تواصل معنا

دراسات

الاقتصاد المقدسيّ مِن الازدهار إلى الانهيار

نشر

في

اعداد: امتنان الطحان- مركز القدس

 

“الاقتصاد المقدسيّ مِن الازدهار إلى الانهيار في الفترة حتى انهيار الدولة العثمانية”

المُقدمة:

تُعتبر مدينة القُدس مِن أشهر المُدن السياحيَّة، وهي محط أنظار سُكان العالم أجمع، يؤمّها السُياح لزيارةِ الأماكن المُقدسة، ولهذا كانت السياحة تدُر أرباحاً وفيرة على سكان القُدس قبل عام 1967، وتساهم بقسط وافر مِن الإيرادات السياحيَّة للأردن، وبعد الاحتلال أصبحت مورداً هاماً للاقتصاد الصُّهيونيّ، أمّا على الصعيد الصناعيّ فَيوجد في القُدس العربيَّة صناعات خفيفة كَطحنِ الحبوب، وعصر الزيتون، وصناعة النسيج والخزف والحلويات والسجائر والصناعات التقليديَّة السياحيَّة وأُخرى حديثة مثل صناعة الأدويَّة، والأجهزة الكهربائيَّة والإلكترونيَّة والأسلاك والبرادات والغسالات وأفران الغاز وصنع البطاريات وصقل الماس وغيرها مِن الصناعات الهامَّة . أمّا الحركة التجاريَّة فَهي مُزدهرة بسبب موقع المدينة السياحيّ والتّاريخيّ والدِّينيّ.

 

أمّا جانب الكهرباء فقد ضمت سُلطات الاحتلال الصُّهيونيَّة شركة كهرباء القُدس إليها، واعتدت على اِمتياز الشركة العربيَّة، وشرعت شركة الكهرباء الصُّهيونيَّة بإنشاء محطات فرعيَّة داخل المدينة وأصدرت قراراً بالحجزِ على أموال الشركة.

 

فَشهدت المدينة المُحتلة حالة غير مسبوقة على مدار العقود الخمسة الماضيَّة في اقتصادها، حتّى وصلَ فيها المَطاف مِن مرحلة الازدهار إلى مرحلة الانهيار في السنوات الأخيرة، بفعل سياسة الاحتلال الصُّهيونيَّة الّتي طبقتها على المقدسيين لِخنقهم حتّى يدفعهم إلى الرحيل. كَإحدى السياسات التهويديّة لِمدينة القُدس.

 

لم تسلم مدينة القُدس مِن تهويد مُقدساتها، بل أصبحت المدينة تتعرض إلى حملة شرسة تفترسُ اقتصادها بشكل مُباشر، وذلك باعتبارها ضمن المُخططات التهويديَّة مِنْ خلال مُضاعفة الضرائب على أهلِ المدينةِ، وملاحقة التُجار ومنع إصدار تصاريح البناء، وقتل الحركة السياحيَّة، وغير مصادرة الأراضي وتحويلها لِمناطق خضراء تمهيداً لِاحتلالها وتسليمها للمُغتصبين، وعزلها عن محيطها مِنْ الأراضيّ الفلسطينيَّة المُحتلة عام 1967.

 

مُنذ إندلاع الانتفاضة الأوّلى عام 1987، بدأ اقتصاد المدينة بِالتكعكُع، وزادت وتيرتها مع الانتفاضة الثَّانيَّة عام 2000، ثُمّ جاء الجدار الفصل العُنصري عام 2004، الّذي حرمَ نحو أربعة ملايين مِن الضفة الغربيَّة وقطاع غزَّة مِن دخول المدينة إلّا بوجود تصاريح. كَعملية لِتضرب الاقتصاد المقدسيّ، وإفقار التُجار المقدسيين، بِهدف شل حركة شراء الغير مقدسيين.

 

السياسات الصُّهيونيَّة الغاصبة المُتلاحقة على أهالي المدينة المُقدسة وتُجارها، خلقت بيئة اقتصاديَّة ضعيفة العصب قابلة لِروماتيزم المفصل الاقتصاديّ، كما تتحدث الإحصاءات عن أن نسبة بطالة بين الفلسطينيين بالقُدس تصل إلى 25%، أما معدل الدخل فيبلغ للفلسطينيّ نحو ألف دولار، وهو أقل مِن نصف تكلفة المعيشة بالمدينة[1]، وتشير إحصاءات إسرائيليَّة رسميَّة إلى أن 75% مِن الفلسطينيين شرق القُدس فقراء، في حين تصل نسبة الأطفال العرب الفقراء إلى 82%.[2]  مِن السكان المقدسيين، في أرقام صادمة تكشف خطورة ما تتعرض له المدينة.

 

وجه الكيان الصُّهيونيّ ضربة قاضيَّة للاقتصاد المقدسيّ الّذي أذاق كُلّ المقدسيين مرارة السياسات الظالمة الاحتلالية القائمة على إغلاق كُلّ المحلات التجاريَّة تحت حُجة ” الدواعي الأمنيَّة “، وإيقاف العمليَّة التجاريَّة بِكُلِّ مكوناتها الحيويَّة، عدا عن فرض الضرائب الباهظة والمخالفات اليوميَّة، وحملات التفتيش والاعتقالات المُتكررة بحقِّ التُجار المقدسيين، ومصادرة الأملاك والبيوت، وصولاً إلى حدِّ قطع الكهرباء والماء عنهم!

 

إضافة إلى هذه السياسات تعمّد الاحتلال قتل السياحة الداخليَّة بفعل الإجراءات التعسُفيَّة والصارمة الّتي يفرضها الكيان الصُّهيونيّ قبل الوصول إلى مدينة القُدس، ومنع السُياح والزوار مِن دخول البلدة القديمة خاصّةً. سياسة لِتوجيه ضربة قاتلة للحياة الاقتصاديَّة، لِتبلُغ الإغلاقات للمحال التجاريَّة 50%، ما رغمت في تهجير التُجار إلى الأسواق الخارجيَّة. لِتُصبح البلدة القديمة كَمدينةِ أشباح لا يوجد فيها أيّ حركة تجاريَّة بعد أن كانت تعُج بالزوار والمشترين، مدينة معزولة تماماً، تئُن مِنْ شلل أصاب اقتصاد المدينة.

 

فَالاحتلال الصُّهيونيّ دمر اقتصاد المدينة المقدسة بشكلٍ كامل، لِتُساهم هذه السياسات التهويديَّة بحقِّ المقدسيين في تكفين الاقتصاد المقدسيّ ووضعهُ في تابوت الاحتلال ودفنهُ في تراب عدم التطوير، بعد أن رفع الجميع يدهُ عن تقديم الدعم الإقليميّ والدّوليّ للمدينة. فَأخذت نسبة المُشتريات على كُلِّ المُنتجات في القُدس المُحتلة بالانكماش، لِتصل إلى 80%.

 

فَتدنت مبيعات الألبسة بِنسبةِ 70%، والأحذيَّة 78%، والمواد الغذائيَّة 60%، وهذا يعني أن في الأيَّام القادمة سَتكون أكثر خطورة عما سلف على أهل المدينة المقدسة في حال إذا لم يوضع برامج وخطط اقتصاديَّة استراتيجية عاجلة لإنقاذ العملية الاقتصاديَّة مِنْ هذا المرض الّذي شلَ حركتها، وتعزيز صمود المقدسيين، ومجابهة ما يتم تخطيطهُ على أيدي الاحتلال لِتهجير التُجار المقدسيين.

 

تتطرق هذه الدراسة في المحور الأوَّل تحت عنوان ” أسواق البلدة القديمة في القُدس ” ، يُقدم هذا المحور لمحة تاريخيَّة وتفصيليّة عن أسواق البلدة القديمة في القُدس الَّتي تعُد بمثابة عصب الاقتصاد المقدسيّ ، وحيويته معقوداً بأسواقِه الَّتي طالما تُعتبر أسواق القُدس مِن أبرز معالم المدينة المقدسة وتمثل جزءاً أصيّلاً مِن هويتها وتعد العمود الفقريّ لاقتصاد المدينة، وترتبط هذه الأسواق بشبكة كبيرة مِن الطرق والعقبات والأحواش.

 

وتشكل الحالة الاقتصاديَّة للقُدس حالة فريدة مِن نوعها فهي مُنذ عهود مبكرة تفتقر لمقومات المدينة الاقتصاديَّة لأسباب عدة منها نُدرة مصادر المياه فيها إلَّا مِن نبع واحد وحيد يقع في الطرف الجنوبيّ فيها (أسفل تل الضهور-في منطقة سلوان اليوم) كذلك نُدرة الأمطار وطبيعتها الطبوغرافيَّة الجبليَّة الَّتي حدت مِن وجود مساحات زراعيَّة، وكذلك خلوها مِن مناطق صناعيَّة إلَّا فيما نُدر.

 

ولم يبقَ ما يساعد المدينة في اقتصاداتها إلَّا احتوائها على جُملةٍ متنوعة مِن الآثار مِن مُختلف العهود بالإضافة إلى وجود أماكن مقدسة يُشد إليها الرَّحال مثل المسجد الأقصى ويحج إليها مثل كنيسة القيامة. مما غلّب عامل مقوم للاقتصاد يندر حدوثه في مدن أُخرى وهُو عامل اقتصاد الحج السياحيّ والدِّينيّ، لذلك كانت الحاجة مُلحة وضروريَّة لإقامة أسواق اقتصاديَّة تلبي حاجة الساكن المحلي وكذلك حاجة الوافد الحاج والمقدس للأماكن الدِّينيَّة .[3]

 

المحور الثَّانيّ بِعنوان ” اقتصاد القُدس خلال الحُقبة التَّاريخيَّة العثمانيَّة ( 1516- 1917)، تمكنت الـدّولة العثمانيَّة مِن السيطرة على بـلادِ الشام، وشرعت في تقسيمِ بلاد الشام إلى ولايات متعددة وتمّ تقسيم كُلّ ولاية إلى مقاطعاتِ إثر معـركة مـرج دابق922هـ/1516م، وبعد أن وصل السُلطان سليم الأوَّل دمشق أرسل عشرة آلاف جندي لِفتحِ القُدس، ودخولها في العامّ ذاته، ثَمَّ نُصِّب أوَّل حاكم لِإمارة القُدس مِن العثمانيين وهو إسكندر بن أرنوس ، بعد ذلك زارها السلطان قبل أن يتوجه لِفتحِ مصر حيثُ دخلها دون قتال.

 

وكانت أعمال السُلطان سليم عند وصولِهِ إلى مشارفِ القُدس خرج أهل القُدس مِن الأعيان والعلماء والوجهاء لِاستقبالِهِ، والترحيب به وسلموه مفاتيح المسجد الأقصى المُبارك ، وقُبَّة الصَّخرة، ثُمَّ سجد السُلطان شاكراً لله تعالى على هذه النعمة ، وبعدها بدأ بِزيارةِ الأماكن المقدسة ثُمَّ اطلع على شؤونها ، وأمر ولاته بتنظيم أحوالها ، فَقام بإكرام أهلها والتودد إليهم ومنحهم الأعطيات والهدايا المجزية.

 

تمّ بناء جهاز إداريّ للنظام الاقتصاديّ في القُدس عُرف (بالطوائف الحرفيَّة) كما شهدت أعداد السكان تذبذباً خلال العصر العثمانيّ وذلك لِأسباب طبيعيَّة بشريَّة.[4]

 

تكمن أهميَّة الدراسة في توضيح الوضع الاقتصاديَّ لِمدينة القُدس على غرارِ تنفيذ إسرائيل سياستها ومخططاتها لِعزلِ القُدس عن بقيَّةِ أجزاء الضفة الغربيَّة على كافةِ المستويات، حيثُ شملت الأرض والسُكان والاقتصاد والمؤسسات. كما قامت -ولا تزال تقوم- بِضربِ البُنيَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والمؤسساتيَّة والإداريَّة لهذه المدينة، باعتبارِها المركز والمحور والقلب النابض للشعبِ الفلسطينيَّ .

 

ونتيجة للسياساتِ والإجراءات الإسرائيليَّة ضدّ المدينة وسُكانها، بدأ دور المدينة ومكانتها الاقتصاديَّة يتراجعان بشكلٍ مستمر، فدخلت القطاعات الاقتصاديَّة المُختلفة -السياحيَّة والصناعيَّة والتجاريَّة والخدماتيَّة- في أزماتِ متواصلة، حيثُ ساهم الحصار والإغلاق المتواصلان للمدينة والمفروضان عليها مُنذ عشرات السنوات، بركود تجاريَّ واقتصاديَّ فيها وإفلاس العديد مِن المنشآتِ، وإغلاق مئات المحال التجاريَّة، وهجرة الكثير مِن المؤسساتِ والمنشآت الاقتصاديَّة والتجاريَّة إلى خارجِ حدودها، وتحديداً إلى مدينتي رام الله وبيت لحم والضواحي.

 

المدينة المُقدسة، في قسمِها الشرقيَّ، تُعاني مِن عمليات حصار اقتصاديَّ واجتماعيَّ ومعيشيَّ خانق ممنهج، تسهم فيه الهجمة الاستيطانيَّة المُتسارعة الَّتي تزداد شراسة وتغولا يوماً بعد يوم، مسنودة إلى ما يوفره جدار العزل العنصريَّ مِن أسبابِ تُفاقم مِن حدّةِ الأزمات المُفضيَّة إلى اغتيالِ المدينة.

 

لا تقف هذه المعاناة أيضاً عند مصادرة مساحات مِن الأراضيَّ المقدسيَّة مِن أصحابها الشرعيين وضمها إلى المساحاتِ المهيأة لتوسيع العمليَّات الاستيطانيَّة الشرهة، أو عند الإجراءات القمعيَّة اليوميَّة بأشكالها المختلفة والَّتي يتمَّ ارتكابها أمام العالم تحت ذريعة المتطلبات الأمنيَّة؛ ولكنها تمتد أيضاً إلى الاستيلاءِ على العقاراتِ الفلسطينيَّة في القُدسِ القديمة لتوسيع الرقعة الاستيطانيَّة المتفشيَّة في تلك المساحة الَّتي لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، دون أن تتوقف في الوقت نفسه عن مصادرة هويَّات المقدسيين بهدف دفعهم للهجرةِ مِن مدينتهم إلى مناطق أُخرى، ضمن الحرب الديموغرافيَّة والاقتصاديَّة ومعركة الوجود المستعرة في المدينةِ بين سلطة الاحتلال وأصحاب المدينة الشرعيين.

 

ويتعدى الأمر ذلك إلى ممارسة آليات مختلفة مِن القمعِ والتضييق والحصار الاقتصاديَّ لمواطني القُدس مِن الفلسطينيين المتشبثين بالبقاءِ في مدينتهم المُقدسة، مصرين على خوض معركة التشبث الوطنيَّ بالمدينة.

 

وتطال عمليَّات التخريب الاقتصاديَّ لعاصمة الدّولة الفلسطينيَّة المستقبليَّة كافة مقومات الاقتصاد الوطنيَّ الفلسطينيَّ في المدينةِ، وجميع مفرداته، مِن زراعيَّة وتجاريَّة وصناعات حرفيَّة وسياحة.. إلخ، مع الحرصِ على شلِّ إمكانيَّة تناميها ومقومات وأسباب انتعاشها.[5]

وتهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء عمّا يحدث في المدينة المُقدسة مِن الناحيَّة الاقتصاديَّة الَّتي كان بدايَّة ضعفها واضحت المعالم مُنذ العهد العثمانيَّ ، ومع مر التَّاريخ زاد الوضع سواءً ؛ بهدفِ قتل هذه المنطقة الحيويَّة على جميع الأصعدة ، والَّتي تُعد مركز فلسطين الاقتصاديّ والدِّينيَّ ، والتَّاريخيَّ والمؤسساتيَّ . واضعين سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة تضامنيَّة لِإنقاذ الاقتصاد المقدسيَّ ، وحمايَّة المدينة مِن مد السيطرة عليها مِن قبل الاحتلال الصُّهيونيّ.

 

تكمن إشكاليَّة الدراسة في محاولة فهم البدايات الاقتصاديَّة لِمدينة القُدس ، وكيف بدأت مزدهرة وبعدها إلى الانهيار. مما يترافق مع ذلك العمل الإسرائيليَّ الدؤوب لرفعِ مستوى البطالة لدى المواطنين العرب الفلسطينيين، ودفع غول الغلاء ليصول في المدينةِ العربيَّة ويبطش بأهلها، إلى جانبِ الضرائب الباهظة الظالمة الَّتي تفرضها سلطات الاحتلال، فتُثقل بها كاهل المواطن المقدسيَّ، مما يسهم في رفعِ معدلات خط الفقر إلى مستوياتِ غير مُسبوقة، ويقود بالتَّالي إلى تدني مستوى دخل المواطن الفلسطينيَّ هُناك، وتراجع مستوى قدراته الشرائيَّة، مما يسبب خللاً في الدورة الاقتصاديَّة للمدينة [6]، ودفعه إلى الرحيلِ مِن المدينة رغم ذلك يتمَّ تعزيز الصُّمود فِي البلدة القديمة مهما كانت السياسات المُجحفة، والَّتي تعزم على دفع المقدسيَّ إلى الهجرةِ .

 

كما تنطلق الدراسة مِن سؤالٍ رئيس يبحث في هل سياسات الإهمال المعتمدة مِن قبل الاحتلال الصُّهيونيَّ في إحداث فجوة في الاقتصاد المقدسيَّ بجانبِ الخدمات مثل: جهاز التعليم ، وخدمات البُنيَّة التحتيّة ، وإدارة النفايَّات ، وأنظمة الصَّرف الصَّحيَّ ، وبالإضافةِ إلى قوانين الَّتي تحظر التَّطور الاقتصاديَّ وتدمير الإزدهار في الأحياء والقُرى والمخيمات العربيَّة في القُدس سَيقتل حيويَّة المدينة وبعدها تهويدها؟

 

وعليه تفترض الدراسة ما دام لم يتمَّ وضع سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة تضامنيَّة لحمايَّة الاقتصاد المقدسيَّ مِن الانهيار، والتكعكع سيؤدي إلى ضياع المدينة المُقدسة مِن خلال إحكام السيطرة على المحلات التَّجاريَّة مِن قبل المستوطنين ، وبالتَّالي سَيتغيَّر معالم المدينة المُقدسة،  وهويَّتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ لِأن الاحتلال يسعى إلى إيجاد موطئ قدم حتَّى يُحقق حُلمه الشرس في قيام هيكله الثالث المزعوم مكان المسجد الأقصى المُبارك ، والقضاء على المعالم الإسلاميَّة والمسيحيَّة في المدينةِ.

 

تستند الدراسة في إعدادها على المنهج الوصفيَّ التَّاريخيَّ التحليليَّ ، لِدراسة وضع القُدس في ضوءِ التَّاريخ وبناءً على دراسة التَّاريخ سنقوم في تحليل الوضع الاقتصاديَّ المقدسيَّ لِوضع إستراتيجيّات علاجيَّة لِإنقاذ القُدس ، وحمايَّة الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة مِن الضياعِ والتهويد الصُّهيونيَّ.

 

 

المحور الأوَّل: أسواق البلدة القديمة في القُدس:

 

ما أن تدخل أعتاب البلدة القديمة في القُدس حتَّى تمتلئ عيناك بالمحال التجاريَّة والباعة المتجولين والبسطات, فأسواق القُدس قديمة قدم المدينة، وتتنوع محلات القُدس بتنوع المنتج، فمنها ما خصص لبيع اللحوم فقط وسمي بسوق اللحامين، ومنها للعطارة كسوق العطارين وهكذا, فابن القُدس يأخذ حاجته مِن جميع ما يطلب ولا يضطر للذهاب مسافات طويلة لشراء حاجياته، فأسواق القُدس لها منافذ عديدة يستطيع الوصول إليها دون اللجوء لأيِّ وسيلة تنقل .

 

ولأسواق القُدس بالبلدة القديمة، حيثُ الروائح العطرة والمناظر الخلابة لشتى أنواع البضائع، التَّي تزين واجهات المحال التجاريَّة.

 

سوق باب خان الزيت:

وهُو مِن الأسواق العامرة فهو وجه المدينة وأوَّل أسواقها، ويُعتبر المدخل الرئيسيّ لأسواق البلدة القديمة في القُدس، وفيه كثير مِن المحلات القديمة.

 

وعُرف بهذا الاسم نسبة إلى وجود خان أثري يعرف باسم “خان الزيت”، و يمتد هذا السوق مِن أوَّل درجات باب العامود، إلى نهايَّة طريق كنيسة القيامة وهُو امتداد لسوق العطارين.

 

وفي وسط السوق يوجد المرحلة السادسة لطريق الآلآم عند النَّصارى، وكذلك كنيسة الأحباش، ويوجد أيضاً مُصلَّى سيدنا أبا بكر الصديق – رضي الله عنَّه .

 

سوق العطارين:

وهُو مِن الأسواق الجميلة في مدينة القُدس، و يشتهر ببيع جميع أنواع العطارة والأعشاب والزعتر، فما أن تقترب لسوق العطارين حتَّى تبدأ بشم الروائح العطرة والمشهيَّة، وتأخذك إلى عالم مِن السحر والجمال .

 

سوق اللحامين:

عُرف بهذا الاسم لوجود محلات خصصت لبيع اللحوم الطازجة والأسماك ، وهُو موازي لسوق العطارين .

 

سوق الدباغة:

كان هذا السوق يمتاز عن غيره مِن الأسواق في القُدس القديمة، لوجود كثير مِن الحرفيين الَّذين كانوا يعملون في مجال دباغة وتصنيع الجلود، وكان هذا في العهد العثمانيَّ ،أمَّا اليوم فالسوق يمتاز بمحلات لبيع البضائع التقليديَّة والتراثيَّة للأجانب.

 

ويقع هذا السوق قرب كنيسة القيامة، ويوجد في وسطه آثار وتماثيل جميلة تعود لعصور سابقة .

 

سوق الحصر:

سُمي بهذا الاسم لكثرة بائعي الحصر و السجاد، حيثُ كان مرتعاً لتُجار الحصر و السجاد ، ويقع هذا السوق مقابل سوق البازار .

 

سوق البازار:

كان السوق مِن جُملة أوقاف المدرستين الأفضليَّة والكريميَّة، ثُمَّ أصبحت مرافقه مِن جُملة أوقاف عائلتي الحسينيَّ وجار الله ،وهُو الآن يختص ببيع السلع السياحيَّة، و كان في الماضي سوقاً للخُضار، يأتي إليه القرويون مِن ضواحي القُدس لبيع بضائعهم .

 

سوق الباشورة:

وهُو مِن الأسواق القديمة التَّي يعود تاريخها للعصر الرومانيّ، وقد كشفت الحفريات عن السوق الرومانيّ الَّذي هو امتداد لسوق الباشورة، حيثُ الأعمدة الرُّخاميَّة التَّي تزيد السوق جمالاً ورونقاً، وقد قام الاحتلال الإسرائيليّ بتهويد هذا السوق وسماه سوق الكارد، وهُو الآن مهدد مِن قبل اليهود.

 

سوق باب السلسلة:

سُمي بهذا الاسم نسبة إلى باب السلسلة أحد أبواب المسجد الأقصى المُبارك، وهُو امتداد لهذا الباب ويوجد بهذا السوق بعض مِن الآثار الإسلاميَّة القديمة مثل: المكتبة الخالديَّة، وبعض قبور الصَّالحين، وسبيل باب السلسلة، ويمتاز اليوم بمحاله الجميلة التَّي تقوم ببيع التحف التقليديَّة للسواح الأجانب.

 

سويقة علون:

وهي مِن الأسواق المزدهرة بالسُياح الأجانب، حيثُ أنَّها تقع في حيّ النَّصارى قُرب باب الخليل، وهي الطَّريق المؤديَّة إلى كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المُبارك وحائط البراق، ويمتاز هذا السوق ببيع التحف والآثار القديمة الَّتي تظهر عُروبة المدينة المقدسة.

 

سوق الخواجات:

وهُو مِن الأسواق القديمة التَّي تمتاز ببيع الحرائر والأقمشة، وهو موازي لسوق العطارين.

 

سوق حارة الواد:

وهُو الطَّريق الرئيسيّ للمسجد الأقصى المُبارك ويبدأ مِن جنوب باب العامود، وينتهي عند حائط البراق، وفيه بعض المعالم المهمة لدى المسيحين مثل طريق الآلام.

 

سوق حارة النَّصارى:

ويقع في قلب الحيّ المسيحيّ في البلدة القديمة وبه كثير مِن الأديرة والكنائس المسيحيَّة، وكذلك جامع سيدنا عُمر بن الخطاب -رضي الله عنَّه-  في الموقع الَّذي صلّى به عند زيارة كنيسة القيامة.

 

وتمتاز محلات هذا السوق ببيع البخور للكنائس، وكذلك الشمع المقدس، وكثير مِن التحف السياحيَّة.

 

سوق القطانين:

سُمي بهذا الاسم نسبة لباب القطانين أحد أبواب المسجد الأقصى المُبارك، ويعود تاريخ هذا السوق إلى العصر الفاطميّ، حيثُ تجد العمارة الفاطميَّة تضفي جمالاً ورونقاً له، ويوجد به حمامات قديمة يعود تاريخها للعصر المملوكيّ.

 

وتمتاز محالّه ببيع الهدايا والروائح لزوار المسجد الأقصى المُبارك، حيثُ تنبعث منه الروائح العطريَّة.

 

فكما هُو حال المدينة المقدسة مهدد بالتهويد والخطر، كذلك هي أسواق البلدة القديمة بالقُدس مهددة بالخطر والهدم مِن قبل الاحتلال، فيعاني اليوم أصحاب المحال التجاريَّة بالقُدس، التهديد اليوميّ مِن قبل سلطات الاحتلال الإسرائيليّ، وذلك برفع أسعار ضريبة الأرنونا، ومنعهم مِن إدخال البضائع والتضييق عليهم بتسكير وإغلاق محالهم التجاريَّة.[7]

 

المحور الثَّانيّ: اقتصاد القُدس خلال الحُقبة التَّاريخيَّة العثمانيَّة(1516-1917):

 

تعد الصناعة على قدر عالٍ مِن الأهميَّة، كونها تلبي احتياجات أساسيَّة للسكان، فكانت الصناعات الغذائيَّة والنسيجيَّة والمعدنيَّة والجلديَّة…إلخ، وقد تمّ بناء جهاز إداريّ للنظام الاقتصاديّ في القُدس عُرف بالطوائفِ الحرفيَّة، وهي أن يتمَّ تنصيب شيخ لِكُلِّ طائفة يعمل على تصريف أمورها وينظم علاقاتها، ومِن المهن الَّتي درجت في هذه الطوائف الحلوانيَّة والدباغة والنساجون، والصاغة.

 

ومِن أبرز الصناعات الَّتي كانت مُنتشرة في القُدس صناعة الصابون، وصناعة المنسوجات، حيثُ كان لها رواجاً كبيراً حتَّى أنها كانت تُصدر إلى البلادِ المجاورة لا سيما مِصر وقُبرص.

 

الأسواق والخانات:

 

السُوق: عبارة عن مجموعة مِن الدكاكين تصطف على جانبي بعض الشوارع داخل المدينة معقودة سقوفها ويتخللها فتحات لِدخول الضوء، لِلرفق بِالمتجولين فيها صيفاً وشتاءً، وكان لِكُلِّ سوق مدخلان يُغلقان ليلاً، أما أسواق القُدس في هذا العصر فَهي:

سُوق التُجار، سُوق الجوخ، سُوق الخضر، سُوق الصرف، سُوق. الطباخين، سُوق العطارين، سُوق الفخر، السُوق الكبير.

 

الخان: عبارة عن مبنىٍ كبير يتكون مِن عدد مِن العناصر المعماريَّة كُلّ واحد مِنها له وظيفة معماريَّة وإنشائيَّة، ومِنها: خان الزيت، خان الغادريَّة، خان العمارة العامرة، خان الفحم، خان الوكالة.[8]

 

ظل اقتصاد فلسطين زراعيَّاً، في الأساسِ حتَّى أواخر العهد العثمانيَّ؛ إذ بقيت الزراعة هي النَّشاط الاقتصاديَّ الرئيسيَّ لِلسكان، وكانت تعتمد على مياه الأمطار إلى حدٍّ كبير؛ وتتأثر بالتالي بغزارة أو بِقلة الأمطار. وظلت الزراعات المُنتشرة في فلسطين هي نفسها تقريباً بِاستثناء التطوّر الكبير الَّذي طرأ على زراعة الحمضيّات، والَّتي صارت تحتل المكانة الثَّانيَّة، مِن حيثُ الأهميَّة، بعد القمح في قائمة المواد المصدّرة مِن فلسطين في ثمانينيات القرن التَّاسع عشر، ثُمَّ قفزت إلى المكانةِ الأوَّلى سنة 1904م.

 

بقيت الصناعة في فلسطين ذات طابع حرفيَّ وتقليديَّ عموماً، ومن أبرز الصناعات الَّتي عرفتها فلسطين صناعة الصابون، الَّتي كان مركزها الرئيسيَّ مدينة نابلس؛ كما ازدهرت صناعة الأدوات التذكاريَّة مِن خشب الزيتون، وصناعة الصدف، ومعاصر الزيتون ومطاحن الحبوب.، واشتهرت مدينة القُدس بصناعة الأحذيَّة؛ بينما اشتهرت مدينة الخليل بصنع الأساور مِن الزجاج، ودبغ الجلود وصنع الخزف ، ووجد في بلدة المجدل ما يزيد عن مائة نول لحياكة الكتان، وانتشرت في غزَّة صناعة العباءات، ومارس المسيحيون فيها صناعة البناء، الَّتي انتشرت كذلك في القُدس وبيت لحم وبيت جالا ، وفي أبو ديس شرق القُدس، وبيت دجن، انتشرت صناعة الحصر والقفف والأطباق.

 

بيد أن الظاهرة الَّتي تعمقت في تلك الفترة هي زيادة تدفق المنتوجات الأجنبيَّة إلى الأسواق الفلسطينيَّة؛ فقد أدّى تعمق ارتباط الاقتصاد الفلسطينيَّ بالاقتصاد العالميَّ، والتغيّر الَّذي طرأ على أوضاع المجتمع، وارتفاع مستوى معيشة السُكان، إلى إقبال السُكان على المنتوجات الأجنبيَّة الَّتي غمرت الأسواق، ونافست الصناعات التقليديَّة المحليَّة، نتيجة ضعف الحمايَّة الجُمركيَّة لها، ذلك أن الرسوم الجُمركيَّة كانت ضئيلة جداً، بدأت بـ 3 في المئةِ، وانتهت بـ 11 في المئةِ مِن قيمة البضائع المُستوردة.

 

وبقيت المحاصيل الزراعيَّة تُشكّل أهم صادرات فلسطين، وكان حجمها مرتبطاً بطبيعة المواسم الزراعيَّة، فمثلاً: ساءت الأحوال الاقتصاديَّة في عام 1879؛ نتيجة قلة الأمطار، وضعف المحصول الزراعيَّ وارتفاع الأسعار؛ الأمر الَّذي أدّى إلى شلل في الحركةِ التجاريَّة.

 

وظلت فلسطين تُصدّر القمح إلى أوروبا، حيثُ كان ثلثا القمح المصدّر مِن عكا يأتي مِن سهل حوران؛ والثلث الآخر مِن شمالي فلسطين (مِن مناطق عكا والناصرة وطبريَّة)؛ كما ظلت موانئ فلسطين (يافا، وحيفا، وعكا) تصدّر الشعير والذرة والسمسم وزيت الزيتون والصابون وصوف الغنم، وتوسعت فلسطين، في تلك الفترة في تصدير البرتقال، وبِخاصَّة مِن ميناء يافا.

 

وكان التَّصدير المُنتظم لِلبرتقال قد بدأ بعد حرب القرم (1856)؛ ثُمَّ شهد تطوّراً ملحوظاً في السنوات اللاحقة؛ حيثُ كانت قد أُنشئت، في سنة 1873، في الضواحي المحيطة بِيافا 420 بيارة برتقال بلغ محصولها السنوي 3، 33 مليون حبّة؛ وكان سُدس هذا المحصول يغطي حاجة السُوق الداخليَّة؛ بينما كان الباقيَّ يشحن بحراً على “ناقلات الفواكه” اليونانيَّة إلى مِصرٍ وآسيا الصُغرى؛ وصار مُنذ سنة 1875، يُصدّر إلى أوروبا أيضاً ،وفي سنة 1880، بلغت غلة محصول البرتقال 36 مليون حبّة ، وقدّرت القُنصليَّة الأمريكيَّة البرتقال الموجود حول يافا، في تلك الفترة بحوالي 500 بستان، كُلّ بستان كانت تتراوح مساحته بين فدانين وستة فدادين؛ وفيها حوالي 800000 شجرة.[9]

 

النقود والمسكوكات في العهدِ العثماني:

 

يظهر أن النقود الَّتي كانت، في بدايَّة الحُكم العثمانيّ، رائجة بين سُكان بيت المقدس هي الَّتي سكت على عهد المماليك، وأن قيمة هذه المسكوكات قد هبط إلى الحضيض مع زوال حكم المماليك. الأمر الَّذي حدا بالسُلطان القانونيَّ إلى سك فلوس جديدة سميت باسمه.

 

ويظهر أيضاً أن النَّاس في بادئ الأمر أقبلوا على التعامل بالفلوس الجديدة وأهملوا القديمة لهبوط قيمتها الأمر الَّذي أحدث ارتباكاً في الأسواق فراحت جماعة مِن المُسلمين إلى نائب القُدس تشكوا أمرها قائلة إنَّها تضررت مِن قلة الفلوس الجديدة وتقرر أن تكون الفلوس القديمة المسكوكة كُلّ أربعة بربع، وذلك برضا جماعة السوقة وأحمد بن أبي بكر محتسب القُدس الشريف.

 

وبيان بعض النقود المسكوكات الَّتي سمعنا بها في ذلك العهد: ” أن أوَّل عُملة ضربت في العهد العثمانيَّ كانت تسمى: أقجة وهي كلمة مغوليَّة الأصل ومعناها: القطعة البيضاء ضربها علاء الدِّين باشا أخو السلطان أورخان، وقد اتخذت يومئذ راتباً يوماً للواحد مِن الجنود كانت في البدء تساوي ثلث درهم مِن الفضة، وفي القول إنها عبارة عن أربعين بارة”.

 

الدَّرهم: كانت المعاملة في أوائل العهد العثمانيَّ بالدَّرهم وهُو مِن الفضة وكانوا يسمونه 954 هـ – 1547 م، الدَّرهم العثمانيَّ وجمعه دراهم وكثيراً ما وردت هذه في الصكوك باسم (الدَّراهم الفضيَّة العثمانيَّة) وهي مِن القطع السليمانيَّة، وأن كُلّ أربعة دراهم مِن الفضة كانت تساوي قرشاً واحداً.

 

الدينار: هُو نوع من النقد يعادل السكة السلطانيَّة مصنوعة مِن الذَّهب والدينار عبارة عن أربعين قطعة مِن الفضة السليمانيَّة. والدينار الذَّهب كانوا يسمونه البندقيَّ، وقيمته 48 قطعة مصريَّة، والقرش الصَّحيح كان في الأصلِ عبارة عن 32 قطعة مصريَّة.

 

ولقد ذكرت (الدنانير الناصريَّة)، ويظهر أنها سكت قبل عهد الأتراك بارة قطعة مِن النقد العثمانيَّ صغيرة القيمة لا بل أنها أصغر مِن نقد آخر أصل الكلمة بارة، وهي فراسيَّة ومعناها شقفة أو قطعة أو جزء، وجمعها: بارات والبارة: عبارة عن واحد مِن أربعين مِن القرش أو أن القرش عبارة عن أربعين بارة. والبارة كانت متداولة في البلاد العثمانيَّة ولا سيما مِصر، ولذلك يقال لها أيضاً مصريَّة ومِن هُنا جاء قولهم (معك مصاري) أيّ دراهم للإنفاق.

 

(القطعة المصريَّة تعد قطعتين شاميتين أو قطعتين عثمانيتين أيضاً، والقرش الأسديّ: عبارة عن ثلاثين قطعة مصريَّة ويظهر أنه كان هُناك قرش غير القرش الأسدي. وهذا القرش كانوا يسمونه بالقرش الصَّحيح وقيمته 32 قطعة مصريَّة).

 

لقد جاء في البستان أنه لمّا كانت البارة عُملة في البلاد العثمانيَّة ولا سيما في مصر. فقد سُميت أيضاً مصرية، إذاً يجوز القول أنّ المقصود مِن القطعة المصريَّة هو البارة.

 

القطعة الشاميَّة: نصف القطعة المصريَّة أيّ أن كُلّ قطعة مصريَّة تعادل قطعتين شاميتين ، ولمّا كان القرش الأسديّ يُعادل ثلاثين قطعة مصريَّة وبالتالي ستين قطعة شاميَّة، وتكون القطعة الشاميَّة عبارة عن جزء مِن ستين مِن القرش الأسديّ.ويظهر أن القطعة الشاميَّة والعثمانيَّة واحدة ، أيّ أن كُلّ قطعتين عثمانيتين تعادلان قطعة مصريَّة.

 

السُلطانيَّ؛ مِن النقود السليمانيَّة الواحد مِنه يُعادل 40 قطعة مصريَّة ولقد قدر القاضيَّ قيمة شيء مِن الأشياء بثلاثين سلطانيّاً قال عنها في قراره أنها تُعادل 1200 قطعة مصريَّة ، ولمّا كان القرش الأسديّ يُعادل ثلاثين قطعة مصريَّة فَيكون السُلطاني مُعادلاً لقرش وثلث القرش مِن القروش الأسديّة.

 

السكة أو السكة السلطانيَّة نوع مِن العُملة ورد ذكرها في المعاملات المدونة في سجلات المحكمة الشرعيَّة خلال القرن العاشر للهجرة (973 هـ – 1565م) ، ويعتقد أنها مِن النقود الَّتي سكت في زمن السُلطان سُليمان القانونيَّ. مِنها ما سك مِن الذَّهب ويسمونه الذَّهب السُلطانيَّ أو الدينار ومِنها ما سك مِن الفضةِ ويسمونها الفضة السُليمانيَّة أو القطع السُليمانيَّة.

 

ويظهر أن الدينار أو السكة السُلطانيَّة المصنوعة مِن الذَّهب كانت تُعادل أربعين قطعة مِن الفضة السُليمانيَّة أو مائة بارة. وأن السكة كانت عبارة عن خمس بارات ، وقد تكون هذه هي المصنوعة مِن معادن أُخرى.

 

القرش الأسديّ؛مِن النقود الَّتي سكها السلاجقة في برِّ الأناضول، وانتقلت معهم إلى هذه البلاد عندما اكتسحوها قيمة أربعون بارة ،وقد سُمي كذلك لأن صُورة الأسد كانت في البدء مطبوعة عليه.

 

وعلى قول أنه كانت عليه صُورة الأسد والشمس معاً ، واستعمله الفرس على هذا الشكل كشعار خاصَّ لمملكتهم وظل يسمى القرش الأسديّ رغم أن صُورة الأسد رفعت عنه مع الزمن.

 

استعمل فيما مضى أساساً للمعاملات التجاريَّة ولصرف النقود، ثُمّ انحصر استعماله في بيع الأشياء بالمزاد العلنيّ فقط ، وظل رائجاً في هذه البلاد حتَّى أواخر القرن التاسع عشر ،وهُناك مِن يقول أن أوَّل مِن استعمله هُم الأتراك العثمانيون، وأن هؤلاء أخذوه عن العُملة الأسديَّة الهولانديَّة الَّتي كانت آنئذ رائجة لديهم في الممالك العثمانيَّة. وكانت تضرب بقيمة ثمانيَّة دراهم ونصف وبعد أن استعمله الأتراك العثمانيون صار يسمى القرش التركيَّ ويقال له أيضاً القرش العثمانيَّ والقرش السُلطانيَّ.

 

والقرش الأسديَّ: كان خلال القرن السابع عشر الميلاديّ يعدل ثلاثين قطعة مصريَّة وقد يساوي ثلاثة فرنكات وفي قول أن القرش السُلطانيَّ يساوي 40 قطعة فضيَّة والقرش الأسديَّ وهُو نصفه يساوي 20 قطعة فضيَّة.

 

ومِن هذا يفهم أن كلمة القرش سواء كانت مِن اختراع الأتراك السلوجوقيين أو الأتراك العثمانيين فإنَّها كلمة تركيَّة أصلها غرش ومِن أسمائها باللُّغة التركيَّة أيضاً: آفجة.

 

وعلى قول أنها لاتينية الأصل أو ألمانيَّة جروش ومهما كان أصلها فإنَّ العرب أخذوها عن الأتراك فعربوها وقالوا قرشاً والأتراك ضربوا هذا النوع مِن النقد في بلادِهم لِأوَّل مرَّة على عهد السُلطان سليمان الثَّانيّ 1099 – 1102 هـ ( 1687 – 1691 م) ، وهُو جزء مِن المائة مِن الليرة التركيَّة.

 

كانت زنة القطعة الواحدة ستة دراهم فضيَّة وقد استعمل القرش مُنذ قرن ونصف تقريباً كوحدة للمعاملات الماليَّة والنقديَّة بقيمة أربعين بارة.

ظلت النقود السليمانيَّة المتقدم ذكرها رائجة في أسواق بيت المقدس حتَّى زمن السُلطان سليم الثالث بن مصطفى الثَّالث الَّذي تولى العرش سنة 1203 هـ- 1788 م ، فقد صدرت الإرادة السنيَّة على عهده بطلب الأوانيَّ وجمعها ممن عندهم وإرسالها إلى الضربخانة على أن يعوض صاحبها عن كُلِّ مثقال مِن الذَّهب بستة قروش ونصف وعن كُلِّ أربعة مِن الفضة بِقرشٍ واحد.

 

ومِن النقود الَّتي اشتهرت في ذلك العهد، ولا سيما خلال القرن الثَّامن عشر للميلاد الزلطة وهي بولونيَّة الأصل فالصداق كان 500 زلطة والدار الكائنة باب حطة بيعت بِسبعِ عشرة زلطة والزلطة عبارة عن ثلاثين بارة فضيَّة أيَّ أنها ثلاثة أرباع القرش الأسديَّ أو خمس ذهبة فندقيَّة.

 

الناحيَّة الاقتصاديَّة في العهد العثمانيّ:

 

الناحيَّة الاقتصاديَّة في العهد العثمانيّ 1517 – 1917م ، فإنَّ علينا أن نرجع إلى السجلات القديمة المحفوظة في المحكمة الشرعيَّة والَّتي تحدثنا بما فيه مِن قضايا وعقود وأوامر عن أخبار ذلك العهد أصدق الحديث ومتى رجعنا إلى تلك السجلات وجدنا أن نفقات المعيشة كانت رخيصة في ذلك العهد ،ويتبين مبلغ رخصها إذا ما قيست بنفقات العيش في الأعوام الَّتي تلتها.

 

كان قاضيّ المسلمين بالقُدس هُو الَّذي يعين أسعار الحاجبات ونقرأ في أحد السجلات أن القاضيَّ حسام الدِّين بحضور المحتسبين مُحمَّد بن داود وعلي بن مُحمَّد بن أبي جاموس قرر أن تكُن أسعار

الحاجيات التالية كما يلي:

الزيت الطيب 48 بارة، السمن العنانيّ 65، الدبس البلدي 15 الجبن 24 ، اللبن 3 ، الصابون العاديّ 40 ، الصابون المشمع 30 ،الصابون الأصفر 24 ، اللحم الضانيّ 15، لحم الماعز 13 ، اللحم البقريّ 8 ، وفي نفس الأمر حديث عن أسعار الزيت، والسكر النبات، والسكر الحمويّ ، والعرق سوس، والفولاذ والحديد والشمع، والسيرج والطحين والخل والمشمش والنشا واللوز والقطين والبرقوق والفقوس والخيار والباذنجان والليمون والخبز والكماج حتَّى وملح الطعام.

 

وأيضاً في السجل نفسه وفي السنة الَّتي تلتها أن مولانا الأفندي نور الله، بعد استشارة المُحتسب موسى بن داود قرر أن يكون سعر الكنافة المخروطة 4 بارات ، والقطايف 4 ،والكنافة الصينيَّة 5 ،والسميد 6 ، والدقاق 6 ، والطحين ،5 وجرة الطحينيَّة مِن المعصرة 34 بارة، ومِن السوق 39 ، وقنطار العنب بوزن القُدس الشريف ماية قطعة فضة سُليمانيَّة.

 

وعندما توفى المدعو جريس بن موسى الراهب الشاميَّ البيطار مِن سُكان القُدس في 16 صفر سنة 971هـ – 1563م ، حصرت تركته بمعرفة القاضيَّ.

 

وقد قدرت دار الميت الكائنة في حارة النَّصارى ب 20 سكة. ويظهر أن السكة كانت عبارة عن 100 بارة ،وفي 6 شوال 973 هـ 1565م، عين ثمن المد مِن الشعير ب6 بارات.

 

وإنا إذا ما انتقلنا إلى الجيل الَّذي تلا ذلك الجيل وجدنا أن قنطار العنب الجندلي حددت قيمته بثلاثة غروش 15 رجب 1020هـ –1211م ، ومد الذُّرة بِغرشٍ واحد 12 شعبان 1042 هـ – 1632 م ،ومد الحنطة بست قطع مصريَّة شوال 1066 هـ – 1655م ،وقنطار الزيت بأربعين غرشاً ذي الحجة 1066 هـ – 1655م.

 

وأمَّا أثمان الغنم فقد كانت كما يأتي:

 

ثمن الرأس الواحد مِن الماعز أو الضأن كان قرشاً أسديَّاً ونصف القرش فقد ابتاع رجل مِن رجل آخر 190 رأساً مِن الماعز والضأن ب125 قرشاً أسديَّاً ،وابتاع آخر 1330 رأساً منها بألفي قرش أسديَّ.

 

وبيعت فرس حمراء عاليَّة كبيشة بثمن جملته مِن الذَّهب السُلطانيَّ ثمانون سلطانيّاً ذهباً، وقطعتان مِن الفضة السُليمانيَّة.

 

وأمَّا أثمان الأراضيّ والعقارات في ذلك العهد فقد حدثتنا عنها سجلات المتقدم ذكرها فقالت: ” إنَّ الخواجا شرف الدِّين بن المرحوم الخواجا مُحمَّد شرف الدَّين قد اشترى مِن فخر المحصنات صفيَّة خاتون حصتها وهي السُدس أيَّ ستة قراريط مِن أربعة وعشرين قيراطاً في جميع غراس الزيتون والتين والسفر جل الإسلاميَّ، وعدة أصوله تسعة عشر أصلاً الكائن في أرض السمار بظاهر القُدس بثمن قدره خمسون غرشاً مِن الغروش الفضيَّة الرائجة في يومنا هذا”.

 

ولقد بيعت نصف الدار الكائنة بالنبي داود والمؤلفة مِن طبقتين مع منافعها بثمن جملته تسع وعشرون سلطانيَّاً ، وبيعت دار كائنة بِحارة بني زيد بالقُربِ مِن رأس القصيلة وهي مشتملة على بيتين سفليين وإيوان ومطبخ ومرتفق وساحة سماويَّة بِثمن جملته خمسة عشر سلطانيَّاً ذهباً قبض البائع منها خمسة سلطانيَّة والباقيَّ مؤجلة إلى سلخ سنة مِن تاريخِهِ.

 

وبيع نصف الدار الكائنة في حارة الواد المشتملة على بيتين سفليين وإيوان ودهليز وصهريج ، وبيت منهدم وشجرتي رمان ولوز بِجميعِ حقوق ذلك وطرقه وجدره ومرافقه ومنافعه بثمن قدره عشرون غرشاً مقبوضة بِيد البائع وحكم القاضيَّ بصحة البيع.

 

وبيع ربع الدار الكائنة بِمحلِه النَّصارى المشتملة على أربعة بيوت سفليَّة وسلحة سمايوة وصهريج بِثمن قدره عشرون غرشاً أسديَّاً. وبيعت في نفس التَّاريخ دار بِباب العمود مؤلفة مِن طبقتين بثمن قدره ثلاثون غرشاً فضيَّاً أسديَّاً.

 

وبيعت دار بباب حِطة وهي تشتمل على غرفتين وإيوان وصهريج ونافع مختلفة بخمسةِ وسبعين غرشاً ،وكان ذلك جمادى الأوَّلى سنة 1140 هـ 1727م.

 

واشترى غطاس وحنا ولدا بشارة بن عظيم الرأيّ الرّومي الحاضر معهما بالمجلس الشرعيَّ جميع الحصة الشائعة وقدرها نصف قيراط مِن أصلِ كامل في جميع الدار القائمة البناء بالقُدس الشريف بِمحلِهِ النَّصارى المشتملة على علو.

 

الأوضاع الاقتصاديَّة خلال القرن الثَّامن عشر:

 

كان سُكان مدينة القُدس خلال القرن الثَّامن عشر يعتمدون على موارد خاصَّة ومميزة بمدينتهم لوضعها القدسيَّ المميز، ومِن أهم هذه الموارد:

 

أ – إيرادات الأوقاف:

 

على الرغم مِن أن إيرادات الأوقاف كانت تُعتبر أهم مورد اقتصاديَّ لِلمدينةِ وأهلها، إلَّا أن أهم ما تُميَّز به القرن الثَّامن عشر هُو تسارع عمليَّة انقراض الأوقاف في المدينةِ على الرغم مِن فرضيَّة دوام الأوقاف أبد الدَّهر.

 

أمَّا سب انقراضها فَهُو يرجع إمَّا لاِنعدام الصيانة لمباني الأوقاف، أو بِفعلِ عوامل الفساد واللجوء إلى أساليب قانونيَّة مُختلفة أدت إلى تجزئة الأوقاف أو انتقال ملكيتها إلى الآخرين وذلك إمَّا عن طريق الإجارة الطويلة لِعقارات أو استبدال هذه العقارات بِالمالِ النقديّ أو بيعها.

 

وكانت أكثر التدابير شيوعاً لإنشاء حقوق خاصَّة في أموالِ الوقف هُو الإجراء المعروف بالخلوِ الَّذي يسمح بموجبه للمستأجر أن يعمر الوقف ليصبح ما أنفقه عليه حقاً مكتسباً له تجاه هذا الوقف. كما كانت عمليَّة الإجارة الطويلة للأوقاف تؤدي في الواقعِ إلى اغتصابها أو انتقالها إلى غير المُسلمين.

 

وقد أعرب الشيخ مُحمَّد الخليليّ في وقفيته المؤرخة سنة 1726 عن صدمته وألمه لِانتقال أموال الأوقاف إلى الغُرباءِ، مؤكداً ما يحمله هذا الانتقال مِن علامات الخطر لمدينة القُدس.

 

ب – المنح الحكوميَّة والخاصَّة:

 

نظراً لِقداسةِ المدينة اعتمد سُكانها في معيشتهم بالإضافة إلى واردات الأوقاف على الإيرادات الَّتي تولدها الدوافع الدِّينيَّة إلى حدِّ كبير، فَقد كان أهل القُدس يتلقون منحاً ماليَّة مِن جهاتِ مختلفة.

 

فَالحكومتان العثمانيَّة والمصريَّة كانتا ترسلان منحاً سنويَّة تعرف باسم ( الصرة ) ليتمَّ توزيعها وفق قوائم خاصَّة على عدد كبير مِن الفقراءِ وغيرهم.

 

أمَّا بالنسبة للاجئين اليهود وقد ازدادت أعدادهم في القُدس خلال القرن الثَّامن عشر خاصَّة بعد وصول بضع مئات مِن اليهود الحسيديم القادمين مِن بولونيا سنة 1777م، الأمر الَّذي دفع بالجاليَّاتِ اليهوديَّة في أوروبا ومِصر وغيرهما إلى جمع وإرسال المساعدات الخيريَّة إلى القُدسِ وكذلك أرسل ملوك أوروبا وخاصَّة ملك أسبانيا مبالغ كبيرة مِن الأموالِ إلى الفرنسيسكان في القُدسِ.

 

ج – الدَّخل مِن الحُجاج :

 

وكان هذا المصدر هاماً وآخر لِدخلِ أهل المدينة، فَقد كان مِن عادةِ الحُجاج المسيحيين أن يمكثوا في مدينة القُدس خمسة أو ستة أشهر كُلَّ عامَّ، وبالتَّالي كانوا ينفقون مبالغ كبيرة في المدينةِ، ومع أن عدد الحُجاج الأوروبيين تناقص بشكلٍ كبير في القرن الثَّامن عشر ويرجع السبب في ذلك إلى ازدياد أنصار العلمانيَّة في أوروبا، إلَّا أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة للمسيحيين الشرقيين الَّذين بلغ عددهم سنة 1784 ألفي حاج.

 

د – الدخل الوارد مِن صناعةِ أدوات التعبد وتصديرها :

 

اشتهر أهل القُدس بِصناعةِ أدوات التعبد مِن المسابح والصلبان وغيرهما مِن الأدوات، فَكان لهذا المصدر مِن الدخل أهمية كبيرة للمسلمين والمسيحيين على حدِّ سواء، كما كان يصدر مِن هذه الأدوات كَالمسابحِ والصلبان وذخائر القديسيين 300 صندوق سنويَّاً إلى تركيا وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا بشكلٍ خاصّ.

 

القُدس في عهد السُلطان عبد العزيز:

 

بعد وفاة السُلطان عبد المجيد عامّ 1861 ، تولى حُكم السلطنة العثمانيَّة مِن بعدهِ أخيه السُلطان عبد العزيز، الَّذي تابع الحركة الإصلاحيَّة في البلادِ والَّتي كانت تتحرك خلال فترة التنظيمات الثَّانيَّة على الأصعدةِ الإداريَّة والماليَّة والعسكريَّة، فانبثق عنها تحسن الأمن العامَّ في أرجاءِ الدّولة، وتوسع إمكانيات الاتصالات والازدهار الاقتصاديّ، غير أنَّه لم تكُن هُناك سياسات حقيقيَّة في الدّولةِ العثمانيَّة بشأنِ التحتيَّة أو الشؤون الاجتماعيَّة أو الاقتصاد أو التعليم.

 

التطور الاقتصاديّ:

بعد انتهاء حرب القرم سنة 1856، انهالت الأموال بِكثرةٍ ساحقة مِن أوروبا على المدينةِ المُقدسة، مما أفاد السُكان المحليين مِن تزايد الإنفاق وخاصَّة فيما يتعلق بِأعمالِ البناء والتعمير كَأثمان لِلمواد والأجور، فَكان لِلازدهار العمرانيَّ الَّذي شهدته مدينة القُدس مورد اقتصاديَّ هامَّ للمدينةِ وأهلها، كما أدى كذلك إلى انتفاع القُرى والمدن المجاورة لها.

 

فقد راجت أعمال الكلاسين (صناع الجير) ودقاقين الحجارة رواجاً شديداً، وفي كُلِّ يوم كانت تتحرك قوافل كاملة مِن الجمال المحملة بالجيرِ والأحجار والخشب إلى مدينةِ القُدس. وكان الأمر في البدايَّةِ يقضي بِجلب المعماريين ودقاقين الحجارة مِن خارج فلسطين كما حدث عند بناء كنيسة المسيح، حيثُ جلب هؤلاء مِن مالطا، لكنَّ ما أن بدأت أعمال البناء والتعمير بالرواجِ في أعوامِ الستينيات حتَّى أصبحت تتوفر هذه المهارات محليَّاً وخصوصاً مِن مدينتي بيت لحم وبيت جالا القريبتين مِن القُدسِ. فَقد نشأ فيها تخصص حرفيَّ لتلبيةِ متطلبات مهنة البناء خاصَّة وأن العاملين في تلك المهنة كانوا يتقاضون أجوراً جيدة.

 

وفيما عدا النشاط العمرانيَّ للمدينةِ وما صحبه مِن إنفاقِ، فإنَّ المدينةَ عاشت في معظمها على الموارد الدِّينيَّة سواء مِن إنفاقِ المؤسسات التبشيريَّة، أو مِن قدومِ الحُجاج وزيارتهم للمدينةِ وما صحبه مِن تأمين للخدماتِ والسلع المختلفة.

 

تطور الاتصالات:

شهدت مدينة القُدس في أعوام الستينيات مِن القرن التَّاسع عشر تقدماً وتطوراً واضحين في وسائلِ الاتصال مِن تلغراف وإنشاء وتعبيد لِطرق جديدة تصل المدينة المُقدسة بباقي المدن الفلسطينيَّة.

 

فَفي شهر آب مِن عامَّ 1864 ، وصل خط التلغراف إلى مدينةِ يافا ومنه وصل الخط إلى مدينةِ القُدس في شهر حزيران مِن عامِّ

1865م، وهكذا أصبحت مدينة القُدس مربوطة بالتلغرافِ مع كُلِّ مِن القسطنطينيَّةِ والقاهرة، ومِن خلالِهم إلى العواصمِ الأوروبيَّة المُختلفة، هذا الاتصال بالعالمِ الخارجيَّ مِن خلال التلغراف كان له أهميَّة كبرى للمدينةِ خاصَّة بعد انفصالها عن دمشق عام 1874 واتخاذها صفة الاستقلاليَّة، واتصالها مباشرة بالقسطنطينيَّة.

 

أمَّا عن إنشاء وتعبيد الطُرق الواصلة للمدينةِ، فَفي عامّ 1867 ، بدأت السُلطات العثمانيَّة بإنشاءِ وتعبيد أوَّل طريق بين يافا والقُدس عن طريقِ أعمال السخرة وتحت إشراف المهندس الإيطاليَّ بيروتي PIEROTTI ، وتمَّ فتح الطَّريق للسيرِ عليه سنة 1867م.

 

وفي عام 1870م ، تمَّ تعبيد الطَّريق الواصل بين القُدسِ ونابلس إلَّا أن تعبيد الطَّريق الواصل بين يافا والقُدس لم يكُن بالعاملِ المؤثر في ازدياد التبادل التجاريَّ مع المركز التجاريَّ لمدينةِ القُدس، وإنَّما كان عاملاً مُساعداً في تسهيل عمليات السفر والانتقال مِن وإلى المدينةِ.

 

في بادئ الأمر عمل رئيس بلديَّة القُدس آنذاك يُوسُف الخالديّ على تشغيل عربات نقل عاديَّة للخدمةِ على الشارعِ الجديد، لكنَّ في عامِّ 1875 ، تمكن فرسان المعبد مِن تأسيس أوَّل شركة نقل لتسيير رحلات يوميَّة منتظمة بين يافا والقُدس. وفي عامِّ 1879 ، تمكنوا مِن الحصولِ على امتيازٍ حكوميَّ لعملهم هذا فقدوا منافسة العرب واليهود لهم.

 

وفي العامِّ 1876م ، أطاح السُلطان مراد الخامس بن عبد المجيد بعمِه السُلطان عبد العزيز ليقوم مقامه، لكنَّه لم يلبث على عرشِ السلطنة أكثر مِن بضعةِ أيَّام لكونه مصاباً بمرضِ الصرع، وبتاريخ 31 آب 1876م ، نودي بِأخيهِ الأصغر مِنه عبد الحميد الثَّانيَّ بن عبد المجيد سُلطاناً على البلادِ.

 

عند تولي السُلطان عبد الحميد الثَّانيّ حُكم السلطنة وجد البلاد تعاني مِن ضائقة ماليَّة شديدة، والخزانة العامَّة خاويَّة أدت إلى إشهارِ إفلاسها سنة 1875م ، وانعكس ذلك على وضعِها العسكريَّ مما هدد كيانها ووجودها، في حينِ كانت روسيا تهدد بِالحربِ وأوروبا تظهر العداء والعنت الصريحين للعثمانيين.

 

كُلَّ ذلك دفع العثمانيين إلى زيادةِ الاهتمام بالولايات السوريَّة ومِن جملتها فلسطين لزيادةِ فاعليَّة وضعهم الماليَّ والعسكريَّ عن طريق فرض الضرائب العاديَّة مِنها وغير العاديَّة، وكانت عمليَّات جمع الضرائب هي المحك لِكفاءةِ وقدرة الحاكم، ولم يكُن يقبل أيَّ عذر لِأيِّ فشل أو إهمال في هذا الشأن، كما كان يترتب على سُكان السناجق تقديم كميات مِن المؤنِ (الذَّخائر) إلى الوالي وجنده، وكان عدم الامتثال لذلك يواجه بعقوبات قاسيَّة جدّاً، هذا إضافة إلى تكثيف عمليَّات التجنيد الإجباريَّ الَّتي كانت تتمَّ في المناطقِ دون هوادة، مما دفع البلاد إلى مزيدٍ مِن الفوضى والفساد وتنامي روح الثورة ضدَّ الجور والظلم.[10]

 

 

التنافس الأجنبيَّ في القُدس :

 

يظهر في أواخر العهد العثمانيَّ أن وتيرة التغلغل الأجنبيَّ بدأت مُتسارعة بِصورةٍ لافتة لِلنظر حيثُ تمثل ذلك بدايَّة فتح القُنصليَّات الأجنبيَّة في القُدس ،وكان أوَّلها القُنصليَّة البريطانيَّة 1838م، بعد أن سمح لهُم مُحمَّد علي باشا بذلك، الَّذي كان في حينِهِ مُسيطراً على بلاد الشام جميعها، ومِن ثُمَّ تقاطرت دول أُخرى على فتح قُنصليَّات لها ومِن بينها روسيا، وقد تمحورت أنشطة هذه القُنصليَّات في رعايَّة مصالح بلادها في القُدس، والحصول على المعلومات الاستخباراتيَّة عن هذه البلاد فضلاً عن مراقبة أنشطة الدّول الأُخرى.

 

موقف الدّولة العثمانيَّة مِن النشاط الأجنبيَّ في القُدس:

 

قامت الدّولة العثمانيَّة بدايَّة بمسايرة الضغوط السياسيَّة الَّتي كان يُمارسها سفراء الدّول الأجنبيَّة ومهادنة حشوداتها العسكريَّة، وفضلاً عن ذلك كانت المشاكل الاقتصاديَّة سبباً في تأخر الدّولة العثمانيَّة في إصدار موقفها مِن السياساتِ الأجنبيَّة، لكنَّها قامت في المماطلة أو حتَّى منع اصدار افتتاح قُنصليَّات والأذونات لشراء الأراضيَّ لبناء القُنصليَّات، كما ساندت السكان نشاطهم في مواجهة سياسات الدّول الأجنبيَّة.

كانت الحرب العالميَّة الأوَّلى فُرصة لِلعثمانيين في منعِ نشاط التغلغل الأجنبيَّ في القُدسِ على ضوءِ تحالفها مع ألمانيا، فَجمدت النَّشاط القُنصليَّ بِاستثناء قُنصليَّة أمريكا وألمانيَّة الحليفة لها.

 

نهايَّة الحُكم العثمانيَّ لمدينة القُدس:

 

ما أن انقضت بِضعِ سنوات على تولي السُلطان مُحمَّد رشاد الخامس حكم السلطنة العثمانيَّة في عامِّ 1909 ، حتَّى أعلنت الحرب العالميَّة الأوَّلى سنة 1914، وحارب الأتراك العثمانيون إلى جانبِ ألمانيا ضدّ الحلفاء الإنكليز والفرنسيين والروس في خمس جبهات هي القفقاس- الدردنيل – العراق –رومانيا – فلسطين، ولكنهم خسروا جميعها أمام الحلفاء مما أرغم حكومة الأستانة في نهايَّةِ الحرب على عقد معاهدة سيفر SEVRES ،  والَّتي أجبرت فيها على التنازل عن جميعِ ممتلكاتها في أفريقيا وآسيا وأوروبا ما عدا أراضيَّ الأناضول والأستانة، ووضعت الأستانة تحت الرقابة الدّوليَّة.

 

أمَّا على الجبهةِ الفلسطينيَّة وعندما خسر الأتراك مواقعهم الحصينة في جنوبها أدركوا أن القُدس لا بُدّ وأن تسقط في أيدي قوات الإنكليز، فبدءوا بالتراجعِ مِن مساءِ يوم الثَّامن مِن شهر كانون الأوَّل/ديسمبر، كما أيقن مُتصرف القُدس عزت بك أنه لا أمل يرجى مِن المقاومةِ فأرسل في تلك الليلة أيضاً يطلب مُفتي القُدس كامل الحسينيَّ ورئيس بلديتها السيد حسين سليم الحسينيَّ للاجتماعِ إليه في داره وهناك خاطبهما قائلاً:

( ها قد أحاط الجنود الإنكليز بالقُدسِ، ولا بُدّ أن تسقط عما قريب بأيديهم، ولقد اعتزمت مغادرة المدينة بعد نصف ساعة، وأود أن ألقي بين أيديكم هذا الحمل الأدبيَّ العظيم ألا وهُو تسليم المدينة). ثُمّ ناول رئيس البلدية وثيقة التسليم ليسلمها للإنكليز.

 

فيما يلي الترجمة الحرفيَّة لنصِ وثيقة التسليم كما أوردها عارف العارف في كتابِه.

( إلى القيادة الإنكليزيَّة: مُنذ يومين والقنابل تتساقط على القُدسِ المُقدسة لدى كُلّ ملة ، فالحكومة العثمانيَّة رغبة منها في المحافظةِ على الأماكنِ الدِّينيَّة مِن الخرابِ ، قد سحبت القوَّة العسكريَّة مِن المدينةِ، وأقامت موظفين للمحافظةِ على الأماكن الدِّينيَّة كالقيامةِ والمسجد الأقصى ، وعلى أمل أن تكون المُعاملة مِن قبلكم على هذا الوجه فإنَّي أبعث بهذه الورقة مع وكيل رئيس بلديَّة القُدس حسين بك الحسينيَّ).

 

8/12/1917م- 1333هـ

متصرف القُدس المستقل / عزت

 

وفي صبيحةِ يوم الأحد الموافق 9/12/1917، وفي نحوِ السَّاعة التَّاسعة صباحاً كانت القوات التركيَّة قد أنهت انسحابها الكامل مِن المدينةِ، وتمَّ تسليم وثيقة التسليم مِن قبلِ رئيس البلديَّة ومجموعة مِن الشُبان المقدسيين إلى قائدِ الفرقة الستين للجيشِ الإنكليزيَّ الجنرال شي GENERAL SHEA ، وكان دخول الجيش الإنكليزيَّ إلى المدينةِ المُقدسة في تمامِ السَّاعة العاشرة والنصف مِن ذاتِ اليوم.

 

وبدخول الإنكليز إلى المدينةِ المُقدسة بدأ عهد التحول الجذريَّ في مصير المدينة المُقدسة حيثُ انتهى الحُكم العثمانيَّ الإسلاميَّ لها بعد أن دام ما يقارب الأربعمائة عامَّ امتدت منذ عامّ( 1517 حتَّى 1917 ) ، وبدأ عهد جديد مِن المستعمرين الجدد.[11]

 

وفي غضون ذلك، بات الاقتصاد المقدسيّ يُعاني من سياسات التَّدخل على مر الزَّمان مِن الحُكم العثمانيّ إلى يومنا هذا، موضحةً لها في الأجزاء القادمة عن اقتصاد المدينة مُتناولة الحُقبات التَّاريخيَّة تاركة المجال لِلتوضيح لِمعرفة بدايات الضعف الاقتصاديّ في المدينة الَّذي أصبح ينفصل عن بقيَّة الاقتصاد الفلسطينيَّ رغم الموقع التَّاريخيَّ لهذه المدينة باعتبارها مركز التجارة والنقل والسياحة، فضلاً عن كوﻧﻬا المركز الثقافيّ والرُّوحيَّ للفلسطينيين في شتى أنحاء الأرض الفلسطينيَّة المحتلة.

 

 

[1]فقراء القدس.. تخلى عنهم العرب واحتضنهم فلسطينو 48 ، 2019، الجزيرة.

[2] المرجع السابق .

[3] أسواق القدس القديمة: معالم بارزة تروي تاريخ المدينة ، جريدة القُدس ، 2016.

[4] جامعة القدس المفتوحة ، تاريخ القدس، فلسطين، 2016م.

[5] الركود الاقتصادي في القدس،الجزيرة،2018.

[6] المرجع السابق

[7] أسواق القدس في البلدة القديمة … تاريخ وحضارة ، منال الجعبة، 2012 .

[8] جامعة القدس المفتوحة ، تاريخ القدس، فلسطين، 2016م.

[9] شولش، تحولات جذرية في فلسطين، ص 102 وص 212.

[10] القدس في عهد الخلافة العثمانية ، نعمة القصاص،2016.

[11] لقدس في عهد الخلافة العثمانية ، نعمة القصاص،2016.

دراسات

المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1930

نشر

في

بواسطة

 

ورقة معلومات

 

المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1930

 

  إعدادكمال الجعبري- مركز القدس للدراسات

 

محتويات الورقة

حمّلها BDF

مقدمة المركز
المؤتمر الإسلامي العام- الخلفيات  
نشأة المؤتمر  
مقترحات المؤتمر  
الوفود المشاركة  
الافتتاح  
الوفود  
المشاركة المسيحية  
نتائج المؤتمر  
ما انتهت إليه نتائج المؤتمر  
خاتمة  

 

 

 

مقدمة المركز

يعبّر المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام 1931، عن المحاولات الجادّة المبكّرة لمواجهة الحالة الاستعمارية المركّبة في فلسطين، من الانتداب البريطاني، والمشروع الصهيوني، كما يعبّر عن البعد الإسلامي الواضح، وموقع العروبة من هذا البعد، في النضال الفلسطيني المبكّر، ولدى الشخصيات التي حملت عبء هذا النضال، كالحاج أمين الحسيني.

وبالرغم من أنّ المؤتمر بدا واعدًا، بالشخصيات التي شاركت فيه، وبجنسيات الوفود المتعددة، الأمر الذي يعطي انطباعًا بإمكان حشد الأمّة وقواها على مختلف توجهاتها، على قضية فلسطين، كما أنّه بدا واعدًا في مقترحاته وتوصياته ومشاريعه، إلا أنّه في الوقت نفسه يلقي الضوء على جانب من معضلات النضال الفلسطيني، في مواجهة حالة استعمارية دوليّة تقطع الطريق على الجهود الواعدة، ويلقي الضوء على تعلّقات الحالة الفلسطينية، بحالة التجزئة، في الأمّة، سواء في بعدها الإسلامي أم في بعدها العربي.

وعلى أية حال فإنّ دراسة هذه التجربة مهمّة للغاية، باعتبار النضال الفلسطيني نضالاً تراكميًّا، ولكونه سلسلة تتعدد حلقاتها ولكنها تتصل، ولأنّ الكثير من المشكلات الراهنة لها جذور في الماضي، أو هي صورة أخرى من مشكلات ماضية، وبهذا تصير المعرفة التاريخية ضرورة، لا مجرد نشاط ذهني، أو تسلية ثقافية.

يقدّم لنا الباحث كمال الجعبري، هذه الورقة التعريفية بالمؤتمر الإسلامي الأول في القدس، آميلن، أن تكون بدورها حلقة في سلسلة متتابعة، تحت عنوان ورقة معلومات، سيهتم مركز القدس بإصدارها إن شاء الله.

ساري عرابي

مدير مركز القدس للدراسات

المؤتمر الإسلامي العام في سطور

 

الخلفيات:

بدأ الحديث حول المؤتمر كما يذكر الأستاذ محسن صالح في العام 1926 خلال زيارة الحاج أمين الحسيني الديار المقدسة لأداء العمرة، فقد دار بينه وبين الزعيم الهندي محمد علي جوهر عدة نقاشات حول استفحال خطر الحركة الصهيونية على فلسطين والقدس خصوصًا وضرورة التحرك للدفاع عن القدس وكذلك ضرورة العمل على الحفاظ عل مكانة القدس الحضارية والوجدانية لدى العرب والمسلمين [1].

 

نشأة المؤتمر:

ولكن الولادة الفعلية للمؤتمر كانت من خلال مجموعة النقاشات التي خاضها عدد من الشخصيات البارزة في العالم الإسلام كالحاج أمين الحسيني وعبد العزيز الثعالبي، اللذين ارتأيا، وغيرهما، ضرورة اللجوء لقوة معينة لدفع المشروع الاستعماري، ووجدا تلك القوة في الوحدة الإسلامية، وبالرغم من عدم نضوج الفكرة في مواجهة الاحتلال البريطاني، وليس الضغط عليه فحسب، إلا أن هذه الخطوة في عقد المؤتمر كانت ردة فعل واضحة تجاه تصاعد السياسات الاستعمارية البريطانية الداعمة للصهيونية في فلسطين[2].

 

مقترحات المؤتمر:

تم تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر بعد مجموعة من المراسلات بين الحاج الحسيني وعدد من الزعماء العرب والمسلمين. حوت تلك المراسلات جدول أعمال المؤتمر الذي تضمن القضايا التالية:

  1. نشر أساليب وسبل التعاون الإسلامي وتعميمها، وتنبيه المسلمين للمسؤولية الملقاة على عاتقهم في تحقيق هذا التعاون، الذي أوجبته الشريعة الإسلامية.
  2. حماية الدين الإسلامي وصون عقائده ومقدساته التي منها، حائط البراق الشريف.
  3. إنشاء جامعة في القدس لتجديد ثقافة المسلمين وتعليمهم من شتى الأقطار، وفي شتى النواحي.
  4. النظر في القضايا الإسلامية الأخرى، ومنها قضية خط سكة الحديد الحجازي الموقوفة من أموال المسلمين[3].

 

الوفود المشاركة:

وقد لبت الوفود الإسلامية والعربية دعوة حضور المؤتمر من عدد من البلدان العربية والإسلامية وهي: تركستان الصينية، تركيا، تونس، جاوا، الجزائر، الحجاز، روسيا، سيلان، سوريا، شرق الأردن، طرابلس الغرب وبرقة (ليبيا)، العراق، فارس (إيران)، فلسطين، قفقازيا، لبنان، مصر، المغرب الأقصى (المغرب)، نيجريا، الهند، اليمن، يوغسلافيا[4].

الافتتاح:

افتتح المؤتمر في 27 رجب 1350 هجرية الموافق 7/10/1931 في باحات المسجد الأقصى المبارك وألقى الحاج أمين الحسيني كلمة المؤتمر الافتتاحية، فيما أم السيد محمد حسن آل كاشف الغطاء كبير مجتهدي الشيعة في المصلين في المسجد الأقصى، حيث ألقى كلمة بعد الصلاة أكد من خلالها بأن بركة المسجد الأقصى في اجتماع المسلمين واتلافهم داخله[5].

 

الوفود:

حضر المؤتمر 153 مندوبًا من الدول والهيئات المشاركة، ومن أبرز الحضور: ضياء الدين الطبطبائي وزير الحكومة الإيرانية السابق، ومحمد خالد باشا رئيس حكومة شرق الأردن السابق، ومحمد زبارة وهو ممثل الإمام يحيى إمام اليمن، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء، وهو كبير مجتهدي الشيعة وكان ضمن الوفد العراقي.

أما الوفد المصري فضم، الشيخ محمد رشيد رضا رئيس تحرير مجلة المنار، والشيخ محمد الغنيمي التفتزاني من كبار المتصوفة، وخطيب وشاعر، وعبد الرحمان عزام عضو مجلس النواب المصري.

أما الوفد السوري، فضم الزعيم الوطني شكري القوتلي، والزعيم الوطني سعد الله الجابري، وشارك كذلك كل من رياض الصلح وعلي بيهم ممثلين عن لبنان، ومن الهند كل من شاعر الإسلام محمد إقبال، والزعيم الإسلامي المعروف شوكت علي.

وضم الوفد المغربي، محمد المكي الناصري، وهو من علماء المغرب ورجال الحركة الوطنية فيها، ومحمد بنونة، وشارك من ليبيا البشير السعداوي، مؤسس اللجنة المركزية للجاليات الطرابلسية والبرقاوية[6]، كما حضر المؤتمر رؤوف باشا وهو أستاذ في كلية الزهرة في سيلان[7].

ومن الشخصيات الفلسطينية البارزة التي كانت ضمن لجان المؤتمر، محمد عزة دروزة، عضو اللجنة التنفيذية العربية واللجنة التنفيذية للمؤتمر، والشيخ سعيد الجماعي خطيب المسجد الأقصى، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر، والشيخ عجاج نويهض، عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر، وإسعاف النشاشيبي عضو المجلس العربي في دمشق، وأمين سر المؤتمر، ومحمد يعقوب الغصين، ممثل جمعية الشبان المسلمين في الرملة، وأمين سر اللجنة المالية، والشيخ محمود الداوودي، نائب رئيس الغرفة التجارية، وعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر[8].

المشاركة المسيحية:

يشير المؤرخ الفلسطيني المقدسي أميل الغوري إلى أن المؤتمر كان أول مؤتمر إسلامي عالمي يعقد في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، كما أن المؤتمر شهد مشاركة لوفد من مسيحيي فلسطين العرب الأرثدوكس، فقد حضروا جلسته الافتتاحية التي عُقدت في المسجد الأقصى، وأيدوا الجهود الساعية لتوحيد العالم العربي والإسلامي، وتعزيز سبل التعاون بين العرب والمسلمين[9]. ومن الأمور المهمة التي اقترحت أثناء جلسات المؤتمر مؤازرة ودعم انتخاب بطريرك عربي للأرثذوكس العرب الفلسطينيين[10].

نتائج المؤتمر:

 انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية مكونة من 25 شخصية هم: ضياء الدين الطبطبائي، رئيس الوزراء الإيراني السابق، وبشير السعداوي، رئيس اللجنة التنفيذية للجاليات الليبية، والحاج توفيق حماد، عضو المجلس النيابي العثماني السابق، وسعيد ثابت، سكرتير شركة حلج الأقطان العراقية، والأمير سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، ورئيس لجنة الدفاع عن خط الحديد الحجازي، وسعيد شامل، رئيس الدفاع الملي للقوقاز الشمالي، وسليمان السودي، مندوب شرق الأردن، والشيخ شفيع داوودي، عضو المائدة المستديرة في الهند، وشوكت علي، الزعيم الهندي، وصلاح الدين بيهم، نائب رئيس المجلس الإسلامي في بيروت، وعبدالرحمان عزام، عضو الوفد المصري، وعبدالعزيز الثعالبي، الزعيم التونسي، وعبد القهار المظفر، عضو اللجنة التنفيذية العربية، وعبد القهار مذكر، مندوب إندونيسيا في المؤتمر، وعوني عبدالهادي، أمين سر اللجنة التنفيذية العربية، وعياض إسحاقي، صاحب مجلة مللي بول في برلين، وغلام رسول مهر، صاحب صحيفة انقلاب لاهور، ومحمد إقبال، الشاعر الهندي المعروف، ومحمد الحسين آل كاشف الغطاء، العراق – النجف، ومحمد رشيد رضا، مؤسس مجلة المنار، والشيخ محمد زبارة، آمين اليمن، والشيخ محمد علوبة، وزير الأوقاف المصرية سابقًا، ووكيل حزب الأحرار الدستوريين، ومحمد بنونة، من المغرب الأقصى[11]، واجتمعت اللجنة التنفيذية للمؤتمر وقدمت القرارات والتوصيات التالية:

  1. المطالبة بتسليم خط السكة الحديدية الحجازية، لأنه أنشئ بأموال المسلمين، والمطالبة بما نصّ عليه صك الانتداب البريطاني، ومعاهدة لوزان بحفظ الأوقاف الإسلامية وعدم التعرض لها.
  2. استنكار قرار لجنة البراق الدولية، والأمر القاضي بتنفيذ القرار.
  3. استنكار ما لقيه مجاهدو طرابلس، ورجال قبائلها من قتل وتشريد واعتقال، ومناشدة الجهات الدولية وأصحاب الديانات السماوية التدخل لإيقاف تلك الفظائع.
  4. استنكار الظهير الفرنسي، وهو قانون يهدف لتحويل مسلمي البربر في المغرب الإسلامي للديانة المسيحية.
  5. استنكار الاستعمار بكافة أشكاله ولأي قطر من الأقطار الإسلامية.
  6. قرارات متعلقة بالمؤتمر والوضع الداخلي في فلسطين:
  • تشكيل نظام للمؤتمر يسمح بعقده بشكل دوري كل سنتين.
  • إنشاء جامعة إسلامية باسم جامعة المسجد الأقصى.
  • التعاهد على الدفاع عن إسلامية حائط البراق.
  • إنشاء دائرة معارف إسلامية.
  • تأسيس شركة لإنقاذ الأراضي المهددة في فلسطين، ودعم الفلاحين والحرفيين في فلسطين لتشكيل مشاريع تعاونية.
  • تشكيل اللجان المحلية في فلسطين[12].

 

ما انتهت إليه نتائج المؤتمر:

تم بالفعل تأسيس عدة لجان فرعية للمؤتمر في مدن فلسطين، وكذلك في الدول التي شاركت في المؤتمر. وفي 11/5/1932 أعلن ضياء الدين الطبطبائي عن قرب إنشاء جامعة المسجد الأقصى، وقال بأنها ستضم كلياتٍ للعلوم الشرعية والإلهية، وكليات للفنون والصناعة، وكذلك للطب والصيدلة.

بقي الشعب الفلسطيني منتظرًا إنشاء الجامعة والشركة الزراعية، ومن أجل المباشرة في تحقيق ذلك، باشر المكتب التنفيذي للمؤتمر بجمع الأموال من البلدان المشاركة، وسافر وفدٌ مكون من الحاج أمين الحسيني، ومحمد علي علوبة، والشاعر محمد إقبال للهند، وتمكنا من جمع مبالغ كبيرة من المال.

تبرع الملك نظام حيدر آباد ملك مملكة حيدر آباد الهندية بمليون روبية هندية، وتبرع كذلك زعيم الشيعة البهرة في الهند بنصف مليون، وانهالت التبرعات على الوفد من كافة فئات المسلمين في الهند، ولكن التدخل الاستعماري البريطاني للأسف عبر مكتب الملك البريطاني في الهند منع وصول تلك التبرعات إلى فلسطين، وتدخلت القُوى الاستعمارية في مختلف الأقطار الإسلامية للحيلولة دون وصول الدعم المالي لفلسطين في سبيل تحقيق نتائج المؤتمر، مما أدى لوأد الفكرتين، كما لعبت الحركة الصهيونية دورًا في محاربة توصيات المؤتمر، فقد خرجت عدة دعوات لمحاربة نفوذ المجلس الإسلامي الأعلى عبر إنشاء مجمع ديني صهيوني (سندهارين) في القدس[13].

خاتمة

شكلت تجربة المؤتمر الإسلامي الأول في القدس، نواةً أو نموذجًا، للعمل الائتلافي الإسلامي العامل للقضية الفلسطينية، قبل ظهور التجربة الجهادية للشيخ عز الدين القسام، أو بدايات نشاط جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، وكان للحاج أمين الحسيني دورٌ بارزٌ في إطلاق هذا المؤتمر، ومحاولة البناء عليه لاحقًا، مما يدعو لإعادة قراءة وتحليل تجربة الحاج أمين الحسيني، وبعدها الإسلامي، والقومي، وتجلياتها وتقاطعاتها.

 

 

 

 

[1] محسن محمد صالح، التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد 1917-1948، تقديم الشيخ عمر الأشقر، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع – الكويت، ط 2، 1989، صفحة 206.

[2] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، 243.

[3] الثعالبي، عبد العزيز، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط1، 1988، صفحة 253.

[4] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، البلدان الممثلة في المؤتمر الإسلامي العام بالقدس١٩٣١، http://www.awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Attending Countries_0.pdf

[5] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 245.

[6] أ. الثعالبي، عبد العزيز، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط1، 1988، صفحة 14.

ب. الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 246.

[7] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، لجان المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، http://awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Committees.pdf

  [8] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، لجان المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، http://awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Committees.pdf

[9] الغوري، أميل، فلسطين عبر ستين عاماً، دار النهار للنشر، بيروت – لبنان، 1972، صفحة 146.

[10] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 246.

[11] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 873 و874.

[12] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 247.

[13] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 248 و249.

أكمل القراءة

دراسات

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 ودور الشيخ عز الدين القسام في إشعالها (القساميون وثورة الـ 36)

نشر

في

بواسطة

إعداد: كمال جهاد الجعبري

مركز القدس للدراسات

المقدمة

شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1917 و1948، أيّ فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، العديد من الثورات والهبّات الفلسطينية، منها ما كان عابرًا استمر لعدة أيّام، ومنها ما استمرّ لسنين عدّة، ومنها ما أخذ شكل الانتفاضات الشعبية والمظاهرات السلمية، ومنها ما أخذ طابعًا عسكريًّا، ومنها ما جمع بين هذين الأمرين.

من بين تلك الثورات: الثورة الفلسطينية الكبرى التي وقعت في الفترة بين عامي 1936 و1939، وتُعدّ من أطول الثورات الفلسطينية مدّة، وفي هذا الورقة يستعرض الباحث، دور الشيخ عز الدين القسام في إشعال الثورة على مستويين: الأول دور الشيخ عز الدين القسام بصفته، شخصية دعوية في غرس روح الجهاد والمقاومة في عموم طبقات الشعب الفلسطيني، والثاني دور حراكه الثوري و تنظيمه المسمى بـ (الجهادية) في إشعال الثورة، ومن ثم قيادة مجرياتها وأحداثها.  

الظروف التي أدت إلى قيام الثورة و ما سبقها من أحداث

بعد إخماد ثورة البراق 1929، وقد كان لتدخل السلطات البريطانية الأثر الأكبر في إخمادها، بدأت تتوجه أنظار القوى الشعبية الفلسطينية إلى عدوّ جديد هو الداعم الرئيس للمشروع الصهيوني والحركة الصهيونية المتمثل في سلطات الاحتلال البريطاني، و بدأت بالفعل الحراكات الثورية والحزبية تتجه نحو مقاومة فكرة الانتداب البريطاني.

و كان من أبرز الأحداث التي وقعت في الفترة بين عامي 1929 و1936، وأسهمت في اندلاع الثورة:

  • ظهور عصابة الكف الأخضر المسلحة، وهي تنظيم عسكري مسلح أسسه المجاهد أحمد طافش، و كان الهدف منها محاربة الوجود اليهودي في مناطق صفد والشمال، وانضمّ إليها عدد من المناضلين من الدول المجاورة من شرق الأردن وسوريا، وكان لها عمليات قتل واختطاف بحق السماسرة الذي كانوا يقومون بعمليات بيع الأراضي في طبريا وصفد للحركة الصهيونية، إلا أن هذا التنظيم لم يدم طويلاً، فلم يمتد أكثر من سنة بفعل الحملات العسكرية البريطانية التي أدّت إلى مقتل واعتقال جلّ كوادره .
  • تعيين الجنرال أرثر واكهوب مندوبًا ساميًا لفلسطين في العام 1930، حيث بدأ هذا المندوب -الذي ظن العرب في بداية الأمر أنه بعيد عن الضغوط اليهودية- بتوطيد دعائم المشروع الصهيوني، ففي عهده اكتشفت شحنات من السلاح المهربة للعصابات الصهيونية في ميناء حيفا، وارتفعت الهجرة اليهودية في عهده من ما لا يزيد عن 170 ألف يهودي لتصل إلى ما يقارب 234 ألف يهودي، وتم في عهده كذلك الاستيلاء على مستنقعات الحولة في شمالي فلسطين، حيث قامت القوات البريطانية بالقوة بمصادرة 15 ألف دونم من الأراضي الزراعية و تسليمها لليهود.
  • المؤتمر الإسلامي: كان لعقد المؤتمر الإسلامي في القدس دورٌ أساسيٌ في تنمية الوعي الثوري والإسلامي تجاه قضية المسجد الأقصى ومخاطر التهويد التي كانت تحيق به، فقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في سياق تحركٍ شعبيٍ إسلاميٍ واسع النطاق جراء التهديد الخطير الذي تعرض له المسجد الأقصى على يد الحركة الصهيونية أثناء أحداث ثورة البراق، وكان الشخصان اللذان شكّلا الحراك الفعال الذي أدى إلى عقد هذا المؤتمر مفتى القدس الحاج أمين الحسيني و الزعيم الإسلامي مولانا شوكت علي لولب اللبناني الأصل رحمهما الله تعالى ، وحضر هذا المؤتمر 22 مندوبًا من مختلف الأقطار الإسلامية، و كان من ضمنهم شخصيات إاسلامية بارزة من أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والشاعر محمد اقبال وغيرهم، وخرج المؤتمر بعدةِ قرارات وتوصيات، منها إنشاء جامعة إسلامية، وإنشاء لجان لمنع بيع الأراضي لليهود، إلا أنّ وقوع العديد من الأقطار التي ينمتي إليها المؤتمرون حال دون تطبيق هذه القرارات و التوصيات.
  • إنشاء الأحزاب الوطنية وانتفاضة 1933: تعد فترة ما بين عامي 1933 و1935 مفصلية في تكوين وإشعال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فقد أدت سياسة سلطات الانتداب ذات الأذن المفتوحة للحركة الصهيونية والأُذن المغلقة عن العرب ومطالبهم إلى تصاعد فكرة التوجه للمواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب، إلّا أنّ  هذه المواجهة بدأت في بداية الأمر تأخذ طابعًا سلميًّا عن طريق إنشاء الأحزاب ورفع العرائض والمذكرات، وكان من أبرز تلك الأحزاب التي أُنشئت “حزب الاستقلال” في عام 1932، و”الحزب العربي الفلسطيني” الذي حظي بدعم المفتي الحاج أمين الحسيني، وتشكلت في تلك الفترة، أو وُضعت نواة تشكيل جماعات جهادية مسلحة من أمثال “جماعة الجهاد المقدس” بقيادة عبد القادر الحسيني و”تنظيم الجهادية” بزعامة الشيخ السوري المجاهد عز الدين القسام، إلّا أنّ الحدث الأبرز كان في شهر 10 من العام 1933، حيث دعت القوى الشعبية والحزبية الفلسطينية إلى إضراب في عموم فلسطين بسبب عدم تجاوب سلطات الانتداب مع مطالب الأحزاب، وخرجت المظاهرات في عدة مدن فلسطينية، وكان أبرزها تلك التي خرجت من المسجد الأقصى بقيادة الزعيم الوطني موسى الحسيني الذي تعرض للضرب، وذكر أنه توفي من أثره بعد عدة سنوات، واستخدمت السلطات البريطانية القمع والرصاص الحي، و قُتل خلال هذه الأحداث 35 فلسطينيًّا و جُرح 255 آخرين، و شكلت أحداث هذه الانتفاضة منعطفًا مهمًا خلال تاريخ النضال الفلسطيني، حيث بدأ خيار المقاومة المسلحة يلوح في الأفق، وبدا حلاً أنجع لمقاومة الانتداب البريطاني ودعمه للسياسات التهويدية .

دور الشيخ عز الدين القسام و ثورته في إشعال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936

أولاًالتعريف بالشيخ عز الدين القسام: هو الشيخ عز الدين عبد القادر مصطفى القسام، ولد في عام 1871، في قرية جبلة في اللاذقية في سوريا. نشأ نشأة إسلامية محافظة على تعاليم الإسلام وأدابه، وغادر إلى الأزهر، ودرس فيه، ثم أكمل دراسته في تركيا ليتعلم العقيدة وأصولها . 

كان للشيخ عز الدين القسام جهود دعوية خاصة في قرية جبلة ومدينة اللاذقية لأنه كان يؤمن أن دور الداعية ليس محصورًا في المساجد، بل يجب أن يتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته، ولذلك، وعندما غزا الطليان ليبيا في عام 1911، حشد الشيخ بضعة مئات من المتطوعين للذهاب إلى ليبيا إلى الجهاد، إلا أن الوالي العثماني شكرهم ونصحهم بعدم الذهاب .

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية واحتلت القوات الفرنسية منطقة شمالي بلاد الشام التي باتت تعرف بسورية، قاد الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد واستطاع تجنيد العديد من القرويين للجهاد، وقاموا بثورة مسلحة في جبل صهيون وذلك في عام 1919، وكان من أبرز مساعديه الشيخ عمر البيطار، إلا أن السلطات الفرنسية قمعت الثورة وأخمدتها، واضطر الشيخ القسام للمغادرة إلى فلسطين . 

ثانيًاقدومه إلى فلسطين: قدم القسام إلى فلسطين في الفترة بين شهر 8 و12 من العام 1920، و ذكر أنّه قدم من جسر الشغور إلى بيروت سيرًا على الأقدام برفقة ستة من أصحابه، منهم الشيخ محمد حنفي، حيث انتقلوا من هناك إلى صيدا ثم عكا ثم حيفا ، وبعد أشهر من قدوم القسام إلى مدينة حيفا عمل في التدريس، فقد درّس في كل من مدرسة الإناث الإسلامية ومدرسة البرج الإسلامية، اللتين تشرف عليهما الجمعية الإسلامية في حيفا، وشاركه في التدريس عدد من الهاربين أو المبعدين من الثوار السوريين، وعمل كذلك إمامًا وخطيبًا لمسجد الاستقلال في حيفا منذ بنائه عام 1925 ، ومأذونًا شرعيًّا لدى المحكمة الشرعية في حيفا وذلك في عام 1930 .

أسهمت طبيعة هذه المهن الثلاث في تسهيل احتكاك الشيخ بعموم الناس في حيفا وشمالي فلسطين، وعمل الشيخ من خلال هذا الاحتكاك على تنمية حب الجهاد والاستشهاد والتضحية في نفوس الناس.

إن تواصل الشيخ، لم يكن مقتصرًا على فئة المتدينين من الناس، بل إن طبيعة عمله، مأذونًا شرعيًّا، سمحت له بمخالطة فئات أخرى من الناس من خلال مشاركته في أفراحهم ومختلف مناسباتهم الاجتماعية . 

ثالثًاالقسام والأعمال الدعوية والتطوعية: تبين لنا أن القسام لم يكن مجرد إمام أو خطيب مسجد بل كان صاحب مشروع، فانخرط في أكثر من عمل تطوعي وجمعية خيرية، كجمعية الشبان المسلمين في حيفا، وذلك منذ تأسيسها في عام 1927 ، و قد حافظ الشيخ القسام على إعطاء دروس دعوية أسبوعية مساء كل جمعة في مقر الجمعية، و كان يرتب بالإضافة إلى ذلك زيارات دعوية أسبوعية بصحبة عدد من أعضاء الجمعية إلى القرى المجاورة لمدينة حيفا بهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسهم أيضًا في تأسيس العديد من الفروع في قرى الشمال الفلسطيني، ومنها قرية صفورية التي أخرجت لاحقًا العديد من الكوادر الجهادية في تنظيم القسام العسكري، وعمل الشيخ القسام كذلك على الاتصال بالقيادات الفلسطينية المؤثرة في القرى، والذين صار العديد منهم لاحقًا أعضاء في تنظيم القسام العسكري، منهم عبد الله أبو حمام، وأسهم الشيخ عز الدين القسام في إخراج العديد من شبان القرى المجاورة لحيفا من دائرة الانحراف إلى دائرة العمل الدؤوب الجاد لمجتمعهم ووطنهم  . 

رابعًاعلاقة الشيخ عز الدين القسام بالمفتي أمين الحسيني: يأتي الحديث عن هذه العلاقة لعدة أسباب، منها التشابه في شخصيتهما، من جهة اشتغالهما الديني واهتمامهما بالقضية الفلسطينية، كما كان يجمع بينهما الذكاء العقلي والذكاء الاجتماعي اللذان أهلاهما ليكونا شخصيتين قياديتين على مستوى الشعب الفلسطيني كله، بل إن شعبيتهما قد تكون فاقت الكثير من الشخصيات المؤطرة حزبيًّا.

وأما من جهة الاختلاف في شخصيتيهما، فقد أشار الدكتور محسن صالح في كتابه التيار الإسلامي في فلسطين 1917-1948 ودوره في حركة الجهاد، إلى فرق يراه بين شخصية الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القسام، فالشيخ القسام كان ينظر للإسلام بنظرة شمولية على نحو أثّر في تكوين شخصيته ومنظومته الفكرية، فكان فكره، ومن ثم تنظيمه، قائمًا على سحق المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني، ومن بعد ذلك بناء الشخصية المسلمة التي تكون المجتمع المسلم، وسعى من خلال هذا الهدف إلى بناء قاعدة إسلامية جهادية واعية.

وأما الحاج أمين الحسيني فبالرغم من وجود الإسلام والطرح الإسلامي مكونًا رئيسًا في طرحه، إلا أنه لم يكن حريصًا على بناء قاعدة إسلامية مجاهدة بقدر ما كان حريصًا على بناء قاعدة تحمل الروح الوطنية النضالية التي تسعى لقتال المستعمر وإفشال المشروع الصهيوني.

أما عن طبيعة العلاقة بين الحاج أمين الحسيني و الشيخ عز الدين القسام فقد تضاربت آراء المؤرخين حول وجود علاقة أو عدمه بينهما، مما لا يحتمل المقام تفصيله في هذه الورقة.

خامسًاجهاد الشيخ عز الدين القسام و تنظيمه الجهادي: إن طبيعة الشيخ عز الدين القسام وشخصيته التي كانت ترفض أن يحصر العالم المسلم دوره في الجانب الدعوي والأخلاقي فحسب، بل أنّ دوره يجب أن يتعدى ليشمل قضايا دينه وأمته.. جعلت الشيخ عز الدين القسام طرفًا في الأحداث التي كانت تجري على أرض فلسطين.

رأى الشيخ القسام أنّ الثورات السابقة التي حدثت على أرض فلسطين لم تكن أكثر من موجات عابرة لا تلبث أن تخمد، وشعر كذلك بضعف أداء الزعامات الفلسطينية الموجودة وعدم كفاءتها لقيادة المعركة مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ، ومن هنا قرر الشيخ عز الدين القسام تأسيس حركة جهادية تستمد منهجها من الإسلام، وترى الجهاد طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين، ومن هنا بدأ القسام ببناء تنظيم سري يمكن عدّه أول تنظيم جهادي عربي إسلامي جاد على أرض فلسطين بعد حلول الانتداب البريطاني.

اختلف المؤرخون والمتخصصون في اسم تنظيم الشيخ عز الدين القسام، فقد اصطلحوا على أن الأسماء التي أطلقت على تنظيم القسام كانت مرتبطة باسم الشيخ القسام، مثل “جماعة القسام” أو “القساميون”، إلا أنّ الدكتورة بيان نويهض ترى أنّ الشيخ عز الدين القسام لم يسمّ تنظيمه باسم معين، و إنما سُمي أتباعه ومن كان معه في عمله الجهادي، بعد استشهاده باسم القساميين، ومن كان معه فعلاً في تنظيمه الجهادي يتفاخر ويعتز بهذا الاسم  . 

أما عن نشأة التنظيم القسامي وبدئه بالعمل، فقد اتفق أكثر من باحث بأن ولادة التنظيم كانت في عام 1925، دون أن ينفذ أي عمل عسكري إلا بعد أربع سنوات أي في عام 1929 ، واعتمد الشيخ القسام في اختيار عناصر تنظيمه على ذكائه وفراسته في مراقبة المصلين أثناء خطبته الجمعة في جامع الاستقلال في حيفا، فكان يدعو من يتوسم فيه الخير من المصلين إلى زيارته، و من ثم تتوالى الزيارات، ويدعو الشيخ القسام بعد ذلك الشخص هذا إلى الانضمام لمجموعته التي بدأت بخمسة أشخاص ثم زاد العدد ليصل إلى 9  . 

أمّا منهج تنظيم الشيخ عز الدين القسام وفكره، فقد تشابه في أيدلوجيته مع الحركة السنوسية في ليبيا والحركة المهدية في السودان، حيث كانتا تستمدان منهجهما من الإسلام، وتؤمنان بالجهاد سبيلاً وحيدًا لتحرير البلاد من العدو الكافر الأجنبي .

حرص الشيخ عز الدين القسام على إطفاء الشرعية الدينية على تنظيمه وجهاده فقام باستفتاء قاضي دمشق الشرعي الشيخ بدر الدين الحسني، فأفتاه بوجوب جهاد الإنجليز واليهود لمنع إقامة وطن لليهود في فلسطين ، وفيما يخص المنهج التربوي لأعضاء تنظيم القسام حرص القسام على تعليم الأعضاء وتحفيظهم آيات الجهاد في القرآن الكريم، وحرص كذلك على تدريسهم قصص الفتوحات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى الإعداد العسكري الذي كان يتولاه جنرال سابق في الجيش العثماني .

خامسًاانطلاق عمليات تنظيم القسام: يرى الدكتور محسن صالح أن تنظيم القسام قام بالعديد من العمليات العسكرية التي استهدفت المصالح اليهودية في فلسطين، إلا أن العديد منها عُدّ من الاعمال الفردية، وأن تلك العمليات جاءت لسببين هما، كسر حاجز الخوف لدى أعضاء التنظيم، وتنفيس الغضب لدى أفراد التنظيم مما كانوا يرونه من بطش السلطات البريطانية وتمادي المستوطنين اليهود.

من ضمن الشواهد على قيام أعضاء تنظيم القسام بعمليات فردية قبل حلول عام 1935، ما ذكره الشيخ أحمد ذيب الغلاييني، وكان يتولى قسم الأسلحة والمتفجرات في تنظيم القسام، فقد ذكر أنّه هو ورفاقه خططوا لضرب العصابات اليهودية، وبالفعل قام الشيخ أحمد الغلاييني بقتل اثنين من اليهود في عام 1929، واعتقل 33 يومًا على ذمة التحقيق، إلا أنه لم يثبت عليه أي تهمة و أفرج عنه .

وفي الفترة الواقعة بين عام 1931-1932 قامت جماعة القسام بالعديد من العمليات الجريئة ، وكانت أول تلك العمليات عملية مستوطنة ياجور في ليلة 5/4/1931، قرب حيفا، وقتل فيها ثلاثة من اليهود وعاد أفراد المجموعة سالمين، وفي يوم 7/4/1931، أصاب المجاهدون يهوديًّا بجراح بالقرب من مستوطنة نهلال، وفي 16/1/1932 قتل المجاهدون يوسف بورنيشان في مستوطنة بلفوريا، لكن العملية الجريئة التي أفقدت السلطات البريطانية صوابها هي عملية نهلال الثانية في ليلة 22/10/1932 فقد أخذ صالح أحمد طه ومصطفى علي الأحمد، قنابل صنعها لهما أحمد الغلاييني، وزرعاها في غرفة حراس المستوطنة وفجراها مما أدى إلى مقتل يهوديين وجرح اثنين آخرين ،  واستمرت العمليات على هذا المنوال حتى حلول عام 1935.

سادسًااشتعال ثورة القسام واستشهاده: في شهر 11 من العام 1935 اتخذ الشيخ عز الدين القسام وجماعته قرارًا مفصليًّا في تاريخ الكفاح والثورة الفلسطينية بشكل عام، فقد أعلن عن انطلاق أول ثورة مسلحة منظمة منذ حلول الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1917،  وكان هذا القرار بمثابة إعلان رفض، أو اختلاف مع المسار النضالي السابق الذي كان يقوم على المظاهرات والاحتجاجات ورفع العرائض .

جاء قرار الشيخ عز الدين نتيجة لعدة أسباب أخرى، منها ارتفاع أعداد المهاجرين اليهود بشكل غير مسبوق، فقد هاجر إلى فلسطين في سنة 1935 ما يقارب 61854 يهوديًّا، واشتروا 72905 دونومات من الأراضي.

ومن الأحداث التي أججت تلك الثورة اكتشاف تهريب 1650 برميلاً من السلاح، وهي كمية كبيرة . وجد الشيخ عز الدين القسام في هذه الحادثة جوًّا مناسبًا لإعلان ثورته، خاصة وأن تنظيمه قد اكتملت أركانه.

لم تكن فكرة القسام الإعلان عن مواجهة عسكرية شاملة، بل عن قيام تنظيم عسكري مسلح ينتهج أسلوب حرب العصابات، وخرج مع القسام رفاقه بعد أن باع بعضهم حلي، وأرسلت بعض القيادات الفلسطينية، مثل الحاج أمين الحسيني، مبالغ من المال دعمًا لتنظيم القسام، وخطب الشيخ عز الدين القسام خطبة أخيرة في مسجد الاستقلال في حيفا أنهاها بقوله “الجهاد يا مسلمون.. الجهاد يا مسلمون”، و خرج من المسجد وجموع المصلين قد أجهشت بالبكاء.

غادر القسام بصحبة 16 من رفاقه إلى قرية يعبد من قرى جنين والتي كانت محطة ثورتهم ورباطهم . مكث القسام ومجموعته ليلتين في بيت الشيخ سعيد الحسان؛ وهم يقرؤون القرآن و يذكرون الله.

في تلك الفترة كانت سلطات الانتداب وأعوانها تبحث عن الشيخ القسام وجماعته ، وفي صبيحة يوم 20 /11/1935 حاصرت قوات الانتداب البريطاني قرية يعبد والمنطقة التي كان فيها الشيخ عز الدين القسام ورفاقه.

بلغت قواته البريطانيين 400 جندي معظمهم من الإنجليز، بينهم قلة من العرب من البوليس العربي ،  ورغم عدم التكافؤ في القوة العددية بين الطرفين، وعرض القوات المحاصِرة الاستسلام على الشيخ عز الدين القسام، إلا أنه رفض ذلك والتفت إلى رفاقه و قال لهم “موتوا شهداء” .

أمر القسام رفاقه بأن تكون حركتهم أثناء المعركة متنقلة، وذلك لكي يعيقوا حصار قوات الانتداب لهم ، ولقد التحم الجانبان في معركة استمرت ست ساعات حتى حلول العصر، وقد ذكر بعض الباحثين أن الانجليز خسروا 15 جنديًا ، وهو رقم كبير بالنسبة لما يراه باحثون ومؤرخون آخرون، إذ يذهب بعضهم إلى أن خسائر الإنجليز لم تتجاوز إلا قتيلاً واحدًا وجريحًا واحدًا، ويعلّل المؤرخ سميح حمودة ذلك، بأنّ القسام ورفاقه كانوا يتحاشون إطلاق النار على المجندين العرب مع الإنجليز.

استشهد في المعركة الشيخ عز الدين القسام وأحمد ابن الشيخ سعيد الحسان الذي استضاف القسام ورفاقه، وكان عمره 15 سنة، ويوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري وهو من مصر، وجرح نمر السعدي و أسعد المفلح، واعتقل كل من عربي بدوي ومحمد يوسف وأحمد جابر و حسن الباير . 

كان لاستشهاد الشيخ عز الدين القسام أثر عميق جدًا لدى الشعب الفلسطيني، تجلى في جنازة الشيخ عز الدين القسام، فقد انطلقت الجماهير بعد الصلاة عليه بمظاهرة مهيبة هتفت ضد الانتداب واليهود، وهاجمت الجماهير الغاضبة مركزَ البوليس البريطاني في حيفا، أما الزعامات السياسية والحزبية الفلسطينية فلم تشارك في جنازة الشيخ عزالدين القسام، واكتفت بإرسال برقيات فاترة لإدارة الانتداب البريطاني  . 

ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939 

تتناول الفقرات التالية ظروف الثورة الفلسطينية الكبرى وأسبابها، ودور جماعة القسام وأثرها في اشتعال هذه الثورة.

ظروف الثورة وأسبابها

مع نهاية عام 1935 وبداية عام 1936، بدأت المشاريع الصهيونية والقمع البريطاني بالتصاعد، وقد أخذت نسب العاطلين عن العمل في الازدياد، مما فاقم من الأزمات الاقتصادية للفلسطينيين، ومع كل ما سبق كان أداء الزعامات والأحزاب العربية لا يتجاوز حدود العرائض التي ترفع إلى المندوب السامي، فبدأت جماهير الشعب الفلسطيني تجنح إلى الجهاد المسلح والثورات الشعبية لمواجهة بطش الانتداب البريطاني وإيقاف المشروع الصهيوني، وشكلت تجربة القسام -بالرغم من إحباطها في بداياتها- نموذجًا جهاديًّا أصبح يستهوي الجميع من أبناء الشعب الفلسطيني . 

اندلاع الثورة وأحداثها

يذكر عدد من المؤرخين والباحثين أن جماعة القسام لم تترك السلاح بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام واعتقال رفاقه، ذلك لأنّ جماعة الشيخ لم تقتصر على مرافقي الشيخ الذين أجهز عليهم في أحراش يعبد، بل إن هناك أعدادًا من مناصري الشيخ القسام وأتباعه لم يكشف عنهم، و بدؤوا في تجميع صفوفهم وترتيبها، وكان من الشيخ فرحان السعدي، أحد القساميين، مع مجموعة بفرقته، أن فجّر الشرارة الأولى للثورة في 15/4/1936، بقتل يهوديين وجرح ثالث في عملية فدائية على الطريق الواصل بين قريتي عنبتا ونور شمس بالقرب من مدينة طولكرم، وأحدثت هذه العملية جوًّا عاما من التوتر والتشنج .

على إثر عملية عنبتا- نور شمس حدثت توترات في مدينة يافا قتل فيها 16 من اليهود و6 من العرب، وأعلنت السلطات البريطانية في نفس تاريخ الاشتباكات – أي 17/4/1936 – فرض حالة الطوارئ في فلسطين، وفرض حظر التجول .

و على إثر هذه الأحداث شكلت القوى الوطنية في فلسطين لجانًا شعبية لكل مدينة من مدن فلسطين بلغ عددها 22 لجنة، وانضم إلى تلك اللجان الشعبية العرب من مختلف الميول والاتجاهات، تحقيقًا للمصلحة العامة للشعب الفلسطيني، وأعلن عن الإضراب الشامل في فلسطين بتاريخ 20/4/1936، وخلال يومين شمل كل مدن فلسطين .

وُضعت الأحزاب السياسية في فلسطين في موقف محرج، وكذلك الزعامات التقليدية، وذلك لأن اللجان الشعبية، والقساميين، أضحوا في مواجهة مباشرة مع السلطات البريطانية، بينما لم تتخذ تلك الأحزاب والزعامات موقفًا واضحًا بعد من الثورة والإضراب، فتمخضت المباحثات والمشاورات عن تشكيل ما عرف باسم “اللجنة العربية العليا”، وهي جسم تنظيمي ضم كل الأطياف السياسية و الشعبية و الثورية  وأضحى لاحقًا ناطقًا رسميًّا باسم الثورة، ولأول مرة منذ الانتداب، ولكونها زعيمًا سياسيًّا، وقائدًا في المواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب البريطاني ، وفي تاريخ 25/4/1936، قررت اللجنة العربية العليا الاستمرار في الإضراب و حددت ثلاثة مطالب لإيقافه:

  • إيقاف الهجرة اليهودية ومنعها منعًا باتًّا.
  • منع انتقال الأراضي العربية لليهود.
  • إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

وكان التجاوب الشعبي متميزًا وفريدًا من كافة فئات الشعب مع الإضراب .

و مع بداية شهر 5 من عام 1936، شهدت الثورة تطورًا نوعيًّا، فقد بدأت المجموعات المسلحة بالتشكل، وبدأت الثورة تأخذ شكلاً جديدًا امتاز بعمليات قطع خطوط الهاتف وخطوط القطار الخاصة بسلطات الانتداب، وشهدت العديد من الكمائن المسلحة التي استهدفت قوات الانتداب والعصابات اليهودية، وجرت مهاجمة المستعمرات اليهودية، وبلغ عدد العمليات 50 عملية يوميًّا، وهو عدد كبير جدًّا وغير مسبوق من العمليات .

برز من هذه الثورة أسماء قيادات ميدانية جهادية جديدة من أمثال عبدالقادر الحسيني، والشيخ فرحان السعدي وعطية أحمد عوض ومحمد الصالح حمد، والثلاثة الآخرون من القساميين .

تميزت الثورة بطابع عربي إسلامي بفعل مشاركة العديد من المجاهدين العرب فيها منهم فوزي القاوقجي والشيخ المجاهد محمد الأشمر من سوريا ، ووقعت خلال هذه الفترة مجموعة من المعارك أذهلت سلطات الانتداب البريطاني بفعل قوتها وشدة تنظيم الثوار فيها، منها معركة عصيرة الشمالية 17/8/1936، ومعركة وادي عرعرة 20/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/1936، ومعركة بيت أمرين 29/9/1936.

توقف الإضراب والثورة مؤقتًا وتدخل الحكام العرب

حاولت السلطات البريطانية بكافة الوسائل والطرق القمعية إحباط الثورة، وكذلك حاولت بالجهود السياسية، واستخدمت في هذه الجهود ما سمي بوساطات الحكام العرب، ففي 2/10/1936 أصدرت ثلاثة بيانات بنفس النص من كل من غازي الأول ملك العراق والأمير عبدالله الأول أمير إمارة شرق الأردن والملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، تدعو الفلسطينيين “للإخلاد إلى السكينة، حقنًا للدماء” والاعتماد على حسن نوايا الحكومة البريطانية، ، لتستجيب اللجنة العربية العليا، وتعلن في تاريخ 12/10/1936، وفي قرار مفاجئ وخطوة غير معتمدة توقف أطول إضراب في تاريخ العالم والذي استمر 187 يومًا متتاليًّا، وليتوقف العمل العسكري مؤقتًا تبعًا لتوقف الإضراب.

تقرير لجنة بيل وعودة اشتعال الثورة

   في تاريخ 11/11/1936، جاءت لجنة ملكية خاصة للتحقيق في الأحداث الجارية في فلسطين، وسميت بلجنة بيل نسبة إلى وزير الخارجية البريطاني. رفض العرب في البداية مقابلتها، إلا أنه ونتيجة لتعرض اللجنة العربية العليا لضغوطات شديدة من كل من العراق والأردن والسعودية، قابلت اللجنة العربية العليا لجنة بيل بتاريخ 6/1/1937، وعادت اللجنة إلى بريطانيا بتاريخ 17/1/1937، وقدمت تقريرها للحكومة بتاريخ 22/5/1937، ونشرت الحكومة البريطانية قرار اللجنة بتاريخ 7/6/1937، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية مع احتفاظ الانتداب بالأماكن المقدسة مع ممر آمن إلى يافا. 

بعد وصول خبر قرار لجنة بيل إلى العرب واليهود في فلسطين، سادت أجواء التوتر بين العرب و اليهود، وبدأت سلطات الانتداب البريطاني بسلوك نهج عنيف وقمعي في تعاملها مع الثوار والقيادات الفلسطينية، فقامت بالتضييق على الحاج أمين الحسيني فالتجأ إلى المسجد الأقصى ليدير الأمور منه، وبدأت السلطات البريطانية بحملة اعتقالات بحق الثوار والقيادات الفلسطينية، وكان من أبرز المجاهدين المعتقلين الشيخ فرحان السعدي القائد العسكري المتميز في القطاع الشمالي للثورة  .

وكما فجر القساميون الثورة في بدايتها، فإن القساميين هم من استأنفها، فبعد علم القساميين وقيادتهم الجهادية، من أمثال القائد عطية أحمد عوض والقائد سالم المخزومي، وكذلك القائد محمد صالح الحمد بتوصيات لجنة بيل، بدأت بإعداد العدة لإشعال الثورة من جديد، واختارت بداية قوية، بقيام المجاهدين القساميين الشيخ محمد أبوجعب والشيخ محمد الديراوي الملقب بغزال، باغتيال حاكم منطقة الجليل الشمالي لويس أندروز، والذي كان معروفًا بتعقبه للقساميين  وكرهه لهم، وقد اغتيل أثناء خروجه من كنيسة في الناصرة  في 26/9/1937 .

جاء رد السلطات البريطانية قاسيًا، فأعدمت الشيخ فرحان السعدي، في 22/11/1937، في سجن عكا، وفي نهار رمضان، وقد أدى تنفيذ هذا الحكم إلى تأجيج الثورة بخلاف توقعات سلطات الانتداب.

عادت الثورة للاشتعال من جديد وتميزت هذه الفترة بإحكام العمليات وإتقانها، وذلك للخبرات المكتسبة والتمرس في القتال والتدريب، فكان العمل العسكري أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، وشكلت “اللجنة المركزية للجهاد” وكان مقرها دمشق، وتولى إدارتها فعليًّا محمد عزة دروزة بتوجيه من المفتي الحاج أمين الحسيني.

برزت في هذه المرحلة قيادات جهادية جديدة من أمثال عارف عبدالرزاق وعبدالرحيم الحاج محمد وعبدالقادر الحسيني ويوسف أبودرة، وكان الأخير من القساميين، وتجلت الحاضنة الشعبية للثورة في هذه الفترة، فحين أصدرت السلطات البريطانية تعميمًا يقضي بمنع لبس الكوفية على المواطنين العرب، وذلك لتمييز الثوار عن المدنيين لأن الثوار تميزوا بلبسها، فردت الجماهير الفلسطينية على اختلاف طبقاتها وشرائحها وعاداتها الاجتماعية بارتداء الكوفية.

تميزت العمليات العسكرية في هذه الفترة بقوتها، فقد تمكن الثوار في شهر 9 من العام 1938 من السيطرة التامة على مدينة الخليل لعدة ساعات ثم انسحبوا منها، وبتاريخ 9/9/1938 تمكن المجاهدون من السيطرة على مدينة بئر السبع ومن تحرير عدد من المعتقلين في سجنها، كما تمكن مجاهدو منطقة الجليل بقيادة القسامي يوسف أبودرة بتاريخ 5/10/1938 من السيطرة على مدينة طبريا و قتل أكثر من 120 مستوطنًا يهوديًّا . 

ومن أبرز معارك تلك الفترة معركة عرابة البطوف 23/12/1937 بقيادة القسامي أبوابراهيم الكبير، ومعركة أم الفحم بقيادة القسامي يوسف أبودرة في 30/1/1938، ومعركة جبل الجرمق بقيادة القساميين سعد الخالدي وعبدالله الأصبح بتاريخ 6/2/1938 .

إخماد الثورة ونهايتها

سعت السلطات البريطانية بكل قوتها إلى القضاء على الثورة، فمع مع حلول 31/10/1938 بلغ مجموع القوات البريطانية 18 كتيبة مشاة في فلسطين، وفوجين من الخيالة، فوج مدرع، وفوج مدفعية، وسريتين مدرعتين، بالإضافة الى قوات البادية الأردنية التي كانت تساند سلطات الانتداب و شاركت في اعتقال قيادات كبيرة من المجاهدين مثل الشيخ المجاهد يوسف أبو درة، و بلغ تعدادها 1170 جنديًّا .

لجأت سلطات الانتداب إلى سياسات بطش وتنكيل تجاه الأهالي العزل، فقامت بتعديل قانون الطوارئ ليشمل حيازة كافة أنواع الأسلحة مهما كان نوعها أو صلاحيتها، ولتصل الأحكام إلى الإعدام، ولو على مالك رصاصات أو حامل سكين في بعض الحالات، وبلغ عدد من أعدمتهم السلطات البريطانية 146، وتجاوز عدد المحكومين 2000، وبلغ عدد المعتقلين بتهمة الثورة 50000 وهدمت 5000 بيت وحانوت .

ومن العوامل التي أدت إلى إجهاض الثورة الصراعات الداخلية وانحياز بعض التيارات ضدّ الثورة، فقد استغلت السلطات البريطانية الخلاف الحادّ بين أسرتي الحسيني والنشاشيبي، فبدأ ما يعرف بالتيار النشاشيبي بمهاجمة الثورة وقيادتها ورفض مواقفهم  ، وشكّلت سلطات الانتداب لاحقًا ما يعرف بفصائل السلام التي تلقت دعمًا هائلاً من الوكالة اليهودية، وتزعمها فخري النشاشيبي، وأحدثت فتنة كبيرة في صفوف الثوار، وقادتهم إلى معارك جانبية ألهتهم عن هدفهم الرئيس  .

 كما لعب غياب العديد من قيادات الثورة بفعل القتل أو الاعتقال أو الإبعاد دورًا في إخماد الثورة ، وشهد نهاية عام 1938م انهيارًا اقتصاديًّا بسبب البطش البريطاني وهدم الحوانيت مما أدى إلى توقف العديد من الأعمال، بالإضافة إلى قلة الدعم والتمويل العربي والإسلامي .

عملت بريطانيا كذلك على تقديم حل سياسي لحسم الثورة، فأعلنت عدولها عن قرار تقسيم فلسطين في 11/1938، ودعت إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في 2/1939، وحضره ممثلون عن الدول العربية، وأصدرت السلطات البريطانية كتابًا أبيض في 5/1939، تضمن قرارًا يقضي بإنشاء دولة مشتركة بين العرب واليهود، وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأحيت تلك القرارات والعوامل السابقة كلها الرغبة لدى بعض الزعامات السياسية للعودة وخوض غمار النزال السياسي ، ومع حلول 9/1939 كانت الثورة الفلسطينية الكبرى قد توقفت فعليًّا و بدأت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها. 

دراسة دراسة

 

أكمل القراءة

دراسات

قراءة في كتاب مؤشر الدمقراطية “الإسرائيلي”

نشر

في

بواسطة

قراءة في كتاب مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي

عماد أبو عوّاد

محلل الشؤون الإسرائيلية في مركز القدس

 

مقدمة

يُقدّم “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” مع نهاية كلّ عام، كتابًا إلى رئيس دولة الاحتلال يحمل عنوان “مؤشّر الدمقراطية الإسرائيلي”[1]، والذي يعتمد في الأساس على مجموعة من استطلاعات الرأي التي توضح التوجه العام للمواطنين، وتكشف عن أهم الفجوات والمخاوف التي تعتريهم؛ تحديدًا في قضايا الأمن والديمقراطية.

الكتاب الذي يمتد على 220 صفحة، تناول هذا العام زوايا مهمّة؛ أبرزها الوضع العام للدولة، والواقع الديمقراطي، وإلى أي مدى يشعر المواطن الصهيوني بتفاؤل إزاء مستقبلها، كما تناول رضى الجمهور عن المؤسسات المختلفة، بدءًا من الجيش وصولاً إلى الأحزاب الصهيونية المختلفة. والجديد الذي لم يكن بالإمكان تجاوزه هذا العام، هو أزمة كورونا وتأثيراتها على النطاقات المختلفة من حياة الجمهور.

ورغم أنّ الكتاب يتسلمه الرئيس الإسرائيلي تشجيعًا على قراءته ولإظهار أهميته، وهذا سلوك رؤوبن ريبلين[2] ومن سبقه، وهو ما ينسحب على بقية إصدارات المراكز، فإنّ الجدل يبقى قائمًا حيال مدى تعاطي السياسي الصهيوني مع مثل هذه الإصدارات، لكن مقارنة سلوك الساسة مع ما يرد في تلك الإسهامات البحثية، يكشف أنّ الفجوة عميقة، تحديدًا خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ العام 2009 والذي بدأ فيه بنيامين نتنياهو[3] فترة حكمه الثانية.

 

أولاً: تراجع كبير في النظرة لواقع الدولة

وفق المؤشر فقد شهد العام 2020 نزولاً كبيرًا في نسبة من يعتبرون أنّ الواقع العام للدولة جيد، فنسبة الذين قدروا أنّ واقع “إسرائيل” جيد كان 37.5% مقابل 50% العام 2019، وعند تحليل عينة الاستطلاع تبين أنّ 52.5% من المُنتمين لليمين يُقدرون أنّ واقع “إسرائيل” جيد، مقابل 26% من المركز وفقط 13% من اليسار.

النزول أيضًا شمل تقييم المواطن لواقعه، فبعد أنّ قيم 80% من المواطنين عام 2019 أوضاعهم أنّها جيدة، نزل الرقم إلى 61% عام 2020، وعند سؤال المواطن الفلسطيني في الداخل: “هل تشعر بأنّك جزء من إسرائيل”، أشار 44% فقط بالإيجاب.

بتحليل الأرقام أعلاه، لا يُمكن فصل هذا التراجع عن موضوع جائحة كورونا، والتي ترافقت في “إسرائيل” مع مجموعة من المُتغيرات التي وصلت ذروتها مع مطلع العام 2020 وصولاً إلى حلّ الكنيست مع نهايته، فقد كان لعدم الاستقرار السياسي والانتخابات المتكررة الدور الأكبر في تجسيد الكراهية الداخلية، وتعميق الفجوات الآخذة في الازدياد.

ويُشير إلى ذلك تحليل العينة الاستطلاعية أعلاه، فغالبية المُنتمين لليمين عبّروا عن رضاهم عن واقعهم وواقع الدولة، وهذا مرتبط بوجودهم في الحكم تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بمعنى أنّ لعدم الرضى عند اليسار والمركز ارتباطًا جذريًّا بمسألة ابتعادهم عن الحكم لما يزيد عن اثني عشر عامًا متواصلاً، والتي جذّر فيها اليمين انقسامًا ليس من السهل ردمه.

من هُنا يُمكن الربط بين الرضى وطبيعة النظام الحاكم، بمعنى أنّ واقع الدولة بات يُطوّع وفق أهواء من هم في السلطة، لذلك نجد أنّ الرضى مرتفع عند فئة اليمين ، الأمر الذي سيلقى انعكاسًا في النسب في حال وصل المركز واليسار إلى الحكم، لتؤكد هذه العينة أنّ التكتلين المنبثقين في الساحة الصهيونية، ورغم الاختلافات الداخلية في كلّ تكتل، باتا يقتربان إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بإمكانية الالتقاء على قاسم مشترك، وهذا على الأقل في ظل حُكم بنيامين نتنياهو.

ثانيًا: الديمقراطية الإسرائيلية في خطر كبير

مستقبل الديمقراطية الإسرائيلي في خطر شديد، كما يرى 54%، وهي ذات النسبة تقريبًا منذ العام 2019 مع زيادة بسيطة، والمؤشر يزداد خطورةً كلّما قُسّمت العينة إلى المعسكرات المختلفة، فقد اعتبر 85% من اليسار أنّ ديمقراطية بلادهم تواجه خطرًا  شديدًا مقابل 63% من المركز، و35% فقط من اليمين.

ولم تُغفل دراسة عينة الاستطلاع التطرق للقضية الأهم في هذا السياق، وهي سؤال “من المركبات التالية أقوى”، المركب اليهودي أم المركب الديمقراطي في الدولة العبرية، فقد رأى 50% أنّ المركب اليهودي طاغٍ على المركب الديمقراطي، وبتحليل العينة تبين أنّ الجمهور الديني 72% من الحريديم و50% من المتدينين القوميين، رأوا بأنّ المركب الديمقراطي هو الطاغي وليس اليهودي.

وهنا يكمن جوهر الصراع الداخلي حول شكل الدولة، فكل طرف بات يعتبر أنّ شكل الدولة لا يزال على خلاف ما يريد، فالمتدينون الذين هم جزء من اليمين الحاكم يرون ضرورة كبح جماح المركب الديمقراطي لصالح الديني، فيما التيار العلماني الذي هو جزء من المركز واليسار، يرى بأنّ الجانب الديني طاغ ويجب كبح جماحه.

باتت هذه التجاذبات تؤدي إلى تمرير قوانين وشطب أخرى، كسرت ما تأسست عليه الدولة من موازنة بين المركبين، وفتحت باب الصراع بينهما، فقد بات يسعى من في سدّة الحكم إلى تثبيت رؤيته فيما يتعلق بشكل الدولة.

وفي الوقت الذي رأى فيه 58% من اليهود بأنّ قيادتهم السياسية فاسدة، وغارقة في مخالفات جنائية، يتضح من تحليل العينة ذات الانقسام، أنّ من يعتقدون ذلك هم 87.5% ممن ينتمون لليسار، و74% ممن ينتمون للمركز، وفقط 43% ممن ينتمون لليمين، في مؤشر أنّ البقاء في الحكم أهم من القيم التي نشأت عليها “إسرائيل”، ففي مقابل رابين الذي استقال في سبعينيات القرن الماضي لشبهة حول زوجته تبين براءتها فيما بعد، نجدّ أنّ نتنياهو، وهو الملاحق بثلاث لوائح اتهام، يحصل على مليون وأربعمائة ألف صوت في الانتخابات، بمعنى أنّ الفساد لم يعد معيارًا للخلاص من الحاكم، بل بات يُقلل من قيمته في سبيل بقاء الحاكم الذي سيحمي محيطه، رغم تأسيسه لمنظومة تسعى للدفاع عن مصالحه ومنع محاكمته.

وما يوضح الصورة أكثر هو الثقة في المحكمة العليا، والتي تُعتبر بيضة القبان ما بين السلطة التشريعية والتنفيذية بغياب دستور إسرائيلي، فقد فقدت المحكمة خلال 9 سنوات 20% من الثقة فيها، لتتراجع في العام 2020 إلى حدود 50%، فيما يحصل المستشار القضائي للحكومة على ثقة لا تتجاوز 42%، وهذا مرتبط بشكل كبير بأمرين، الأول رفض اليمين لهيمنة المحكمة واتهامها بأنّها التي تحكم وليس السلطة التنفيذية برفضها للكثير من القوانين ذات الطابع الديني، والثاني مرتبط بمحاكمة نتنياهو، فقد رأى اليمينيون أنّ المستشار القضائي للحكومة أفيخاي مندلبليت، لفق تُهمًا لبنيامين نتنياهو.

 

ثالثًا: الواقع الصحي جيد

الرضى عن منظومة الصحة في “إسرائيل” كان جيدًا جدًّا، فـ 50% من “الإسرائيليين” أعطوها تقييمًا فوق الجيد، و36% قيموها على أنّها متوسطة، وفقط 15% اعتبروا أداءها سيئًا، وقد عبر 86% عن مطالبتهم بزيادة ميزانية الصحة على حساب الوزارات الأخرى.

الرضى الإسرائيلي عن أداء المنظومة الصحية مرتبط بشكل كبير بأدائها خلال جائحة كورونا، فقد استطاعت المنظومة الصحية أن توّفر عناية جيدة ومتابعة حثيثة للمرضى، باعتمادها على الصناعات المحلية المتطورة في رفد مستشفياتها ومراكزها الصحية بالتجهيزات ذات الجودة العالية، رغم أنّ “إسرائيل” تُعتبر من الدول التي سجلت عدد وفيات مرتفع بالكورونا مقارنة بعدد السكان، فقد بلغ المتوسط العالمي 261 لكل مليون، بينما في “إسرائيل” 434.

والغريب رغم الرضى الجيد عن أداء المنظومة الصحية، فقد احتلت المرتبة الثانية من حيث الحاجة لتحسينها من بين أولويات الإسرائيليين الاجتماعية- الاقتصادية، بعد العمل على تخفيض غلاء المعيشة، وربما هذا مؤشر نوعًا ما على الراحة الاقتصادية بالمجمل العام للفئة الأكبر من الجمهور الإسرائيلي، رغم الغلاء الكبير للمعيشة، فالبحث في إطار التحسين وليس الحاجة الملحة، بمعنى أنّ الجمهور هناك يبحث عن المزيد من الخدمات التي تُشعره بزيادة مستوى الرفاهية، ولا يبحث في إطار الحاجة الملحة.

 

رابعًا: الشرطة تحصل على تقدير سيء

فقط 27% أشاروا إلى أنّ الشرطة تؤدي دورها بشكل جيد، ونفس النسبة أشارت بأنّ أداء الشرطة سيء جدًّا، فيما بقية المُشاركين رأوا أداءها ما بين السيء والمقبول، وأشار 82% من الفلسطينيين في الداخل المحتل و67% من اليهود، بأنّ الشرطة تتعامل مع الجريمة في الوسط اليهودي بشكل قوي وصارم، وتتجاهل ذلك في الوسط الفلسطيني.

كما أنّ 62.5% من المُستطلعين اليهود و56.5% من الفلسطينيين أشاروا إلى ذات الشيء فيما يتعلق بالطائفة الأثيوبية، وأشار غالبية المُستطلعين أنّ الشرطة تتشدد في الدرجة الأولى مع الفلسطينيين، وكذلك مع اليهود من أصول شرقية، و70% أجمعوا على أنّ الشرطة الإسرائيلية لا تكترث ولا تولي أي أهمية للنقد الموجه ضدها.

تتعاطى الشرطة الإسرائيلية مع الملفات المُختلفة وفق الفئة المُستهدفة، ففي الوقت الذي يُشكل فيه الفلسطينيون في الداخل المحتل فقط 21%، فإنّ معدل القتلى من بينهم بسبب الجريمة الداخلية يتجاوز نسبة الـ 50% من المجموع العام، والأغرب من ذلك أنّ عدد الملفات المفتوحة لدى الشرطة في جرائم القتل اليهودية 5 أضعاف تلك التي عند الفلسطينيين، وهذا ما يؤكده الاستطلاع أعلاه، من وجهة نظر اليهود أيضًا، حينما عبر أكثر من ثلثيهم عن قناعتهم بأنّ الشرطة تتجاهل الجريمة في الأوساط الفلسطينية.

إنّ طبيعة تقسيم المناصب في “إسرائيل”، جعلت من اليهودي الغربي المسيطر على غالبية المناصب الحساسة، فمثلاً رغم أنّ الشرقيين يصل تعدادهم إلى 50% من مجموع السكان، لم يصل منهم إلى اليوم أي شخص لرئاسة الوزراء، أو الموساد والشاباك، وكثير من المناصب الحساسة الأخرى كرئاسة المحكمة العليا.

ربما تفسر هذه الحقيقة، حالة العنصرية الموجهة في المجتمع الصهيوني، والتي بطبيعة الحال انعكست كذلك على الشرطة التي تتعامل مع اليهودي الغربي بطريقة تختلف تمامًا عن الفلسطينيين، ومن ثم الأثيوبيين وكذلك الشرقيين اليهود.

 

خاتمة

نصف المُستطلعين اليهود أشاروا بأنّ التضامن بين الإسرائيليين في أدنى مستوياته، فالشعور بالمصير الجمعي وضرورة أن يكون هناك لُحمة حقيقية، بات يفقد الكثير من التوجهات الداعمة له، مع ازدياد التقوقع الداخلي في كلّ طائفة دينية، وتيار فكري في الدولة العبرية.

التضامن الداخلي في “إسرائيل” ارتبط بشكل جوهري في السنوات الأخيرة بحكم اليمين المستمر منذ أحد عشر عامًا، فقد أفرزت الحكومات المتعاقبة شرخًا متسعًا كلّما مرّ الوقت من خلال أسلوب الحكم المتبع، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى رفض شرائح كاملة مجرد القبول بالجلوس مع أخرى تحت قبّة حكم واحدة.

ربما ظهرت أزمة التضامن الداخلي ظهرت بشكل أكبر خلال جائحة كورونا، فقد رفض الحريديم، على سبيل المثال، الانصياع لأوامر السلطات، رغم أنّهم جزء من الحكومة، مما يُشير إلى عُمق التفكير المنفرد لكل شريحة وطائفة، بمعنى أنّ الأمن الخاص بات مُقدّمًا على العام، ولهذا سينعكس انعكاس الأمن الإسرائيلي بشكل عام، على الأُسس التي تأسست عليها الدولة، وبما بما يمسّ بقوانين الأساس التي تُنظم الحياة العامة.

الأمن بالمجمل مرتبط بالثقة، ثقة باتت في تراجع مستمر في الساحة الصهيونية، وزادت من مساحة الاختلاف والرفض، وربما استمرار نتنياهو على رأس المؤسسة الإسرائيلية سيكون له المزيد من التفتيت والتشظي، فالرجل الذي يبحث عن الإفلات من المحاكمة، يقود “إسرائيل” تحت شعار أنا ومن بعدي الطوفان، والغريب أنّه استطاع تثبيت انقسام جديد النوع في “إسرائيل”، وذلك بالانقسام على شخصه، “بيبستيم” (داعم، نتنياهو تحت أي ظرف) و”انتي بيبستيم” (معارضوه تحت أي ظرف)، وهذا ما جعل التأييد والمعارضة على أساس الموقف من نتنياهو، وليس المصلحة العامة، وهنا تتجذر الأزمة وتكمن معالم الضياع والانهيار الداخلي.

 

 

 

[1]  أور عنبي، ايليت شخبيت، وآخرون. 2020. مؤشر الدمقراطية الإسرائيلي 2020. معهد دراسات الدمقراطية. https://www.idi.org.il/media/15539/the-israeli-democracy-index-2020.pdf

[2]  الرئيس الإسرائيلي الحالي.

[3]  رئيس وزراء الاحتلال.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهر واحد

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهر واحد

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهر واحد

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

مقالاتمنذ شهرين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ شهرين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ شهرين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ شهرين

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

الأكثر تفاعلا