تواصل معنا

دراسات

الحروب “الإسرائيلية- العربية” في العين الصهيونية

نشر

في

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس

خاضت “إسرائيل” مجموعة من الحروب ضد الدول العربية، وكذلك واجهت مجموعة من الانتفاضات، التي أثرت على شكل الصراع بشكل عام، وساهمت باستمرار حالة العداء بين “إسرائيل” والإقليم، الأمر الذي لم يُحقق للدولة العبرية، الحالة المرجوة من أن تُصبح، جزء مقبول من فسيفساء المنطقة.

اعتدنا دراسة هذه الحروب من وجهة النظر العربية، الأمر الذي قد يجعل الفهم لها منقوص، ليس من مُنطلق تغيير المفاهيم القائمة، بأنّ دولة معتدية مُحتلة، يواجهها أصحاب حقٍّ يدافعون عن أرضهم، بل لفهم التفكير الصهيوني، والنظرة التي امتلكتها الدولة العبرية، حيال تلك الحروب، علّنا نستطيع الاستفادة من هذه النظرة.

ستبدأ الدراسة بالتطرق للحروب العربية-“الإسرائيلية”، وكذلك سنتناول في البداية أحداث ما قبل إعلان قيام الدولة الصهيونية، والتي كان لها تأثير بالغ في ترسيخ المفاهيم والاتجاهات، قبل أن تُختتم الدراسة بالحروب الثلاث على قطاع غزة.

أولاً: أحداث ما قبل إعلان قيام “إسرائيل”.

منذ أن وطئت أقدام الصهاينة الأراضي الفلسطينية، واتضاح صورة العمل البريطاني ما بعد الانتداب، بأنّ سياسة الدولة الاستعمارية الجديدة، تتجه نحو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بدأت الأوضاع في فلسطين تأخذ منحنى مقاومة هذا التوجه، حيث اندلعت العديد من المواجهات والانتفاضات ضد بريطانيا من جانب، وضد اليهود ووجودهم في الأراضي الفلسطينية.

  1. أحداث يافا 1921.

بدأت أحداث يافا في الأول من أيار عام 1921، ويعتبرها الفلسطينيون أول كفاحهم المسلح، ضد بريطانيا والهجرة اليهودية[1]، حيث استشهد في الأحداث التي استمرت أربعة عشر يوما، 47 فلسطينيا، وكانت نقطة انطلاق في اضاءة الفكر الفلسطيني في ضرورة المواجهة المُسلحة ضد المساعي البريطانية، التي كانت تهدف إلى تكثيف الهجرات اليهودية باتجاه فلسطين.

النظرة “الإسرائيلية للموضوع تأتي في سياق القمع العربي الذي كان يُمارس بحق المهاجرين اليهود، حيث قُتل خلالها 43 يهودي، ومن وجهة النظر الصهيونية أنّ ردّة الفعل العربي هذه جاءت بسبب الهجرات اليهودية[2]، وتستطرد الرواية الصهيونية، أنّ هذه الأحداث ساهمت بتفعيل النشاط اليهودي باتجاه امتلاك المزيد من السلاح، حيث لولا التدخل البريطاني[3]، لكانت النتائج أكثر كارثية بالنسبة لهم.

  1. ثورة البراق 1929.

مع بداية عام 1929 كانت أحوال الشعب العربي الفلسطيني قد ازدادت سوءاً، خاصة بعد أن تعرضت البلاد لكوارث الجراد والزلزال والوباء التي اجتاحتها عام 1927، وفضلاً عن بداية الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 – 1932). وجاءت تشريعات حكومة الانتداب لتسهل تدفق المزيد من المهاجرين اليهود إلى فلسطين حتى فاق عدد من دخل منهم إلى فلسطين منذ الاحتلال البريطاني وحتى بداية 1929 مائة ألف مهاجر، عدا الآلاف الكثيرة الأخرى من المتسللين غير الشرعيين[4].

خلال هذه الفترة، وتحديداً في الخامس عشر من آب عام 1929، خرج اليهود بمسيرة باتجاه حائط البراق في المسجد الأقصى، رافعين شعار الحائط لنا، وقد صادف هذا اليوم ذكرى المولد النبوي، وتداعى الفلسطينيون للدفاع عن الأقصى في اليوم التالي، وخرجوا بمظاهرة حاشدة من المسجد باتجاه الحائط، واندلعت اشتباكات عنيفة امتدت بعدها إلى مدن وقرى فلسطين.

وأسفرت المواجهات عن مقتل 133 يهوديا وجرح أكثر من ثلاثمئة آخرين، بينما استشهد 116 مواطنا فلسطينيا وجرح أكثر من مئتين. واعتقلت سلطات الانتداب البريطاني تسعمئة فلسطيني، وأصدرت أحكاما بالإعدام على 27 منهم، ثم خففت الأحكام عن 24 منهم، ونفذ حكم الإعدام في 17 يونيو/حزيران 1930 بسجن مدينة عكا المعروف باسم (القلعة) في ثلاثة فلسطينيين، هم: فؤاد حسن حجازي، ومحمد خليل جمجوم، وعطا أحمد الزير[5].

من الزاوية اليهودية، تُعتبر ثورة البراق، بداية الصراع العربي-اليهودي، حيث يرى البروفيسور هيلل كوهين، أنّ أحداث البراق كشفت الصراع الدموي، الأيدولوجي العصري وما قبل العصري، ما بين اليهود والعرب[6]، ورغم أنّه سُبق بأحداث مشابهة، لكنّعا لم تكن بهذه الدموية، الأمر الذي أسس لمرحلة الصراع التالية.

وتعبر “إسرائيل”  تلك الأحداث بمثابة مجازر ارتكبها الفلسطينيون بحقهم، لكن في نفس الوقت لا يستطيعون إخفاء أنّ كل هذه الأحداث جاءت على خلفية الوعد البريطاني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين[7]، الأمر الذي ساهم بنشاط الحركة القومية العربية.

  1. ثورة 1936-1939.

تُعتبر هذه الثورة، المقاومة الأهم التي خاضها الفلسطينيون ما قبل قيام الدولة العبرية، وتعود الأسباب البعيدة لهذه الثورة إلى تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم ووحدة أراضيه، وإنقاذ فلسطين من شرور السياسة البريطانية والغزوة الصهيونية، كما تعود إلى تمسك الفلسطينيين بميثاقهم الوطني، وعزمهم على بلوغ أهدافه بالحرية والاستقلال والوحدة العربية الشاملة.

فيما كانت الأسباب القريبة، الحالة العامة التي فرضتها بريطانيا خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، ويُمكن وضعها ضمن النقاط التالية[8]:

أ.  استفحال تدفق الهجرة الصهيونية على فلسطين بعد تولي الحزب النازي مقاليد الحكم في ألمانيا، وارتفاع أعداد المهاجرين خلال السنوات 1933 – 1935 بشكل أثار مخاوف الشعب بصورة ملموسة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين).

ب.   استمرار الهجرة اليهودية (السرّية) إلى فلسطين، وتغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها.

ج.   تفاقم خطر استيلاء اليهود، بشتى الوسائل والأساليب على أراضي فلسطين، وإمعان الحكومة البريطانية في سن الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية استيلاء اليهود على الأراضي.

د.    قيام الصهيونيين (بمعرفة الحكومة ومساعدتها) بتهريب كميات كبيرة من السلاح والعتاد إلى فلسطين وتوزيعها على المدن والمستعمرات الصهيونية، بالإضافة إلى نشاطهم (العلني والسري) في إنشاء تشكيلات ومنظمات عسكرية وإرهابية، واشترك ضباط بريطانيين في تنظيمها وتدريب أفرادها.

كانت هذه الثورة الشاملة محط أنظار العالم العربي، حيث تلقت دعم كبير من الخارج، حيث تشكلت في العراق وسورية ولبنان وشرقي الأردن لجان وطنية لنصرة أهل فلسطين ودعم ثورتهم. وقد عملت هذه اللجان على جميع الأموال والأسلحة وارسالها إلى الفلسطينيين، وقامت باستقبال الجرحى والمصابين من المجاهدين والعناية بهم في بغداد وبيروت وعمان ودمشق.[9]

وقد انقسمت الثورة إلى ثلاث مراحل على النحو التالي[10]:

  • المرحلة الأولى: من شهر أبريل/نيسان 1936 إلى شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936، وقد سادها العمل المسلح.
  • المرحلة الثانية: من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936 إلى شهر سبتمبر/ أيلول 1937، واتسمت بنضال سياسي ودعائي، وبمقاومة عنيفة لسياسة الحكومة البريطانية، وباغتيال الباعة والسماسرة والجواسيس، وكذلك بالتصدي لمشروع تقسيم فلسطين الذي كانت بريطانيا تمهد السبيل لتنفيذه.
  • المرحلة الثالثة: من شهر سبتمبر/ أيلول 1937 إلى سبتمبر/ أيلول 1939، وكانت ثورة مسلحة مستمرة في داخل فلسطين، وأعمالاً دعائية وسياسية وجهوداً دبلوماسية خارج فلسطين.

وقد شهدت الثورة الفلسطينية أطول اضراب في التاريخ، شمل المناحي الاقتصادية والاجتماعية، فأغلقت جميع المخازن والمصانع والمقاهي، وتوقفت الحركة التجاري، وهذا ما لم يرق إلى حكومة الانتداب وقتها.

وكان من أبرز نتائج الثورة الفلسطينية الكُبرى، كانت 5000 شهيد و15000 جريح و5600 سجين. اما خسائر الانجليز فكانت مقتل 16رجل شرطه و 22 جنديا و جرح 10 رجال شرطه و 148 عسكريا و مقتل 80 يهوديا و جرح 308 من اليهود.
من معارك الثورة الفلسطينية الكبرى: معركة ام الدرج, معركة لد العوادين، معركة الفريديس، معركة ام الزينات، اقتحام سجن عتليت، معركة الجنادية، معركة جسر ملية، معركة وادي الطبل، معركة الكسارة، معركة السيالات، معركة اخوزا، معركة حيفا الكبرى، معركة الشلالة[11].

وحول اجهاض الثورة الفلسطينية الكُبرى، يعتبر المفكر الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، أنّ ذلك يعود إلى[12] معاناة الحركة الثورية الفلسطينية من انتكاسة شديدة على أيدي ثلاثة أعداء منفصلين كانو يشكلون معا التهديد الرئيسي لـلحركة القومية في فلسطين في جميع المراحل اللاحقة من نضالها 1936 ـ 1939، القيادة الرجعية المحلية، الأنظمة في الدول العربية المحيطة بفلسطين، والعدو الإمبريالي الصهيوني.

من الزاوية اليهودية تم رؤية الثورة العربية الكُبرى، على أنّها تجاوزت مساحة الأراضي الفلسطينية، إلى تحولها إلى قضية شرق أوسطية وسط دعم خارجي موجه من دول مثل إيطاليا وألمانيا[13]، وكان في طيّاته مواجهة عربية-بريطانية أكثر من كونه مواجهة عربية-يهودية.

والسبب الرئيسي لاندلاع الثورة هي الشعور العربي، بالعجز أمام تقدّم المشروع الصهيوني[14]، ورغم المحاولات البريطانية لمنع تحول الثورة إلى أحداث عنيفة، خوفاً من امتدادها، وجدت نفسها بريطانيا في حرب عصابات[15] مع الفلسطينيين.

ووفق يعكوب شبيت، كانت هذه الأحداث تختلف كلّياً عن الأحداث التي سبقتها، فهي من الناحية الأولى أظهرت استعداد عربي للتضحية بكل شيء من أجل الوطن، ومن الناحية الثانية، وجود قيادة استطاعت أن تُسيطر وأن تلقى تعاون والتزام من كافة الشرائح، وطول نفس كبير لهذه القيادة ورؤية واضحة في البداية[16].

وهذا ما رآه ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء في “إسرائيل” ، حيث أشار إلى أنّ العرب كانوا جمهوراً منظما، يريد تحقيق أهدافه القومية من خلال وعي واضح، حيث اعتبر الأحداث وقتها على أنّها حرب قومية[17]، رغم عدم امتلاك الفلسطينيين وقتها جيش منظم، قيادات الثورة من حسن سلامة، السوري عز الدين القسام، وكذلك موسى الحسيني، كانت من وجهة النظر الصهيونية، النموذج المُستعد لتقريب نفسه في سبيل هدفه المقدس[18].

كما أنّ زيادة تسليح اليهود، ووصل عددهم إلى 400 ألف في ذلك الوقت، ساهم بدفع العرب لاعتبار أنّ المواجهة يجب أن تكون شاملة، حيث تم الكشف عن كميات كبيرة من السلاح يُحاول تنظيم الهجناه اليهودي، تهريبها لصالح اليهود[19].

لكن الأسباب الرئيسية من وجهة النظر اليهودية لاندلاع الأحداث واستمرارها كان[20]:

  1. الشعور بتراجع دور بريطانيا، خاصة مع وصول هتلر إلى الحُكم في ألمانيا، وظهور أنظمة دكتاتورية أخرى رفعت سقف التحدي ضد فرنسا وبريطانيا.
  2. ارتفاع سقف المواجهة ضد لاحتلال البريطاني في مصر، وضد الاحتلال الفرنسي في سوريا.
  3. وصول أكثر من 60 ألف مهاجر يهودي فقط في العام 1936، إلى الأراضي الفلسطينية.
  4. عدم التزام بريطانيا من الحد من العجرة اليهودية مثلما أوصى الكتاب الأبيض عام 1929.
  5. الخلاف مع بريطانيا على الكثير من القضايا الإدارية بما فيها المجالس المحلية، بعد أن ساوت في بعض المجالس، النسب بين العرب واليهود.
  6. سرعة انتقال الأراضي العربية لليهود، من خلال استخدام الانتداب صلاحياته في نقلها وتسريبها لليهود.

أحداث الثورة العربية الكُبرى، ساهمت يتوجه اليهود نحو المزيد من الحرص على الدعم الأمني، من خلال الاعتماد على الذات وليس بريطانيا[21]، وبمجرد انتهاء الأحداث ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحوّل العمل اليهودي الأمني من العمل الدفاعي، إلى العمل الهجومي[22]، للمرة الأولى وفق الادعاء اليهودي.

من الزاوية الأخرى، فإنّ الأحداث ساهمت بمردود إيجابي كبير على اليهود خلال تلك الفترة، حيث ساهمت بزيادة التعاون اليهودي-البريطاني، وفككت بريطانيا اللجنة العربية العليا، وطردت المُفتي، وأسرعت في اتجاه اتخاذ خطوات أكثر جدّية في اتجاه اطاق يد اليهود في إقامة بيتهم القومي[23]، الذي كان بعد أقل من عشر سنوات من ذلك.

 

ثانياُ: حرب عام 1948.

حرب الاستقلال كما يُطلق عليها اليهود، والتي تتفاخر “إسرائيل” بأنّها خلالها استطاعت الانتصار على مجموعة من الدول العربية مجتمعة، وخطت طريقها نحو إقامة دولة قوّية شكلت عوامل ردع للمحيط العربي.

ووفق تسلسل الأحداث فإنّ “إسرائيل”  ترى في الحرب على أنّها حرب زائدة، كلان بالإمكان تخطيها، ولكنّ التعنت العربي برفض قرار التقسيم الخاص بالأمم المتحدة، أدى إلى تدحرج الأحداث نحو الحرب[24]، الحرب التي كانت الأطول والأقسى من الناحية “الإسرائيلية ، من حيث عدد القتلى[25].

بدأت المرحلة الأولى من الحرب، منذ الثلاثين من تشرين ثاني عام 1947، أي يوم واحد بعد إعلان الأمم المتحدة عن قرار التقسيم، حيث بدأت قوّات عربية في غالبيتها غير رسمية، مثل جيش الإنقاذ الذي ضم جنود عراقيين وسوريين بقيادة فوزي قاوقجي، إلى جانب اندلاع مواجهات وحرب عصابات في داخل المدن المُختلطة مثل يافا وحيفا، بين العرب واليهود[26].

خلال هذه المرحلة كان عدد الجيش الإسرائيلي، حوالي 40 ألف مُقاتل كانوا موزعين على التنظيمات اليهودية المسلحة وليسوا على شكل جيش رسمي، وقد أدت هذه الأحداث إلى مقتل المئات من اليهود، خلال تفجيرات للباصات، وكذلك في المناطق اليهودية المختلفة[27]، لينتقل بعدها اليهود من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، والتي ارتكزت وفق الخطة، على الحفاظ على المناطق التي أقرّها قرار التقسيم لليهود[28]، وكسر الحصار على بعض المناطق التي وقعت تحته.

تعرض وقتها اليهود لضغط كبير من جيش الإنقاذ، وأٌجبروا على اخلاء بعض المناطق، قبل أن تتعاون التنظيمات اليهودية المختلفة، وتقوم بتوجيه ضربة قوية لجيش الإنقاذ، واحتلال بعض المناطق العربية في المدن المُختلطة، في طبريا، يافا وصفد، الأمر الذي اعتبرته “إسرائيل” ، نقطة التحوّل الحقيقة خلال الحرب[29].

الحرب ما بعد إعلان دولة “إسرائيل”:

في الخامس عشر من أيار 1948، يوم واحد بعد إعلان استقلال “إسرائيل”، هاجمت قوّات خمس دول عربية، مصر، الأردن، سوريا، لبنان والعراق، حيث اقتحموا “إسرائيل” ، وبدأوا بهجوم على كلّ المناطق، وقاموا بقصف جوي أدى إلى 40 قتيل[30]، حيث هاجمت مصر “إسرائيل” من الجنوب، سوريا ولبنان من الشمال، الأردن والعراق من الشرق، وكان الشهر الأول من الحرب، الأكثر قسوّة على الدولة الوليدة، حيث فقدت فيه الكثير من القتلى[31].

الحالة الكارثية وعدم القدرة على الصمود، كانت سمة الجيش “الإسرائيلي” مع بداية المعركة، فعلى الجبهة الجنوبية، ورغم قيام لواء جبعاتي بالتصدي للمصريين، لكنّه لم يسبب لهم الكثير من الخسائر، والغريب وقتها، أنّ الجيش المصري، أوقف التقدم، لسبب غير معلوم إلى اليوم[32]، وقد كان الشعار “الإسرائيلي” وقتها، والذي جاء على لسان نائب قائد وحدة جولاني، مائير دفيدزون، من دون القدس ستكون لنا دولة، لكن إذا فقدنا تل ابيب فلن تكون هناك دولة “إسرائيلية”.

وفق الرواية “الإسرائيلية لم تكن المعارك سهلة، فقد خسر اليهود مستوطنات في النقب لصالح المصريين، مثل كيبوتس يد مردخاي، إلى جانب فقدانهم مئات من القتلى، كذلك استطاع الأردنيون على الجبهة الشرقية، وتحديداً في القدس، من حصار المربع اليهودي، وقطع الإمدادات عنه، وكذلك الحال على الجبهة الشمالية، حيث استطاع السوريون التقدم، وانسحبت بعض القوت “الإسرائيلية باتجاه العُمق “الإسرائيلي” ، قبل أن تصل دبابات فرنسية الصنع، ساعدت في إيقاف السوريين[33]، فيما استطاع الجيش اللبناني تحقيق تقدم كبير، وكان له الدور الأبرز في المعركة، حيث دخلت قوّاته إلى الجليل الأعلى، وسيطروا على مدينة الناصرة وجزء من الجليل الأدنى[34].

خلال هذه الفترة، وفي السادس والعشرين من أيار، أعلنت الحكومة “الإسرائيلية” برئاسة ديفيد بن جوريون عن إقامة الجيش “الإسرائيلي”، الذي ضم في البداية 35 ألف مقاتل، وارتفع العدد خلال الحرب إلى نحو 70 ألف مقاتل[35].

التهدئة الأولى:

في العاشر من حزيران 1948 وبعد شهر من الحرب المحتدمة، وقع الطرفان على تهدئة بناءً على اقتراح الأمم المتحدة، تهدئة كانت تعتبرها “إسرائيل” بمثابة شريان حياة، من أجل تدريب الجيش وضمان قوّات إضافية[36].

قضية التلانة:

في الثاني والعشرين من حزيران، وصلت سفينة سلاح إلى الشواطئ “الإسرائيلية” ، هذه السفينة اشتراها تنظيم اتسل، بقيادة مناحم بيجن، الذي أراد أن يكون السلاح لتنظيم اتسل، فيما طلب بن جوريون أن يتم تحويل السفينة إلى الجيش، لكن حدث اشتباك بين الطرفين، الجيش ومن على السفينة، الأمر الذي دفع بن جوريون لأمر الجيش بقصفها[37]، على اثر ذلك قُتل 19 من الطرفين، وانسحب اتسل من الجيش “الإسرائيلي” [38]، قبل ان يعود اليه بعد عدّة أيام، وكانت هذه الحادثة الأقسى من الناحية “الإسرائيلية” ، والتي تُمثل إلى اليوم حالة خلاف حول طريقة التعامل معها، وقتل اليهودي لليهودي.

تجدد الحرب:

في الثامن من تموز عام 1948، ورغم مساعي الأمم المتحدة تجددت الحرب بين “إسرائيل” والدول العربية، حيث استمرت هذه الجولة عشرة أيام، خلالها مالت الكفة لصالح الجيش “الإسرائيلي”، حيث بدأ الجيش “الإسرائيلي” بالدخول للمناطق الفلسطينية، وتفاقمت خلال هذه الفترة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وقد توقفت هذه الجولة بعد عشرة أيام[39]، وقتها لم يكن يريد الجيش “الإسرائيلي” ذلك، ولكن بعد ضغط كبير من الأمم المتحدة[40].

حسم الحرب:

خلال التهدئة الثانية، استغل الجيش “الإسرائيلي” ذلك، في التخطيط للسيطرة على مناطق واسعة، حيث استغل نكث التهدئة من قبل العرب، ففي الثامن والعشرين من تشرين اول 1948، كانت قوّات قاوقجي في اتجاه كيبوتس منرة اليهودي، استغلت “إسرائيل” ذلك، وقامت بهجوم مضاد سيطرت فيه على كل منطقة الجليل الأعلى[41].

وحاول على الجبهة الشرقية السيطرة على القدس الشرقية، لكنّه فشل في ذلك بسبب مقاومة قوّية من الجانب الأردني[42]، ووصل الجانبان “الإسرائيلي” والأردني إلى اتفاق وقف إطلاق نار.

الجبهة الأهم التي أمالت الكفة لصالح “إسرائيل” كانت الجبهة الجنوبية، حيث قام الجيش باستغلال نكث مصر للاتفاق، حيث طاردت القوّات “الإسرائيلية” الجيش المصري في الجنوب ووصلت إلى مناطق العريش، قبل أن تتوقف الحرب رسميا في السابع من كانون ثاني 1949. ورغم ذلك استغل الجيش “الإسرائيلي” هزيمة العرب وسيطر على مناطق أخرى مثل مدينة أم الرشراش[43] (ايلات حالياً).

ورغم أنّ الدعاية “الإسرائيلية” وبناء الأسطورة بقي مركزاً على أنّ جيش صغير لدولة صغيرة، تفوق على جيش الدول العربية مجتمعة، في إشارة إلى أنّ أقلية انتصرت على أكثرية، تبين وفق الدراسات “الإسرائيلية” نفسها، أنّ ذلك لا يلامس الحقيقة، حيث تبين أنّ الجيش “الإسرائيلي” كان أكثر عدداً من الجيوش العربية مجتمعة، حيث تمكنت “إسرائيل” ذات ال 600 ألف نسمة من تجنيد جيش عدده ثلاثة أضعاف الجيوش العربية مجتمعة[44]، مؤكدةً الدراسة أنّ العرب ارسلوا قوّات عشوائية غير منظمة، وغير راغبة في القتال، عدا عن نسبة قليلة، لم تستطع الصمود[45].

 

ثالثاً: حرب 1956.

حرب 1956 جاءت بمبادرة كلّ من فرنسا وبريطانيا، اللتان طلبتا من “إسرائيل” القيام بعملية تضليل للقوّات المصرية، هذه الحرب التي كانت الثانية في تصنيف الحروب “الإسرائيلية-العربية”، خسرت فيها “إسرائيل” كذلك العشرات من الجنود، ولا زالت إلى اليوم تخضع لنقد كبير بسبب مشاركة “إسرائيل” بها[46].

ووفق الرؤية “الإسرائيلية” فإنّ الهدف من الدخول في هذه الحرب كان لتحقيق ثلاثة أهداف[47]:

  1. إيقاف العمليات ضد “إسرائيل” ، حيث منذ انتهاء حرب 1948، استمرت العمليات ضد الأهداف “الإسرائيلية” وازدادت حدّتها في العام 1956.
  2. اغلاق مصر للمضائق التي من خلالها تصل البضائع إلى “إسرائيل” ، وكانت “إسرائيل” تدرس إمكانية قيامها بعملية عسكرية في العام 1955، لفتح مضيق تيران.
  3. خلخلة ميزان القوى العسكري، حيث في تلك الفترة وتحديداً في العام 1955 اشترت مصر من الاتحاد السوفياتي، كمية كبيرة من السلاح ذات نوعية متطورة، الأمر الذي تتطلب معالجة الأمر مبكرا.

والأهم لربما من الناحية “الإسرائيلية”، ما حققه شمعون بيرس، حيث نجح بيريس في ابتزاز قرار فرنسي داعم لإقامة المفاعل، في إطار الاستعدادات الفرنسية لشن العدوان الثلاثي على مصر في ذلك العام-1956. فقد طالب بيريس زعيمه بن غوريون حينما كانا في باريس يومها، بأن يؤخر التوقيع على اتفاق الشراكة في العدوان، إلى حين ضمان الاتفاق على اقامة المفاعل النووي في ديمونة، الذي بدأ العمل في سنوات الستين الأولى من القرن الماضي[48].

وقبل عدّة أيام من إعلان ناصر تأميم قناة السويس، اجتمع ممثلو الدول الثلاث، بريطانيا، فرنسا و”إسرائيل” ، حيث مثل “إسرائيل” في ذلك الوقت، رئيس وزراءها ديفيد بن جوريون، ووزير الجيش موشيه ديّان، واللواء مائير عميت، ومدير عام وزارة الجيش شمعون بيرس[49]، ووفق المؤرخين فقد كان بن جوريون خائفاً جداً من هذه المغامرة، ولولا الضغوط الكبيرة من وزير جيشه موشيه ديّان، لما وافقت “إسرائيل” على استهداف مصر[50].

أصدرت القيادة المشتركة قراراً بأن تبدأ “إسرائيل” عصر يوم 29/10/1956 العدوان لخلق الذريعة، وذلك بإسقاط كتيبة مظلات فوق ممر مثلا في سيناء، على أن يعقب ذلك صدور الإنذار الإنكليزي – الفرنسي يوم 30 تشرين الأول، ثم وقوع الضربة الجوية في اليوم التالي، وأخيراً انطلاق الجيش “الإسرائيلي” إلى داخل سيناء. فإذا نجح الجيش “الإسرائيلي” في احتلال المنطقة الأمامية حول رفح والعريش والقسمية وجبل لبنى كمهمة مباشرة على جبهة عرضها 40 كم وعملها 80 – 90 كم طور الجيش “الإسرائيلي” هجومه، واستغل نجاحه، وواصل تقدمه حتى يصل إلى مشارف الضفة الشرقية لقناة السويس ليحمي الجانب الأيسر للهجوم الإنكليزي – الفرنسي على جبهة عرضها 50 كم وعمقها 150كم.

وخلال ذلك تطلق وسائل الإعلام الإنكليزية والفرنسية حملتها النفسية والإعلامية ضد مصر قبل أن تنقض قوات الغزو البحري على شاطئ بور سعيد يوم 7/11/1956 وتنطلق في تقدمها على امتداد قناة السويس حتى الإسماعيلية. وتتابع قوات الغزو عملياتها حسب وضع الجبهة الداخلية في مصر، فإذا سقط الحكم في القاهرة استمرت القوات في تقدمها حتى تكمل سيطرتها على القناة بكاملها. وأما إذا صمد الحكم فإن على القوات أن تندفع نحو جنوبي القاهرة لتكون المعركة الحاسمة حولها، وتعمل لقطع خط الرجعة على جيش مصر الذي يفترض أنه سينسحب أمام الهجوم “الإسرائيلي”، هذا إذا لم يقض عليه في صحراء سيناء.[51]

وقعت في هذه المرحلة عدة معارك محدودة بين اللواء “الإسرائيلي” المطلي 202 الذي عبر الحدود الشرقية عند الكنتيلة في آخر ضوء من يوم 29 تشرين الأول ليدرك ويدعم الكتيبة 890 الهابطة في مثلا واللواء الثاني الآلي المصري الذي اصطدم اللواء “الإسرائيلي”  بمواقعه في الكنتيلة والتمد ونخل. وقد تابع اللواء الإسرائيلي تقدمه فوصل في الساعة 22:30 من يوم 30 تشرين الأول إلى منطقة صور الحيطان وانضم إلى الكتيبة 890.

واستطاعت كذلك القوّات “الإسرائيلية” احتلال قطاع غزة[52]، وتنفيذ غالبية ما تم الاتفاق عليه مع فرنسا وبريطانيا، لكنّ جاءت النتائج في النهاية على خلاف المرغوب “اسرائيلياً”، حيث لم تنجح فرنسا وبريطانيا باحتلال قناة السويس، وتم الضغط عليها للانسحاب وإعادة كلّ الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي اعتبرته “إسرائيل” ، انتصار كبير في المعركة، ومكاسب ضئيلة على الأرض[53]، خاصةً بعد أن حقق النظام المصري انتصار سياسي، ومركز موقعه في قيادة الأمة العربية.

جاء الانسحاب “الإسرائيلي” من غزة وسيناء على غير الرغبة “الإسرائيلية”، ورغم الأداء الكبير في المعركة، كما يقول المؤرخ مردخاي بار اون، فإنّ الانسحاب “الإسرائيلي” كان نكسة، ولم تُحقق “إسرائيل” سوى ضمان استمرار فتح المضائق تجاهها لعبور السفن اليها[54]، بعد أن أعلن وزير جيشها قبل الاتفاق، بأنّ مضائق ايلات، ستبقى للأبد ضمن الحدود التاريخية لـ”إسرائيل”  الثالثة[55].

 

رابعاً: حرب حزيران 1967.

حرب 1967م، المعروفة بـ”نكسة حزيران”، أو “حرب الأيام الستة”، هي صدامات عسكرية وقعت بين “إسرائيل” وكل من: مصر، وسوريا، والأردن. وبمساعدة لوجستية من: لبنان، والعراق، والجزائر، والسعودية، والكويت؛ في الفترة الواقعة بين الخامس من حزيران والعاشر منه عام 1967م؛ ونتج عنها احتلال “إسرائيل” شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وهضبة الجولان.

حرب حزيران 1967، النصر الأكبر وفق “إسرائيل” ، والدافع المعنوي الأهم لها، نصرٌ بنى لها اسطورة تتفاخر بها أجيالها إلى اليوم، وترى فيها نموذجاً كان يجب أن يستمر، وبناءً على هذا النصر، أملت “إسرائيل” أن يتحقق السلام، بعد أن لقنت العرب درساً قاسياً.

سادت ما قبل الحرب مجموعة من الأحداث التي اعتبرتها “إسرائيل” تهديد حقيقي، من بينها استمرار حالة التسلح الكبير في مصر، وإغلاق مضيق تيران، وكذلك المطالبة المصرية بضرورة سحب كلّ القوّات الدولية من سيناء، واستمرار حالة الاستنزاف على الساحة الشمالية مع سوريا[56].

 

التردد ما قبل الحرب.

ما قبل الحرب كانت الحالة العامة في “إسرائيل” ، تُشير إلى خوفٍ كبير، حيث كانت المخاوف “الإسرائيلية” تصل إلى مرحلة الشعور بأنّ الدولة كلّها مهددة بالانهيار، وخلافات القيادة “الإسرائيلية” لم تكن سرّاً، فقد نقلها وزير الخارجية ايبن إلى القيادة الأمريكية، موضحاً أن التطورات ساهمت بتوتر كبير على مستوى القيادة وخلافات في وجهات النظر[57]، “إسرائيل” خلال تلك الفترة، كانت تبحث عن حليف استراتيجي، أو بكلمات أخرى ضمان الدعم الأمريكي لها، في ظل الشعور بالأزمة الكبيرة.

تميزت تلك الفترة وفق اللواء عوزي نركيس، قائد منطقة الوسط خلال حرب حزيران 1967، بأزمة ثقة كبيرة بين المستويين العسكري والسياسي، وأشار أن الدمقراطية “الإسرائيلية” في ذلك الوقت كانت في خطر كبير، كون الجيش وصل إلى قناعة بعدم منطقية قرارات القيادة السياسية[58]، في إشارة أنه لولا تراجع القيادة السياسية وتبنيها رؤية العسكر، لكان من الممكن أن يحيد العسكر عن تلك القرارات، أو تشهد القيادة العسكرية استقالات كبيرة.

حيث تُشير الوثائق المسربة والمعطيات، وفق أمنون لورد، أنّ العديد من القيادات العسكرية، القت ف مسامع أشكول عبارات ماذا تنتظر، ومن تلك القيادات كان اللواء ارئيل شارون، متاي بيلد، ابراهام يافي، وعيزر فايتسمان الذي دخل الى غرفة أشكول والقى درجاته العسكرية أمامه على الطاولة[59]، كنوع من الضغط على القيادة السياسية، التي ظهرت بمظهر المقصر والمتردد أمام القيادة العسكرية.

اتخاذ قرار الحرب:

اتخذت “إسرائيل” قرار الحرب، بعد خطاب ظهر فيه رئيس الوزراء أشكول، وهو يرتجف، الأمر الذي أعطى انطباعاً بأنّ الأوضاع ليست سهلة.  بدأت المعركة وفاجأت القوّات المصرية والعربية بشكل عام، حيث تخوفت القيادة الصهيونية من ارتدادات جرّاء النصر السريع، يؤثر سلباً على تل ابيب، الدكتور آبي بيتسور المحاضر في جامعة بار ايلان، لخص المخاوف التي ساورت الدولة العبرية، التي خشيت من عمليات قوّية للمقاومة في الداخل، قصف جوي قوي من الدول العربية، قصف بري من قبل المدافع العربية على الحدود المحيطة، وانهيار للجبهة الداخلية “الإسرائيلية”[60]، ومما زاد من تلك المخاوف، ظهور رئيس الوزراء قبلها بأيام، بخطاب بان عليه بوضوح كبير، التردد والحيرة.

لكنّ استمرار حالة حسم المعركة، بدّد تلك المخاوف، وباتت “إسرائيل” تُفكر استراتيجياً، من خلال سعيها لحسم ملفات مهمة، فقد تطرق أيضاً أشكول لمسألة المياه وضرورة السيطرة على مياه الشمال، ويقصد هنا مياه سوريا ولبنان، البانياس والحاصباني[61]، ويبدو أن هذا التوجه من اليوم الأول كان بفضل البداية القوّية والاداء الجيد للقوات “الإسرائيلية” على الأرض، أو بطريقة أخرى التراجع العربي الممنهج خلالها.

الانتصار الكبير على مصر، اعطى انطباعاً من اليوم الأول، أن “إسرائيل” أمام انجاز عظيم وكبير، فوفق الدكتور اوري ميلشتاين، الباحث في تاريخ حروب “إسرائيل”، أن القوّات “الإسرائيلية” كانت في شبه نزهة على الحدود مع مصر، ولم تكن هناك معارك حقيقية[62]، لذا لا زال ميلشتاين إلى اليوم يتساءل، لمن كان النصر في تلك الحرب.

على الجبهة الاردنية الجيش الاردني بدأ بالانسحاب شرقاً، ورأت “إسرائيل” أنه لا خشية من تطورات غير محسوبة هناك، أما الجبهة السورية، فسوريا حاولت القيام بثلاثة أمور، الأول استخدام السلاح الجوي، لكنها لم تنجح في ذلك، الثاني، قصف القرى “الإسرائيلية” في الشمال، وأشار أن “إسرائيل” كانت تتوقع قصف أقوى ولكنها متفاجئة من ضعف القصف السوري، والثالث أن سوريا حاولت تحرير بعض القرى ولكنها لم تنجح في ذلك، مضيفاً أن الجبهة السورية لا زالت الأعقد من بين الجبهات الثلاث[63].

وزير الجيش موشيه ديان، تطرق بشكل تفصيلي لمسألة احتلال البلدة القديمة في القدس، حيث تخوف من وجود ردود فعل دبلوماسية عالمية، خاصة أن المكان ذو قدسية عالية، مطالباً اللجنة الوزارية باتخاذ قرار مناسب بخصوص احتلال البلدة القديمة، وأعلن أن قواته جاهزة للدخول واحتلال المكان.

في نهاية الجلسة اتخذت اللجنة الوزارية “الإسرائيلية” القرارات التالية[64]:

  1. المصادقة على احتلال الضفة الغربية.
  2. عدم الدخول الى البلدة القديمة، وعزلها عن بقية المناطق، وفي حال سمحت الظروف السياسية فبإمكان وزير الجيش احتلال البلدة.
  3. احتلال شرم الشيخ.
  4. توكيل وزير الجيش بالتفاوض مع الأونروا لتقديم خدماتها للاجئين.
  5. على الجبهة السورية لا يتجاوز الجيش حدود المنطقة الدولية.

 

قيادة الجيش باستثناء رئيس هيئة الاركان رابين، كانت تميل الى عدم التورط مع سوريا أكثر خوفاً من غضب الروس، إلا أن رابين اعتقد أن انهاء الحرب دون توجيه ضربة قوّية لسوريا سيكون خسارة كبيرة ل”إسرائيل”، لكن وفق ايلي اشكنازي، فقد ذهبت الحكومة “الإسرائيلية” إلى محاولة التضليل حيال الملف السوري، فهي من جانب لم ترد ايقاف الحرب دون توجيه ضربة قوّية لسوريا، ومن جانب آخر لم ترغب بالتورط أكثر في استفزاز الاتحاد السوفياتي، لذلك عملت على صياغة وثيقة هدنة ضبابية، وصفها اشكنازي بالكذب الذي قاد لاحتلال الهضبة،  لتبلغ هدفها بالاستمرار في حسم المعركة مع سوريا واحتلال الجولان[65].

وعندما تطرق وزير الخارجية ايبن لخطر تدهور العلاقات مع الاتحاد السوفياتي وتحديداً على خلفية استمرار الحرب على الجبهة السورية، كان التوجه الذي عبر عنه يعكوف هرتسوغ مدير مكتب رئيس الوزراء، بأنه من الأفضل قطع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي على ترك الجولان في يد السوريين، ايبن اقترح أن يقوم الرئيس الأمريكي بمخاطبة الرئيس الروسي، بأن يضغط الروس على سوريا وتضغط امريكا على “إسرائيل” لإيقاف الحرب، مستطرداً أنه لا يجوز أن تخرج سوريا من الحرب قوّية[66].

قضية التورط مع الاتحاد السوفياتي، كانت مؤرقاً كبيراً للساسة والعسكر في الدولة العبرية، حيث يُشير المحلل السياسي اورن نهري، أن مخاوف “إسرائيل” من التورط مع روسيا كانت كبيرة، وأن الشعور العام في تل ابيب، أن الاتحاد السوفياتي اتخذ من الدولة العبرية عدو واضح، خلال الحرب وما بعدها[67] ورغم محاولات تل ابيب أن تكون متوازنة خلال تلك الفترة، إلا أنها كانت جزءاً من المحور الأمريكي المعادي للسوفييت خلال الحرب الباردة.

مباشرة بدأت “إسرائيل” الوقوف أمام التطورات التي بعضها لم يكن مرغوباً، كقضية وجود السكان العرب، فبعد أن تم اغلاق الجلسة واثناء خروجه، طالب أشكول الوزراء والقادة البدء بالتفكير، كيف ستتعامل “إسرائيل” مع السكان العرب اللذين خضعوا لاحتلالها، ووفق التسريبات فإن كلام أشكول رافقه نوع من الحيرة، وشعور كبير بمأزق وجود العدد الكبير من السكان العرب في المناطق المحتلة.

 الموافقة الإسرائيلية على الهدنة.

في مساء العاشر من حزيران، التئمت اللجنة الوزارية وقررت الموافقة على الهدنة المقترحة، وجاءت الموافقة بعد العديد من التطورات، منها الضغط الدولي الكبير من أجل ايقاف الحرب، توجه غالبية الوزراء لإيقافها، والأهم من ذلك أنه خلال الاجتماع وصلت معطيات لوزير الجيش ديان، تُفيد أن القوات “الإسرائيلية”، التي هاجمت هضبة الجولان من الشمال والجنوب، قد التقت في المركز، الأمر الذي بدد الحاجة للاستمرار في الحرب.

أساف جولان يُشير، أن معجزة التقاء القوات بسرعة انقذت الحكومة والعسكر من مواقف محرجة، ولولا ذلك لدخلت في موازنات هل نعادي العالم ونرفض الهدنة، أم نقبل العالم وبالتالي يتسم بالخطر القادم من سوريا[68]، ومن المرجح هنا أن تلويح “اسرائيل”، بقصف دمشق خلال الحرب، كان هدفه السيطرة على الجولان، دون الوصول الى التهديد الأكبر بقصف دمشق، والذي كان يعتبره النظام السوري والروس خطاً أحمر.

وكان رئيس الوزراء آبي اشكول قد افتتح الجلسة بالقول أنّ المساء بات يقترب دون التحام قواتنا في شمال وجنوب الهضبة السورية، وهذا وضع خطير وفق قيادة الجيش إلا أنه علينا اتخاذ قرار في قبول الهدنة من عدمه، وأود التنويه أن روسيا قطعت علاقتها معنا وبدأت تُشيع أننا ننوي احتلال دمشق، وهذا كلام غير صحيح.

حتى الولايات المتحدة وفق وزير الخارجية ايبن، أرسلت رسائل لنا تُفيد بأننا نبالغ، وهنا ضغط دولي كبير علينا لإيقاف الحرب، لذلك أنا ادفع بقوّة باتجاه ايقاف الحرب، لأننا حققنا نصراً جارفاً وغير متوقع.

إلا أن موشيه ديان وزير الجيش، حاول المراوغة وطلب فقط ايقاف الطلعات الجوّية، ومماطلة المراقبين الدوليين لحين التقاء القوات على الهضبة، وما أن أتم ديان كلامه، حتى وصلت أخبار التحام القوّات “الإسرائيلية”، الأمر الذي دفع “إسرائيل” لاتخاذ قرار قبول الهدنة وايقاف الحرب.

خبر التئام القوّات طالب غالبية الوزراء ورئيس الوزراء فحص دقته، حيث كانت تقديرات الجيش أن القوات تحتاج إلى 24 ساعة للالتقاء، وكان هذا التقدير صبيح السبت العاشر من حزيران، إلا أن سرعة الالتقاء كانت مفاجئة، ويُمكن اعتبار أن ذلك يُدلل على أن “إسرائيل” كانت تتوقع مقاومة أكبر من السوريين، وصعوبة أكبر في بلوغ الأهداف.

انتهت الحرب، الحرب التي رفعت “إسرائيل” إلى موقع دولة اقليمية عظمى من الناحية العسكرية، جذرت فكرة عدم قدرة الدول العربية الى القضاء عليها، ومهدت الطريق إلى توقيع اتفاقيات السلام فيما بعد مع الدول العربية، وأعطى “إسرائيل” عمق استراتيجي لولاه لكانت النتائج كارثية خلال حرب تشرين ثاني عام 1973.

 

خامساً: حرب الاستنزاف.

بعد انتهاء حرب الأيام الستّة 1967 بوقت قصير، بدأت حرب الاستنزاف، حيث أنّ “إسرائيل” تعتبر بأنّ الحرب يتحمل المسؤولية عن اندلاعها مصر.

حيث وفق “إسرائيل” ، بدأ عبد الناصر بشن حرب دامية ومستمرّة غير شاملة، حرب الاستنزاف والتي شملت تبادلا لإطلاق نيران المدفعية على امتداد خط “بار ليف” على حافة قناة السويس، مما أدى إلى تصعيد الأوضاع بسرعة. وقام الجيش “الإسرائيلي” بعدة هجمات ربّما كان أبرزها ضبط جهاز رادار روسي الصنع ونقله بسلام إلى “إسرائيل” وهو صالح للعمل[69].

وعندما بدأ سلاح الجو غاراته على أهداف في عمق الأراضي المصرية، توجّه عبد الناصر والذي دخل في مأزق، إلى الاتحاد السوفياتي طالبًا منه المساعدة ليس من خلال تزويد مصر بالعتاد الروسي فحسب، بل من خلال إرسال قوات جوية وبريّة روسية. ووافقت روسيا رغم أنّها لم تكن متحمسة على ذلك. وبعد ذلك بوقت قصير، اتفقت الولايات المتحدة خشية من أن يؤدي التدخل المباشر لقوة عظمى إلى تصعيد النزاع إلى حد تحوّله إلى مواجهة نووية، اتّفقت مع الاتحاد السوفياتي على العمل من أجل وضع حدّ للحرب وفقا لصيغة “وقف إطلاق نار” تبناها مجلس الأمن الدولي في تموز يوليو 1970. قتل خلال المعركة 1،424 جنديًا “إسرائيليًا” في الفترة ما بين 15 من حزيران يونيو 1967 و8 من آب أغسطس 1970[70].

في البداية كانت حرب الاستنزاف، عبارة عن حرب بين قوّات اليابسة فقط، حيث كان لمصر فيها تفوق كبير، من حيث كمية القذائف، لذلك عمل سلاح الهندسة “الإسرائيلي” على تقوية خط بارليف، الأمر الذي خفف من آثار القصف المصري، بعدها انتقلت “إسرائيل” إلى استخدام السلاح الجوي، من خلال استهداف القوّات المصرية والعُمق المصري من خلال القصف الجوي[71]، في ظل دعم سوفييتي واضح لمصر وفق الرواية “الإسرائيلية”.

على الجانب الأردني كذلك كان هناك تبادل لإطلاق القذائف، حيث كان المسؤول عن ذلك من الساحة الأردن، هي منظمة التحرير الفلسطينية، حيث تخللها اقتحامات متتالية من قبل المقاتلين الفلسطينيين للأراضي المحتلة وتنفيذ عمليات مقاومة[72].

وحول نتائج حرب الاستنزاف، فإنّ “إسرائيل” تعتبر بأنّها حققت نصراً فيها، حيث لم تستطع مصر تحقيق أهدافها المُعلنة من هذه الحرب، لكن هناك من يرى بأنّ هذه الحرب لها زاوية أخرى لا بدّ من الوقوف عليها[73]:

  1. لم تنته بانتصار “إسرائيلي” خاطف أو باحتلال أرض. بل جرت على طول خط الدفاع الثابت لقناة السويس، بهدف تكريس الوضع الذي نشأ بعد حرب 1967.
  2. زاد عدد قصف نيران المدفعية من الجانب المصري لقناة السويس، مما تسبب في سقوط العديد من الضحايا بين الجنود في المواقع. لم يكن لدى الجيش “الإسرائيلي” أي رد حقيقي، فقد قُتل وجُرح جنود كلّ شهر على طول خط بارليف، وفي تموز عام 1969 وحده، قُتل 25 جندياً وأصيب 93 آخرون.
  3. على الرغم من سلسلة من العمليات الناجحة، انتهت حرب الاستنزاف بهزيمة للجيش “الإسرائيلي”، بينما تمكن المصريون والسوفييت من تحقيق أهدافهم، وأدى الفشل إلى البحث عن متهمين. فور اكتشاف وجود القوات السوفييتية في مصر، اندلع جدل بين المخابرات “الإسرائيلية” والمخابرات الأميركية. ادعى الأميركيون أن عمليات القصف في العمق المصري التي وافقت عليها حكومة غولدا مئير كانت خطأ وأدت إلى تعميق التدخل السوفييتي في المنطقة. بينما ادعى “الإسرائيليون” أن الاتصالات بين مصر والاتحاد السوفييتي بدأت قبل فترة أطول من وقوع عمليات القصف في العمق المصري.
  4. أدى استخدام سلاح الجو كمدفعية طائرة إلى إنجاز تكتيكي وهزيمة استراتيجية. أراد الجيش “الإسرائيلي” إخضاع مصر، لكنه دخل إلى ساحة الاتحاد السوفييتي، والذي تدخل بل هزم القوات الجوية “الإسرائيلية”.

سادساً: حرب تشرين أول 1973.

أطلِق على الحرب اسم يوم الغفران، لنشوبها في أقدس يوم لليهود، (6 من تشرين الأول أكتوبر 1973). وجاءت هذه الحرب كمفاجأة شبه تامّة وحصل الإنذار بوشك نشوبها في وقت متأخر مما جعل التعبئة المنتظمة لقوات الاحتياط في ساعة الصفر أمرًا مستحيلا.

حقّق الجيشان المصري والسوري بعض الإنجازات الهامة في المرحلة الأولى: فاجتاز الجيش المصري قناة السويس وانتشر على امتداد الضفة الشرقية من القناة. أما الجيش السوري فاجتاح هضبة الجولان واقترب من بحيرة طبريا. ولكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسًا على عقب. ففي غضون أيام قليلة ومن خلال شن الهجمات المضادة والتي اتّسمت أحيانًا بالمجازفة، وصل الجيش “الإسرائيلي” إلى الضفة الغربية من قناة السويس على بُعد 100  كيلومتر عن العاصمة المصرية، القاهرة، وكانت مدفعية الجيش “الإسرائيلي” قادرة على إصابة المجال الجوي المحيط بالعاصمة السورية دمشق[74].

مجريات المعركة كانت في صالح الدول العربية في البداية، مصر وسوريا، حيث حققت نجاحات كبيرة ومنقطعة النظير في ساحة المعركة، حيث إلى اليوم لا زالت تُطلق “إسرائيل” على الحرب اسم (מחדל محدال)، تراجع وانكفاء وعدم قُدرة على تنفيذ المطلوب[75]، رغم عدم نهاية الحرب بفقدان “إسرائيل” أجزاء من الأراضي التي احتلتها عام 1967.

عاملان مهمان ساهما في قلب العجلة لصالح “إسرائيل” ، حيث ترى “إسرائيل” أنّ المساعدات الأمريكية العاجلة، وكذلك التجنيد الكبير الذي فُرض على الشباب “الإسرائيلي”، ساهم بخلق نوع تحول “إسرائيل” من الدفاع إلى الهجوم[76]، وقلب الطاولة على القوّات العربية.

لكن رغم ذلك، لم يُسلم الجمهور الإسرائيلي مع نتائج الحرب، ليس من منطلق خسارة “إسرائيل” لأراضٍ فهي لم تخسر، بل لأنّ تلك الحرب مثلت كارثة قومية، كادت تنتهي بزوال الدولة، خاصة أنّ الخسائر البشرية كانت كذلك كبيرة، حيث فقدت “إسرائيل” 2800 جندي، الأمر الذي أخرج الجماهير للتظاهر بعد الحرب، وتشكيل لجنة اجرانات، والتي حملت المستوى العسكري واستخباراته مسؤولية الحرب[77].

حيث في اليوم الذي سبق الحرب أشارت استخبارات “إسرائيل” ألا خوف من اندلاع حرب، وبأنّ العرب ليس بواردهم خوض تلك الحرب، والأبعد من ذلك توعد رئيس هيئة الأركان ديفيد بن اليعزر، بتكسير عظام العرب، وقوله لا اريد لكم كم سيأخذ ذلك منّا من الوقت[78]، في إشارة واضحة إلى الشعور بالعظمة والاستهتار بالخصم.

كان من نتائج الحرب التي استمرت حتى الرابع والعشرين من تشرين أول، تحول استراتيجي، حيث باتت الوجه نحو الغرب أكثر منها للاتحاد السوفياتي، بعد قناعة النظام المصري بقيادة أنور السادات أنّ الولايات المتحدة هي ذات الثقل الكبير، ووحدها القادرة على التأثير على “إسرائيل” [79]، وهو ما دفع “إسرائيل” الانسحاب من بعض المناطق التي احتلتها خلال الحرب، ورضوخ مصر فيما بعد للسلام مع “إسرائيل” [80]، الذي انتهى بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.

لكن وجهة النظر “الإسرائيلية” البحثية ترى، أنّ حرب 1973 أكثر من انتكاسة، كما يرى الدكتور والمؤرخ “الاسرائيلي” يجال كيبينس، والذي يُلخص ذلك للأسباب التالية[81]:

  1. فشل في تقدير مجريات الأمور من قبل القيادة السياسية وكذلك العسكرية.
  2. الشعور بالتفوق الكبير بعد حرب حزيران 1967، من قبل الجمهور وكذلك الحكومة، ساهم بخلق وعي عام بأنّ الدولة لا تُهزم.
  3. ما بعد الحرب حدث تراجع كبير في قيمة الجيش “الإسرائيلي”، ولأول مرة هذا الجيش يكون تحت النقد.
  4. “إسرائيل” رفضت بعد يوم من الحرب مقترح اتفاق السلام مع مصر، واصرت رئيسة الوزراء جولدا مائير على عودة مصر خلف الخطوط وفق ما كان قبل السادس من أكتوبر، ما لم تقبل به جولدا وقتها، حدث بعد سنوات، لكن بعد خسائر كبيرة.

الحرب كانت بالنسبة لـ “إسرائيل”  ضربة مؤلمة، فهي على الأقل وفقهم لم تنته بهزيمة العرب، بل يُمكن إطلاق بأنّ التعادل كان سيد الموقف، لكن الخسارة الأهم كانت استخباراتية وسياسية، حيث تدعي “إسرائيل” أنّ صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والمعروف باسم أشرف مروان كان قد نقل لـ”إسرائيل”  نية مصر شنّ الحرب، كما أنّه وبحوالي أسبوعين قبل نشوب الحرب، كشفت صور التقطت من الجو أن سورية نشرت 670 دبابة و101 منصة مدفعية، وأنه عشية الحرب نشرت سورية 760 دبابة و140 منصة مدفعية عند الجبهة مع “إسرائيل” حيث كان بالإمكان الاستنتاج من ذلك أن النوايا هي نوايا هجومية[82].

بغض النظر عن النتائج النهائية للحرب، لكن ما يُمكن تأكيده أنّ “إسرائيل” ما بعد حرب تشرين اول 1973، هي ليست ذاتها قبل الحرب، فقد تراجعت هيبتها، ونزلت قيمة جيشها المُقدس، وبات الحديث عن إمكانية هزيمتها أمرٌ يدور الحديث عنه.

سابعاً: حرب لبنان الأولى 1982.

تُطلق “إسرائيل” على هذه الحرب اسم، عملية سلام الجليل، والتي جاءت على خلفية استمرار العمليات الفلسطينية من الساحة اللبنانية، خلال سنوات السبعينات أوائل الثمانينات، ولكن وفقها فإنّ السبب المباشر للحرب، عندما 1982 حاولت جماعة “إرهابية” بقيادة ابو نضال في حزيران يونيو 1982 اغتيال سفير “إسرائيل” لدى بريطانيا شْلومو أرْغوف والذي أصيب بجروح، وردًا على ذلك شن الجيش “الإسرائيلي” هجومًا آخر على لبنان وتمكّن من تحقيق هدفه الأصلي أي القضاء على قواعد المخربين في جنوب لبنان. وتم لاحقًا توسيع رقعة العملية لتشمل احتلال بيروت مما شكّل نقطة تحول العملية إلى حرب طويلة مستمرّة. وأخفقت الحرب في تحقيق هدفها الرئيسي. وتمّ توقيع معاهدة سلام مع لبنان ولكنّه لم يتم إقرارها بسبب ضعف الحكومة اللبنانية وقتها[83].

وقد شاركت سوريا في الحرب لفترة قصيرة (11-7 من حزيران يونيو 1982)، ليس في هضبة الجولان حيث تم التقيد باتفاقية فصل القوات بحذافيرها، وإنما في لبنان نفسه حيث كان لسوريا تواجد عسكري ملحوظ. ولم تتقدم المعارك البرية ضد القوات السورية بشكل جيّد بالنسبة للجيش “الإسرائيلي” الذي دفع ثمنًا باهظًا في مساعيه لشلّ القوات السورية وقطع الطريق السريع بين بيروت ودمشق. وخلافًا لذلك، تم في المعارك الجوية تدمير 14 بطارية صواريخ من طراز sam 2,3,6 روسية الصنع من أصل 19 بطارية كان السوريون قد نصبوها في لبنان، ولحقت أضرار بأربع بطاريات أخرى. وفقد سلاح الجو السوري والذي تم قطع الدعم البرّي عنه، 29 طائرة مقاتلة من طراز ميغ خلال يوم واحد. وكان هذا أعنف قتال دار بين الجانبين حتى ذلك الحين إذ شاركت فيه مئتا طائرة لكلا الجانبين كانت تقاتل في مجال جوي محدود جدًا. وكان سلاح الجو يدير هذا القتال بناء على العبر التي استُخلِصت من حرب يوم الغفران من خلال الدمج بين التدريب والتزويد بالعتاد العسكري ومبادئ التخطيط والسيطرة والمفاجأة والإبداعية. واستخدمت “إسرائيل” في القتال وسائل إلكترونية سرية ولذلك يمكن القول إنّ الحرب كانت حربًا إلكترونية[84].

العملية “الإسرائيلية” سارت بسرعة كبيرة في البداية، حيث في اليوم الأول قطع الجيش مسافة 27 كيلو متر في الأراضي اللبنانية، وفي الثامن من حزيران كان هناك مواجهات قوّية بين الفلسطينيين و”إسرائيل”  في مدينتي صور وصيدون، كما شارك في اليوم التالي 150 طائرة في مساندة القوّات البرية، اسقطت الطائرات “الإسرائيلية” خلالها 47 طائرة سورية[85].

معركة السلطان يعقوب، كانت من أهم المعارك في العين “الإسرائيلية”، حيث خسرت فيها “إسرائيل” 20 جندياً في معركة استمرت ثمانية ساعات مقابل القوّات السورية، وفقدت ستة آخرين[86]. في الثالث عشر من حزيران وصل الجيش إلى بيروت، التي خضعت لحصاره، بعد أن فقد 368 جندياً وقتل ألفاُ من المقاومة الفلسطينية، وأسر 6000 آخرين[87].

وقد استمر قصف بيروت وحصارها طويلاً، وفي 10 آب/أغسطس وافقت “إسرائيل” على مشروع للموفد الأميركي فيليب حبيب لإخراج الفدائيين والسوريين من بيروت وكل لبنان وطالبت بأن تسلم رسمياً قائمة أسماء الدول التي ستستقبلهم وأعداد الفدائيين المغادرين وجثث 9 جنود “إسرائيليين” دفنوا في بيروت خلال حرب 1978.

ولما عجزت الولايات المتحدة عن وقف القصف “الإسرائيلي” للبنان، حذر الرئيس الأمريكي “إسرائيل” بأن الولايات المتحدة ستنفض يدها من المفاوضات إذا واصلت غاراتها على بيروت. وأعلنت “إسرائيل” قبولها بوقف إطلاق النار[88]

وفي 20 آب/ أغسطس انسحبت “إسرائيل” من مرفأ بيروت ومحيطه وتسلمها الجيش اللبناني، وأعلن الرئيس الأمريكي ريغان موافقته على إرسال قوة اميركية إلى لبنان للمشاركة في إطار القوة المتعددة الجنسيات في الإشراف على خروج الفدائيين الفلسطينيين من بيروت، لكنّ “إسرائيل” اعادت اجتياح بيروت الغربية بعد مقتل بشير الجميل، الذي كان يرى فيه شارون بأنّه بوابة السلام مع لبنان[89].

مجزرة صبرا وشاتيلا كانت مفترق الطرق وفق “إسرائيل” ، فإنّ مقتل بشير الجميل، دفعها لمنح اذن للكتائب اللبنانية المسيحية لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، الأمر الذي أثار غضب دولي انتهى بانسحاب “إسرائيل” من بيروت، وتشكيل لجنة حكومية إسرائيلية ألزمت ارئيل شارون وزير الجيش حينها بالاستقالة[90]. خسرت “إسرائيل” بعدها الكثير من الجنود قتلى في لبنان، وأدت الحرب إلى خلخلة سياسية كبيرة في “إسرائيل”.

حيث أنّ عجز عملية سلامة الجليل عن تحقيق هدفها دفع بحكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها في 1984 إلى الانسحاب من لبنان. وبقيت في لبنان قوة رمزية بهدف مساعدة سكان الجنوب اللبناني في مراقبة المنطقة الأمنية، وهي شريط حدودي ضيق بمحاذاة الحدود مع “إسرائيل” كان حيويًا لتوفير الأمن للتجمعات السكنية في “إسرائيل” والتي يقع بعضها بالقرب من الحدود[91].

ووفق المؤرخين “الإسرائيليين”، فإنّ لحرب لبنان الأولى نتائج في الغالب كانت سلبية ويُمكن حصرها في النقاط التالية[92]:

  1. ساهمت الحرب بالقضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان وتوجيه ضربة قوّية لسورية.
  2. ساهمت الحرب في اضعاف الحزب الشيعي المعتدل أمل، وظهر بمكانه قوّة جديدة، حزب الله، الذي تمكن من خوض معارك ضارية ضد “إسرائيل”.
  3. الحرب التي قتل فيها 1216 حتى العام 2000، شهدت لأول مرة رفض فرقة “إسرائيلية” بقيادة ايلي جيبع تنفيذ أوامر قياداتها، ما عرف باسم التمرد.
  4. تراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” وصل إلى ذروته.
  5. الحرب مثلت انكسار في الثقافة الجماهيرية “الإسرائيلية” حتى اليوم.

ثامناُ: حرب لبنان الثانية.

حرب لبنان الثانية، والتي لا تزال رحى النقاش فيها إلى اليوم جارية، كانت من أهم المحطات التي واجهن “إسرائيل” ، حيث كان حزب الله وفق “إسرائيل” بعد انسحاب جيش الدفاع “الإسرائيلي” من لبنان سنة 2000 وإعادة انتشاره على امتداد الخط الأزرق بما يتفق مع قرارات الأمم المتحدة، قد استمر في اتخاذ موقفه العدواني والاستفزازي. وشمل هذا الموقف محاولات لاختطاف جنود “إسرائيليين” فضلا عن ارتكاب اعتداء على المدنيين “الإسرائيليين” في شمال البلاد[93].

حيث في 12 يوليو تموز من عام 2006 تسللت مجموعة من حزب الله إلى الأراضي “الإسرائيلية” لتهاجم دورية تابعة للجيش “الإسرائيلي”، وخلال هذا الاعتداء وما تبعه من محاولة لإنقاذ جنديين “إسرائيليين” مخطوفين قتل ثمانية جنود من الجيش “الإسرائيلي”. ولم تتم إعادة جثماني الجنديين المخطوفين الوكيل الاحتياط إيهود غولدفاسر والرقيب أول الاحتياط إلداد ريغف إلا بعد سنتين، في يوم 16 من يوليو تموز 2008. وردا على الاعتداء استهدف الجيش “الإسرائيلي” مقر حزب الله في لبنان ومطار بيروت الدولي، وفرض حصارا جويا وبحريا على لبنان أتبعه بهجوم بري على جنوب لبنان[94].

وطوال الحرب التي استمرت من 12 يوليو تموز حتى 14 أغسطس آب استهدف حزب الله وبصورة متعمدة السكان “الإسرائيليين” من خلال إطلاق ما يزيد عن 4000 صاروخ على المناطق المأهولة بكثافة، مما أسفر عن مقتل 44 شخصا وجرح ما يزيد على 600 شخص آخر. وقتل في تلك الحرب 121 جنديا إسرائيليا وجرح 450 آخرين. وقد اعتمد حزب الله على ترسانة كبيرة من الأسلحة احتوت على أكثر من 1000 صاروخ بعيد المدى وأكثر من 13,000 صاروخ قصير المدى بالإضافة إلى وحدات جوية وبحرية وقوات برية لحرب العصابات مزودة بالأسلحة المضادة للدبابات[95].

وتضمن رد الجيش “الإسرائيلي” نشر ما يقارب ال 10,000 جندي في لبنان وتنفيذ 18,800 طلعة جوية وإطلاق ما يزيد عن 120,000 قذيفة مدفع وإطلاق النيران من البحر. وقتل ما يزيد عن 600 من أفراد حزب الله ولحقت أضرار كبيرة ب 15,000 منشأة كان حزب الله يستخدمها. وقد قام الجيش “الإسرائيلي” خلال الحرب بتنسيق 800 قافلة نجدة و 613 مهمة إخلاء جوية وبرية وبحرية. وفي 12 آب أغسطس تمت الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، مما أدى إلى إعلان وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. وقد دعا القرار 1701 إلى الوقف المطلق للعمليات الحربية، كما حدد المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني منطقة عازلة خالية من “الأفراد المسلحين والعتاد والسلاح باستثناء ما يتبع الحكومة اللبنانية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة – اليونيفيل”، فضلا عن توسيع عدد قوات اليونيفيل إلى حد أقصى يبلغ 15,000 جندي[96] .

ربما مجريات الحرب وتطوراتها على الأرض، معلومة لكلّ باحثٍ ومطلع، لكن الأهم في هذه الحرب بأنّها استعدت تشكيل لجنة من أجل تقييم أداء الجيش “الإسرائيلي”، حيث كشفت هذه الحرب معضلة كبيرة تمثلت بعدم قدرة الجيش “الإسرائيلي” حسم المعركة، وربما دخوله الحرب دون استعداد كافٍ.

وقد تم تعيين اللجنة نتيجة الخيبة الكبيرة التي شعر بها الجمهور “الإسرائيلي” خلال الحرب ونتيجتها، وقد خلصت اللجنة التي حملت اسم فينوغراد، نسبةً إلى رئيسها الياهو فينوغراد[97]:

  1. الحرب شكلت خطراً كبيراً على “إسرائيل” ، وحملت في طيّاتها اخفاقاً كبيراً وخطيراً.
  2. شن عملية عسكرية واسعة انزلقت نحو حرب، لم تكن تستند العملية إلى خطة معدة مسبقاً، ولم تشمل تحديداً لأهداف قابلة للتحقيق والسبل الملائمة لتحقيقها.
  3. العملية البرية التي أطلقت في الأيام الأخيرة للنزاع العسكري بين حزب الله اللبناني و”إسرائيل” “لم تحقق أهدافها”. وأسفرت تلك العملية عن مقتل 33 جنديا “إسرائيليا”، وذلك قبل 60 ساعة من دخول وقف الأعمال الحربية حيز التطبيق يوم 14 آب 2006.
  4. الدخول في الحرب دون وضع استراتيجية للخروج شكل ثغرة خطيرة، مشيرا إلى أن إدارة الحرب كانت متعثرة على المستويين السياسي والميداني وخصوصا على مستوى القوات البرية.
  5. لم تجر القيادة العسكرية، أو القيادة السياسية، أو كلتاهما معاً، في أي من مراحل الفترة موضوع البحث، أي نقاشات معمقة وشاملة في شأن مخطط العملية وأهدافها وسبل تحقيقها
  6. “إسرائيل” فشلت عسكرياً أمام تنظيم يضم بضع آلاف من المقاتلين، استطاع مواجهة أقوى جيش في الشرق الأوسط، وبدى واضحاً عدم قدرتها في استخدام قوّتها العسكرية بشكل صحيح.
  7. الجيش لم يُقدم للمستوى السياسي خطط يُمكن الاستفادة منها، وأخفق في القضاء على القدرات الصاروخية لحزب الله.
  8. عدم استعداد الوحدات النظامية وقوات الاحتياط، والارتباك داخل صفوفها، وتضارب الأوامر الصادرة عن القيادة، وعدم تحقيق الجيش أهدافه.

إلى جانب المعارك الضارية في الحرب، كبنت جبيل، ومارون الراس، والتي ترى فيها “إسرائيل” أداءً كبيراً من قبل حزب الله، أثار مخاوف كبيرة خلال الحرب، فإنّ القناعة “الإسرائيلية” المترسخة، لا زالت في طور الشعور بأنّ الحرب وإن لم تكن هزيمةً محققة لإسرائيل، فهي بالتأكيد ليست نصراً[98].

وأهم ما يُمكن تلخيصه وفق مراكز البحث “الإسرائيلية”، من نتائج تراكمت للحرب بعد سنوات من انطلاقها وفق ما يلي[99]:

  1. استطاعت “إسرائيل” ردع حزب الله من خلال التهديد باستخدام نموذج الضاحية، في أي حرب قادمة ضد لبنان.
  2. في نفس الوقت فإنّ حزب الله، تمتع هو الآخر من جانبه بقوّة ردع موازية لتلم التي تمتلكها “إسرائيل” ، من خلال قدرته على تهديد كل الأراضي “الإسرائيلية”.
  3. ما بعد الحرب، خرج حزب الله أكثر قوّة، فهو إلى الجانب الصمود الكبير، أعاد ترميم قوّته، وحافظ على شعبية واسعة في لبنان.
  4. عدم تحقيق “إسرائيل” نصراً في الحرب، دفعها لتغيير استراتيجيتها الأمنية، التي كانت تعتمد على الحسم، وباتت تعتمد على الردع المتبادل مع قوى المقاومة.

تاسعاً: حروب “إسرائيل” على غزة.

ثلاثة اعتداءات حربية، خاضتها “إسرائيل” ضد غزة منذ العام 2008، والهدف الأوحد لها، كان اسقاط حكم المقاومة هناك، وتفكيك سلاحها، ومنعها من الاستمرار في زيادة قوّتها وتهديد “إسرائيل” المستمر. وهذه أبرز المُعطيات عن تلك الحروب[100]:

  1. الحرب الأولى: كانت في 27 ديسمبر/كانون الأول، لعام 2008، حيث شنت “إسرائيل” حرباً وبشكل مفاجئ على قطاع غزة، أسمتها “الرصاص المصبوب”، فيما أطلقت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “حرب الفرقان” وقد استمرت الحرب مدة 21 يوماً، أدت عملية “الرصاص المصبوب”، إلى مقتل أكثر من 1436 فلسطينيًا بينهم نحو 410 أطفال و104 نساء ونحو 100 مسن، وإصابة أكثر من 5400 آخرين نصفهم من الأطفال. فيما قُتل 13 “إسرائيليا” بينهم 10 جنود وإصابة 300 آخرين، حيث أطلقت المقاومة قرابة 900 صاروخ وقذيفة باتجاه “إسرائيل”.
  2. الحرب الثانية: كانت في العام 2012، في الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني 2012، شنت “إسرائيل” حرباً ثانية على قطاع غزة، أسمتها “عامود السحاب”، فيما أسمتها حركة حماس “حجارة السجيل”، واستمرت لمدة 8 أيام، حيث اندلعت الحرب بعد مقتل قائد كتائب القسام أحمد الجعبري، وأسفرت تلك العملية العسكرية عن مقتل 162 فلسطينيًا بينهم 42 طفلاً و11 سيدة، وإصابة نحو 1300 آخرين بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فيما قتل 20 إسرائيليًا وأصيب 625 آخرين، معظمهم بـ”الهلع”، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
  3. الحرب الثالثة: في السابع من يوليو/تموز 2014، شنت “إسرائيل” حربها الثالثة على قطاع غزة، أسمتها “الجرف الصامد”، فيما أطلقت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “العصف المأكول”. وعلى مدار “51 يومًا” تعرض قطاع غزة، الذي يُعرف بأنه أكثر المناطق كثافة للسكان في العالم، (1.9 مليون فلسطيني) لعدوان عسكري إسرائيلي جوي وبري، تسبب بمقتل 2322 فلسطينيًا، بينهم 578 طفلاً (أعمارهم من شهر إلى 16 عاما)، و489 امرأةً (20-40)، و102 مسنًا (50-80)، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. في المقابل، كشفت بيانات رسمية “إسرائيلية” عن مقتل 68 عسكريًا من جنودها، و4 مدنيين، إضافة إلى عامل أجنبي واحد، وإصابة 2522 “إسرائيلياً” بجروح، بينهم 740 عسكريًا، حوالي نصفهم باتوا معاقين، بحسب بيانات عبرية.

تلك الحروب استخدمت فيها “إسرائيل” سياسة الأرض المحروقة، تحديداً في الحرب الأخيرة على القطاع، حيث قامت بتدمير عشرات آلاف البيوت، كسياسة ردعٍ استخدمتها ضد المقاومة الفلسطينية، مستعيدةً نموذج الضاحية الجنوبية في لبنان.

من الناحية “الإسرائيلية”، مثلت تلك الحروب جوانب من النجاح الجزئي، والاخفاق الأكبر، حيث يُمكن اعتبار النجاح في زاوية المساس في قدرات المقاومة الفلسطينية وتحديداً حركة حماس، وكذلك التأثير على توجهاتها في افتعال حربٍ جديدة[101]، حيث أنّ مساحة الردع ازدادت مع حجم الخسائر التي احدثتها “إسرائيل” في غزة.

لكن من الجوانب الأخرى، فإنّ “إسرائيل” استمرت في سياسة فقدان هوية المنتصر، حيث أثبتت الحروب على قطاع غزة، وتحديداً الأخيرة منها، بأنّ “إسرائيل” لم تُحقق نصراً[102]، بل وجلبت إلى “إسرائيل” مساحة كبيرة من النقد الدولي، بسبب الخسائر الكبيرة بين المدنيين[103]، اللذين خسروا ارواحهم وبيوتهم.

كما أنّ عدم النجاح في حرب 2014 ضد غزة، لم يفلت من النقد العام ومن تقرير من العيار الثقيل لمراقب الدولة، شمل النقاط التالية[104]:

  1. أخفقت القيادة العسكرية والسياسية في الاستعداد للحرب، خاصة فيما يتعلق بخطر الأنفاق القادمة من قطاع غزة باتجاه الكيان.
  2. كانت المؤسسة السياسية والعسكرية والهيئات الاستخباراتية على علم بتهديد الأنفاق وحتى عرّفته بأنه استراتيجي، لكن الأفعال التي اتخذت لم تكن على مستوى التهديد.
  3. رئيس الوزراء نتنياهو ووزير جيشه موشيه يعلون، أخفيا معلومات مهمّة عن بقية أعضاء المجلس الوزاري المصغر.
  4. قصر الجيش في اعداد خطط واضحة للحرب، وفي تدريب قوّاته بشكل كافٍ.
  5. لم ينجح الجيش في تدمير نصف الأنفاق التي بحوزة المقاومة، على خلاف ما تم ترويجه من المستوى السياسي والعسكري.
  6. لم تُحقق “إسرائيل” نصراً في الحرب، وامتدت الحرب لفترة طويلة، خلافاً للرغبة “الإسرائيلية”، ولم تستلم فيها المقاومة.

والأهم من ذلك اسرائيلياً، فقد وصلت “إسرائيل” لقناعة أنّ مساحة الردع المتبادل ما بين المقاومة في غزة، وما بين “إسرائيل” ، بات يمنعها من التفكير بخوض حربٍ شاملة ضد القطاع، بل وباتت تعتبرها حرباً زائدة[105]، في إشارة واضحة إلى عدم قدرة حسمها.

بعد الحرب أشارت “إسرائيل” أنّها استطاعت ضمان الهدوء لفترة طويلة، من خلال سياسة الردع التي امتلكتها، لكنّ تكرار عمليات التصعيد واستمرار حالة الاستنزاف التي تُمارسها المقاومة، والتي أرغمت “إسرائيل” على تنفيذ جزءٍ من التفاهمات حول تخفيف الحصار، الذي يفتك بالقطاع، يؤكد أنّ حالة الردع تلاشت، حيث يعتبر مردخاي كيدار من كبار المؤرخين في “إسرائيل” ، بأنّ الردع مقابل غزة انتهى، وأنّ “إسرائيل” عليها العمل لاستعادته[106]، وفي ظل عدم وضوح النصر “الإسرائيلي”، أشار مردخاي أنّ قوى المقاومة في غزة، تشعر بأنّها لم تُهزم بل ولديها رغبة في القتال[107].

وما لا يُمكن اخفاؤه وفق “إسرائيل” بأنّ الحصار الكبير على قطاع غزة، وحالة الانقسام الفلسطيني التي تصب في صالحها، ربما تُثير الكثير من الضغط على المقاومة الفلسطينية، لكنّ على المستوى العسكري، تؤكد بأنّها فشلت، وذلك للأسباب التالية[108][109][110]

  1. قوّة حماس والجهاد الإسلامي تضاعفت، حيث أنّ القوّة الصاروخية للجانبين زادت كمّاً ونوعاً، وكذلك عدد المقاتلين ارتفع.
  2. شنت المقاومة ضد “إسرائيل” العديد من جولات التصعيد، والتي استطاعت من خلالها تأكيد استمرار تهديد إسرائيل.
  3. الشعور العام لدى سكان الجنوب، بأنّهم رهينة في يد المقاومة، ولم تستطع الحكومة الإسرائيلية تقديم حلول سحرية لهم.
  4. لدى حماس وضوح استراتيجي في تهديد “إسرائيل” المستمر، واستطاعت ادخال إسرائيل في حرب استنزاف لا تستطيع التعايش معها.
  5. باتت حماس تمتلك قُدرة تهديد أكبر من حيث مساحة الاستهداف، وباتت تُشكل خطورة كبيرة من خلال احتمالية اقتحامها للحدود في أي لحظة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]  حمزة العقرباوي. (1.05.2019). ثورة يافا.. اول كفاحنا المسلح. الترا فلسطين. https://ultrapal.ultrasawt.com/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D8%A7%D9%81%D8%A7-%D8%A3%D9%88%D9%91%D9%84%D9%8F-%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%AD%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%B3%D9%84%D8%AD/%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A/%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9

[2]  الأرشيف. (15.06.2014). أحداث يافا، (الانتفاضة الأولى). أرشيف بتاح تكفا. https://ptarchive.wordpress.com/2014/06/15/%D7%A4%D7%A8%D7%A2%D7%95%D7%AA-%D7%AA%D7%A8%D7%A4%D7%90-%D7%94%D7%90%D7%99%D7%A0%D7%AA%D7%99%D7%A4%D7%90%D7%93%D7%94-%D7%94%D7%A8%D7%90%D7%A9%D7%95%D7%A0%D7%94-1-5-1921/

[3]  نفس المرجع السابق.

[4]  الموسوعة الفلسطينية. (2020). ثورة 1929، البراق. الموسوعة الفلسطينية.

[5]  فلسطين اليوم. (17.06.2018). ذكرى استشهاد ابطال ثورة البراق محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. فلسطين اليوم. https://paltoday.ps/ar/post/325187/%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84-%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AC%D9%85%D8%AC%D9%88%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%A4%D8%A7%D8%AF-%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D9%88%D8%B9%D8%B7%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%8A%D8%B1

[6]  عوز روزنبرج. (18.08.2019). 90 سنة بعد ذلك، كيف أثرت أحداث البراق على الصورة النازفة لإسرائيل. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-713938

[7]  واي نت. (2020). أحداث البراق. واي نت. https://www.ynet.co.il/yaan/0,7340,L-455843-PreYaan,00.html

[8]  الموسوعة الفلسطينية. (2020). ثورة 1936-1939. الموسوعة الفلسطينية.

[9]  نفس المرجع السابق.

 

[10]  وكالة وفا. (2019). الانتفاضة من الرباق إلى الأقصى. وكالة وفا.

[11]  الموسوعة الفلسطينية، مرجع سابق.

[12]  فتحي خطاب. (16.4.2019). الثورة الفلسطينية الكبرى، أطول ثورة شعبية في التاريخ العربي. الغد. https://www.alghad.tv/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%88%D8%A3%D8%B7%D9%88%D9%84-%D8%AB%D9%88/

[13]  يوئاب جلبر. (2004). الثورة والنكبة. دبير، تل ابيب.

[14]  جيلي حسكين. (2018). الثورة العربية الكبرى 1936. جيلي حسكين. https://www.gilihaskin.com/%D7%94%D7%9E%D7%A8%D7%93-%D7%94%D7%A2%D7%A8%D7%91%D7%99-%D7%94%D7%92%D7%93%D7%95%D7%9C-%D7%A9%D7%9C%D7%91-%D7%90-1936/

[15]  يعكوب شبيت. (1983). ضبط نفس أو رد، التوتر في اليشوف 1936-1963. جامعة بار ايلان، رمات جان.

[16]  نفس المرجع السابق.

[17]  ديفيد بم جوريون. (1985). أرشيف حزب العمل. حزب العمل.

[18]  جيلي حسكين. مرجع سابق.

[19]  يهودا سيلوتسكي. (1986). ملخص نشأة الهجناه. متاخ (المركز التكنولوجي التعليمي). القدس.

[20]  يعكوب شبيت. مرجع سابق.

[21]  يتسحاك كنلتسون. (1938). أمن اليشوف، والحلّ السياسي. صحيفة هبوعل هتسعير.

[22]  جيلي حسكين. مرجع سابق.

[23]  يعكوب شبيت. مرجع سابق.

[24]  سلفين الون. (2008). حرب الاستقلال، المجريات الأساسية الخمس. متاخ (المركز التكنولوجي التعليمي). القدس.

[25] نفس المرجع السابق.

[26]  يريب بيلج. (2013). حرب الاستقلال، مرحلة، مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1948-war/Article-bf11a356a05a041006.htm

[27]  نفس المرجع السابق.

[28]  مئير بيعيل. (1998). حروب إسرائيل: حرب الاستقلال. مكسيم. القدس.

[29]  سلفين ألون. مرجع سابق.

[30]  موقع الكنيست. (2008). حرب الاستقلال. موقع الكنيست.

[31]  يريب بيلج. مرجع سابق.

[32]  نفس المرجع السابق.

[33]  مئير بيعيل. مرجع سابق.

[34]  يريب بيلج. مرجع سابق.

[35]  ابيجيل اورن. (1995). تأسيس الجيش بعد تأسيس الدولة. متاخ (المركز التكنولوجي التعليمي). القدس.

[36]  موقع الكنيست. مرجع سابق.

[37]  حان ميلول. (21.06.2017). عندما كانت الدولة الصغيرة على وجه حرب أهلية. هسفرونيم. https://blog.nli.org.il/%D7%90%D7%9C%D7%98%D7%9C%D7%A0%D7%94/

[38]  نفس المرجع السابق.

[39]  مئير بيعيل. (1998). حروب إسرائيل: حرب الاستقلال. مكسيم. القدس.

[40]  نفس المرجع السابق.

[41]  يريب بيلج. (2013). حرب الاستقلال، مرحلة، مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1948-war/Article-bf11a356a05a041006.htm

[42]  نفس المرجع السابق.

[43]  مئير بيعيل. مرجع سابق.

[44]  مورلي هبا اون. (16.04.2018). الحقيقة من وراء أقلية ضد أكثرية. بروت كدوشوت. https://parotk.com/29-%D7%A2%D7%A6%D7%9E%D7%90%D7%95%D7%AA-2018-%D7%94%D7%A2%D7%95%D7%91%D7%93%D7%95%D7%AA-%D7%9E%D7%90%D7%97%D7%95%D7%A8%D7%99-%D7%9E%D7%99%D7%AA%D7%95%D7%A1-%D7%9E%D7%A2%D7%98%D7%99%D7%9D-%D7%9E/

[45]  نفس المرجع السابق.

[46]  يريب بيلج. (2013). حرب 1956، مرحلة بعد مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/suez-crisis/Article-d69a63a1cc8f041006.htm

[47]  موقع الجيش الإسرائيلي. (2019). حرب سيناء 1956. موقع الجيش الإسرائيلي. https://www.idf.il/%D7%90%D7%AA%D7%A8%D7%99%D7%9D/%D7%94%D7%94%D7%99%D7%A1%D7%98%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%94-%D7%A9%D7%9C-%D7%A6%D7%94%D7%9C/%D7%93%D7%A4%D7%99-%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%95%D7%AA/%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%A1%D7%99%D7%A0%D7%99/

[48]  مدار. (2016). شمعون بيريس: من “أوسلو” إلى حكومات رفضت الحل. مركز مدار. رام الله.

[49]  يريب بيلج. (2013). حرب 1956، مرحلة بعد مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/suez-crisis/Article-d69a63a1cc8f041006.htm

[50]  يعكوب بار اون. (24.10.2016). مدير مكتب موشيه ديان، يكشف ماذا دار خلف الكواليس في حرب 1956. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/military/Article-561001

[51]  الموسوعة الفلسطينية. (2919). حرب 1956. الموسوعة الفلسطينية.

[52]  موقع الجيش الإسرائيلي. مرجع سابق.

[53]  يريب بيلج. (2013). حرب 1956، مرحلة بعد مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/suez-crisis/Article-d69a63a1cc8f041006.htm

[54]  يعكوب بار اون. (24.10.2016). مدير مكتب موشيه ديان، يكشف ماذا دار خلف الكواليس في حرب 1956. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/military/Article-561001

[55]  نفس المرجع السابق.

[56]  الأرشيف. (2017). مجموعة وثائق حرب 1967. الأرشيف الإسرائيلي. https://www.archives.gov.il/p67/

[57]  زخي شالوم. (2006). الدبلوماسية في ظل الحرب. النقب: جامعة بن جوريون.

[58]  ايلي اشكنازي. (5 حزيران, 2016). الجيش لا يؤمن في الحكومة: الخلافات مساء حرب 1967 تم كشفها. تم الاسترداد من ويلا: https://www.google.ps/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=5&cad=rja&uact=8&ved=0ahUKEwiU0sW73IjWAhWCb1AKHT-

[59]  امنون لورد. (5 حزيران, 2016). احتللنا، هجرنا وسطونا: اعادة تاريخ حرب الستة أيام. تم الاسترداد من ميدا: http://mida.org.il/2016/06/05/%D7%A9%D7%9B%D7%AA%D7%95%D7%91-%D7%94%D7%94%D7%99%D7%A1%D7%98%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%94-%D7%A9%D7%9C-%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%A9%D7%A9%D7%AA-%D7%94%D7%99%D7%9E%D7%99%D7%9D/

[60]  آبي بيتسور. (أيار, 2017). اكيف يتم بناء السور: الجبهة الداخلية الإسرائيلية في حرب الستة أيام. معرخوت 472، الصفحات 64-69.

[61]  الأرشيف الإسرائيلي. مرجع سابق.

[62]  اوري ميلشتاين. (27 أيار, 2017). 50 عام للحرب التي غيرت وجه الدولة. تم الاسترداد من معاريف: http://www.maariv.co.il/news/military/Article-585829

[63]  الأرشيف الإسرائيلي. مرجع سابق.

[64]  نفس المرجع السابق.

[65]  ايلي أشكنازي. (2017). ماذا سيكون مع العرب. تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3065827

[66]  الأرشيف الإسرائيلي. مرجع سابق.

[67]  اورن نهري. (10 حزيران, 2017). عندما قامت اسرائيل باسقاط طائرة روسية والسوفييت اوازنوا الرد على ذلك. تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3071335

[68]  أساف جولن. (18 أيار, 2017). من الخوف حتى النصر، احداث حرب 1967. تم الاسترداد من 360: http://www.360.co.il/landing-page.html

[69]  وزارة الخارجية. (2019). حرب الاستنزاف (1970-1968). موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية. القدس.

[70]  نفس المرجع السابق.

[71]  يريب بيلج. (2013). حرب الاستنزاف مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/war-of-attrition/Article-708b580de15c041006.htm

[72]  نفس المرجع السابق.

[73]  جيا لرون. (4.09.2019).  اليوم بات ممكناً القول إن حرب الاستنزاف تفاقمت لأن الولايات المتحدة أرادت تجريب سلاح جديد!. هآرتس. https://wetransfer.com/downloads/80c81336abbcafae9968df06b4fa9e1a20200322085222/f4a9a497180168d0365e79ff340ef75420200322085222/70f551?fbclid=IwAR2hTq7VTemqyGxV_cZZareZreVEw_JgZlD0Li9BhVepqsAf8k2VBRqusDc

[74]  وزارة الخارجية. (2019). حرب يوم الغفران. موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية. القدس.

[75]  المكتبة الوطنية. حرب يوم الغفران- بعد 40 سنة. المكتبة الوطنية الإسرائيلية. القدس.

[76]  القناة الثانية. (30.05.2011). ملخص حرب يوم الغفران 1973. القناة الثانية. https://www.youtube.com/watch?v=D6981pKYrtk&ab_channel=zapanativ

[77]  نفس المرجع السابق.

[78]  نفس المرجع السابق.

[79]  سارة اهروني ومائير اهروني. (1998). حروب إسرائيل: حرب يوم الغفران. مكسيم. القدس.

[80]  نفس المرجع السابق.

[81]  يجال كيبينس. (8.10.2019). أكثر بكثير من انتكاسة: ماذا لا نعلم عن حرب 1973. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/military/Article-723047

[82]  نفس المرجع السابق.

[83]  وزارة الخارجية. (2019). عملية سلامة الجليل (1982). موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي.

[84]  نفس المرجع السابق.

[85]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[86]  نفس المرجع الأسبق.

[87]  لترون. (2019). سلاح المدرعات في حرب لبنان الأولى. بارك لترون. https://yadlashiryon.com/armor_wars/the-war-on-the-galil/

[88]  نفس المرجع السابق.

[89]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[90]  عوفير ادرات. (21.09.2012). 30 عام على مجزرة صبرا وشاتيلا، لا زالت المعطيات مخفية عن الجمهور. هآرتس. https://www.haaretz.co.il/hblocked?returnTo=https%3A%2F%2Fwww.haaretz.co.il%2Fnews%2Fpolitics%2F1.1825136

[91]  وزارة الخارجية. مرجع سابق.

[92]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[93]  هآرتس. (7.07.2016). 34 يوماً من الحرب. هآرتس. https://www.haaretz.co.il/st/c/prod/heb/2016/news/06/timelineLebanon/

[94]  نفس المرجع السابق.

[95]  موقع الخارجية الإسرائيلية. (2019). حرب لبنان الثانية. موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي. القدس.

[96]  نفس المرجع السابق.

[97]  جابي سيبوني. (2016). العبر من حرب لبنان الثانية وتطبيقها. معهد دراسات الأمن القومي. https://www.inss.org.il/he/wp-content/uploads/sites/2/2017/07/%D7%A2%D7%A9%D7%95%D7%A8-%D7%9C%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%9C%D7%91%D7%A0%D7%95%D7%9F-%D7%94%D7%A9%D7%A0%D7%99%D7%99%D7%94-%D7%A1%D7%99%D7%91%D7%95%D7%A0%D7%99.pdf

[98]  يريب بيلج. (2013). حرب لبنان الثانية، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/2006-lebanon-war/Article-025df711af2e041006.htm

[99]  كرميت فلنسي، ويورم شفايتسر. (2016). نظرية ردع حزب الله تجاه إسرائيل. معهد دراسات الأمن القومي.

[100]  علا عطا الله. (29.12.2016). 3 حروب إسرائيلية على غزة. الاناضول. https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/3-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D9%81%D9%88%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%83-/716131

[101]  جابي سيبوني. (2014). بين الرصاص المصبوب والجرف الصامد. معهد دراسات الأمن القومي. تل ابيب.

[102]  يورم شفايتسر. (2014). عدم اتضاح هوية المنتصر في الحرب ضد جيش عصابات. معهد دراسات الأمن القومي. تل ابيب.

[103]  نفس المرجع السابق.

[104]  مراقب الدولة. (28.02.2017). عملية الجرف الصامد. موقع مراقب الدولة. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2017/3/1/%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B7-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A

[105]  يوسي ميلمان. (25.03.2019). لا أحد يريدها لكن الحرب الرابعة ضد غزة اقتربت. معاريف. https://www.maariv.co.il/journalists/Article-691252

[106]  مردخاي كيدار. (14.11.2018). سياسة الردع مقابل غزة فشلت. ميدا. https://mida.org.il/2018/11/14/%D7%9E%D7%93%D7%99%D7%A0%D7%99%D7%95%D7%AA-%D7%94%D7%94%D7%A8%D7%AA%D7%A2%D7%94-%D7%9E%D7%95%D7%9C-%D7%A2%D7%96%D7%94-%D7%A0%D7%9B%D7%A9%D7%9C/?__cf_chl_captcha_tk__=f2b253973434a1a5221385a68aa26043270135ff-1585389553-0-AYnH4sNPXkZ15DPfCSYVNzHiG70FcFfYnknj4IKEjq8KBWrE1ULtna7uidnhbSJXfYk6HurSwsDWTJ3W9rS4FC0O28PLKSXwyu1dLUl7oCbSWk9CWgT6-uUUe6ISnTAveSfiSdQzehFgn_krsbCRy_HIoIPC3L00wJwSZtNtHC16IOBL5z6jQFCCrcQrF_GI5ZuUVlU84eaYBrXmg_Dmt1JAhe0YBDniPtUpd4IAIMAZgchakY8jsYRzty_SmeyEA4XofdV4kmh8uJECHwoRjlc7BwvoNpgerq5QYffZ1wdNTr9SIwJiT1lOwi0mAOd4LbzbDIORIUfWqF_ENb1ojJ7A38NLp0nESuq2X0TdzJrtyvVfWI1HRK_kbbWLxz8OP31-7gfrR9iRnB7VZsjjqius6o_b-gDqSve93OjSUQqZ-o7dkd7Lu7lc1RAJ9EBi7dDxcfsRiCAtOWMAmDj0aw68Jy4FLETByEg8x28muzZOyFuVjBgyOG559vavthFh8Uee5e3qISg84S1SsdGUX59E3678-EapaJ3Z5eDE9Xd4zp8WXOurw3JRsb_5LAWnE9zmhgUKxYcPMYkxHMQVl1JYHE0kFbB5wG5hZJYEx8I4YSXfpJd_A9XRgyVeWwkBwt9NaQBHfNdqRwwHS3eKqjeBpUDspfBcidv-KUqT4-tcVgI90R40eIRLs-FkKVd8vg

[107]  نفس المرجع السابق.

[108]  شاي ليفي. (13.11.2019). التهديد من غزة، هذه قدرات حماس مقابل الجهاد الإسلامي. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-soldiers/Article-ddaad3666b36e61027.htm

[109]  تامار ليفيا. (28.06.2019). التهديد الهادئ من قطاع غزة. يديعوت احرونوت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5538348,00.html

[110]  جدعون الون. (26.11.2018). التهديد من غزة ليس وجودي لكن لا نستطيع الحياة معه. إسرائيل اليوم. https://www.israelhayom.co.il/article/611033

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دراسات

الاقتصاد المقدسيَّ مِن الازدهار إلى الانهيار (2)

نشر

في

بواسطة

(اقتصاد القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ 1918-1948)

 

امتنان الطحان

 

اِسْتِهْلال:

 

تُركز هذه الدِّراسة بِأجزائها الأربعة بذات العنوان، المُتعلقة بمدينة القُدس، على الجوانب الاقتصاديَّة الَّتي تعيشها المدينة وسُكانها. مُنذُ الحُكم العثمانيَّ مرورًا بِالاحتلال البريطانيَّ والحُكم الأُردنيَّ، إلى أن قامت إسرائيل بِاحتلالِ المدينة، وعملت جاهدة على تهويد القُدس، لكي ترى فيها “عاصمة موحدة أبديَّة لها”. الَّتي ترمي إلى هدمِ حياة المقدسيين اقتصاديًّا، بهدف تهويدها وترحيل الفلسطينيين عنها.

 

مِن خلال إلقاء الأضواء على الجوانب الاقتصاديَّة في مدينة القُدس على مر التَّاريخ حتَّى يتسنى للقارئين معرفة بدايات الضعف الاقتصاديَّ لِلمدينة، الَّتي بدأت أواخر الحُكم العثمانيَّ في القُدس، وزادت رُقعتها مُنذُ الاحتلال الصُّهيونيَّ لشرق القُدس عام 1967، عن طريق الإجراءات الصُّهيونيَّة المُعطلة للتطوير وما اتخذتها ميدانيًّا لِعزلها عن بيئتها وحاضنتها الفلسطينيَّة، وغير الإجراءات التعسفيَّة المُختلفة الَّتي استخدمتها لِبسط سيطرتها على المقدرات والمرافق الاقتصاديَّة لِلقُدس، مما عانت المدينة الكثيرمِن العقبات الَّتي حالت دون تحقيق التنميَّة في المدينة.

 

بِالتالي لم تحظَ مدينة القُدس بِالاهتمام الفعليَّ مُنذ وقوعها تحت الاحتلال عام 1967. فَرغم البرامج والمؤتمرات والندوات والاجتماعات الَّتي شُكلت داخل فلسطين وخارجها، مِن أجلِ النهوض بِأوضاعِها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والصحيَّة لتكريسها كعاصمة لدولة فلسطين، إلَّا أن النتائج المُحققة على أرضِ الواقع لم يشهدها المقدسيّون!

 

وإنَّ الواقع الاقتصاديَّ في القُدس وما تُعانيه مِن تشويه السمات والخصائص المميزة لها في محاولة اجتثاث تاريخ المدينة المُقدسة، وطمس الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة بشتى الطُرق وأساليب السيطرة والتهويد لخلق واقع جديدة على أرضِ المدينة مِن خلال التغيّرات الديموغرافيّة، بغرض تسهيل ضمها إلى إسرائيل لاحقًا، وذلك بِأقلِ قدر مِن السُكان وبِأقلِ درجة احتجاج عربيَّة وإقليميَّة ودوليَّة ممكنة مستندة إلى التغيّرات الَّتي أحدثتها مُنذ احتلالها لِلمدينة، على مُختلف مرافق البُنية التحتيَّة لها. لقد استغلت إسرائيل ضعف -وأحيانًا كثيرة- عدم وجود مرافق البُنية التحتية في مُحافظة القُدس بعد احتلالها عام 1967، لتقوم بمد وبناء شبكة حديثة مِن خطوط المياه والمجاريَّ والهواتف وشق الطُرق وتعبيدها، بما يخدم عمليَّة الضم ومصادرة الأراضيَّ ويسهل مِن انسياب حركة المُغتصبين وتدفقهم نحو شرق القُدس، ويصعّب فصلها ثانيَّة عن غرب القُدس مِن جهة، وإلى خلق وقائع جديدة على أرض المدينة المُقدسة لِتُكرس حالة الفقر شرق القُدس مِن جهة أُخرى، مُتمثلة في إيجاد سوق العمالة المعزول والمحاصر عن حاضنته وبيئته الفلسطينيَّة، وفرض ضرائب كثيرة ومتنوعة على التُجار ومحلاتهم التجاريَّة، واتّباع الطرق والوسائل العسكريَّة الغليظة في تحصيل المُستحقات بما فيها مصادرة المُعدات والتجهيزات، وإغلاق الشوارع واعتقال أصحاب المحلات،عدا عن السياسات التشغيليَّة الَّتي تفرضها سُلطات الاحتلال على المقدسيين حيثُ تُركز على العمالة غير المُدربة وغير الماهرة، بِالإضافةِ إلى التمييز في الأجور بِهدف تحقيق غايات “مبدأ العمل العبريَّ”.

 

لم تقتصر تلك السياسات على المقدسيين فقط، بل كان هُناك  رصيد كافيَّ مِن سياسة الاحتلال تفرضها على المقدسيَّاتِ مِن خلالِ صُعوبة الانخراط في سوق العمل لِتعارضه مع الثقافة السائدة في شرق القُدس.[1]

 

لا بُدّ مِن دراسة الوضع الاقتصاديَّ لِلقُدس بمراحلها التَّاريخيَّة لكي نضع خُطة علاجيَّة اقتصاديَّة تُسعف المدينة، وتحميها مِن التهويد.

 

فَيهدف الجزء الثَّاني مِن الدِّراسة بِعنوان ” اقتصاد القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ (1918_1948)”، إلى تسليط الضوء على الحالة الاقتصاديَّة في القُدس إبان الاحتلال البريطانيَّ، مِن خلال رصد الثابت والمتحول في المجالات الاقتصاديَّة المُتنوعة مُنذُ نهايَّة الحُكم العثمانيَّ وحتَّى أواخر الاحتلال البريطانيَّ سنة 1948.

 

المُقدمة:  

 

لعبت المكانة الدينيَّة لِمدينة القُدس دورًا هامًا في عمليَّة الجذب الاقتصاديَّ مما قامت على ازدهار المدينة اقتصاديًّا في بدايَّة الحُكم العُثمانيَّ، وبعدها بدأت معالم الضعف تظهر في نهايَّة الحُكم بفعل التدخل الأجنبيَّ في المدينة. كما تبحث هذه الدِّراسة في بعضِ القضايا الَّتي نتجت عن العمل في المجالات الصناعيَّة، والتجاريَّة والبناء في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ للقُدس مِن عام 1918 إلى 1948،وما نتج مِن تعاونٍ اقتصاديَّ بين سُلطة الانتداب البريطانيَّة والصُّهيونيَّة الَّتي ساهمت في تكوين العلاقات الاقتصاديَّة بين الحركة الصُّهيونيَّة والاحتلال البريطانيَّ.

 

كما يمكن أن تعزو الأسباب في هذا التغيِّر والانتقال إلى المُساعدة الَّتي تلقاها اليهود مِن الحركة الصُّهيونيَّة، والإدارة البريطانيَّة في المدينة. الأمر الَّذي سهل على الفئات اليهوديَّة المُختلفة، التحكم في اقتصاد مدينة القُدس لِأسباب كثيرة إضافيَّة أُخرى مِن بينها حجم رأس المال اليهوديَّ والخبرات الفنيَّة والتقنيَّة العاليَّة، والدعم الخارجيَّ لهذا الاقتصاد. في حين ظل العرب دون مساعدة أو إرشاد لِتطوير منتجاتهم الاقتصاديَّة. بل على العكس عملت الإدارة البريطانيَّة والحركة الصُّهيونيَّة على طمسِ المعالم الاقتصاديَّة العربيَّة، وإبراز اليهوديَّة إلى السطح كما فعلت في شتى المجالات الأُخرى. [2]

 

في الجزء الثَّاني مِن الدِّراسة ” الاقتصاد المقدسيَّ مِن الازدهار إلى الانهيار”، تحت عنوان ( اقتصاد القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ 1918_1948)،سيتناول محورين تدور في صلب هذا الموضوع:

 

  • المحور الأوَّل: الاحتلال البريطانيَّ لِمدينة القُدس.
  • المحور الثَّانيَّ: دور بريطانيا في دعم مقومات الصناعة الصُّهيونيَّ.

 

المحور الأوَّل: الاحتلال البريطانيَّ لِمدينة القُدس:

 

كانت الحرب العالميَّة الأوَّلى عمليَّة مفصليَّة في رسم وجه العالم،حيثُ بدأ الاحتلال البريطانيَّ لِلقُدس في إطار هذه الحرب وذلك في 9/12/1917، واستمر هذا الاحتلال حتَّى 15/5/1948.

 

وفي آخر حرب بين العُثمانيين والبريطانيين والَّتي حسمت أمر القُدس هي معركة غزَّة، حيثُ استطاع الجيش البريطانيَّ أن يتقدم نحو القُدس عبر بوابتها يافا، وقد وصلها الجيش البريطانيَّ وهي مستسلمة، وبدوره سلم حسين سليم أفنديّ الحسينيّ رئيس بلديَّة القُدس القائد البريطانيَّ واطسون وثيقة التسليم، حيثُ كان القرار مِن مُتصرف المدينة بعد مشاورة الأعيان في القُدس بِالتسليم حرصًا على سلامة الأماكن المُقدسة فيها، ممّا يجدر الذكر هُنا أن الجيش العُثمانيَّ خسر ألف جندي في معاركة على تخوم القُدس فضلًا عن 12 ألف أسير.[3]

 

القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ ووحدة الضفتين 1918_1967

 

سياسة الاحتلال البريطانيَّ في مدينة القُدس:

  1. تقديم دعم اقتصاديَّ واجتماعيَّ وسياسيَّ لليهود.
  2. تسهيل عمليَّة شراء الأراضيَّ وبناء المُغتصبات في القُدس المُحتلة.
  3. إنشاء مؤسسة يهوديَّة لِلتعليم العاليَّ في أواخر القرن التَّاسع عشر قبل ولادة الحركة الصُّهيونيَّة. وفي 24 تموز عام 1918، قبل أن تضع الحرب العالميَّة الأوَّلى أوزارها بِبضعة أشهر، منح الاحتلال البريطانيَّ للحركة الصُّهيونيَّة فُرصة لِوضع حجر الأساس لِأوَّلِ مؤسسة تعليميَّة ، وهي الجامعة العبريَّة في القُدس ، وأقرّت في وضع اثني عشر حجرًا نسبةً لعدد أسباط بني إسرائيل.
  4. تمَّ اعتماد سياسة المُباغتة بهدفِ زرع الفتن والخلافات بين الفلسطينيين.
  5. الوقوف بجانب اليهود في كُلِّ الأحداث والمناسبات، وقمع الشعب الفلسطينيَّ والحركة الوطنيَّة.
  6. فتح أبواب الهجرة أمام اليهود بهدفِ تهويد المدينة المُقدسة، وكان عدد اليهود في أيَّام جمال باشا 10000 مُغتصب، وفي عام 1922 أصبح أعدادهم ما يُقارب 33 ألف مُغتصب.[4]

 

المحور الثَّاني: دور بريطانيا في دعم مقومات الصناعة الصُّهيونيَّ:

 

لم تشهد القُدس مُنذُ الاحتلال البريطانيَّ لها، وجود قطاع اقتصاديَّ بالمفهوم والمقاييس العصريَّة الحديثة، وحتَّى لم تتلقَ أيّ دعم مِن الدول العربيَّة لِتعزيز صمود المقدسيين في القُدس وتثبيتهم. في حين الحركة الصُّهيونيَّة حظيت على دعمٍ مِن قبل الاحتلال البريطانيَّ اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.

 

كان الانتعاش الاقتصاديَّ في القُدس، خلال الحرب العالميَّة الثَّانيَّة، انتعاشًا آنيًّا، وفي جُعبته تشوهات كبيرة في البُنية الاقتصاديَّة الفلسطينيَّة، بينما هذه التشوهات تعد حافزًا للقطاع اليهوديَّ للنمو على أُسس مدروسة سمحت بِالتنوعِ وبالتكاملِ، وتأسيس بُنية ساعدت الحركة الصُّهيونيَّة في تشكيل دولتها بعد انسحاب الاحتلال البريطانيَّ مِن فلسطين عام 1948.

 

تعتبر مدينة القُدس، مدينة استهلاكيَّة أكثر مِنها إنتاجيَّة، حيثُ أنها تستهلك الكثير مِن الصِناعات الاستهلاكيَّة المستورد مِن البلاد الأُخرى بِكثرة. وفي المقابل حصلت المدينة على مكانة دينيَّة وسياحيَّة ممَّا تقوم في جمع الأمم خلال المُناسبات الدينيَّة الإسلاميَّة والمسيحيَّة ما ساعدها أن تزدهرًا في صناعة المُنتجات السياحيَّة والحاجيات خلال موسم الأعياد والعبادات. غير أنها تعُج بِالمؤسسات الدينيَّة والثقافيَّة، والاجتماعيَّة.

 

أسهم القطاع السياحيَّ المُتناميَّ في الإنفاق الحكوميَّ المُباشَر،وقام على تعزيز القطاع الخدماتيَّ فيها، بعد اتخاذ الإدارة البريطانيَّة القُدس مركزًا إداريًّا لها. وغير أن المدينة المُقدسة وضواحيها لم تنتج الكثير مِن المُنتجات لِتصديرها إلى الخارج، ولم يتعد وزن منتجاتها سنويًّا أكثر مِن 6 آلاف الَّتي  تُشحن وتنقل إلى الخارج عبر السكة الحديديَّة.

 

لم ترمُق المدينة المُقدسة عند مطلع الحُكم البريطانيَّ أيّ وجود قطاع صناعيَّ عصريَّ حديث. فقد اتسمت المدينة صناعيًّا بِمجموعة بسيطة مِن الصناعات الخفيفة الحرفيَّة العائليَّة الَّتي نشأت في ظلِّ حاجات المجتمع. ويقول سعيد حمادة” إنّ الصناعةَ في القُدس، والتصريف التجاريَّ أقل تنظيمًا مِن الصناعة والتصريف في المدن الساحليَّة، ومع ذلك فالقُدس هامة مِن حيث أنها مركزًا إداريًّا.فأهميَّة القُدس اقتصاديًّا هي أنها سوق لاستهلاك البضائع”.

 

ارتبط التطور الصناعيَّ في القُدس بشكلٍ خاصّ بِحجمِ الموارد الطبيعيَّة والموارد البشريَّة الَّتي توفرت للاقتصاد الفلسطينيَّ، ونوعيتها. وقد تميزت الموارد الطبيعيّة المُتعلقة بِالنشاطِ الصناعيَّ بِضعفها العامّ على مستوى مصادر الطاقة والموارد الخام اللازمة لِلصناعةِ.

 

وقد وجود في المدينة العديد مِن المُنتجات التقليديَّة الَّتي كانت سائدة قبل الاحتلال البريطانيَّ:

 

  • صناعة النسيج: تمَّ دعم هذه الصناعة مِن قبل جمعيَّة الصليب الأحمر الأمريكيَّة، وعندما غادرت الجمعيَّة المدينة، تولت جمعيَّة مُحبي القُدس إدارة هذه الصناعة بدلًا مِن جمعيَّة الصليب الأحمر.

 

  • صناعة الخشب: تتمَّ هذه الصناعة بالحفرِ والنقش على خشب الزيتون، ويصنع منها أدوات مكتبيَّة دقيقة وأثاث ، وألعاب للأطفال. واشتهرت بها المدينة المُقدسة بهذه الصناعة.

 

  • تطريز البيض: اشتهرت هذه الصناعة في القُدس خاصَّة في أعياد المسيحيين قديمًا، ونشطت أكثر في عهد الاحتلال البريطانيَّ . حيثُ يقوموا في تفريغ البيض مِن محتوياتها، ومِن ثُمَّ تلوينها أو التطريز عليها، أو برسم عليها رسوم وزهور، ومِن ثُمَّ توضع في أقفاص مصنوعة مِن سعف النَّخيل.

 

  • صناعة القاشلنيَّ: ساعدت جمعيَّة مُحبي القُدس مصلحة المعارف على إحياء هذه الصناعة وتشجيعها. إذ تعتبر مِن الصناعات القديمة في القُدس.
  • صناعة الزجاج والخزف والبلاط: تمَّ إنعاش تلك الصناعة بواسطة جمعيَّة مُحبي القُدس عام 1921،وغير أنها تلقت دعمًا مِن الوقف الإسلاميَّ.

 

  • صناعة الشَّمع: تُباع هذه الصناعة في القُدس في مواسم الأعياد ، والمُناسبات الدينيَّة بِكثرة، وعرفت باسمِ ” الشمع المقدسيَّ”، الَّتي تحتوي على تعاريج وصور، ورسم الزهور على الشَّمع.

 

اشتهرت المدينة في صناعة استخراج الزيوت مثل زيت الزيتون قبل الاحتلال البريطانيَّ وأثناءهُ، ويوجد ما يُقارب أربعمائة معمل لاستخراج الزيوت في المدن الفلسطينيَّة وفي القُدس. وكذلك اشتهرت في صناعة مواد البناء مثل الحجارة القرميد، الحجارة الكلسيَّة (الجير)، وعدا عن الصناعات الكيماويَّة والورق، والجلود والطباعة، والمواد العطريَّة والزينة، والمعدنيَّة مثل الأنابيب.

 

لعبت الإدارة البريطانيَّة دورًا بارزًا في دعمِ المؤسسات اليهوديَّة مثل؛ الوكالة اليهوديَّة مِن خلال استغلالها المادة الحاديَّة عشرة مِن صك الانتداب البريطانيَّ على فلسطين” أن تتخذ الإدارة الإجراءات اللازمة فيما يتعلق بِتنميَّة البلاد مع تخويلها السلطة التامة في إصدار ما يلزم مِن التشريعات لتملك أيَّ مِن موارد البلاد الطبيعيَّة، والمنافع العموميَّة بها”. هذه المادة خولت سُلطات الاحتلال البريطانيَّ الحقَّ في الاتفاق مع الوكالة اليهوديَّة على قيام الوكالة بِإنشاء أو تسيير الأشغال العامَّة، ما دامت تلك السُلطات تمتلك إدارة البلاد بشكلٍ مُباشَر. وينحصر تفسير هذه المادة بِأن سُلطات الاحتلال البريطانيَّ تقوم في استهداف خيرات فلسطين، وتسخير الموارد الطبيعيَّة في فلسطين للاستثمارات اليهوديَّة الَّتي تسيرها الوكالة اليهوديَّة حتَّى تتمكن مِن إحكام السيطرة على اقتصاد البلاد.

 

اشتدت مُنافسة الصناعات اليهوديَّة المتطورة لِلصناعات العربيَّة، واعتمدت الصناعة اليهوديَّة على رؤوس الأموال الضخمة، والخبرة التقنيَّة العاليَّة الَّتي تعتبر مِن العوامل الهامَّة تفتقر إليها الصناعات العربيَّة ممَّا ضُعفت وتراجعت أمام الصناعات اليهوديَّة. وغير تشكل هُناك طبقات عربيَّة برجوازيَّة زادت مِن نقمتها، ولم يعُد هُناك مجالًا حتَّى تستعيد الصناعات العربيَّة عافيتها. عدا عن العوامل الَّتي ساعدت في تقدم الصناعة اليهوديَّة في القُدس، وغيرها مِن المدن الفلسطينيَّة ، وهي: ازياد الهجرة اليهوديَّة إلى فلسطين مما ترتيب عليها مِن نتائج، عدا عن تدفق الأموال اليهوديَّة إلى فلسطين . هذا إلى جانب حوالي 48% مِن المُهاجرين اليهود إلى فلسطين بين عام 1922- 1945، هُم مِن أصحاب الحرف والمهن، حيثُ أفادوا بِخبراتهم الاقتصاديَّة، الاقتصاد اليهوديَّ في القُدس، وعموم فلسطين. كما أن زيادة أعداد المُهاجرين وكفاءتهم الصناعيَّة نشطت الحركة الصناعيَّة في القُدس وفلسطين.

 

لعبت سُلطات الاحتلال البريطانيَّ دورًا هامًا في تطوير الصناعة اليهوديَّة خاصَّة في مدينة القُدس، عن طريق إصدار قوانين وتشريعات الَّتي سهلت عمل هذه الصناعات، كتخفيض الضرائب مثلًا، وفي المقابل ترفع الضرائب على الفلسطينيين، بهدف تزويد السُلطات بالمعدات العسكريَّة عن طريق هذه الصناعات، وأثناء الحرب العالميَّة الثَّانية زادت حاجتها إلى تلك المصانع الَّتي تصنع المعدات العسكريَّة، حيثُ يعود نشأتها إلى عام 1933، حين وجدت ورشة صغيرة في محطة المياه في أحد الأحياء اليهوديَّة في القُدس،وكان يعمل فيها عامل يهوديَّ واحد فقط ،وهو في الجيش البريطانيَّ .

 

في ذلك الحين بدأت ظاهرة التبعيَّة، وربط الاقتصاد الفلسطينيَّ بالاقتصاد الاستعماريَّ العالميَّ مِن خلال تأسيس شركات صناعيَّة يهوديَّة صغيرة جديدة، وبدأت رؤوس الأموال تتدفق مع المهاجرين اليهود بكميات هائلة جدًّا مما أدى إلى ميل الوزن النسبيَّ الفلسطينيَّ إلى الجانب اليهوديَّ مِن عدد الوحدات الصناعيَّة، وحجم هذه الصناعات، وعدد العُمال داخل هذه المنشأت الصناعيَّة. وقد أصبحت أبواب الاقتصاد الفلسطينيَّ في المدن الكُبرى تتسع لِدخل وتغلغل المؤسسات الاحتكاريَّة البريطانيَّة في الاستثمارات إلى جانب الرأسمال اليهوديَّ .

 

غير تدفق رؤوس الأموال مِن الولايات المُتحدة الأمريكيَّة والدول الغربيَّة على فلسطين لاستثمارها في مشاريع إقامة الوطن القوميَّ لليهود، وحصلت القُدس على نصيب وافير مِنها. وضرب الاحتلال البريطانيَّ الاقتصاد الفلسطينيَّ عن طريق رفع سعر المواد الأوليَّة الَّتي تحتاجها الصناعات العربيَّة، وفيما عمدت على تخفيض أسعار المواد العربيَّة المُنتجة.

 

احتكرت المؤسسات الصُّهيونيَّة، والشركات الصناعيَّة اليهوديَّة بدعمِ سُلطات الاحتلال البريطانيَّ والأمريكيَّ الاقتصاد والأسواق العربيَّة بجانب تأسيس أسواق يهوديَّة، مما أدى إلى زيادة وطأة الحضور الصناعيَّ اليهوديَّ في الأسواق الفلسطينيَّة، والمنافسة القويَّة للصناعات العربيَّة الناشئة، على إثرِ ذلك تمَّ تشكيل لجنة عربيَّة لِمُقاطعة التجارة والبضائع اليهوديَّ في القُدس وامتدت هذه اللجنة جميع أنحاء فلسطين.

 

لعبت المؤسسات الصُّهيونيَّة دورًا كبيرًا في توفير الدعم للصناعة اليهوديَّة في القُدس، ولاسيما في مجال التمويل فزادت الاستثمارات اليهوديَّة في فلسطين. وفي عام 1924 تلقت الصناعة اليهوديَّة دعمًا مِن قبل المؤسسات الصُّهيونيَّة لتنشيطها في كُلِّ المجالات، مُتمثلة في الصناعات الخفيفة، صناعة المعكرونة، ملح الطعام، الصودا، والماء والسجاد، وغير المقاهي. وبعد عامٍ انتشرت تلك الصناعات في معظم أرجاء القُدس. [5]

 

بالتالي تعرضت الصناعة العربيَّة إلى هجمة شرسة شنتها الإدارة البريطانيَّ والمؤسسات الصُّهيونيَّة عليها، وأضعفت الاقتصاد المقدسيَّ خاصَّةً، والاقتصاد الفلسطينيَّ عامَّةً. لذلك ينبغي علينا أن ندرس تاريخ الاقتصاد المقدسيَّ حتَّى يسهل علينا أن نضع حلول وخطط لتطوير الاقتصاد وتقويته، ولفت أنظار العالم العربيَّ والإسلاميَّ إلى المدينة المُقدسة وحماية قطاعاتها الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والصحيَّة، وتقديم الدعم الاقتصاديَّ للقُدس حتَّى تبقى صامدة في وجه الاحتلال الصُّهيونيَّ الغاشم.

 

 

[1] الوضع الاقتصاديَّ الصعب في مدينة القُدس، محمّد خضر قرش ، مركز الأبحاث منظمة التحربر الفلسطينيَّة، كانون الأوَّل (ديسمبر)،2015

[2] تاريخ القُدس عبر العصور( اقتصاد القُدس في ظلِّ الانتداب البريطانيَّ 1917-1948)،صالح علي الشورة،الجامعة الإسلاميَّة-غزَّة،2011 .

[3] القُدس مِن الاحتلال البريطانيَّ حتَّى الآن،جامعة القُدس ،2016.

[4] نفس المرجع.

[5]تاريخ القُدس عبر العصور (اقتصاد القُدس في ظلِّ الانتداب البريطانيَّ 1917_1948)، الجامعة الإسلاميَّة _غزَّة، صالح علي الشورة،2011.

أكمل القراءة

دراسات

الاقتصاد المقدسيّ مِن الازدهار إلى الانهيار

نشر

في

بواسطة

اعداد: امتنان الطحان- مركز القدس

 

“الاقتصاد المقدسيّ مِن الازدهار إلى الانهيار في الفترة حتى انهيار الدولة العثمانية”

المُقدمة:

تُعتبر مدينة القُدس مِن أشهر المُدن السياحيَّة، وهي محط أنظار سُكان العالم أجمع، يؤمّها السُياح لزيارةِ الأماكن المُقدسة، ولهذا كانت السياحة تدُر أرباحاً وفيرة على سكان القُدس قبل عام 1967، وتساهم بقسط وافر مِن الإيرادات السياحيَّة للأردن، وبعد الاحتلال أصبحت مورداً هاماً للاقتصاد الصُّهيونيّ، أمّا على الصعيد الصناعيّ فَيوجد في القُدس العربيَّة صناعات خفيفة كَطحنِ الحبوب، وعصر الزيتون، وصناعة النسيج والخزف والحلويات والسجائر والصناعات التقليديَّة السياحيَّة وأُخرى حديثة مثل صناعة الأدويَّة، والأجهزة الكهربائيَّة والإلكترونيَّة والأسلاك والبرادات والغسالات وأفران الغاز وصنع البطاريات وصقل الماس وغيرها مِن الصناعات الهامَّة . أمّا الحركة التجاريَّة فَهي مُزدهرة بسبب موقع المدينة السياحيّ والتّاريخيّ والدِّينيّ.

 

أمّا جانب الكهرباء فقد ضمت سُلطات الاحتلال الصُّهيونيَّة شركة كهرباء القُدس إليها، واعتدت على اِمتياز الشركة العربيَّة، وشرعت شركة الكهرباء الصُّهيونيَّة بإنشاء محطات فرعيَّة داخل المدينة وأصدرت قراراً بالحجزِ على أموال الشركة.

 

فَشهدت المدينة المُحتلة حالة غير مسبوقة على مدار العقود الخمسة الماضيَّة في اقتصادها، حتّى وصلَ فيها المَطاف مِن مرحلة الازدهار إلى مرحلة الانهيار في السنوات الأخيرة، بفعل سياسة الاحتلال الصُّهيونيَّة الّتي طبقتها على المقدسيين لِخنقهم حتّى يدفعهم إلى الرحيل. كَإحدى السياسات التهويديّة لِمدينة القُدس.

 

لم تسلم مدينة القُدس مِن تهويد مُقدساتها، بل أصبحت المدينة تتعرض إلى حملة شرسة تفترسُ اقتصادها بشكل مُباشر، وذلك باعتبارها ضمن المُخططات التهويديَّة مِنْ خلال مُضاعفة الضرائب على أهلِ المدينةِ، وملاحقة التُجار ومنع إصدار تصاريح البناء، وقتل الحركة السياحيَّة، وغير مصادرة الأراضي وتحويلها لِمناطق خضراء تمهيداً لِاحتلالها وتسليمها للمُغتصبين، وعزلها عن محيطها مِنْ الأراضيّ الفلسطينيَّة المُحتلة عام 1967.

 

مُنذ إندلاع الانتفاضة الأوّلى عام 1987، بدأ اقتصاد المدينة بِالتكعكُع، وزادت وتيرتها مع الانتفاضة الثَّانيَّة عام 2000، ثُمّ جاء الجدار الفصل العُنصري عام 2004، الّذي حرمَ نحو أربعة ملايين مِن الضفة الغربيَّة وقطاع غزَّة مِن دخول المدينة إلّا بوجود تصاريح. كَعملية لِتضرب الاقتصاد المقدسيّ، وإفقار التُجار المقدسيين، بِهدف شل حركة شراء الغير مقدسيين.

 

السياسات الصُّهيونيَّة الغاصبة المُتلاحقة على أهالي المدينة المُقدسة وتُجارها، خلقت بيئة اقتصاديَّة ضعيفة العصب قابلة لِروماتيزم المفصل الاقتصاديّ، كما تتحدث الإحصاءات عن أن نسبة بطالة بين الفلسطينيين بالقُدس تصل إلى 25%، أما معدل الدخل فيبلغ للفلسطينيّ نحو ألف دولار، وهو أقل مِن نصف تكلفة المعيشة بالمدينة[1]، وتشير إحصاءات إسرائيليَّة رسميَّة إلى أن 75% مِن الفلسطينيين شرق القُدس فقراء، في حين تصل نسبة الأطفال العرب الفقراء إلى 82%.[2]  مِن السكان المقدسيين، في أرقام صادمة تكشف خطورة ما تتعرض له المدينة.

 

وجه الكيان الصُّهيونيّ ضربة قاضيَّة للاقتصاد المقدسيّ الّذي أذاق كُلّ المقدسيين مرارة السياسات الظالمة الاحتلالية القائمة على إغلاق كُلّ المحلات التجاريَّة تحت حُجة ” الدواعي الأمنيَّة “، وإيقاف العمليَّة التجاريَّة بِكُلِّ مكوناتها الحيويَّة، عدا عن فرض الضرائب الباهظة والمخالفات اليوميَّة، وحملات التفتيش والاعتقالات المُتكررة بحقِّ التُجار المقدسيين، ومصادرة الأملاك والبيوت، وصولاً إلى حدِّ قطع الكهرباء والماء عنهم!

 

إضافة إلى هذه السياسات تعمّد الاحتلال قتل السياحة الداخليَّة بفعل الإجراءات التعسُفيَّة والصارمة الّتي يفرضها الكيان الصُّهيونيّ قبل الوصول إلى مدينة القُدس، ومنع السُياح والزوار مِن دخول البلدة القديمة خاصّةً. سياسة لِتوجيه ضربة قاتلة للحياة الاقتصاديَّة، لِتبلُغ الإغلاقات للمحال التجاريَّة 50%، ما رغمت في تهجير التُجار إلى الأسواق الخارجيَّة. لِتُصبح البلدة القديمة كَمدينةِ أشباح لا يوجد فيها أيّ حركة تجاريَّة بعد أن كانت تعُج بالزوار والمشترين، مدينة معزولة تماماً، تئُن مِنْ شلل أصاب اقتصاد المدينة.

 

فَالاحتلال الصُّهيونيّ دمر اقتصاد المدينة المقدسة بشكلٍ كامل، لِتُساهم هذه السياسات التهويديَّة بحقِّ المقدسيين في تكفين الاقتصاد المقدسيّ ووضعهُ في تابوت الاحتلال ودفنهُ في تراب عدم التطوير، بعد أن رفع الجميع يدهُ عن تقديم الدعم الإقليميّ والدّوليّ للمدينة. فَأخذت نسبة المُشتريات على كُلِّ المُنتجات في القُدس المُحتلة بالانكماش، لِتصل إلى 80%.

 

فَتدنت مبيعات الألبسة بِنسبةِ 70%، والأحذيَّة 78%، والمواد الغذائيَّة 60%، وهذا يعني أن في الأيَّام القادمة سَتكون أكثر خطورة عما سلف على أهل المدينة المقدسة في حال إذا لم يوضع برامج وخطط اقتصاديَّة استراتيجية عاجلة لإنقاذ العملية الاقتصاديَّة مِنْ هذا المرض الّذي شلَ حركتها، وتعزيز صمود المقدسيين، ومجابهة ما يتم تخطيطهُ على أيدي الاحتلال لِتهجير التُجار المقدسيين.

 

تتطرق هذه الدراسة في المحور الأوَّل تحت عنوان ” أسواق البلدة القديمة في القُدس ” ، يُقدم هذا المحور لمحة تاريخيَّة وتفصيليّة عن أسواق البلدة القديمة في القُدس الَّتي تعُد بمثابة عصب الاقتصاد المقدسيّ ، وحيويته معقوداً بأسواقِه الَّتي طالما تُعتبر أسواق القُدس مِن أبرز معالم المدينة المقدسة وتمثل جزءاً أصيّلاً مِن هويتها وتعد العمود الفقريّ لاقتصاد المدينة، وترتبط هذه الأسواق بشبكة كبيرة مِن الطرق والعقبات والأحواش.

 

وتشكل الحالة الاقتصاديَّة للقُدس حالة فريدة مِن نوعها فهي مُنذ عهود مبكرة تفتقر لمقومات المدينة الاقتصاديَّة لأسباب عدة منها نُدرة مصادر المياه فيها إلَّا مِن نبع واحد وحيد يقع في الطرف الجنوبيّ فيها (أسفل تل الضهور-في منطقة سلوان اليوم) كذلك نُدرة الأمطار وطبيعتها الطبوغرافيَّة الجبليَّة الَّتي حدت مِن وجود مساحات زراعيَّة، وكذلك خلوها مِن مناطق صناعيَّة إلَّا فيما نُدر.

 

ولم يبقَ ما يساعد المدينة في اقتصاداتها إلَّا احتوائها على جُملةٍ متنوعة مِن الآثار مِن مُختلف العهود بالإضافة إلى وجود أماكن مقدسة يُشد إليها الرَّحال مثل المسجد الأقصى ويحج إليها مثل كنيسة القيامة. مما غلّب عامل مقوم للاقتصاد يندر حدوثه في مدن أُخرى وهُو عامل اقتصاد الحج السياحيّ والدِّينيّ، لذلك كانت الحاجة مُلحة وضروريَّة لإقامة أسواق اقتصاديَّة تلبي حاجة الساكن المحلي وكذلك حاجة الوافد الحاج والمقدس للأماكن الدِّينيَّة .[3]

 

المحور الثَّانيّ بِعنوان ” اقتصاد القُدس خلال الحُقبة التَّاريخيَّة العثمانيَّة ( 1516- 1917)، تمكنت الـدّولة العثمانيَّة مِن السيطرة على بـلادِ الشام، وشرعت في تقسيمِ بلاد الشام إلى ولايات متعددة وتمّ تقسيم كُلّ ولاية إلى مقاطعاتِ إثر معـركة مـرج دابق922هـ/1516م، وبعد أن وصل السُلطان سليم الأوَّل دمشق أرسل عشرة آلاف جندي لِفتحِ القُدس، ودخولها في العامّ ذاته، ثَمَّ نُصِّب أوَّل حاكم لِإمارة القُدس مِن العثمانيين وهو إسكندر بن أرنوس ، بعد ذلك زارها السلطان قبل أن يتوجه لِفتحِ مصر حيثُ دخلها دون قتال.

 

وكانت أعمال السُلطان سليم عند وصولِهِ إلى مشارفِ القُدس خرج أهل القُدس مِن الأعيان والعلماء والوجهاء لِاستقبالِهِ، والترحيب به وسلموه مفاتيح المسجد الأقصى المُبارك ، وقُبَّة الصَّخرة، ثُمَّ سجد السُلطان شاكراً لله تعالى على هذه النعمة ، وبعدها بدأ بِزيارةِ الأماكن المقدسة ثُمَّ اطلع على شؤونها ، وأمر ولاته بتنظيم أحوالها ، فَقام بإكرام أهلها والتودد إليهم ومنحهم الأعطيات والهدايا المجزية.

 

تمّ بناء جهاز إداريّ للنظام الاقتصاديّ في القُدس عُرف (بالطوائف الحرفيَّة) كما شهدت أعداد السكان تذبذباً خلال العصر العثمانيّ وذلك لِأسباب طبيعيَّة بشريَّة.[4]

 

تكمن أهميَّة الدراسة في توضيح الوضع الاقتصاديَّ لِمدينة القُدس على غرارِ تنفيذ إسرائيل سياستها ومخططاتها لِعزلِ القُدس عن بقيَّةِ أجزاء الضفة الغربيَّة على كافةِ المستويات، حيثُ شملت الأرض والسُكان والاقتصاد والمؤسسات. كما قامت -ولا تزال تقوم- بِضربِ البُنيَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والمؤسساتيَّة والإداريَّة لهذه المدينة، باعتبارِها المركز والمحور والقلب النابض للشعبِ الفلسطينيَّ .

 

ونتيجة للسياساتِ والإجراءات الإسرائيليَّة ضدّ المدينة وسُكانها، بدأ دور المدينة ومكانتها الاقتصاديَّة يتراجعان بشكلٍ مستمر، فدخلت القطاعات الاقتصاديَّة المُختلفة -السياحيَّة والصناعيَّة والتجاريَّة والخدماتيَّة- في أزماتِ متواصلة، حيثُ ساهم الحصار والإغلاق المتواصلان للمدينة والمفروضان عليها مُنذ عشرات السنوات، بركود تجاريَّ واقتصاديَّ فيها وإفلاس العديد مِن المنشآتِ، وإغلاق مئات المحال التجاريَّة، وهجرة الكثير مِن المؤسساتِ والمنشآت الاقتصاديَّة والتجاريَّة إلى خارجِ حدودها، وتحديداً إلى مدينتي رام الله وبيت لحم والضواحي.

 

المدينة المُقدسة، في قسمِها الشرقيَّ، تُعاني مِن عمليات حصار اقتصاديَّ واجتماعيَّ ومعيشيَّ خانق ممنهج، تسهم فيه الهجمة الاستيطانيَّة المُتسارعة الَّتي تزداد شراسة وتغولا يوماً بعد يوم، مسنودة إلى ما يوفره جدار العزل العنصريَّ مِن أسبابِ تُفاقم مِن حدّةِ الأزمات المُفضيَّة إلى اغتيالِ المدينة.

 

لا تقف هذه المعاناة أيضاً عند مصادرة مساحات مِن الأراضيَّ المقدسيَّة مِن أصحابها الشرعيين وضمها إلى المساحاتِ المهيأة لتوسيع العمليَّات الاستيطانيَّة الشرهة، أو عند الإجراءات القمعيَّة اليوميَّة بأشكالها المختلفة والَّتي يتمَّ ارتكابها أمام العالم تحت ذريعة المتطلبات الأمنيَّة؛ ولكنها تمتد أيضاً إلى الاستيلاءِ على العقاراتِ الفلسطينيَّة في القُدسِ القديمة لتوسيع الرقعة الاستيطانيَّة المتفشيَّة في تلك المساحة الَّتي لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، دون أن تتوقف في الوقت نفسه عن مصادرة هويَّات المقدسيين بهدف دفعهم للهجرةِ مِن مدينتهم إلى مناطق أُخرى، ضمن الحرب الديموغرافيَّة والاقتصاديَّة ومعركة الوجود المستعرة في المدينةِ بين سلطة الاحتلال وأصحاب المدينة الشرعيين.

 

ويتعدى الأمر ذلك إلى ممارسة آليات مختلفة مِن القمعِ والتضييق والحصار الاقتصاديَّ لمواطني القُدس مِن الفلسطينيين المتشبثين بالبقاءِ في مدينتهم المُقدسة، مصرين على خوض معركة التشبث الوطنيَّ بالمدينة.

 

وتطال عمليَّات التخريب الاقتصاديَّ لعاصمة الدّولة الفلسطينيَّة المستقبليَّة كافة مقومات الاقتصاد الوطنيَّ الفلسطينيَّ في المدينةِ، وجميع مفرداته، مِن زراعيَّة وتجاريَّة وصناعات حرفيَّة وسياحة.. إلخ، مع الحرصِ على شلِّ إمكانيَّة تناميها ومقومات وأسباب انتعاشها.[5]

وتهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء عمّا يحدث في المدينة المُقدسة مِن الناحيَّة الاقتصاديَّة الَّتي كان بدايَّة ضعفها واضحت المعالم مُنذ العهد العثمانيَّ ، ومع مر التَّاريخ زاد الوضع سواءً ؛ بهدفِ قتل هذه المنطقة الحيويَّة على جميع الأصعدة ، والَّتي تُعد مركز فلسطين الاقتصاديّ والدِّينيَّ ، والتَّاريخيَّ والمؤسساتيَّ . واضعين سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة تضامنيَّة لِإنقاذ الاقتصاد المقدسيَّ ، وحمايَّة المدينة مِن مد السيطرة عليها مِن قبل الاحتلال الصُّهيونيّ.

 

تكمن إشكاليَّة الدراسة في محاولة فهم البدايات الاقتصاديَّة لِمدينة القُدس ، وكيف بدأت مزدهرة وبعدها إلى الانهيار. مما يترافق مع ذلك العمل الإسرائيليَّ الدؤوب لرفعِ مستوى البطالة لدى المواطنين العرب الفلسطينيين، ودفع غول الغلاء ليصول في المدينةِ العربيَّة ويبطش بأهلها، إلى جانبِ الضرائب الباهظة الظالمة الَّتي تفرضها سلطات الاحتلال، فتُثقل بها كاهل المواطن المقدسيَّ، مما يسهم في رفعِ معدلات خط الفقر إلى مستوياتِ غير مُسبوقة، ويقود بالتَّالي إلى تدني مستوى دخل المواطن الفلسطينيَّ هُناك، وتراجع مستوى قدراته الشرائيَّة، مما يسبب خللاً في الدورة الاقتصاديَّة للمدينة [6]، ودفعه إلى الرحيلِ مِن المدينة رغم ذلك يتمَّ تعزيز الصُّمود فِي البلدة القديمة مهما كانت السياسات المُجحفة، والَّتي تعزم على دفع المقدسيَّ إلى الهجرةِ .

 

كما تنطلق الدراسة مِن سؤالٍ رئيس يبحث في هل سياسات الإهمال المعتمدة مِن قبل الاحتلال الصُّهيونيَّ في إحداث فجوة في الاقتصاد المقدسيَّ بجانبِ الخدمات مثل: جهاز التعليم ، وخدمات البُنيَّة التحتيّة ، وإدارة النفايَّات ، وأنظمة الصَّرف الصَّحيَّ ، وبالإضافةِ إلى قوانين الَّتي تحظر التَّطور الاقتصاديَّ وتدمير الإزدهار في الأحياء والقُرى والمخيمات العربيَّة في القُدس سَيقتل حيويَّة المدينة وبعدها تهويدها؟

 

وعليه تفترض الدراسة ما دام لم يتمَّ وضع سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة تضامنيَّة لحمايَّة الاقتصاد المقدسيَّ مِن الانهيار، والتكعكع سيؤدي إلى ضياع المدينة المُقدسة مِن خلال إحكام السيطرة على المحلات التَّجاريَّة مِن قبل المستوطنين ، وبالتَّالي سَيتغيَّر معالم المدينة المُقدسة،  وهويَّتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ لِأن الاحتلال يسعى إلى إيجاد موطئ قدم حتَّى يُحقق حُلمه الشرس في قيام هيكله الثالث المزعوم مكان المسجد الأقصى المُبارك ، والقضاء على المعالم الإسلاميَّة والمسيحيَّة في المدينةِ.

 

تستند الدراسة في إعدادها على المنهج الوصفيَّ التَّاريخيَّ التحليليَّ ، لِدراسة وضع القُدس في ضوءِ التَّاريخ وبناءً على دراسة التَّاريخ سنقوم في تحليل الوضع الاقتصاديَّ المقدسيَّ لِوضع إستراتيجيّات علاجيَّة لِإنقاذ القُدس ، وحمايَّة الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة مِن الضياعِ والتهويد الصُّهيونيَّ.

 

 

المحور الأوَّل: أسواق البلدة القديمة في القُدس:

 

ما أن تدخل أعتاب البلدة القديمة في القُدس حتَّى تمتلئ عيناك بالمحال التجاريَّة والباعة المتجولين والبسطات, فأسواق القُدس قديمة قدم المدينة، وتتنوع محلات القُدس بتنوع المنتج، فمنها ما خصص لبيع اللحوم فقط وسمي بسوق اللحامين، ومنها للعطارة كسوق العطارين وهكذا, فابن القُدس يأخذ حاجته مِن جميع ما يطلب ولا يضطر للذهاب مسافات طويلة لشراء حاجياته، فأسواق القُدس لها منافذ عديدة يستطيع الوصول إليها دون اللجوء لأيِّ وسيلة تنقل .

 

ولأسواق القُدس بالبلدة القديمة، حيثُ الروائح العطرة والمناظر الخلابة لشتى أنواع البضائع، التَّي تزين واجهات المحال التجاريَّة.

 

سوق باب خان الزيت:

وهُو مِن الأسواق العامرة فهو وجه المدينة وأوَّل أسواقها، ويُعتبر المدخل الرئيسيّ لأسواق البلدة القديمة في القُدس، وفيه كثير مِن المحلات القديمة.

 

وعُرف بهذا الاسم نسبة إلى وجود خان أثري يعرف باسم “خان الزيت”، و يمتد هذا السوق مِن أوَّل درجات باب العامود، إلى نهايَّة طريق كنيسة القيامة وهُو امتداد لسوق العطارين.

 

وفي وسط السوق يوجد المرحلة السادسة لطريق الآلآم عند النَّصارى، وكذلك كنيسة الأحباش، ويوجد أيضاً مُصلَّى سيدنا أبا بكر الصديق – رضي الله عنَّه .

 

سوق العطارين:

وهُو مِن الأسواق الجميلة في مدينة القُدس، و يشتهر ببيع جميع أنواع العطارة والأعشاب والزعتر، فما أن تقترب لسوق العطارين حتَّى تبدأ بشم الروائح العطرة والمشهيَّة، وتأخذك إلى عالم مِن السحر والجمال .

 

سوق اللحامين:

عُرف بهذا الاسم لوجود محلات خصصت لبيع اللحوم الطازجة والأسماك ، وهُو موازي لسوق العطارين .

 

سوق الدباغة:

كان هذا السوق يمتاز عن غيره مِن الأسواق في القُدس القديمة، لوجود كثير مِن الحرفيين الَّذين كانوا يعملون في مجال دباغة وتصنيع الجلود، وكان هذا في العهد العثمانيَّ ،أمَّا اليوم فالسوق يمتاز بمحلات لبيع البضائع التقليديَّة والتراثيَّة للأجانب.

 

ويقع هذا السوق قرب كنيسة القيامة، ويوجد في وسطه آثار وتماثيل جميلة تعود لعصور سابقة .

 

سوق الحصر:

سُمي بهذا الاسم لكثرة بائعي الحصر و السجاد، حيثُ كان مرتعاً لتُجار الحصر و السجاد ، ويقع هذا السوق مقابل سوق البازار .

 

سوق البازار:

كان السوق مِن جُملة أوقاف المدرستين الأفضليَّة والكريميَّة، ثُمَّ أصبحت مرافقه مِن جُملة أوقاف عائلتي الحسينيَّ وجار الله ،وهُو الآن يختص ببيع السلع السياحيَّة، و كان في الماضي سوقاً للخُضار، يأتي إليه القرويون مِن ضواحي القُدس لبيع بضائعهم .

 

سوق الباشورة:

وهُو مِن الأسواق القديمة التَّي يعود تاريخها للعصر الرومانيّ، وقد كشفت الحفريات عن السوق الرومانيّ الَّذي هو امتداد لسوق الباشورة، حيثُ الأعمدة الرُّخاميَّة التَّي تزيد السوق جمالاً ورونقاً، وقد قام الاحتلال الإسرائيليّ بتهويد هذا السوق وسماه سوق الكارد، وهُو الآن مهدد مِن قبل اليهود.

 

سوق باب السلسلة:

سُمي بهذا الاسم نسبة إلى باب السلسلة أحد أبواب المسجد الأقصى المُبارك، وهُو امتداد لهذا الباب ويوجد بهذا السوق بعض مِن الآثار الإسلاميَّة القديمة مثل: المكتبة الخالديَّة، وبعض قبور الصَّالحين، وسبيل باب السلسلة، ويمتاز اليوم بمحاله الجميلة التَّي تقوم ببيع التحف التقليديَّة للسواح الأجانب.

 

سويقة علون:

وهي مِن الأسواق المزدهرة بالسُياح الأجانب، حيثُ أنَّها تقع في حيّ النَّصارى قُرب باب الخليل، وهي الطَّريق المؤديَّة إلى كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المُبارك وحائط البراق، ويمتاز هذا السوق ببيع التحف والآثار القديمة الَّتي تظهر عُروبة المدينة المقدسة.

 

سوق الخواجات:

وهُو مِن الأسواق القديمة التَّي تمتاز ببيع الحرائر والأقمشة، وهو موازي لسوق العطارين.

 

سوق حارة الواد:

وهُو الطَّريق الرئيسيّ للمسجد الأقصى المُبارك ويبدأ مِن جنوب باب العامود، وينتهي عند حائط البراق، وفيه بعض المعالم المهمة لدى المسيحين مثل طريق الآلام.

 

سوق حارة النَّصارى:

ويقع في قلب الحيّ المسيحيّ في البلدة القديمة وبه كثير مِن الأديرة والكنائس المسيحيَّة، وكذلك جامع سيدنا عُمر بن الخطاب -رضي الله عنَّه-  في الموقع الَّذي صلّى به عند زيارة كنيسة القيامة.

 

وتمتاز محلات هذا السوق ببيع البخور للكنائس، وكذلك الشمع المقدس، وكثير مِن التحف السياحيَّة.

 

سوق القطانين:

سُمي بهذا الاسم نسبة لباب القطانين أحد أبواب المسجد الأقصى المُبارك، ويعود تاريخ هذا السوق إلى العصر الفاطميّ، حيثُ تجد العمارة الفاطميَّة تضفي جمالاً ورونقاً له، ويوجد به حمامات قديمة يعود تاريخها للعصر المملوكيّ.

 

وتمتاز محالّه ببيع الهدايا والروائح لزوار المسجد الأقصى المُبارك، حيثُ تنبعث منه الروائح العطريَّة.

 

فكما هُو حال المدينة المقدسة مهدد بالتهويد والخطر، كذلك هي أسواق البلدة القديمة بالقُدس مهددة بالخطر والهدم مِن قبل الاحتلال، فيعاني اليوم أصحاب المحال التجاريَّة بالقُدس، التهديد اليوميّ مِن قبل سلطات الاحتلال الإسرائيليّ، وذلك برفع أسعار ضريبة الأرنونا، ومنعهم مِن إدخال البضائع والتضييق عليهم بتسكير وإغلاق محالهم التجاريَّة.[7]

 

المحور الثَّانيّ: اقتصاد القُدس خلال الحُقبة التَّاريخيَّة العثمانيَّة(1516-1917):

 

تعد الصناعة على قدر عالٍ مِن الأهميَّة، كونها تلبي احتياجات أساسيَّة للسكان، فكانت الصناعات الغذائيَّة والنسيجيَّة والمعدنيَّة والجلديَّة…إلخ، وقد تمّ بناء جهاز إداريّ للنظام الاقتصاديّ في القُدس عُرف بالطوائفِ الحرفيَّة، وهي أن يتمَّ تنصيب شيخ لِكُلِّ طائفة يعمل على تصريف أمورها وينظم علاقاتها، ومِن المهن الَّتي درجت في هذه الطوائف الحلوانيَّة والدباغة والنساجون، والصاغة.

 

ومِن أبرز الصناعات الَّتي كانت مُنتشرة في القُدس صناعة الصابون، وصناعة المنسوجات، حيثُ كان لها رواجاً كبيراً حتَّى أنها كانت تُصدر إلى البلادِ المجاورة لا سيما مِصر وقُبرص.

 

الأسواق والخانات:

 

السُوق: عبارة عن مجموعة مِن الدكاكين تصطف على جانبي بعض الشوارع داخل المدينة معقودة سقوفها ويتخللها فتحات لِدخول الضوء، لِلرفق بِالمتجولين فيها صيفاً وشتاءً، وكان لِكُلِّ سوق مدخلان يُغلقان ليلاً، أما أسواق القُدس في هذا العصر فَهي:

سُوق التُجار، سُوق الجوخ، سُوق الخضر، سُوق الصرف، سُوق. الطباخين، سُوق العطارين، سُوق الفخر، السُوق الكبير.

 

الخان: عبارة عن مبنىٍ كبير يتكون مِن عدد مِن العناصر المعماريَّة كُلّ واحد مِنها له وظيفة معماريَّة وإنشائيَّة، ومِنها: خان الزيت، خان الغادريَّة، خان العمارة العامرة، خان الفحم، خان الوكالة.[8]

 

ظل اقتصاد فلسطين زراعيَّاً، في الأساسِ حتَّى أواخر العهد العثمانيَّ؛ إذ بقيت الزراعة هي النَّشاط الاقتصاديَّ الرئيسيَّ لِلسكان، وكانت تعتمد على مياه الأمطار إلى حدٍّ كبير؛ وتتأثر بالتالي بغزارة أو بِقلة الأمطار. وظلت الزراعات المُنتشرة في فلسطين هي نفسها تقريباً بِاستثناء التطوّر الكبير الَّذي طرأ على زراعة الحمضيّات، والَّتي صارت تحتل المكانة الثَّانيَّة، مِن حيثُ الأهميَّة، بعد القمح في قائمة المواد المصدّرة مِن فلسطين في ثمانينيات القرن التَّاسع عشر، ثُمَّ قفزت إلى المكانةِ الأوَّلى سنة 1904م.

 

بقيت الصناعة في فلسطين ذات طابع حرفيَّ وتقليديَّ عموماً، ومن أبرز الصناعات الَّتي عرفتها فلسطين صناعة الصابون، الَّتي كان مركزها الرئيسيَّ مدينة نابلس؛ كما ازدهرت صناعة الأدوات التذكاريَّة مِن خشب الزيتون، وصناعة الصدف، ومعاصر الزيتون ومطاحن الحبوب.، واشتهرت مدينة القُدس بصناعة الأحذيَّة؛ بينما اشتهرت مدينة الخليل بصنع الأساور مِن الزجاج، ودبغ الجلود وصنع الخزف ، ووجد في بلدة المجدل ما يزيد عن مائة نول لحياكة الكتان، وانتشرت في غزَّة صناعة العباءات، ومارس المسيحيون فيها صناعة البناء، الَّتي انتشرت كذلك في القُدس وبيت لحم وبيت جالا ، وفي أبو ديس شرق القُدس، وبيت دجن، انتشرت صناعة الحصر والقفف والأطباق.

 

بيد أن الظاهرة الَّتي تعمقت في تلك الفترة هي زيادة تدفق المنتوجات الأجنبيَّة إلى الأسواق الفلسطينيَّة؛ فقد أدّى تعمق ارتباط الاقتصاد الفلسطينيَّ بالاقتصاد العالميَّ، والتغيّر الَّذي طرأ على أوضاع المجتمع، وارتفاع مستوى معيشة السُكان، إلى إقبال السُكان على المنتوجات الأجنبيَّة الَّتي غمرت الأسواق، ونافست الصناعات التقليديَّة المحليَّة، نتيجة ضعف الحمايَّة الجُمركيَّة لها، ذلك أن الرسوم الجُمركيَّة كانت ضئيلة جداً، بدأت بـ 3 في المئةِ، وانتهت بـ 11 في المئةِ مِن قيمة البضائع المُستوردة.

 

وبقيت المحاصيل الزراعيَّة تُشكّل أهم صادرات فلسطين، وكان حجمها مرتبطاً بطبيعة المواسم الزراعيَّة، فمثلاً: ساءت الأحوال الاقتصاديَّة في عام 1879؛ نتيجة قلة الأمطار، وضعف المحصول الزراعيَّ وارتفاع الأسعار؛ الأمر الَّذي أدّى إلى شلل في الحركةِ التجاريَّة.

 

وظلت فلسطين تُصدّر القمح إلى أوروبا، حيثُ كان ثلثا القمح المصدّر مِن عكا يأتي مِن سهل حوران؛ والثلث الآخر مِن شمالي فلسطين (مِن مناطق عكا والناصرة وطبريَّة)؛ كما ظلت موانئ فلسطين (يافا، وحيفا، وعكا) تصدّر الشعير والذرة والسمسم وزيت الزيتون والصابون وصوف الغنم، وتوسعت فلسطين، في تلك الفترة في تصدير البرتقال، وبِخاصَّة مِن ميناء يافا.

 

وكان التَّصدير المُنتظم لِلبرتقال قد بدأ بعد حرب القرم (1856)؛ ثُمَّ شهد تطوّراً ملحوظاً في السنوات اللاحقة؛ حيثُ كانت قد أُنشئت، في سنة 1873، في الضواحي المحيطة بِيافا 420 بيارة برتقال بلغ محصولها السنوي 3، 33 مليون حبّة؛ وكان سُدس هذا المحصول يغطي حاجة السُوق الداخليَّة؛ بينما كان الباقيَّ يشحن بحراً على “ناقلات الفواكه” اليونانيَّة إلى مِصرٍ وآسيا الصُغرى؛ وصار مُنذ سنة 1875، يُصدّر إلى أوروبا أيضاً ،وفي سنة 1880، بلغت غلة محصول البرتقال 36 مليون حبّة ، وقدّرت القُنصليَّة الأمريكيَّة البرتقال الموجود حول يافا، في تلك الفترة بحوالي 500 بستان، كُلّ بستان كانت تتراوح مساحته بين فدانين وستة فدادين؛ وفيها حوالي 800000 شجرة.[9]

 

النقود والمسكوكات في العهدِ العثماني:

 

يظهر أن النقود الَّتي كانت، في بدايَّة الحُكم العثمانيّ، رائجة بين سُكان بيت المقدس هي الَّتي سكت على عهد المماليك، وأن قيمة هذه المسكوكات قد هبط إلى الحضيض مع زوال حكم المماليك. الأمر الَّذي حدا بالسُلطان القانونيَّ إلى سك فلوس جديدة سميت باسمه.

 

ويظهر أيضاً أن النَّاس في بادئ الأمر أقبلوا على التعامل بالفلوس الجديدة وأهملوا القديمة لهبوط قيمتها الأمر الَّذي أحدث ارتباكاً في الأسواق فراحت جماعة مِن المُسلمين إلى نائب القُدس تشكوا أمرها قائلة إنَّها تضررت مِن قلة الفلوس الجديدة وتقرر أن تكون الفلوس القديمة المسكوكة كُلّ أربعة بربع، وذلك برضا جماعة السوقة وأحمد بن أبي بكر محتسب القُدس الشريف.

 

وبيان بعض النقود المسكوكات الَّتي سمعنا بها في ذلك العهد: ” أن أوَّل عُملة ضربت في العهد العثمانيَّ كانت تسمى: أقجة وهي كلمة مغوليَّة الأصل ومعناها: القطعة البيضاء ضربها علاء الدِّين باشا أخو السلطان أورخان، وقد اتخذت يومئذ راتباً يوماً للواحد مِن الجنود كانت في البدء تساوي ثلث درهم مِن الفضة، وفي القول إنها عبارة عن أربعين بارة”.

 

الدَّرهم: كانت المعاملة في أوائل العهد العثمانيَّ بالدَّرهم وهُو مِن الفضة وكانوا يسمونه 954 هـ – 1547 م، الدَّرهم العثمانيَّ وجمعه دراهم وكثيراً ما وردت هذه في الصكوك باسم (الدَّراهم الفضيَّة العثمانيَّة) وهي مِن القطع السليمانيَّة، وأن كُلّ أربعة دراهم مِن الفضة كانت تساوي قرشاً واحداً.

 

الدينار: هُو نوع من النقد يعادل السكة السلطانيَّة مصنوعة مِن الذَّهب والدينار عبارة عن أربعين قطعة مِن الفضة السليمانيَّة. والدينار الذَّهب كانوا يسمونه البندقيَّ، وقيمته 48 قطعة مصريَّة، والقرش الصَّحيح كان في الأصلِ عبارة عن 32 قطعة مصريَّة.

 

ولقد ذكرت (الدنانير الناصريَّة)، ويظهر أنها سكت قبل عهد الأتراك بارة قطعة مِن النقد العثمانيَّ صغيرة القيمة لا بل أنها أصغر مِن نقد آخر أصل الكلمة بارة، وهي فراسيَّة ومعناها شقفة أو قطعة أو جزء، وجمعها: بارات والبارة: عبارة عن واحد مِن أربعين مِن القرش أو أن القرش عبارة عن أربعين بارة. والبارة كانت متداولة في البلاد العثمانيَّة ولا سيما مِصر، ولذلك يقال لها أيضاً مصريَّة ومِن هُنا جاء قولهم (معك مصاري) أيّ دراهم للإنفاق.

 

(القطعة المصريَّة تعد قطعتين شاميتين أو قطعتين عثمانيتين أيضاً، والقرش الأسديّ: عبارة عن ثلاثين قطعة مصريَّة ويظهر أنه كان هُناك قرش غير القرش الأسدي. وهذا القرش كانوا يسمونه بالقرش الصَّحيح وقيمته 32 قطعة مصريَّة).

 

لقد جاء في البستان أنه لمّا كانت البارة عُملة في البلاد العثمانيَّة ولا سيما في مصر. فقد سُميت أيضاً مصرية، إذاً يجوز القول أنّ المقصود مِن القطعة المصريَّة هو البارة.

 

القطعة الشاميَّة: نصف القطعة المصريَّة أيّ أن كُلّ قطعة مصريَّة تعادل قطعتين شاميتين ، ولمّا كان القرش الأسديّ يُعادل ثلاثين قطعة مصريَّة وبالتالي ستين قطعة شاميَّة، وتكون القطعة الشاميَّة عبارة عن جزء مِن ستين مِن القرش الأسديّ.ويظهر أن القطعة الشاميَّة والعثمانيَّة واحدة ، أيّ أن كُلّ قطعتين عثمانيتين تعادلان قطعة مصريَّة.

 

السُلطانيَّ؛ مِن النقود السليمانيَّة الواحد مِنه يُعادل 40 قطعة مصريَّة ولقد قدر القاضيَّ قيمة شيء مِن الأشياء بثلاثين سلطانيّاً قال عنها في قراره أنها تُعادل 1200 قطعة مصريَّة ، ولمّا كان القرش الأسديّ يُعادل ثلاثين قطعة مصريَّة فَيكون السُلطاني مُعادلاً لقرش وثلث القرش مِن القروش الأسديّة.

 

السكة أو السكة السلطانيَّة نوع مِن العُملة ورد ذكرها في المعاملات المدونة في سجلات المحكمة الشرعيَّة خلال القرن العاشر للهجرة (973 هـ – 1565م) ، ويعتقد أنها مِن النقود الَّتي سكت في زمن السُلطان سُليمان القانونيَّ. مِنها ما سك مِن الذَّهب ويسمونه الذَّهب السُلطانيَّ أو الدينار ومِنها ما سك مِن الفضةِ ويسمونها الفضة السُليمانيَّة أو القطع السُليمانيَّة.

 

ويظهر أن الدينار أو السكة السُلطانيَّة المصنوعة مِن الذَّهب كانت تُعادل أربعين قطعة مِن الفضة السُليمانيَّة أو مائة بارة. وأن السكة كانت عبارة عن خمس بارات ، وقد تكون هذه هي المصنوعة مِن معادن أُخرى.

 

القرش الأسديّ؛مِن النقود الَّتي سكها السلاجقة في برِّ الأناضول، وانتقلت معهم إلى هذه البلاد عندما اكتسحوها قيمة أربعون بارة ،وقد سُمي كذلك لأن صُورة الأسد كانت في البدء مطبوعة عليه.

 

وعلى قول أنه كانت عليه صُورة الأسد والشمس معاً ، واستعمله الفرس على هذا الشكل كشعار خاصَّ لمملكتهم وظل يسمى القرش الأسديّ رغم أن صُورة الأسد رفعت عنه مع الزمن.

 

استعمل فيما مضى أساساً للمعاملات التجاريَّة ولصرف النقود، ثُمّ انحصر استعماله في بيع الأشياء بالمزاد العلنيّ فقط ، وظل رائجاً في هذه البلاد حتَّى أواخر القرن التاسع عشر ،وهُناك مِن يقول أن أوَّل مِن استعمله هُم الأتراك العثمانيون، وأن هؤلاء أخذوه عن العُملة الأسديَّة الهولانديَّة الَّتي كانت آنئذ رائجة لديهم في الممالك العثمانيَّة. وكانت تضرب بقيمة ثمانيَّة دراهم ونصف وبعد أن استعمله الأتراك العثمانيون صار يسمى القرش التركيَّ ويقال له أيضاً القرش العثمانيَّ والقرش السُلطانيَّ.

 

والقرش الأسديَّ: كان خلال القرن السابع عشر الميلاديّ يعدل ثلاثين قطعة مصريَّة وقد يساوي ثلاثة فرنكات وفي قول أن القرش السُلطانيَّ يساوي 40 قطعة فضيَّة والقرش الأسديَّ وهُو نصفه يساوي 20 قطعة فضيَّة.

 

ومِن هذا يفهم أن كلمة القرش سواء كانت مِن اختراع الأتراك السلوجوقيين أو الأتراك العثمانيين فإنَّها كلمة تركيَّة أصلها غرش ومِن أسمائها باللُّغة التركيَّة أيضاً: آفجة.

 

وعلى قول أنها لاتينية الأصل أو ألمانيَّة جروش ومهما كان أصلها فإنَّ العرب أخذوها عن الأتراك فعربوها وقالوا قرشاً والأتراك ضربوا هذا النوع مِن النقد في بلادِهم لِأوَّل مرَّة على عهد السُلطان سليمان الثَّانيّ 1099 – 1102 هـ ( 1687 – 1691 م) ، وهُو جزء مِن المائة مِن الليرة التركيَّة.

 

كانت زنة القطعة الواحدة ستة دراهم فضيَّة وقد استعمل القرش مُنذ قرن ونصف تقريباً كوحدة للمعاملات الماليَّة والنقديَّة بقيمة أربعين بارة.

ظلت النقود السليمانيَّة المتقدم ذكرها رائجة في أسواق بيت المقدس حتَّى زمن السُلطان سليم الثالث بن مصطفى الثَّالث الَّذي تولى العرش سنة 1203 هـ- 1788 م ، فقد صدرت الإرادة السنيَّة على عهده بطلب الأوانيَّ وجمعها ممن عندهم وإرسالها إلى الضربخانة على أن يعوض صاحبها عن كُلِّ مثقال مِن الذَّهب بستة قروش ونصف وعن كُلِّ أربعة مِن الفضة بِقرشٍ واحد.

 

ومِن النقود الَّتي اشتهرت في ذلك العهد، ولا سيما خلال القرن الثَّامن عشر للميلاد الزلطة وهي بولونيَّة الأصل فالصداق كان 500 زلطة والدار الكائنة باب حطة بيعت بِسبعِ عشرة زلطة والزلطة عبارة عن ثلاثين بارة فضيَّة أيَّ أنها ثلاثة أرباع القرش الأسديَّ أو خمس ذهبة فندقيَّة.

 

الناحيَّة الاقتصاديَّة في العهد العثمانيّ:

 

الناحيَّة الاقتصاديَّة في العهد العثمانيّ 1517 – 1917م ، فإنَّ علينا أن نرجع إلى السجلات القديمة المحفوظة في المحكمة الشرعيَّة والَّتي تحدثنا بما فيه مِن قضايا وعقود وأوامر عن أخبار ذلك العهد أصدق الحديث ومتى رجعنا إلى تلك السجلات وجدنا أن نفقات المعيشة كانت رخيصة في ذلك العهد ،ويتبين مبلغ رخصها إذا ما قيست بنفقات العيش في الأعوام الَّتي تلتها.

 

كان قاضيّ المسلمين بالقُدس هُو الَّذي يعين أسعار الحاجبات ونقرأ في أحد السجلات أن القاضيَّ حسام الدِّين بحضور المحتسبين مُحمَّد بن داود وعلي بن مُحمَّد بن أبي جاموس قرر أن تكُن أسعار

الحاجيات التالية كما يلي:

الزيت الطيب 48 بارة، السمن العنانيّ 65، الدبس البلدي 15 الجبن 24 ، اللبن 3 ، الصابون العاديّ 40 ، الصابون المشمع 30 ،الصابون الأصفر 24 ، اللحم الضانيّ 15، لحم الماعز 13 ، اللحم البقريّ 8 ، وفي نفس الأمر حديث عن أسعار الزيت، والسكر النبات، والسكر الحمويّ ، والعرق سوس، والفولاذ والحديد والشمع، والسيرج والطحين والخل والمشمش والنشا واللوز والقطين والبرقوق والفقوس والخيار والباذنجان والليمون والخبز والكماج حتَّى وملح الطعام.

 

وأيضاً في السجل نفسه وفي السنة الَّتي تلتها أن مولانا الأفندي نور الله، بعد استشارة المُحتسب موسى بن داود قرر أن يكون سعر الكنافة المخروطة 4 بارات ، والقطايف 4 ،والكنافة الصينيَّة 5 ،والسميد 6 ، والدقاق 6 ، والطحين ،5 وجرة الطحينيَّة مِن المعصرة 34 بارة، ومِن السوق 39 ، وقنطار العنب بوزن القُدس الشريف ماية قطعة فضة سُليمانيَّة.

 

وعندما توفى المدعو جريس بن موسى الراهب الشاميَّ البيطار مِن سُكان القُدس في 16 صفر سنة 971هـ – 1563م ، حصرت تركته بمعرفة القاضيَّ.

 

وقد قدرت دار الميت الكائنة في حارة النَّصارى ب 20 سكة. ويظهر أن السكة كانت عبارة عن 100 بارة ،وفي 6 شوال 973 هـ 1565م، عين ثمن المد مِن الشعير ب6 بارات.

 

وإنا إذا ما انتقلنا إلى الجيل الَّذي تلا ذلك الجيل وجدنا أن قنطار العنب الجندلي حددت قيمته بثلاثة غروش 15 رجب 1020هـ –1211م ، ومد الذُّرة بِغرشٍ واحد 12 شعبان 1042 هـ – 1632 م ،ومد الحنطة بست قطع مصريَّة شوال 1066 هـ – 1655م ،وقنطار الزيت بأربعين غرشاً ذي الحجة 1066 هـ – 1655م.

 

وأمَّا أثمان الغنم فقد كانت كما يأتي:

 

ثمن الرأس الواحد مِن الماعز أو الضأن كان قرشاً أسديَّاً ونصف القرش فقد ابتاع رجل مِن رجل آخر 190 رأساً مِن الماعز والضأن ب125 قرشاً أسديَّاً ،وابتاع آخر 1330 رأساً منها بألفي قرش أسديَّ.

 

وبيعت فرس حمراء عاليَّة كبيشة بثمن جملته مِن الذَّهب السُلطانيَّ ثمانون سلطانيّاً ذهباً، وقطعتان مِن الفضة السُليمانيَّة.

 

وأمَّا أثمان الأراضيّ والعقارات في ذلك العهد فقد حدثتنا عنها سجلات المتقدم ذكرها فقالت: ” إنَّ الخواجا شرف الدِّين بن المرحوم الخواجا مُحمَّد شرف الدَّين قد اشترى مِن فخر المحصنات صفيَّة خاتون حصتها وهي السُدس أيَّ ستة قراريط مِن أربعة وعشرين قيراطاً في جميع غراس الزيتون والتين والسفر جل الإسلاميَّ، وعدة أصوله تسعة عشر أصلاً الكائن في أرض السمار بظاهر القُدس بثمن قدره خمسون غرشاً مِن الغروش الفضيَّة الرائجة في يومنا هذا”.

 

ولقد بيعت نصف الدار الكائنة بالنبي داود والمؤلفة مِن طبقتين مع منافعها بثمن جملته تسع وعشرون سلطانيَّاً ، وبيعت دار كائنة بِحارة بني زيد بالقُربِ مِن رأس القصيلة وهي مشتملة على بيتين سفليين وإيوان ومطبخ ومرتفق وساحة سماويَّة بِثمن جملته خمسة عشر سلطانيَّاً ذهباً قبض البائع منها خمسة سلطانيَّة والباقيَّ مؤجلة إلى سلخ سنة مِن تاريخِهِ.

 

وبيع نصف الدار الكائنة في حارة الواد المشتملة على بيتين سفليين وإيوان ودهليز وصهريج ، وبيت منهدم وشجرتي رمان ولوز بِجميعِ حقوق ذلك وطرقه وجدره ومرافقه ومنافعه بثمن قدره عشرون غرشاً مقبوضة بِيد البائع وحكم القاضيَّ بصحة البيع.

 

وبيع ربع الدار الكائنة بِمحلِه النَّصارى المشتملة على أربعة بيوت سفليَّة وسلحة سمايوة وصهريج بِثمن قدره عشرون غرشاً أسديَّاً. وبيعت في نفس التَّاريخ دار بِباب العمود مؤلفة مِن طبقتين بثمن قدره ثلاثون غرشاً فضيَّاً أسديَّاً.

 

وبيعت دار بباب حِطة وهي تشتمل على غرفتين وإيوان وصهريج ونافع مختلفة بخمسةِ وسبعين غرشاً ،وكان ذلك جمادى الأوَّلى سنة 1140 هـ 1727م.

 

واشترى غطاس وحنا ولدا بشارة بن عظيم الرأيّ الرّومي الحاضر معهما بالمجلس الشرعيَّ جميع الحصة الشائعة وقدرها نصف قيراط مِن أصلِ كامل في جميع الدار القائمة البناء بالقُدس الشريف بِمحلِهِ النَّصارى المشتملة على علو.

 

الأوضاع الاقتصاديَّة خلال القرن الثَّامن عشر:

 

كان سُكان مدينة القُدس خلال القرن الثَّامن عشر يعتمدون على موارد خاصَّة ومميزة بمدينتهم لوضعها القدسيَّ المميز، ومِن أهم هذه الموارد:

 

أ – إيرادات الأوقاف:

 

على الرغم مِن أن إيرادات الأوقاف كانت تُعتبر أهم مورد اقتصاديَّ لِلمدينةِ وأهلها، إلَّا أن أهم ما تُميَّز به القرن الثَّامن عشر هُو تسارع عمليَّة انقراض الأوقاف في المدينةِ على الرغم مِن فرضيَّة دوام الأوقاف أبد الدَّهر.

 

أمَّا سب انقراضها فَهُو يرجع إمَّا لاِنعدام الصيانة لمباني الأوقاف، أو بِفعلِ عوامل الفساد واللجوء إلى أساليب قانونيَّة مُختلفة أدت إلى تجزئة الأوقاف أو انتقال ملكيتها إلى الآخرين وذلك إمَّا عن طريق الإجارة الطويلة لِعقارات أو استبدال هذه العقارات بِالمالِ النقديّ أو بيعها.

 

وكانت أكثر التدابير شيوعاً لإنشاء حقوق خاصَّة في أموالِ الوقف هُو الإجراء المعروف بالخلوِ الَّذي يسمح بموجبه للمستأجر أن يعمر الوقف ليصبح ما أنفقه عليه حقاً مكتسباً له تجاه هذا الوقف. كما كانت عمليَّة الإجارة الطويلة للأوقاف تؤدي في الواقعِ إلى اغتصابها أو انتقالها إلى غير المُسلمين.

 

وقد أعرب الشيخ مُحمَّد الخليليّ في وقفيته المؤرخة سنة 1726 عن صدمته وألمه لِانتقال أموال الأوقاف إلى الغُرباءِ، مؤكداً ما يحمله هذا الانتقال مِن علامات الخطر لمدينة القُدس.

 

ب – المنح الحكوميَّة والخاصَّة:

 

نظراً لِقداسةِ المدينة اعتمد سُكانها في معيشتهم بالإضافة إلى واردات الأوقاف على الإيرادات الَّتي تولدها الدوافع الدِّينيَّة إلى حدِّ كبير، فَقد كان أهل القُدس يتلقون منحاً ماليَّة مِن جهاتِ مختلفة.

 

فَالحكومتان العثمانيَّة والمصريَّة كانتا ترسلان منحاً سنويَّة تعرف باسم ( الصرة ) ليتمَّ توزيعها وفق قوائم خاصَّة على عدد كبير مِن الفقراءِ وغيرهم.

 

أمَّا بالنسبة للاجئين اليهود وقد ازدادت أعدادهم في القُدس خلال القرن الثَّامن عشر خاصَّة بعد وصول بضع مئات مِن اليهود الحسيديم القادمين مِن بولونيا سنة 1777م، الأمر الَّذي دفع بالجاليَّاتِ اليهوديَّة في أوروبا ومِصر وغيرهما إلى جمع وإرسال المساعدات الخيريَّة إلى القُدسِ وكذلك أرسل ملوك أوروبا وخاصَّة ملك أسبانيا مبالغ كبيرة مِن الأموالِ إلى الفرنسيسكان في القُدسِ.

 

ج – الدَّخل مِن الحُجاج :

 

وكان هذا المصدر هاماً وآخر لِدخلِ أهل المدينة، فَقد كان مِن عادةِ الحُجاج المسيحيين أن يمكثوا في مدينة القُدس خمسة أو ستة أشهر كُلَّ عامَّ، وبالتَّالي كانوا ينفقون مبالغ كبيرة في المدينةِ، ومع أن عدد الحُجاج الأوروبيين تناقص بشكلٍ كبير في القرن الثَّامن عشر ويرجع السبب في ذلك إلى ازدياد أنصار العلمانيَّة في أوروبا، إلَّا أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة للمسيحيين الشرقيين الَّذين بلغ عددهم سنة 1784 ألفي حاج.

 

د – الدخل الوارد مِن صناعةِ أدوات التعبد وتصديرها :

 

اشتهر أهل القُدس بِصناعةِ أدوات التعبد مِن المسابح والصلبان وغيرهما مِن الأدوات، فَكان لهذا المصدر مِن الدخل أهمية كبيرة للمسلمين والمسيحيين على حدِّ سواء، كما كان يصدر مِن هذه الأدوات كَالمسابحِ والصلبان وذخائر القديسيين 300 صندوق سنويَّاً إلى تركيا وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا بشكلٍ خاصّ.

 

القُدس في عهد السُلطان عبد العزيز:

 

بعد وفاة السُلطان عبد المجيد عامّ 1861 ، تولى حُكم السلطنة العثمانيَّة مِن بعدهِ أخيه السُلطان عبد العزيز، الَّذي تابع الحركة الإصلاحيَّة في البلادِ والَّتي كانت تتحرك خلال فترة التنظيمات الثَّانيَّة على الأصعدةِ الإداريَّة والماليَّة والعسكريَّة، فانبثق عنها تحسن الأمن العامَّ في أرجاءِ الدّولة، وتوسع إمكانيات الاتصالات والازدهار الاقتصاديّ، غير أنَّه لم تكُن هُناك سياسات حقيقيَّة في الدّولةِ العثمانيَّة بشأنِ التحتيَّة أو الشؤون الاجتماعيَّة أو الاقتصاد أو التعليم.

 

التطور الاقتصاديّ:

بعد انتهاء حرب القرم سنة 1856، انهالت الأموال بِكثرةٍ ساحقة مِن أوروبا على المدينةِ المُقدسة، مما أفاد السُكان المحليين مِن تزايد الإنفاق وخاصَّة فيما يتعلق بِأعمالِ البناء والتعمير كَأثمان لِلمواد والأجور، فَكان لِلازدهار العمرانيَّ الَّذي شهدته مدينة القُدس مورد اقتصاديَّ هامَّ للمدينةِ وأهلها، كما أدى كذلك إلى انتفاع القُرى والمدن المجاورة لها.

 

فقد راجت أعمال الكلاسين (صناع الجير) ودقاقين الحجارة رواجاً شديداً، وفي كُلِّ يوم كانت تتحرك قوافل كاملة مِن الجمال المحملة بالجيرِ والأحجار والخشب إلى مدينةِ القُدس. وكان الأمر في البدايَّةِ يقضي بِجلب المعماريين ودقاقين الحجارة مِن خارج فلسطين كما حدث عند بناء كنيسة المسيح، حيثُ جلب هؤلاء مِن مالطا، لكنَّ ما أن بدأت أعمال البناء والتعمير بالرواجِ في أعوامِ الستينيات حتَّى أصبحت تتوفر هذه المهارات محليَّاً وخصوصاً مِن مدينتي بيت لحم وبيت جالا القريبتين مِن القُدسِ. فَقد نشأ فيها تخصص حرفيَّ لتلبيةِ متطلبات مهنة البناء خاصَّة وأن العاملين في تلك المهنة كانوا يتقاضون أجوراً جيدة.

 

وفيما عدا النشاط العمرانيَّ للمدينةِ وما صحبه مِن إنفاقِ، فإنَّ المدينةَ عاشت في معظمها على الموارد الدِّينيَّة سواء مِن إنفاقِ المؤسسات التبشيريَّة، أو مِن قدومِ الحُجاج وزيارتهم للمدينةِ وما صحبه مِن تأمين للخدماتِ والسلع المختلفة.

 

تطور الاتصالات:

شهدت مدينة القُدس في أعوام الستينيات مِن القرن التَّاسع عشر تقدماً وتطوراً واضحين في وسائلِ الاتصال مِن تلغراف وإنشاء وتعبيد لِطرق جديدة تصل المدينة المُقدسة بباقي المدن الفلسطينيَّة.

 

فَفي شهر آب مِن عامَّ 1864 ، وصل خط التلغراف إلى مدينةِ يافا ومنه وصل الخط إلى مدينةِ القُدس في شهر حزيران مِن عامِّ

1865م، وهكذا أصبحت مدينة القُدس مربوطة بالتلغرافِ مع كُلِّ مِن القسطنطينيَّةِ والقاهرة، ومِن خلالِهم إلى العواصمِ الأوروبيَّة المُختلفة، هذا الاتصال بالعالمِ الخارجيَّ مِن خلال التلغراف كان له أهميَّة كبرى للمدينةِ خاصَّة بعد انفصالها عن دمشق عام 1874 واتخاذها صفة الاستقلاليَّة، واتصالها مباشرة بالقسطنطينيَّة.

 

أمَّا عن إنشاء وتعبيد الطُرق الواصلة للمدينةِ، فَفي عامّ 1867 ، بدأت السُلطات العثمانيَّة بإنشاءِ وتعبيد أوَّل طريق بين يافا والقُدس عن طريقِ أعمال السخرة وتحت إشراف المهندس الإيطاليَّ بيروتي PIEROTTI ، وتمَّ فتح الطَّريق للسيرِ عليه سنة 1867م.

 

وفي عام 1870م ، تمَّ تعبيد الطَّريق الواصل بين القُدسِ ونابلس إلَّا أن تعبيد الطَّريق الواصل بين يافا والقُدس لم يكُن بالعاملِ المؤثر في ازدياد التبادل التجاريَّ مع المركز التجاريَّ لمدينةِ القُدس، وإنَّما كان عاملاً مُساعداً في تسهيل عمليات السفر والانتقال مِن وإلى المدينةِ.

 

في بادئ الأمر عمل رئيس بلديَّة القُدس آنذاك يُوسُف الخالديّ على تشغيل عربات نقل عاديَّة للخدمةِ على الشارعِ الجديد، لكنَّ في عامِّ 1875 ، تمكن فرسان المعبد مِن تأسيس أوَّل شركة نقل لتسيير رحلات يوميَّة منتظمة بين يافا والقُدس. وفي عامِّ 1879 ، تمكنوا مِن الحصولِ على امتيازٍ حكوميَّ لعملهم هذا فقدوا منافسة العرب واليهود لهم.

 

وفي العامِّ 1876م ، أطاح السُلطان مراد الخامس بن عبد المجيد بعمِه السُلطان عبد العزيز ليقوم مقامه، لكنَّه لم يلبث على عرشِ السلطنة أكثر مِن بضعةِ أيَّام لكونه مصاباً بمرضِ الصرع، وبتاريخ 31 آب 1876م ، نودي بِأخيهِ الأصغر مِنه عبد الحميد الثَّانيَّ بن عبد المجيد سُلطاناً على البلادِ.

 

عند تولي السُلطان عبد الحميد الثَّانيّ حُكم السلطنة وجد البلاد تعاني مِن ضائقة ماليَّة شديدة، والخزانة العامَّة خاويَّة أدت إلى إشهارِ إفلاسها سنة 1875م ، وانعكس ذلك على وضعِها العسكريَّ مما هدد كيانها ووجودها، في حينِ كانت روسيا تهدد بِالحربِ وأوروبا تظهر العداء والعنت الصريحين للعثمانيين.

 

كُلَّ ذلك دفع العثمانيين إلى زيادةِ الاهتمام بالولايات السوريَّة ومِن جملتها فلسطين لزيادةِ فاعليَّة وضعهم الماليَّ والعسكريَّ عن طريق فرض الضرائب العاديَّة مِنها وغير العاديَّة، وكانت عمليَّات جمع الضرائب هي المحك لِكفاءةِ وقدرة الحاكم، ولم يكُن يقبل أيَّ عذر لِأيِّ فشل أو إهمال في هذا الشأن، كما كان يترتب على سُكان السناجق تقديم كميات مِن المؤنِ (الذَّخائر) إلى الوالي وجنده، وكان عدم الامتثال لذلك يواجه بعقوبات قاسيَّة جدّاً، هذا إضافة إلى تكثيف عمليَّات التجنيد الإجباريَّ الَّتي كانت تتمَّ في المناطقِ دون هوادة، مما دفع البلاد إلى مزيدٍ مِن الفوضى والفساد وتنامي روح الثورة ضدَّ الجور والظلم.[10]

 

 

التنافس الأجنبيَّ في القُدس :

 

يظهر في أواخر العهد العثمانيَّ أن وتيرة التغلغل الأجنبيَّ بدأت مُتسارعة بِصورةٍ لافتة لِلنظر حيثُ تمثل ذلك بدايَّة فتح القُنصليَّات الأجنبيَّة في القُدس ،وكان أوَّلها القُنصليَّة البريطانيَّة 1838م، بعد أن سمح لهُم مُحمَّد علي باشا بذلك، الَّذي كان في حينِهِ مُسيطراً على بلاد الشام جميعها، ومِن ثُمَّ تقاطرت دول أُخرى على فتح قُنصليَّات لها ومِن بينها روسيا، وقد تمحورت أنشطة هذه القُنصليَّات في رعايَّة مصالح بلادها في القُدس، والحصول على المعلومات الاستخباراتيَّة عن هذه البلاد فضلاً عن مراقبة أنشطة الدّول الأُخرى.

 

موقف الدّولة العثمانيَّة مِن النشاط الأجنبيَّ في القُدس:

 

قامت الدّولة العثمانيَّة بدايَّة بمسايرة الضغوط السياسيَّة الَّتي كان يُمارسها سفراء الدّول الأجنبيَّة ومهادنة حشوداتها العسكريَّة، وفضلاً عن ذلك كانت المشاكل الاقتصاديَّة سبباً في تأخر الدّولة العثمانيَّة في إصدار موقفها مِن السياساتِ الأجنبيَّة، لكنَّها قامت في المماطلة أو حتَّى منع اصدار افتتاح قُنصليَّات والأذونات لشراء الأراضيَّ لبناء القُنصليَّات، كما ساندت السكان نشاطهم في مواجهة سياسات الدّول الأجنبيَّة.

كانت الحرب العالميَّة الأوَّلى فُرصة لِلعثمانيين في منعِ نشاط التغلغل الأجنبيَّ في القُدسِ على ضوءِ تحالفها مع ألمانيا، فَجمدت النَّشاط القُنصليَّ بِاستثناء قُنصليَّة أمريكا وألمانيَّة الحليفة لها.

 

نهايَّة الحُكم العثمانيَّ لمدينة القُدس:

 

ما أن انقضت بِضعِ سنوات على تولي السُلطان مُحمَّد رشاد الخامس حكم السلطنة العثمانيَّة في عامِّ 1909 ، حتَّى أعلنت الحرب العالميَّة الأوَّلى سنة 1914، وحارب الأتراك العثمانيون إلى جانبِ ألمانيا ضدّ الحلفاء الإنكليز والفرنسيين والروس في خمس جبهات هي القفقاس- الدردنيل – العراق –رومانيا – فلسطين، ولكنهم خسروا جميعها أمام الحلفاء مما أرغم حكومة الأستانة في نهايَّةِ الحرب على عقد معاهدة سيفر SEVRES ،  والَّتي أجبرت فيها على التنازل عن جميعِ ممتلكاتها في أفريقيا وآسيا وأوروبا ما عدا أراضيَّ الأناضول والأستانة، ووضعت الأستانة تحت الرقابة الدّوليَّة.

 

أمَّا على الجبهةِ الفلسطينيَّة وعندما خسر الأتراك مواقعهم الحصينة في جنوبها أدركوا أن القُدس لا بُدّ وأن تسقط في أيدي قوات الإنكليز، فبدءوا بالتراجعِ مِن مساءِ يوم الثَّامن مِن شهر كانون الأوَّل/ديسمبر، كما أيقن مُتصرف القُدس عزت بك أنه لا أمل يرجى مِن المقاومةِ فأرسل في تلك الليلة أيضاً يطلب مُفتي القُدس كامل الحسينيَّ ورئيس بلديتها السيد حسين سليم الحسينيَّ للاجتماعِ إليه في داره وهناك خاطبهما قائلاً:

( ها قد أحاط الجنود الإنكليز بالقُدسِ، ولا بُدّ أن تسقط عما قريب بأيديهم، ولقد اعتزمت مغادرة المدينة بعد نصف ساعة، وأود أن ألقي بين أيديكم هذا الحمل الأدبيَّ العظيم ألا وهُو تسليم المدينة). ثُمّ ناول رئيس البلدية وثيقة التسليم ليسلمها للإنكليز.

 

فيما يلي الترجمة الحرفيَّة لنصِ وثيقة التسليم كما أوردها عارف العارف في كتابِه.

( إلى القيادة الإنكليزيَّة: مُنذ يومين والقنابل تتساقط على القُدسِ المُقدسة لدى كُلّ ملة ، فالحكومة العثمانيَّة رغبة منها في المحافظةِ على الأماكنِ الدِّينيَّة مِن الخرابِ ، قد سحبت القوَّة العسكريَّة مِن المدينةِ، وأقامت موظفين للمحافظةِ على الأماكن الدِّينيَّة كالقيامةِ والمسجد الأقصى ، وعلى أمل أن تكون المُعاملة مِن قبلكم على هذا الوجه فإنَّي أبعث بهذه الورقة مع وكيل رئيس بلديَّة القُدس حسين بك الحسينيَّ).

 

8/12/1917م- 1333هـ

متصرف القُدس المستقل / عزت

 

وفي صبيحةِ يوم الأحد الموافق 9/12/1917، وفي نحوِ السَّاعة التَّاسعة صباحاً كانت القوات التركيَّة قد أنهت انسحابها الكامل مِن المدينةِ، وتمَّ تسليم وثيقة التسليم مِن قبلِ رئيس البلديَّة ومجموعة مِن الشُبان المقدسيين إلى قائدِ الفرقة الستين للجيشِ الإنكليزيَّ الجنرال شي GENERAL SHEA ، وكان دخول الجيش الإنكليزيَّ إلى المدينةِ المُقدسة في تمامِ السَّاعة العاشرة والنصف مِن ذاتِ اليوم.

 

وبدخول الإنكليز إلى المدينةِ المُقدسة بدأ عهد التحول الجذريَّ في مصير المدينة المُقدسة حيثُ انتهى الحُكم العثمانيَّ الإسلاميَّ لها بعد أن دام ما يقارب الأربعمائة عامَّ امتدت منذ عامّ( 1517 حتَّى 1917 ) ، وبدأ عهد جديد مِن المستعمرين الجدد.[11]

 

وفي غضون ذلك، بات الاقتصاد المقدسيّ يُعاني من سياسات التَّدخل على مر الزَّمان مِن الحُكم العثمانيّ إلى يومنا هذا، موضحةً لها في الأجزاء القادمة عن اقتصاد المدينة مُتناولة الحُقبات التَّاريخيَّة تاركة المجال لِلتوضيح لِمعرفة بدايات الضعف الاقتصاديّ في المدينة الَّذي أصبح ينفصل عن بقيَّة الاقتصاد الفلسطينيَّ رغم الموقع التَّاريخيَّ لهذه المدينة باعتبارها مركز التجارة والنقل والسياحة، فضلاً عن كوﻧﻬا المركز الثقافيّ والرُّوحيَّ للفلسطينيين في شتى أنحاء الأرض الفلسطينيَّة المحتلة.

 

 

[1]فقراء القدس.. تخلى عنهم العرب واحتضنهم فلسطينو 48 ، 2019، الجزيرة.

[2] المرجع السابق .

[3] أسواق القدس القديمة: معالم بارزة تروي تاريخ المدينة ، جريدة القُدس ، 2016.

[4] جامعة القدس المفتوحة ، تاريخ القدس، فلسطين، 2016م.

[5] الركود الاقتصادي في القدس،الجزيرة،2018.

[6] المرجع السابق

[7] أسواق القدس في البلدة القديمة … تاريخ وحضارة ، منال الجعبة، 2012 .

[8] جامعة القدس المفتوحة ، تاريخ القدس، فلسطين، 2016م.

[9] شولش، تحولات جذرية في فلسطين، ص 102 وص 212.

[10] القدس في عهد الخلافة العثمانية ، نعمة القصاص،2016.

[11] لقدس في عهد الخلافة العثمانية ، نعمة القصاص،2016.

أكمل القراءة

دراسات

الساديون الراقصون على أنغام التملود.. التحريض في المورث الديني اليهودي ضد الجويم “الاغيار”

نشر

في

بواسطة

إبراهيم الشيخ

لا يخفى على المتابعين والناظرين لما يشن من حروب مدمرة على الشعب الفلسطيني بشكل عام، وعلى وجه التحديد الحروب الأخيرة على قطاع غزة، وانتهاكات وممارسات الاحتلال وآلته العسكرية في كل بقعة من فلسطين المحتلة، وما زالت وصيحات الجنود ترنوا في الأذان التي علت بعبارات تحريضية بأن: المؤمن لا يخاف- أو ما نصه بالعبرية:” “מי שמאמין” المؤمن لا يخاف من كلمات وتأليف: الكاتب الصهيوني الشهير “يوسي جيسفن”، وغناء المغني الصهيوني إيل جولان، حيث كان الجنود عندما يقصفون بنار المدفعية أطفال ونساء وشيوخ غزة العزل، يغنون هذه الأغنية المأخوذة من التراث التلمودي التوارتي، وهذا بعضاً من كلماتها:
בכל מקום, כל הזמן* יש לכולנו מגדול ועד קטן
في كل مكان وفي كل وقت* لدينا جميعًا من كبير إلى صغير
ימים יפים, וגם פחות** ובניהם תשובה לכל השאלות
أيام جميلة ، وأقل من ذلك* وأبناؤهم يجيبون على جميع الأسئلة
יש אלוהים אחד גדול* הוא בעולם הזה נותן לנו הכל
يوجد إله واحد عظيم* هو في هذا العالم يعطينا كل شيء
בין אפלה לקרן אור* את הנתיב אנחנו רק צריכים לבחור
بين العتمة وشعاع النور* الطريق علينا فقط أن نختار
וזה ידוע החיים הם מתנה* הכל צפוי והרשות נתונה
ومعلوم أن الحياة عطية* كل شيء ممكن والإذن ممنوح
מי שמאמין לא מפחד* את האמונה לאבד
من يؤمن لا يخاف* والإيمان لا يضيع.
ולנו יש את מלך העולם* והוא שומר אותנו מכולם
ولدينا ملك العالم* وهو يحفظنا من الجميع.
העם הזה הוא משפחה* אחד ועוד אחד זה סוד ההצלחה
هذا الشعب هو عائلة* واحد وآخر هو سر النجاح.
עם ישראל לא יוותר .

شعب اسرائيل لن يتنازل
قال الدكتور أوسكار ليفي .. وهو أحد حكماء صهيون:
نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه. ومحركي الفتن فيه وجلاديه…؟
من الجدير بالذكر بأن كتب الدين اليهودي تنقسم إلى قسمين: الشريعة المكتوبة وتتمثل في العهد القديم، والشريعة الشفهية وتتمثل في التلمود، وتدعى المراجع اليهودية أن كليهما ينسب للنبي موسى عليه السلام ويؤمن بما ورد في العهد القديم حوالى 70% من تعداد سكان الدولة العبرية الذى يبلغ حوالي8 ملايين نسمة منهم 2 مليون من عرب 48، ويؤمن بما ورد في التلمود حوالى 30% من يهود إسرائيل، حيث يعتبرون التلمود هو المرجعية الربانية الأولى لديهم ويأت في المرتبة الأولى حتى قبل العهد القديم نفسه، وهم اليهود ( الحريديم ) أو ( الأرثوذوكس) أو المتشددون.
ويضم العهد القديم ثلاثة أقسام هم ( التوراة والأنبياء والمكتوبات ) وهو الذى يطلق عليه بالعبرية ( تناخ ) أو المقرا، وأثبتت الدراسات الحديثة أنه كتاب غير منزل ولا ينتسب لموسى بأية حال من الأحوال، حيث تضمنت التوراة نفسها خبر وفاة موسى، وأن الذى قام بتجميعه هو أحد أنبياء اليهود والذى لقب بـ عزرا الكاتب لأن الفضل يرجع له في تجميع مادة العهد القديم من مصادر أربعة، كما بينت الدراسات وهي ( المصدر اليهوى، والإلوهيمى، والكهنوتى، والتثنوى ) وذلك في أعقاب العودة من السبي البابلي فى القرن الرابع قبل الميلاد.

ومنذ احتلال الدولة العبرية لفلسطين وتغير المعالم الدينية والتاريخية لها، والاعتداء على البشر، و الحجر والشجر، وآلة القتل باسم الله والرب وأرض الميعاد، والجيوم-أي الاغيار- وأن لا أرض لنا غيرها، فهي الأرض التي أعطها الله لبني إسرائيل-حسب الزعم اليهودي-، فهم يقتلون باسم الرب وكل من خالف تعاليم، تلك المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني وحتى الحروب التي خاضها اليهود مع العرب والمسلمين كانت لها شعارات ذات صبغة دينية تلموديه.
وعلى صعيد متصل: فقد جاء في التلمود: كل الشعوب ما عدا اليهود وثنيون”، وقد كفروا اليهود أنفسهم أنهم هم المؤمنون فقط وغيرهم وثنيون لا يعرفون الله، وهم ما يسمونهم الأمميون، فقد حتى المسيح –عليه السلام- فجاء في التلمود: “المسيح كان ساحراً ووثنياً والمسيحيون مثله” وجاء أيضاً: النعيم مأوى اليهود وأرواحهم وغيرهم لا نصيب لهم سوى البكاء والظلمة والعفن”، واستباحة قتل غير اليهودي وجاء في التلمود أيضاً: “حتى أفضل القوم يجب قتلهم” وجاء أيضاً ” كل من يسفك دم شخص غير تقي (أي يهودي) فعمله مقبول عند الله”.
ويقول الحاخام الياهو: “الرحمة على القاتل تدعو الموت التالي ليأتي على يد القاتل ومن قبل أناس أشرار آخرين سيتبنون طريقه”.
ومما جاء في التلمود من المخازي “تكفير واستباحة أعراض وأموال الغير”:
يلاحظ الموقف اليهودي: حيث يعتبر اليهود أنفسهم أنهم هم المؤمنون فقط وغيرهم وثنيون لا يعرفون الله وهم ما يسمونهم الأمميون، فقد جاء في التلمود: كل الشعوب ما عدا اليهود وثنيون”، وقد كفروا حتى المسيج فجاء في التلمود: “المسيح كان ساحراً ووثنياً والمسيحيون مثله” وجاء أيضاً: : النعيم مأوى اليهود وأرواحهم وغيرهم لا نصيب لهم سوى البكاء والظلمة والعفن”، واستباحة قتل غير اليهودي جاء في التلمود: “حتى أفضل القوم يجب قتلهم” ص67، وجاء أيضاً ” كل من يسفك دم شخص غير تقي (أي يهودي) فعمله مقبول عند الله”.

ويتضح من الموقف اليهودي تجاه الماشيح المنتظر للقضاء على الاغيار:
الذي يسميه اليهود الماشيح، وهي كلمة عبرية تعني المسيح المخلص، وهي كلمة تشير إلى شخص مُرسَل من الإله يتمتع بقداسة خاصة، إنسان سماوي وكائن معجز خلقه الإله قبل الدهور، يبقى في السماء حتى تحين ساعة إرساله، ويُسمَّى هذا المنتظر عند اليهود (ابن الإنسان)، لأنه سيظهر في صورة الإنسان وإن كانت طبيعته تجمع بين الإله والإنسان، فهو تَجسُّد الإله في التاريخ، وهو نقطة الحلول الإلهي المكثف الكامل في إنسان فرد، وهو ملك من نسل داود كما يقولون، سيأتي بعد ظهور النبي إلياهو ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص، ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون، ويحطم أعداء جماعة يسرائيل، ويتخذ أورشليم (القدس) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية، ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام.

هذا القتل وسفك الدماء والذبح” هذه الكلمات ما هي إلا أوامر من التلمود كتاب الشرائع اليهودية الذى كتبوه بأيديهم وزعموا أنه من عند الله، ولا عجب بعد ذلك أن يصدر حاخامات إسرائيل فتاوى يأمرون من خلالها قتل العرب والفلسطينيين، حيث أصدر الحاخام صموئيل الياهو فتوى بقتل الفلسطينيين دون تقديمهم إلى المحاكم، قائلا: إن من يترك فلسطينيا على قيد الحياة فقد أثم”.
ومن إنه بقراءة كتب الدين اليهودي وفهمها يمكن أن نجد تفسيراً واضحاً لما يجرى من أحداث قمعية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، بل وما يحدث في العالم كله من توتر وإرهاب والذى يصب في مصلحة دولة الكيان الصهيوني من الطراز الأول.

وبالمتابعة لما تقوم به دولة الاحتلال الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني تتركز على التعليمات الدينية العنصرية ضد الأغيار.. أي غير اليهود بصفة عامة حيث تمتلئ كتب الدين اليهودي على عدد لا حصر له من التشريعات التي تحمل كما من الكراهية والتحريض ضد الآخر، غير مسبوقة في أي ديانة وضعية أو سماوية.

ماذا يمثل التلمود عند اليهود
أما التلمود فقد سمى بالشريعة الشفهية لأن المراجع اليهودية تدعى أنه الشريعة غير المكتوبة التي جاء بها موسى، والتي تناقلت شفاهةً تميزا لها عن الشريعة المكتوبة ( العهد القديم )، والواقع أن التلمود بتشريعاته لا ينتسب هو الآخر لموسى بأية حال من الأحوال لسببين أولهما هو انقطاع السند، بمعنى أنه لا يوجد تواتر للسند لهذه الشريعة الشفهية.

وقد حاول اليهود كنوع من التدليس إقحام باب على التلمود أثبت العلماء أنه كتب في فترة متأخرة ولا ينسب للتلمود لا من حيث لغته ولا مضمونه، وهو باب حاول من خلاله فقهاء اليهود وضع سند لهذه التشريعات بحيث تنسب لموسى، والسبب الثاني أن التلمود وهو من وضع حاخامات اليهود ( كهنة الهيكل المزعوم ) يناقض في كثير من تشريعاته العهد القديم نفسه، وقد بدأ تدوين التلمود من القرن الثاني قبل الميلاد وامتد حتى ظهور الإسلام.

بينما تدعى المصادر اليهودية أنه انتهى من تدوينه قبل الإسلام، وينقسم التلمود إلى قسمين ( المشنا والجمارا ) أي المتن التشريعي العبري، والشروح عليه باللغة الآرامية. ويحمل كلا الكتابين كما هائلا من التشريعات العنصرية غير الأخلاقية ضد الآخر، منها. شرائع التلمود المزيفة التي تطالبهم بقتال الأغيار وسلب حقوقهم.

فالأغيار في التلمود ليس لهم أيه حقوق قانونية ونجد مردود ذلك في سياسة إسرائيل تجاه العرب من قتل وسفك للدماء، فقد جاء في التلمود في كتاب العقوبات، باب دار القضاء الأعلى سنهدرين الفصل التاسع، التشريع الثاني الذي يتحدث عن عقوبة القصاص في القتلى ويستثنى الأغيار من ذلك !! بل ولا يذكر أي عقوبة لليهودي الذى يقتل غير يهودي !! فيقول التشريع ” إذا قصد يهودي قتل أحد الأغيار فقتل يهودي آخر عن طريق الخطأ يُعفى من أي عقوبة وكأنه قتل أحد الأغيار ” !! هذا التشريع العنصري ينطوي على تحريض بين على سفك دماء غير اليهود بدم بارد ودون الاحساس بأدنى ذنب على الرغم من توافر القصد الجنائي.

وكذلك الأغيار في كتب الدين اليهودي ليس لهم أي ذمة مالية ونجد مردود ذلك في سياسة إسرائيل تجاه العرب من سلب للأراضي والمزارع وإقامة المستعمرات عليها، فقد ورد تفسير الفقرة التي وردت في سفر ( اللاويين 6 : 1 -7 ) ” وكلم الرب موسى، قائلا: إذا أخطأ أحد وخان الرب خيانة وجحد صاحبه وديعة أو أمانة أو شيئاً قد سرقه منه. فعليه أن يرد ما سرقه ويزيد عليه خمسه ويعطيه للمجنى عليه، أن المقصود من صاحبه هو اليهودي فقط هو الذى له ذمه ماليه وحق قانونى أما أن كان من الأغيار فإن اليهودي غير ملزم برد ما سرق وليس عليه عقوبة أما التلمود فقد ناقش في الفصول من السابع إلى العاشر في الباب الأول “بابا قاما” من كتاب العقوبات عقوبة السارق إذا سرق يهودي من يهودي.. وأغفل تماما أي إشارة إذا سرق يهودي من أحد الأغيار حيث اعتبر التشريع التلمودي أن غير اليهودي ليس له أي ذمة مالية ولا أي حقوق قانونية ويباح الاستيلاء على ممتلكاته.

وأباح التلمود صراحة الغش مع الأغيار في ( الباب الأوسط، الفصل الرابع، التشريع التاسع ) ! بل وحدد لليهودي المقدار المسموح به في غش الأغيار عند البيع والشراء وهو ثُلث الشيء المباع ! كما أباح في الباب نفسه التعاملات الربوية مع الأغيار وتحريمها بين اليهود وبعضهم البعض.

وورد في التلمود أيضا: تشريع خاص بعقوبة الاعتداء على سلامة البدن تتضح فيه إلى أي مدى وصلت عنصرية تشريعات التلمود ضد الآخر ( الباب الأول من كتاب العقوبات، الفصل الثامن، التشريع الخامس )، فلقد نظر التشريع نظرة عداء لغير اليهودي وأخضعوه لقواعد قانونية تختلف عن تلك التي يخضع لها اليهودي، فذكر أنه إذا حدث اعتداء بدنى على عبد غير يهودي فليس له أي حقوق ولا يلزم الجاني بتعويضه عن أي شيء أن كان هو مالكه، وأن يعوض سيده اليهودي أن كان مملوكا ليهودي، أما أن كان مملوكا لغير يهودي، فليس له حقوق هو ولا سيده !! أما إذا حدث هذا الاعتداء على عبد يهودي فعلى الجاني أن يعوضه عن الضرر الذى أصابه وعن الألم والعلاج والخزي حتى وإن كان الجاني هو سيده.
ولعل ما يفسر اقتحام اليهود يوميا لمزارع الفلسطينيين وتدميرها هو ذلك التشريع التلمودي العنصري الوارد في ( الباب الأول من كتاب العقوبات، الفصل الأول، التشريع الثاني ) والمتعلق بتشريعات الإضرار بمال الغير فينص التشريع على ما يلى ” يعفى الجاني من أي تعويض إذا وقع منه الضرر في ممتلكات الأغيار، أما إذا حدث العكس يُلزم الأجنبي أي غير اليهودي بالتعويض عما أحدثه من ضرر في ممتلكات اليهود ” أي أن غير اليهودي يستباح ماله وممتلكاته ومقدساته ولعل ذلك يبرر أيضا الاقتحام المتكرر من الجماعات اليهودية للمسجد الأقصى.

ولعل ما يبرر تحصين اليهود أنفسهم داخل مستعمراتهم وبناء الجدران العازلة الآن في دولة الاحتلال، أو قديما في “الجيتو” أو حارات اليهود هو تحريض التلمود لهم على عدم التواجد مع الأغيار في مكان واحد، أي عدم الاختلاء بهم، وعدم اعطاء الأمان لهم، فيحرم التلمود على اليهودي أن يحلق عند غير اليهودي مخافة أن يسفك دمه بموس الحلاقة والا تلد اليهودية عند طبيبة من الأغيار مخافة أن تقتلها أو تقتل طفلها.
كما حرض التلمود في باب العبادة الأجنبية من كتاب العقوبات، الفصل الأول، التشريع الأول على عدم التعامل مع الأغيار كالبيع والشراء والإعارة والاستعارة منهم، والإقراض أو الاقتراض منهم ولاسيما أن كان ذلك قبل وبعد أعيادهم بثلاثة أيام وذلك بهدف التضييق عليهم ! وجلب التعاسة لهم ولعل ذلك يفسر سبب الاعتداءات الاسرائيلية الوحشية على الفلسطينيين في الأعياد وفى رمضان على وجه التحديد فمعظم عمليات القصف على غزة جاءت في مثل هذه الأيام، فهم يقتلون لأنهم ينفذون شريعة التلمود، أي تقربا للرب عن طريق هذه الشعيرة.. شعيرة القتل المقدس.

– كما حرم التلمود ( في باب العبادة الأجنبية أيضا) مساعدة الأغيار فى البناء والتداوي والولادة وحرم مساعدة الرضع وأن كانوا على وشك الهلاك ولعل ذلك يفسر المذابح اليهودية لأطفال فلسطين في دير ياسين وصبرا وشتيلا والآن فيما يجري على الأرض من انتهاكات يومية بحق الشعب الاعزل.
ويتبين أن كل التشريعات السابقة وغيرها من التشريعات العنصرية التي تعج بها صفحات التلمود ضد الأغيار والتي هي تعد سببا واضحاً للسياسة العنصرية التي تنتهجها إسرائيل ضد العرب ترجع لاعتقاد اليهود بأنهم شعب الله المختار وأبناؤه منذ أن عهد لهم بذلك كما يعتقدون منذ إبراهيم عليه السلام، فهم يؤمنون بمبدأ الحلولية ! كما يتضح ذلك في باب الحج في كتاب الأعياد في التلمود، فهم يعتقدون أنهم هم فقط المصطفين الأطهار الذين تحل فيهم روح الرب ( الشخيناه ) فهم في اعتقادهم أرقى وأنقى من شعوب الأرض وأن الرب يدافع عنهم ويحارب عنهم كما ورد ذلك في الخروج (14 : 14 ) ” أن جميع شعوب الأرض تتقاتل، والرب يحارب عنكم ولا تحركون ساكناً ” ويحل لهم سفك الدماء طالما أن ذلك يصب في مصلحة دولة الاحتلال.

فاعتبروا أيها المعتبرون، وأعلموا أن هذا المحرض الأساس لهؤلاء القوم، سيبقى ماثلا وموجها لهم في كل خطوة ولن ترضى عنك اليهود ولا من سار على نهجهم في البغي والبطش والعدوان.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 3 أيام

آثار فوز بايدن فلسطينياً.. بين التوقعات والواقع

            كتب:  إسلام أبو عون يختلف الاهتمام العالمي بأي انتخابات عامة تبعا لأهمية الحكومة المنبثقة...

مقالاتمنذ 4 أيام

العمال الفلسطينيون في مهب الريح!

  جودت صيصان مع توارد الأنباء مجدداَ حول عزم حكومة الاحتلال بحث إغلاق المعابر مع الضفة الغربية بادعاء انتشار واسع...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

السلطة الفلسطينية وبايدن، ومآلات المصالحة!

  عماد أبو عوّاد منذ المؤتمر الصحفي في مطلع تموز الماضي، بين القياديين في حماس وفتح، صالح العاروري وجبريل الرجوب،...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حروب بتكلفة صفرية

  جودت صيصان منذ بدء الخليقة كانت الحروب والصراعات  بين الأفراد والجماعات بالسلاح الأبيض ثم تطور إلى استخدام السلاح الناري ...

مقالاتمنذ شهرين

مسلسل التطبيع والمفاهيم المغلوطة

  جودت صيصان يبدو أن حلقات مسلسل التطبيع مع الاحتلال الصهيوني تُعرض تباعاَ حسب تعليمات المخرج الأمريكي والصهيوني للعديد من...

مقالاتمنذ شهرين

الانتخابات الفلسطينية خطوة الى الامام أم مراوحة في ذات المكان؟!

  وليد الهودلي في ندوة عن الانتخابات الفلسطينية القادمة عبّر الجميع عن استيائهم من التوقيت وتحدّثوا عن أمور الإصلاحات الشاملة...

مقالاتمنذ شهرين

اتفاقيات التطبيع، لجيب وصالح نتنياهو فقط!

    عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأنّ الفلسطيني والصهيوني حتى في الشارع الصهيوني هناك نقاش واسع، ماذا...

مقالاتمنذ 3 شهور

سيارة عمرها 25 سنة صفر كيلو؟! 

    وليد الهودلي لأبدأ اليوم مقالتي بهذه القصة القصيرة: رنّ الهاتف وأنا أسير بسيارتي على دوار الساعة وسط مدينة...

مقالاتمنذ 3 شهور

الشباب الفلسطيني بين علمٍ لا يُسمن وعملٍ لا يُغني من جوع

  جودت صيصان علمٍ لا يُسمن : كثيراَ ما يتباهى المسؤولون الفلسطينيون بأن معدلات الأمية في فلسطين هي الأقل عالمياً...

مقالاتمنذ 3 شهور

الشيخ عمر البرغوثي يحاكم الاحتلال ويرجم ابليس البحرين والامارات؟!

  وليد الهودلي الشيخ عمر البرغوثي عمره من عمر الاحتلال، سلك عمر فجّا غير الذي يسلكه الاحتلال وأعوان الاحتلال، وبينما...

الأكثر تفاعلا