبة بالمساواة في تحمل الأعباء.

  1. لا أمل بنجاح صفقة السلام.

أشار 70% من المستطلعين أنّ لا فرصة لنجاح خطة ترامب، حيث عبرت الغالبية العظمى عن قناعتها بعدم إمكانية تحقيق السلام بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني، فيما أشار 58.5% من اليهود أنّ السلام الاقتصادي من الممكن أن يتحقق، حيث أشاروا أنّ تحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية، أكثر جدوى لتحقيق السلام من الانسحاب من المناطق المحتلة!.

شعور الغالبية الإسرائيلية بأن لا أمل بنجاح خطة ترامب، مرده إلى القناعة الداخلية للمجتمع الاسرائيلي، أنّ دولة الاحتلال لا يُمكن أن تُقدم على افراغ المستوطنات، أو إيقاف البناء بها، وبأنّ الشعب الفلسطيني، أو على الأقل الشريحة التي آمنت بالسلام وفق أوسلو، لن تقبل بالأمر الواقع الذي باتت تفرضه “إسرائيل”. والرقم هذا ذاته يؤكد أنّ غالبية المجتمع الصهيوني لم تعد تؤمن بالسلام، 70% يحملون هذه القناعة، ليس بالضرورة لقناعتهم بفشل ترامب وخطته، بل انعكاس قناعتهم الداخلية، بأنّه يجب افشال أي خطة سلام، تُحاول الحد من التوغل الإسرائيلي في الضفة، وليس بالضرورة أن تشتمل خطة ترامب على ذلك، لكن الفكرة أنّ موضوع سلام سياسي، قائم على منح الفلسطيني جزء من أرضه، هو أمر مرفوض اسرائيلياً.

والمُلاحظ أنّ نسبة من يؤمنون بالسلام الاقتصادي في ارتفاع، هذا السلام المبني وفق رؤية اليمين على منح الفلسطينيين مزايا اقتصادية، فرص عمل، وافتتاح مشاريع مرتبطة بالاحتلال، على قاعدة أنّ الاقتصاد وتحسين واقع الفلسطيني، سيدفعه لعدم التفكير بالاتجاه السياسي والمقاومة لاسترداد ارضه، بحيث يتم تحويل هذه المزايا، إلى جوهرة يخشى الفلسطيني فقدانها، وفق التصور الإسرائيلي، وبالمناسبة فإنّ اليمين بشكل عام يؤمن بهذه النظرية، ولو نظرنا إلى 58.5% لوجدنا أنّها نسبة من يُصنفون أنفسهم على أنّهم يمينيين في المجتمع الصهيوني.

  1. نتنياهو المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الوزراء.

وحول الشخصية الأفضل لتركيب الحكومة الإسرائيلية القادمة، أشار 39% أنّ نتنياهو هو الشخصية الأوفر حظاً، فيما نال جانتس 24%، ايهود باراك 9%.

استمرار تربع نتنياهو على عرش الأفضل لقيادة دولة الاحتلال، يؤكد عدم قدرة الدولة العبرية على تفريخ قيادات في السنوات الأخيرة، تحظى بكاريزمية عالية، فنتنياهو الفاسد، المرتبك أمنياً، بات الخيار الأفضل للغالبية، التي باتت تؤمن بضرورة تحصينه من القضاء، من أجل أن يستمر في قيادتهم.

ولعلّ تكاتف كافة القيادات الأخرى ضد نتنياهو، وتحويل دعايتهم الانتخابية ضده ولإسقاطه فقط، قد منحه المزيد من الحياة، ودفع شريحة كبيرة للدفاع عنه والايمان به، في ظل شعورهم أنّه الشخصية الأكثر حنكةً. وهذا يؤكد التوجه العام في الدولة، بأنّ الفساد ليس بالضرورة أن يكون عاملاً في اسقاط السياسي، بل يُمكن أن يوفر له محيطاً مدافعاً ومستصغراً تلك التُهم، تحت عنوان، المصلحة العامة تقتضي بقاء نتنياهو، الذي أظهر قُدرة أكبر من غيره ليس في إدارة الملفات، بل بتوجيه خطاب عاطفي للجمهور، التركيز على الإنجازات الدبلوماسية الخارجية، النجاح في الملف الإيراني، وعدم نزوله لمستوى قيادات دولة الاحتلال الأخرى في الخطاب.

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ شهر واحد

فلسطين الجديدة .. مزرعة أرانب وجزر

كتب: وليد الهودلي حسب تسريبات قناة الميادين عن صفقة القرن فإن الامر لا يحتاج الى مزيد من الجهد لنكتشف أن...

مقالاتمنذ شهر واحد

انطلاقة حماس.. ثقل الحمل وقوة الظهر

  عماد أبو عواد\ مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني مع الانطلاقة الثانية والثلاثين لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وما مرت...

مقالاتمنذ شهرين

نفتالي بنت في وزارة الجيش.. ما بين الواقعية واليمينية

  عماد أبو عواد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني نفتالي بنت زعيم حزب اليمين الجديد، أصبح وزيراً للجيش...

مقالاتمنذ شهرين

علاء الريماوي .. الصوفي النقيّ، المناضل العنيد، الفلسطيني الحرّ  

كتب: وليد الهودلي وهو ليس بحاجة لشهادتي ولا شهادة غيري ولكن أحيانا لا بدّ من اثبات المثبت وتأكيد المؤكد ....

مقالاتمنذ شهرين

المقاومة في غزة تتقن مصارعة الثيران

كتب: وليد الهودلي ما بين تبجح دولة الاحتلال بحربه على ثلاث دول عربية ومواجهته لثلاث جيوش مرة واحدة وانتصاره الساحق...

مقالاتمنذ شهرين

حكاية صواريخ صُنعت بأيدي طاهرة !!

كتب: وليد الهودلي يُحكى أن في زمن قريب من هذه الايام كانت هناك دولة هي الدولة الاعظم تسلحا والاكثر تطورا...

مقالاتمنذ شهرين

آيزنكوت ونظرية الأمن الجديدة للكيان

فريق تحليل مركز القدس مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني رئيس هيئة الأركان جادي آيزنكوت، واللواء الباحث في معهد دراسات...

مقالاتمنذ 3 شهور

ما بين النكبة واليوم وقابلية الهزيمة من جديد

كتب: وليد الهودلي كانت قابلية الهزيمة قد أصابتنا نحن الفلسطينيين ما قبل هزيمة ثمانية واربعين حتى النخاع ، كل عوامل...

مقالاتمنذ 3 شهور

الضفة وغزة.. ما بين المفقود والمرغوب

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني ما بين أزمات الضفة وغزة، مسيرة من الألم يحيياها...

مقالاتمنذ 3 شهور

حجر يتسهار الأوحد وحجارتها العديدة

كتب: معتصم سمارة أن تسمع عن إصابة أحد بالحجارة قرب مستوطنة يتسهار فالامر ليس بالمستغرب، فقد اعتاد من يسمون “بشبيبة...

الأكثر تفاعلا