تواصل معنا

دراسات

الحروب “الإسرائيلية- العربية” في العين الصهيونية

نشر

في

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس

خاضت “إسرائيل” مجموعة من الحروب ضد الدول العربية، وكذلك واجهت مجموعة من الانتفاضات، التي أثرت على شكل الصراع بشكل عام، وساهمت باستمرار حالة العداء بين “إسرائيل” والإقليم، الأمر الذي لم يُحقق للدولة العبرية، الحالة المرجوة من أن تُصبح، جزء مقبول من فسيفساء المنطقة.

اعتدنا دراسة هذه الحروب من وجهة النظر العربية، الأمر الذي قد يجعل الفهم لها منقوص، ليس من مُنطلق تغيير المفاهيم القائمة، بأنّ دولة معتدية مُحتلة، يواجهها أصحاب حقٍّ يدافعون عن أرضهم، بل لفهم التفكير الصهيوني، والنظرة التي امتلكتها الدولة العبرية، حيال تلك الحروب، علّنا نستطيع الاستفادة من هذه النظرة.

ستبدأ الدراسة بالتطرق للحروب العربية-“الإسرائيلية”، وكذلك سنتناول في البداية أحداث ما قبل إعلان قيام الدولة الصهيونية، والتي كان لها تأثير بالغ في ترسيخ المفاهيم والاتجاهات، قبل أن تُختتم الدراسة بالحروب الثلاث على قطاع غزة.

أولاً: أحداث ما قبل إعلان قيام “إسرائيل”.

منذ أن وطئت أقدام الصهاينة الأراضي الفلسطينية، واتضاح صورة العمل البريطاني ما بعد الانتداب، بأنّ سياسة الدولة الاستعمارية الجديدة، تتجه نحو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بدأت الأوضاع في فلسطين تأخذ منحنى مقاومة هذا التوجه، حيث اندلعت العديد من المواجهات والانتفاضات ضد بريطانيا من جانب، وضد اليهود ووجودهم في الأراضي الفلسطينية.

  1. أحداث يافا 1921.

بدأت أحداث يافا في الأول من أيار عام 1921، ويعتبرها الفلسطينيون أول كفاحهم المسلح، ضد بريطانيا والهجرة اليهودية[1]، حيث استشهد في الأحداث التي استمرت أربعة عشر يوما، 47 فلسطينيا، وكانت نقطة انطلاق في اضاءة الفكر الفلسطيني في ضرورة المواجهة المُسلحة ضد المساعي البريطانية، التي كانت تهدف إلى تكثيف الهجرات اليهودية باتجاه فلسطين.

النظرة “الإسرائيلية للموضوع تأتي في سياق القمع العربي الذي كان يُمارس بحق المهاجرين اليهود، حيث قُتل خلالها 43 يهودي، ومن وجهة النظر الصهيونية أنّ ردّة الفعل العربي هذه جاءت بسبب الهجرات اليهودية[2]، وتستطرد الرواية الصهيونية، أنّ هذه الأحداث ساهمت بتفعيل النشاط اليهودي باتجاه امتلاك المزيد من السلاح، حيث لولا التدخل البريطاني[3]، لكانت النتائج أكثر كارثية بالنسبة لهم.

  1. ثورة البراق 1929.

مع بداية عام 1929 كانت أحوال الشعب العربي الفلسطيني قد ازدادت سوءاً، خاصة بعد أن تعرضت البلاد لكوارث الجراد والزلزال والوباء التي اجتاحتها عام 1927، وفضلاً عن بداية الأزمة الاقتصادية العالمية (1929 – 1932). وجاءت تشريعات حكومة الانتداب لتسهل تدفق المزيد من المهاجرين اليهود إلى فلسطين حتى فاق عدد من دخل منهم إلى فلسطين منذ الاحتلال البريطاني وحتى بداية 1929 مائة ألف مهاجر، عدا الآلاف الكثيرة الأخرى من المتسللين غير الشرعيين[4].

خلال هذه الفترة، وتحديداً في الخامس عشر من آب عام 1929، خرج اليهود بمسيرة باتجاه حائط البراق في المسجد الأقصى، رافعين شعار الحائط لنا، وقد صادف هذا اليوم ذكرى المولد النبوي، وتداعى الفلسطينيون للدفاع عن الأقصى في اليوم التالي، وخرجوا بمظاهرة حاشدة من المسجد باتجاه الحائط، واندلعت اشتباكات عنيفة امتدت بعدها إلى مدن وقرى فلسطين.

وأسفرت المواجهات عن مقتل 133 يهوديا وجرح أكثر من ثلاثمئة آخرين، بينما استشهد 116 مواطنا فلسطينيا وجرح أكثر من مئتين. واعتقلت سلطات الانتداب البريطاني تسعمئة فلسطيني، وأصدرت أحكاما بالإعدام على 27 منهم، ثم خففت الأحكام عن 24 منهم، ونفذ حكم الإعدام في 17 يونيو/حزيران 1930 بسجن مدينة عكا المعروف باسم (القلعة) في ثلاثة فلسطينيين، هم: فؤاد حسن حجازي، ومحمد خليل جمجوم، وعطا أحمد الزير[5].

من الزاوية اليهودية، تُعتبر ثورة البراق، بداية الصراع العربي-اليهودي، حيث يرى البروفيسور هيلل كوهين، أنّ أحداث البراق كشفت الصراع الدموي، الأيدولوجي العصري وما قبل العصري، ما بين اليهود والعرب[6]، ورغم أنّه سُبق بأحداث مشابهة، لكنّعا لم تكن بهذه الدموية، الأمر الذي أسس لمرحلة الصراع التالية.

وتعبر “إسرائيل”  تلك الأحداث بمثابة مجازر ارتكبها الفلسطينيون بحقهم، لكن في نفس الوقت لا يستطيعون إخفاء أنّ كل هذه الأحداث جاءت على خلفية الوعد البريطاني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين[7]، الأمر الذي ساهم بنشاط الحركة القومية العربية.

  1. ثورة 1936-1939.

تُعتبر هذه الثورة، المقاومة الأهم التي خاضها الفلسطينيون ما قبل قيام الدولة العبرية، وتعود الأسباب البعيدة لهذه الثورة إلى تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم ووحدة أراضيه، وإنقاذ فلسطين من شرور السياسة البريطانية والغزوة الصهيونية، كما تعود إلى تمسك الفلسطينيين بميثاقهم الوطني، وعزمهم على بلوغ أهدافه بالحرية والاستقلال والوحدة العربية الشاملة.

فيما كانت الأسباب القريبة، الحالة العامة التي فرضتها بريطانيا خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، ويُمكن وضعها ضمن النقاط التالية[8]:

أ.  استفحال تدفق الهجرة الصهيونية على فلسطين بعد تولي الحزب النازي مقاليد الحكم في ألمانيا، وارتفاع أعداد المهاجرين خلال السنوات 1933 – 1935 بشكل أثار مخاوف الشعب بصورة ملموسة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين).

ب.   استمرار الهجرة اليهودية (السرّية) إلى فلسطين، وتغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها.

ج.   تفاقم خطر استيلاء اليهود، بشتى الوسائل والأساليب على أراضي فلسطين، وإمعان الحكومة البريطانية في سن الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية استيلاء اليهود على الأراضي.

د.    قيام الصهيونيين (بمعرفة الحكومة ومساعدتها) بتهريب كميات كبيرة من السلاح والعتاد إلى فلسطين وتوزيعها على المدن والمستعمرات الصهيونية، بالإضافة إلى نشاطهم (العلني والسري) في إنشاء تشكيلات ومنظمات عسكرية وإرهابية، واشترك ضباط بريطانيين في تنظيمها وتدريب أفرادها.

كانت هذه الثورة الشاملة محط أنظار العالم العربي، حيث تلقت دعم كبير من الخارج، حيث تشكلت في العراق وسورية ولبنان وشرقي الأردن لجان وطنية لنصرة أهل فلسطين ودعم ثورتهم. وقد عملت هذه اللجان على جميع الأموال والأسلحة وارسالها إلى الفلسطينيين، وقامت باستقبال الجرحى والمصابين من المجاهدين والعناية بهم في بغداد وبيروت وعمان ودمشق.[9]

وقد انقسمت الثورة إلى ثلاث مراحل على النحو التالي[10]:

  • المرحلة الأولى: من شهر أبريل/نيسان 1936 إلى شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936، وقد سادها العمل المسلح.
  • المرحلة الثانية: من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936 إلى شهر سبتمبر/ أيلول 1937، واتسمت بنضال سياسي ودعائي، وبمقاومة عنيفة لسياسة الحكومة البريطانية، وباغتيال الباعة والسماسرة والجواسيس، وكذلك بالتصدي لمشروع تقسيم فلسطين الذي كانت بريطانيا تمهد السبيل لتنفيذه.
  • المرحلة الثالثة: من شهر سبتمبر/ أيلول 1937 إلى سبتمبر/ أيلول 1939، وكانت ثورة مسلحة مستمرة في داخل فلسطين، وأعمالاً دعائية وسياسية وجهوداً دبلوماسية خارج فلسطين.

وقد شهدت الثورة الفلسطينية أطول اضراب في التاريخ، شمل المناحي الاقتصادية والاجتماعية، فأغلقت جميع المخازن والمصانع والمقاهي، وتوقفت الحركة التجاري، وهذا ما لم يرق إلى حكومة الانتداب وقتها.

وكان من أبرز نتائج الثورة الفلسطينية الكُبرى، كانت 5000 شهيد و15000 جريح و5600 سجين. اما خسائر الانجليز فكانت مقتل 16رجل شرطه و 22 جنديا و جرح 10 رجال شرطه و 148 عسكريا و مقتل 80 يهوديا و جرح 308 من اليهود.
من معارك الثورة الفلسطينية الكبرى: معركة ام الدرج, معركة لد العوادين، معركة الفريديس، معركة ام الزينات، اقتحام سجن عتليت، معركة الجنادية، معركة جسر ملية، معركة وادي الطبل، معركة الكسارة، معركة السيالات، معركة اخوزا، معركة حيفا الكبرى، معركة الشلالة[11].

وحول اجهاض الثورة الفلسطينية الكُبرى، يعتبر المفكر الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، أنّ ذلك يعود إلى[12] معاناة الحركة الثورية الفلسطينية من انتكاسة شديدة على أيدي ثلاثة أعداء منفصلين كانو يشكلون معا التهديد الرئيسي لـلحركة القومية في فلسطين في جميع المراحل اللاحقة من نضالها 1936 ـ 1939، القيادة الرجعية المحلية، الأنظمة في الدول العربية المحيطة بفلسطين، والعدو الإمبريالي الصهيوني.

من الزاوية اليهودية تم رؤية الثورة العربية الكُبرى، على أنّها تجاوزت مساحة الأراضي الفلسطينية، إلى تحولها إلى قضية شرق أوسطية وسط دعم خارجي موجه من دول مثل إيطاليا وألمانيا[13]، وكان في طيّاته مواجهة عربية-بريطانية أكثر من كونه مواجهة عربية-يهودية.

والسبب الرئيسي لاندلاع الثورة هي الشعور العربي، بالعجز أمام تقدّم المشروع الصهيوني[14]، ورغم المحاولات البريطانية لمنع تحول الثورة إلى أحداث عنيفة، خوفاً من امتدادها، وجدت نفسها بريطانيا في حرب عصابات[15] مع الفلسطينيين.

ووفق يعكوب شبيت، كانت هذه الأحداث تختلف كلّياً عن الأحداث التي سبقتها، فهي من الناحية الأولى أظهرت استعداد عربي للتضحية بكل شيء من أجل الوطن، ومن الناحية الثانية، وجود قيادة استطاعت أن تُسيطر وأن تلقى تعاون والتزام من كافة الشرائح، وطول نفس كبير لهذه القيادة ورؤية واضحة في البداية[16].

وهذا ما رآه ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء في “إسرائيل” ، حيث أشار إلى أنّ العرب كانوا جمهوراً منظما، يريد تحقيق أهدافه القومية من خلال وعي واضح، حيث اعتبر الأحداث وقتها على أنّها حرب قومية[17]، رغم عدم امتلاك الفلسطينيين وقتها جيش منظم، قيادات الثورة من حسن سلامة، السوري عز الدين القسام، وكذلك موسى الحسيني، كانت من وجهة النظر الصهيونية، النموذج المُستعد لتقريب نفسه في سبيل هدفه المقدس[18].

كما أنّ زيادة تسليح اليهود، ووصل عددهم إلى 400 ألف في ذلك الوقت، ساهم بدفع العرب لاعتبار أنّ المواجهة يجب أن تكون شاملة، حيث تم الكشف عن كميات كبيرة من السلاح يُحاول تنظيم الهجناه اليهودي، تهريبها لصالح اليهود[19].

لكن الأسباب الرئيسية من وجهة النظر اليهودية لاندلاع الأحداث واستمرارها كان[20]:

  1. الشعور بتراجع دور بريطانيا، خاصة مع وصول هتلر إلى الحُكم في ألمانيا، وظهور أنظمة دكتاتورية أخرى رفعت سقف التحدي ضد فرنسا وبريطانيا.
  2. ارتفاع سقف المواجهة ضد لاحتلال البريطاني في مصر، وضد الاحتلال الفرنسي في سوريا.
  3. وصول أكثر من 60 ألف مهاجر يهودي فقط في العام 1936، إلى الأراضي الفلسطينية.
  4. عدم التزام بريطانيا من الحد من العجرة اليهودية مثلما أوصى الكتاب الأبيض عام 1929.
  5. الخلاف مع بريطانيا على الكثير من القضايا الإدارية بما فيها المجالس المحلية، بعد أن ساوت في بعض المجالس، النسب بين العرب واليهود.
  6. سرعة انتقال الأراضي العربية لليهود، من خلال استخدام الانتداب صلاحياته في نقلها وتسريبها لليهود.

أحداث الثورة العربية الكُبرى، ساهمت يتوجه اليهود نحو المزيد من الحرص على الدعم الأمني، من خلال الاعتماد على الذات وليس بريطانيا[21]، وبمجرد انتهاء الأحداث ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحوّل العمل اليهودي الأمني من العمل الدفاعي، إلى العمل الهجومي[22]، للمرة الأولى وفق الادعاء اليهودي.

من الزاوية الأخرى، فإنّ الأحداث ساهمت بمردود إيجابي كبير على اليهود خلال تلك الفترة، حيث ساهمت بزيادة التعاون اليهودي-البريطاني، وفككت بريطانيا اللجنة العربية العليا، وطردت المُفتي، وأسرعت في اتجاه اتخاذ خطوات أكثر جدّية في اتجاه اطاق يد اليهود في إقامة بيتهم القومي[23]، الذي كان بعد أقل من عشر سنوات من ذلك.

 

ثانياُ: حرب عام 1948.

حرب الاستقلال كما يُطلق عليها اليهود، والتي تتفاخر “إسرائيل” بأنّها خلالها استطاعت الانتصار على مجموعة من الدول العربية مجتمعة، وخطت طريقها نحو إقامة دولة قوّية شكلت عوامل ردع للمحيط العربي.

ووفق تسلسل الأحداث فإنّ “إسرائيل”  ترى في الحرب على أنّها حرب زائدة، كلان بالإمكان تخطيها، ولكنّ التعنت العربي برفض قرار التقسيم الخاص بالأمم المتحدة، أدى إلى تدحرج الأحداث نحو الحرب[24]، الحرب التي كانت الأطول والأقسى من الناحية “الإسرائيلية ، من حيث عدد القتلى[25].

بدأت المرحلة الأولى من الحرب، منذ الثلاثين من تشرين ثاني عام 1947، أي يوم واحد بعد إعلان الأمم المتحدة عن قرار التقسيم، حيث بدأت قوّات عربية في غالبيتها غير رسمية، مثل جيش الإنقاذ الذي ضم جنود عراقيين وسوريين بقيادة فوزي قاوقجي، إلى جانب اندلاع مواجهات وحرب عصابات في داخل المدن المُختلطة مثل يافا وحيفا، بين العرب واليهود[26].

خلال هذه المرحلة كان عدد الجيش الإسرائيلي، حوالي 40 ألف مُقاتل كانوا موزعين على التنظيمات اليهودية المسلحة وليسوا على شكل جيش رسمي، وقد أدت هذه الأحداث إلى مقتل المئات من اليهود، خلال تفجيرات للباصات، وكذلك في المناطق اليهودية المختلفة[27]، لينتقل بعدها اليهود من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم، والتي ارتكزت وفق الخطة، على الحفاظ على المناطق التي أقرّها قرار التقسيم لليهود[28]، وكسر الحصار على بعض المناطق التي وقعت تحته.

تعرض وقتها اليهود لضغط كبير من جيش الإنقاذ، وأٌجبروا على اخلاء بعض المناطق، قبل أن تتعاون التنظيمات اليهودية المختلفة، وتقوم بتوجيه ضربة قوية لجيش الإنقاذ، واحتلال بعض المناطق العربية في المدن المُختلطة، في طبريا، يافا وصفد، الأمر الذي اعتبرته “إسرائيل” ، نقطة التحوّل الحقيقة خلال الحرب[29].

الحرب ما بعد إعلان دولة “إسرائيل”:

في الخامس عشر من أيار 1948، يوم واحد بعد إعلان استقلال “إسرائيل”، هاجمت قوّات خمس دول عربية، مصر، الأردن، سوريا، لبنان والعراق، حيث اقتحموا “إسرائيل” ، وبدأوا بهجوم على كلّ المناطق، وقاموا بقصف جوي أدى إلى 40 قتيل[30]، حيث هاجمت مصر “إسرائيل” من الجنوب، سوريا ولبنان من الشمال، الأردن والعراق من الشرق، وكان الشهر الأول من الحرب، الأكثر قسوّة على الدولة الوليدة، حيث فقدت فيه الكثير من القتلى[31].

الحالة الكارثية وعدم القدرة على الصمود، كانت سمة الجيش “الإسرائيلي” مع بداية المعركة، فعلى الجبهة الجنوبية، ورغم قيام لواء جبعاتي بالتصدي للمصريين، لكنّه لم يسبب لهم الكثير من الخسائر، والغريب وقتها، أنّ الجيش المصري، أوقف التقدم، لسبب غير معلوم إلى اليوم[32]، وقد كان الشعار “الإسرائيلي” وقتها، والذي جاء على لسان نائب قائد وحدة جولاني، مائير دفيدزون، من دون القدس ستكون لنا دولة، لكن إذا فقدنا تل ابيب فلن تكون هناك دولة “إسرائيلية”.

وفق الرواية “الإسرائيلية لم تكن المعارك سهلة، فقد خسر اليهود مستوطنات في النقب لصالح المصريين، مثل كيبوتس يد مردخاي، إلى جانب فقدانهم مئات من القتلى، كذلك استطاع الأردنيون على الجبهة الشرقية، وتحديداً في القدس، من حصار المربع اليهودي، وقطع الإمدادات عنه، وكذلك الحال على الجبهة الشمالية، حيث استطاع السوريون التقدم، وانسحبت بعض القوت “الإسرائيلية باتجاه العُمق “الإسرائيلي” ، قبل أن تصل دبابات فرنسية الصنع، ساعدت في إيقاف السوريين[33]، فيما استطاع الجيش اللبناني تحقيق تقدم كبير، وكان له الدور الأبرز في المعركة، حيث دخلت قوّاته إلى الجليل الأعلى، وسيطروا على مدينة الناصرة وجزء من الجليل الأدنى[34].

خلال هذه الفترة، وفي السادس والعشرين من أيار، أعلنت الحكومة “الإسرائيلية” برئاسة ديفيد بن جوريون عن إقامة الجيش “الإسرائيلي”، الذي ضم في البداية 35 ألف مقاتل، وارتفع العدد خلال الحرب إلى نحو 70 ألف مقاتل[35].

التهدئة الأولى:

في العاشر من حزيران 1948 وبعد شهر من الحرب المحتدمة، وقع الطرفان على تهدئة بناءً على اقتراح الأمم المتحدة، تهدئة كانت تعتبرها “إسرائيل” بمثابة شريان حياة، من أجل تدريب الجيش وضمان قوّات إضافية[36].

قضية التلانة:

في الثاني والعشرين من حزيران، وصلت سفينة سلاح إلى الشواطئ “الإسرائيلية” ، هذه السفينة اشتراها تنظيم اتسل، بقيادة مناحم بيجن، الذي أراد أن يكون السلاح لتنظيم اتسل، فيما طلب بن جوريون أن يتم تحويل السفينة إلى الجيش، لكن حدث اشتباك بين الطرفين، الجيش ومن على السفينة، الأمر الذي دفع بن جوريون لأمر الجيش بقصفها[37]، على اثر ذلك قُتل 19 من الطرفين، وانسحب اتسل من الجيش “الإسرائيلي” [38]، قبل ان يعود اليه بعد عدّة أيام، وكانت هذه الحادثة الأقسى من الناحية “الإسرائيلية” ، والتي تُمثل إلى اليوم حالة خلاف حول طريقة التعامل معها، وقتل اليهودي لليهودي.

تجدد الحرب:

في الثامن من تموز عام 1948، ورغم مساعي الأمم المتحدة تجددت الحرب بين “إسرائيل” والدول العربية، حيث استمرت هذه الجولة عشرة أيام، خلالها مالت الكفة لصالح الجيش “الإسرائيلي”، حيث بدأ الجيش “الإسرائيلي” بالدخول للمناطق الفلسطينية، وتفاقمت خلال هذه الفترة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وقد توقفت هذه الجولة بعد عشرة أيام[39]، وقتها لم يكن يريد الجيش “الإسرائيلي” ذلك، ولكن بعد ضغط كبير من الأمم المتحدة[40].

حسم الحرب:

خلال التهدئة الثانية، استغل الجيش “الإسرائيلي” ذلك، في التخطيط للسيطرة على مناطق واسعة، حيث استغل نكث التهدئة من قبل العرب، ففي الثامن والعشرين من تشرين اول 1948، كانت قوّات قاوقجي في اتجاه كيبوتس منرة اليهودي، استغلت “إسرائيل” ذلك، وقامت بهجوم مضاد سيطرت فيه على كل منطقة الجليل الأعلى[41].

وحاول على الجبهة الشرقية السيطرة على القدس الشرقية، لكنّه فشل في ذلك بسبب مقاومة قوّية من الجانب الأردني[42]، ووصل الجانبان “الإسرائيلي” والأردني إلى اتفاق وقف إطلاق نار.

الجبهة الأهم التي أمالت الكفة لصالح “إسرائيل” كانت الجبهة الجنوبية، حيث قام الجيش باستغلال نكث مصر للاتفاق، حيث طاردت القوّات “الإسرائيلية” الجيش المصري في الجنوب ووصلت إلى مناطق العريش، قبل أن تتوقف الحرب رسميا في السابع من كانون ثاني 1949. ورغم ذلك استغل الجيش “الإسرائيلي” هزيمة العرب وسيطر على مناطق أخرى مثل مدينة أم الرشراش[43] (ايلات حالياً).

ورغم أنّ الدعاية “الإسرائيلية” وبناء الأسطورة بقي مركزاً على أنّ جيش صغير لدولة صغيرة، تفوق على جيش الدول العربية مجتمعة، في إشارة إلى أنّ أقلية انتصرت على أكثرية، تبين وفق الدراسات “الإسرائيلية” نفسها، أنّ ذلك لا يلامس الحقيقة، حيث تبين أنّ الجيش “الإسرائيلي” كان أكثر عدداً من الجيوش العربية مجتمعة، حيث تمكنت “إسرائيل” ذات ال 600 ألف نسمة من تجنيد جيش عدده ثلاثة أضعاف الجيوش العربية مجتمعة[44]، مؤكدةً الدراسة أنّ العرب ارسلوا قوّات عشوائية غير منظمة، وغير راغبة في القتال، عدا عن نسبة قليلة، لم تستطع الصمود[45].

 

ثالثاً: حرب 1956.

حرب 1956 جاءت بمبادرة كلّ من فرنسا وبريطانيا، اللتان طلبتا من “إسرائيل” القيام بعملية تضليل للقوّات المصرية، هذه الحرب التي كانت الثانية في تصنيف الحروب “الإسرائيلية-العربية”، خسرت فيها “إسرائيل” كذلك العشرات من الجنود، ولا زالت إلى اليوم تخضع لنقد كبير بسبب مشاركة “إسرائيل” بها[46].

ووفق الرؤية “الإسرائيلية” فإنّ الهدف من الدخول في هذه الحرب كان لتحقيق ثلاثة أهداف[47]:

  1. إيقاف العمليات ضد “إسرائيل” ، حيث منذ انتهاء حرب 1948، استمرت العمليات ضد الأهداف “الإسرائيلية” وازدادت حدّتها في العام 1956.
  2. اغلاق مصر للمضائق التي من خلالها تصل البضائع إلى “إسرائيل” ، وكانت “إسرائيل” تدرس إمكانية قيامها بعملية عسكرية في العام 1955، لفتح مضيق تيران.
  3. خلخلة ميزان القوى العسكري، حيث في تلك الفترة وتحديداً في العام 1955 اشترت مصر من الاتحاد السوفياتي، كمية كبيرة من السلاح ذات نوعية متطورة، الأمر الذي تتطلب معالجة الأمر مبكرا.

والأهم لربما من الناحية “الإسرائيلية”، ما حققه شمعون بيرس، حيث نجح بيريس في ابتزاز قرار فرنسي داعم لإقامة المفاعل، في إطار الاستعدادات الفرنسية لشن العدوان الثلاثي على مصر في ذلك العام-1956. فقد طالب بيريس زعيمه بن غوريون حينما كانا في باريس يومها، بأن يؤخر التوقيع على اتفاق الشراكة في العدوان، إلى حين ضمان الاتفاق على اقامة المفاعل النووي في ديمونة، الذي بدأ العمل في سنوات الستين الأولى من القرن الماضي[48].

وقبل عدّة أيام من إعلان ناصر تأميم قناة السويس، اجتمع ممثلو الدول الثلاث، بريطانيا، فرنسا و”إسرائيل” ، حيث مثل “إسرائيل” في ذلك الوقت، رئيس وزراءها ديفيد بن جوريون، ووزير الجيش موشيه ديّان، واللواء مائير عميت، ومدير عام وزارة الجيش شمعون بيرس[49]، ووفق المؤرخين فقد كان بن جوريون خائفاً جداً من هذه المغامرة، ولولا الضغوط الكبيرة من وزير جيشه موشيه ديّان، لما وافقت “إسرائيل” على استهداف مصر[50].

أصدرت القيادة المشتركة قراراً بأن تبدأ “إسرائيل” عصر يوم 29/10/1956 العدوان لخلق الذريعة، وذلك بإسقاط كتيبة مظلات فوق ممر مثلا في سيناء، على أن يعقب ذلك صدور الإنذار الإنكليزي – الفرنسي يوم 30 تشرين الأول، ثم وقوع الضربة الجوية في اليوم التالي، وأخيراً انطلاق الجيش “الإسرائيلي” إلى داخل سيناء. فإذا نجح الجيش “الإسرائيلي” في احتلال المنطقة الأمامية حول رفح والعريش والقسمية وجبل لبنى كمهمة مباشرة على جبهة عرضها 40 كم وعملها 80 – 90 كم طور الجيش “الإسرائيلي” هجومه، واستغل نجاحه، وواصل تقدمه حتى يصل إلى مشارف الضفة الشرقية لقناة السويس ليحمي الجانب الأيسر للهجوم الإنكليزي – الفرنسي على جبهة عرضها 50 كم وعمقها 150كم.

وخلال ذلك تطلق وسائل الإعلام الإنكليزية والفرنسية حملتها النفسية والإعلامية ضد مصر قبل أن تنقض قوات الغزو البحري على شاطئ بور سعيد يوم 7/11/1956 وتنطلق في تقدمها على امتداد قناة السويس حتى الإسماعيلية. وتتابع قوات الغزو عملياتها حسب وضع الجبهة الداخلية في مصر، فإذا سقط الحكم في القاهرة استمرت القوات في تقدمها حتى تكمل سيطرتها على القناة بكاملها. وأما إذا صمد الحكم فإن على القوات أن تندفع نحو جنوبي القاهرة لتكون المعركة الحاسمة حولها، وتعمل لقطع خط الرجعة على جيش مصر الذي يفترض أنه سينسحب أمام الهجوم “الإسرائيلي”، هذا إذا لم يقض عليه في صحراء سيناء.[51]

وقعت في هذه المرحلة عدة معارك محدودة بين اللواء “الإسرائيلي” المطلي 202 الذي عبر الحدود الشرقية عند الكنتيلة في آخر ضوء من يوم 29 تشرين الأول ليدرك ويدعم الكتيبة 890 الهابطة في مثلا واللواء الثاني الآلي المصري الذي اصطدم اللواء “الإسرائيلي”  بمواقعه في الكنتيلة والتمد ونخل. وقد تابع اللواء الإسرائيلي تقدمه فوصل في الساعة 22:30 من يوم 30 تشرين الأول إلى منطقة صور الحيطان وانضم إلى الكتيبة 890.

واستطاعت كذلك القوّات “الإسرائيلية” احتلال قطاع غزة[52]، وتنفيذ غالبية ما تم الاتفاق عليه مع فرنسا وبريطانيا، لكنّ جاءت النتائج في النهاية على خلاف المرغوب “اسرائيلياً”، حيث لم تنجح فرنسا وبريطانيا باحتلال قناة السويس، وتم الضغط عليها للانسحاب وإعادة كلّ الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، الأمر الذي اعتبرته “إسرائيل” ، انتصار كبير في المعركة، ومكاسب ضئيلة على الأرض[53]، خاصةً بعد أن حقق النظام المصري انتصار سياسي، ومركز موقعه في قيادة الأمة العربية.

جاء الانسحاب “الإسرائيلي” من غزة وسيناء على غير الرغبة “الإسرائيلية”، ورغم الأداء الكبير في المعركة، كما يقول المؤرخ مردخاي بار اون، فإنّ الانسحاب “الإسرائيلي” كان نكسة، ولم تُحقق “إسرائيل” سوى ضمان استمرار فتح المضائق تجاهها لعبور السفن اليها[54]، بعد أن أعلن وزير جيشها قبل الاتفاق، بأنّ مضائق ايلات، ستبقى للأبد ضمن الحدود التاريخية لـ”إسرائيل”  الثالثة[55].

 

رابعاً: حرب حزيران 1967.

حرب 1967م، المعروفة بـ”نكسة حزيران”، أو “حرب الأيام الستة”، هي صدامات عسكرية وقعت بين “إسرائيل” وكل من: مصر، وسوريا، والأردن. وبمساعدة لوجستية من: لبنان، والعراق، والجزائر، والسعودية، والكويت؛ في الفترة الواقعة بين الخامس من حزيران والعاشر منه عام 1967م؛ ونتج عنها احتلال “إسرائيل” شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، وهضبة الجولان.

حرب حزيران 1967، النصر الأكبر وفق “إسرائيل” ، والدافع المعنوي الأهم لها، نصرٌ بنى لها اسطورة تتفاخر بها أجيالها إلى اليوم، وترى فيها نموذجاً كان يجب أن يستمر، وبناءً على هذا النصر، أملت “إسرائيل” أن يتحقق السلام، بعد أن لقنت العرب درساً قاسياً.

سادت ما قبل الحرب مجموعة من الأحداث التي اعتبرتها “إسرائيل” تهديد حقيقي، من بينها استمرار حالة التسلح الكبير في مصر، وإغلاق مضيق تيران، وكذلك المطالبة المصرية بضرورة سحب كلّ القوّات الدولية من سيناء، واستمرار حالة الاستنزاف على الساحة الشمالية مع سوريا[56].

 

التردد ما قبل الحرب.

ما قبل الحرب كانت الحالة العامة في “إسرائيل” ، تُشير إلى خوفٍ كبير، حيث كانت المخاوف “الإسرائيلية” تصل إلى مرحلة الشعور بأنّ الدولة كلّها مهددة بالانهيار، وخلافات القيادة “الإسرائيلية” لم تكن سرّاً، فقد نقلها وزير الخارجية ايبن إلى القيادة الأمريكية، موضحاً أن التطورات ساهمت بتوتر كبير على مستوى القيادة وخلافات في وجهات النظر[57]، “إسرائيل” خلال تلك الفترة، كانت تبحث عن حليف استراتيجي، أو بكلمات أخرى ضمان الدعم الأمريكي لها، في ظل الشعور بالأزمة الكبيرة.

تميزت تلك الفترة وفق اللواء عوزي نركيس، قائد منطقة الوسط خلال حرب حزيران 1967، بأزمة ثقة كبيرة بين المستويين العسكري والسياسي، وأشار أن الدمقراطية “الإسرائيلية” في ذلك الوقت كانت في خطر كبير، كون الجيش وصل إلى قناعة بعدم منطقية قرارات القيادة السياسية[58]، في إشارة أنه لولا تراجع القيادة السياسية وتبنيها رؤية العسكر، لكان من الممكن أن يحيد العسكر عن تلك القرارات، أو تشهد القيادة العسكرية استقالات كبيرة.

حيث تُشير الوثائق المسربة والمعطيات، وفق أمنون لورد، أنّ العديد من القيادات العسكرية، القت ف مسامع أشكول عبارات ماذا تنتظر، ومن تلك القيادات كان اللواء ارئيل شارون، متاي بيلد، ابراهام يافي، وعيزر فايتسمان الذي دخل الى غرفة أشكول والقى درجاته العسكرية أمامه على الطاولة[59]، كنوع من الضغط على القيادة السياسية، التي ظهرت بمظهر المقصر والمتردد أمام القيادة العسكرية.

اتخاذ قرار الحرب:

اتخذت “إسرائيل” قرار الحرب، بعد خطاب ظهر فيه رئيس الوزراء أشكول، وهو يرتجف، الأمر الذي أعطى انطباعاً بأنّ الأوضاع ليست سهلة.  بدأت المعركة وفاجأت القوّات المصرية والعربية بشكل عام، حيث تخوفت القيادة الصهيونية من ارتدادات جرّاء النصر السريع، يؤثر سلباً على تل ابيب، الدكتور آبي بيتسور المحاضر في جامعة بار ايلان، لخص المخاوف التي ساورت الدولة العبرية، التي خشيت من عمليات قوّية للمقاومة في الداخل، قصف جوي قوي من الدول العربية، قصف بري من قبل المدافع العربية على الحدود المحيطة، وانهيار للجبهة الداخلية “الإسرائيلية”[60]، ومما زاد من تلك المخاوف، ظهور رئيس الوزراء قبلها بأيام، بخطاب بان عليه بوضوح كبير، التردد والحيرة.

لكنّ استمرار حالة حسم المعركة، بدّد تلك المخاوف، وباتت “إسرائيل” تُفكر استراتيجياً، من خلال سعيها لحسم ملفات مهمة، فقد تطرق أيضاً أشكول لمسألة المياه وضرورة السيطرة على مياه الشمال، ويقصد هنا مياه سوريا ولبنان، البانياس والحاصباني[61]، ويبدو أن هذا التوجه من اليوم الأول كان بفضل البداية القوّية والاداء الجيد للقوات “الإسرائيلية” على الأرض، أو بطريقة أخرى التراجع العربي الممنهج خلالها.

الانتصار الكبير على مصر، اعطى انطباعاً من اليوم الأول، أن “إسرائيل” أمام انجاز عظيم وكبير، فوفق الدكتور اوري ميلشتاين، الباحث في تاريخ حروب “إسرائيل”، أن القوّات “الإسرائيلية” كانت في شبه نزهة على الحدود مع مصر، ولم تكن هناك معارك حقيقية[62]، لذا لا زال ميلشتاين إلى اليوم يتساءل، لمن كان النصر في تلك الحرب.

على الجبهة الاردنية الجيش الاردني بدأ بالانسحاب شرقاً، ورأت “إسرائيل” أنه لا خشية من تطورات غير محسوبة هناك، أما الجبهة السورية، فسوريا حاولت القيام بثلاثة أمور، الأول استخدام السلاح الجوي، لكنها لم تنجح في ذلك، الثاني، قصف القرى “الإسرائيلية” في الشمال، وأشار أن “إسرائيل” كانت تتوقع قصف أقوى ولكنها متفاجئة من ضعف القصف السوري، والثالث أن سوريا حاولت تحرير بعض القرى ولكنها لم تنجح في ذلك، مضيفاً أن الجبهة السورية لا زالت الأعقد من بين الجبهات الثلاث[63].

وزير الجيش موشيه ديان، تطرق بشكل تفصيلي لمسألة احتلال البلدة القديمة في القدس، حيث تخوف من وجود ردود فعل دبلوماسية عالمية، خاصة أن المكان ذو قدسية عالية، مطالباً اللجنة الوزارية باتخاذ قرار مناسب بخصوص احتلال البلدة القديمة، وأعلن أن قواته جاهزة للدخول واحتلال المكان.

في نهاية الجلسة اتخذت اللجنة الوزارية “الإسرائيلية” القرارات التالية[64]:

  1. المصادقة على احتلال الضفة الغربية.
  2. عدم الدخول الى البلدة القديمة، وعزلها عن بقية المناطق، وفي حال سمحت الظروف السياسية فبإمكان وزير الجيش احتلال البلدة.
  3. احتلال شرم الشيخ.
  4. توكيل وزير الجيش بالتفاوض مع الأونروا لتقديم خدماتها للاجئين.
  5. على الجبهة السورية لا يتجاوز الجيش حدود المنطقة الدولية.

 

قيادة الجيش باستثناء رئيس هيئة الاركان رابين، كانت تميل الى عدم التورط مع سوريا أكثر خوفاً من غضب الروس، إلا أن رابين اعتقد أن انهاء الحرب دون توجيه ضربة قوّية لسوريا سيكون خسارة كبيرة ل”إسرائيل”، لكن وفق ايلي اشكنازي، فقد ذهبت الحكومة “الإسرائيلية” إلى محاولة التضليل حيال الملف السوري، فهي من جانب لم ترد ايقاف الحرب دون توجيه ضربة قوّية لسوريا، ومن جانب آخر لم ترغب بالتورط أكثر في استفزاز الاتحاد السوفياتي، لذلك عملت على صياغة وثيقة هدنة ضبابية، وصفها اشكنازي بالكذب الذي قاد لاحتلال الهضبة،  لتبلغ هدفها بالاستمرار في حسم المعركة مع سوريا واحتلال الجولان[65].

وعندما تطرق وزير الخارجية ايبن لخطر تدهور العلاقات مع الاتحاد السوفياتي وتحديداً على خلفية استمرار الحرب على الجبهة السورية، كان التوجه الذي عبر عنه يعكوف هرتسوغ مدير مكتب رئيس الوزراء، بأنه من الأفضل قطع العلاقات مع الاتحاد السوفياتي على ترك الجولان في يد السوريين، ايبن اقترح أن يقوم الرئيس الأمريكي بمخاطبة الرئيس الروسي، بأن يضغط الروس على سوريا وتضغط امريكا على “إسرائيل” لإيقاف الحرب، مستطرداً أنه لا يجوز أن تخرج سوريا من الحرب قوّية[66].

قضية التورط مع الاتحاد السوفياتي، كانت مؤرقاً كبيراً للساسة والعسكر في الدولة العبرية، حيث يُشير المحلل السياسي اورن نهري، أن مخاوف “إسرائيل” من التورط مع روسيا كانت كبيرة، وأن الشعور العام في تل ابيب، أن الاتحاد السوفياتي اتخذ من الدولة العبرية عدو واضح، خلال الحرب وما بعدها[67] ورغم محاولات تل ابيب أن تكون متوازنة خلال تلك الفترة، إلا أنها كانت جزءاً من المحور الأمريكي المعادي للسوفييت خلال الحرب الباردة.

مباشرة بدأت “إسرائيل” الوقوف أمام التطورات التي بعضها لم يكن مرغوباً، كقضية وجود السكان العرب، فبعد أن تم اغلاق الجلسة واثناء خروجه، طالب أشكول الوزراء والقادة البدء بالتفكير، كيف ستتعامل “إسرائيل” مع السكان العرب اللذين خضعوا لاحتلالها، ووفق التسريبات فإن كلام أشكول رافقه نوع من الحيرة، وشعور كبير بمأزق وجود العدد الكبير من السكان العرب في المناطق المحتلة.

 الموافقة الإسرائيلية على الهدنة.

في مساء العاشر من حزيران، التئمت اللجنة الوزارية وقررت الموافقة على الهدنة المقترحة، وجاءت الموافقة بعد العديد من التطورات، منها الضغط الدولي الكبير من أجل ايقاف الحرب، توجه غالبية الوزراء لإيقافها، والأهم من ذلك أنه خلال الاجتماع وصلت معطيات لوزير الجيش ديان، تُفيد أن القوات “الإسرائيلية”، التي هاجمت هضبة الجولان من الشمال والجنوب، قد التقت في المركز، الأمر الذي بدد الحاجة للاستمرار في الحرب.

أساف جولان يُشير، أن معجزة التقاء القوات بسرعة انقذت الحكومة والعسكر من مواقف محرجة، ولولا ذلك لدخلت في موازنات هل نعادي العالم ونرفض الهدنة، أم نقبل العالم وبالتالي يتسم بالخطر القادم من سوريا[68]، ومن المرجح هنا أن تلويح “اسرائيل”، بقصف دمشق خلال الحرب، كان هدفه السيطرة على الجولان، دون الوصول الى التهديد الأكبر بقصف دمشق، والذي كان يعتبره النظام السوري والروس خطاً أحمر.

وكان رئيس الوزراء آبي اشكول قد افتتح الجلسة بالقول أنّ المساء بات يقترب دون التحام قواتنا في شمال وجنوب الهضبة السورية، وهذا وضع خطير وفق قيادة الجيش إلا أنه علينا اتخاذ قرار في قبول الهدنة من عدمه، وأود التنويه أن روسيا قطعت علاقتها معنا وبدأت تُشيع أننا ننوي احتلال دمشق، وهذا كلام غير صحيح.

حتى الولايات المتحدة وفق وزير الخارجية ايبن، أرسلت رسائل لنا تُفيد بأننا نبالغ، وهنا ضغط دولي كبير علينا لإيقاف الحرب، لذلك أنا ادفع بقوّة باتجاه ايقاف الحرب، لأننا حققنا نصراً جارفاً وغير متوقع.

إلا أن موشيه ديان وزير الجيش، حاول المراوغة وطلب فقط ايقاف الطلعات الجوّية، ومماطلة المراقبين الدوليين لحين التقاء القوات على الهضبة، وما أن أتم ديان كلامه، حتى وصلت أخبار التحام القوّات “الإسرائيلية”، الأمر الذي دفع “إسرائيل” لاتخاذ قرار قبول الهدنة وايقاف الحرب.

خبر التئام القوّات طالب غالبية الوزراء ورئيس الوزراء فحص دقته، حيث كانت تقديرات الجيش أن القوات تحتاج إلى 24 ساعة للالتقاء، وكان هذا التقدير صبيح السبت العاشر من حزيران، إلا أن سرعة الالتقاء كانت مفاجئة، ويُمكن اعتبار أن ذلك يُدلل على أن “إسرائيل” كانت تتوقع مقاومة أكبر من السوريين، وصعوبة أكبر في بلوغ الأهداف.

انتهت الحرب، الحرب التي رفعت “إسرائيل” إلى موقع دولة اقليمية عظمى من الناحية العسكرية، جذرت فكرة عدم قدرة الدول العربية الى القضاء عليها، ومهدت الطريق إلى توقيع اتفاقيات السلام فيما بعد مع الدول العربية، وأعطى “إسرائيل” عمق استراتيجي لولاه لكانت النتائج كارثية خلال حرب تشرين ثاني عام 1973.

 

خامساً: حرب الاستنزاف.

بعد انتهاء حرب الأيام الستّة 1967 بوقت قصير، بدأت حرب الاستنزاف، حيث أنّ “إسرائيل” تعتبر بأنّ الحرب يتحمل المسؤولية عن اندلاعها مصر.

حيث وفق “إسرائيل” ، بدأ عبد الناصر بشن حرب دامية ومستمرّة غير شاملة، حرب الاستنزاف والتي شملت تبادلا لإطلاق نيران المدفعية على امتداد خط “بار ليف” على حافة قناة السويس، مما أدى إلى تصعيد الأوضاع بسرعة. وقام الجيش “الإسرائيلي” بعدة هجمات ربّما كان أبرزها ضبط جهاز رادار روسي الصنع ونقله بسلام إلى “إسرائيل” وهو صالح للعمل[69].

وعندما بدأ سلاح الجو غاراته على أهداف في عمق الأراضي المصرية، توجّه عبد الناصر والذي دخل في مأزق، إلى الاتحاد السوفياتي طالبًا منه المساعدة ليس من خلال تزويد مصر بالعتاد الروسي فحسب، بل من خلال إرسال قوات جوية وبريّة روسية. ووافقت روسيا رغم أنّها لم تكن متحمسة على ذلك. وبعد ذلك بوقت قصير، اتفقت الولايات المتحدة خشية من أن يؤدي التدخل المباشر لقوة عظمى إلى تصعيد النزاع إلى حد تحوّله إلى مواجهة نووية، اتّفقت مع الاتحاد السوفياتي على العمل من أجل وضع حدّ للحرب وفقا لصيغة “وقف إطلاق نار” تبناها مجلس الأمن الدولي في تموز يوليو 1970. قتل خلال المعركة 1،424 جنديًا “إسرائيليًا” في الفترة ما بين 15 من حزيران يونيو 1967 و8 من آب أغسطس 1970[70].

في البداية كانت حرب الاستنزاف، عبارة عن حرب بين قوّات اليابسة فقط، حيث كان لمصر فيها تفوق كبير، من حيث كمية القذائف، لذلك عمل سلاح الهندسة “الإسرائيلي” على تقوية خط بارليف، الأمر الذي خفف من آثار القصف المصري، بعدها انتقلت “إسرائيل” إلى استخدام السلاح الجوي، من خلال استهداف القوّات المصرية والعُمق المصري من خلال القصف الجوي[71]، في ظل دعم سوفييتي واضح لمصر وفق الرواية “الإسرائيلية”.

على الجانب الأردني كذلك كان هناك تبادل لإطلاق القذائف، حيث كان المسؤول عن ذلك من الساحة الأردن، هي منظمة التحرير الفلسطينية، حيث تخللها اقتحامات متتالية من قبل المقاتلين الفلسطينيين للأراضي المحتلة وتنفيذ عمليات مقاومة[72].

وحول نتائج حرب الاستنزاف، فإنّ “إسرائيل” تعتبر بأنّها حققت نصراً فيها، حيث لم تستطع مصر تحقيق أهدافها المُعلنة من هذه الحرب، لكن هناك من يرى بأنّ هذه الحرب لها زاوية أخرى لا بدّ من الوقوف عليها[73]:

  1. لم تنته بانتصار “إسرائيلي” خاطف أو باحتلال أرض. بل جرت على طول خط الدفاع الثابت لقناة السويس، بهدف تكريس الوضع الذي نشأ بعد حرب 1967.
  2. زاد عدد قصف نيران المدفعية من الجانب المصري لقناة السويس، مما تسبب في سقوط العديد من الضحايا بين الجنود في المواقع. لم يكن لدى الجيش “الإسرائيلي” أي رد حقيقي، فقد قُتل وجُرح جنود كلّ شهر على طول خط بارليف، وفي تموز عام 1969 وحده، قُتل 25 جندياً وأصيب 93 آخرون.
  3. على الرغم من سلسلة من العمليات الناجحة، انتهت حرب الاستنزاف بهزيمة للجيش “الإسرائيلي”، بينما تمكن المصريون والسوفييت من تحقيق أهدافهم، وأدى الفشل إلى البحث عن متهمين. فور اكتشاف وجود القوات السوفييتية في مصر، اندلع جدل بين المخابرات “الإسرائيلية” والمخابرات الأميركية. ادعى الأميركيون أن عمليات القصف في العمق المصري التي وافقت عليها حكومة غولدا مئير كانت خطأ وأدت إلى تعميق التدخل السوفييتي في المنطقة. بينما ادعى “الإسرائيليون” أن الاتصالات بين مصر والاتحاد السوفييتي بدأت قبل فترة أطول من وقوع عمليات القصف في العمق المصري.
  4. أدى استخدام سلاح الجو كمدفعية طائرة إلى إنجاز تكتيكي وهزيمة استراتيجية. أراد الجيش “الإسرائيلي” إخضاع مصر، لكنه دخل إلى ساحة الاتحاد السوفييتي، والذي تدخل بل هزم القوات الجوية “الإسرائيلية”.

سادساً: حرب تشرين أول 1973.

أطلِق على الحرب اسم يوم الغفران، لنشوبها في أقدس يوم لليهود، (6 من تشرين الأول أكتوبر 1973). وجاءت هذه الحرب كمفاجأة شبه تامّة وحصل الإنذار بوشك نشوبها في وقت متأخر مما جعل التعبئة المنتظمة لقوات الاحتياط في ساعة الصفر أمرًا مستحيلا.

حقّق الجيشان المصري والسوري بعض الإنجازات الهامة في المرحلة الأولى: فاجتاز الجيش المصري قناة السويس وانتشر على امتداد الضفة الشرقية من القناة. أما الجيش السوري فاجتاح هضبة الجولان واقترب من بحيرة طبريا. ولكن سرعان ما انقلبت الأمور رأسًا على عقب. ففي غضون أيام قليلة ومن خلال شن الهجمات المضادة والتي اتّسمت أحيانًا بالمجازفة، وصل الجيش “الإسرائيلي” إلى الضفة الغربية من قناة السويس على بُعد 100  كيلومتر عن العاصمة المصرية، القاهرة، وكانت مدفعية الجيش “الإسرائيلي” قادرة على إصابة المجال الجوي المحيط بالعاصمة السورية دمشق[74].

مجريات المعركة كانت في صالح الدول العربية في البداية، مصر وسوريا، حيث حققت نجاحات كبيرة ومنقطعة النظير في ساحة المعركة، حيث إلى اليوم لا زالت تُطلق “إسرائيل” على الحرب اسم (מחדל محدال)، تراجع وانكفاء وعدم قُدرة على تنفيذ المطلوب[75]، رغم عدم نهاية الحرب بفقدان “إسرائيل” أجزاء من الأراضي التي احتلتها عام 1967.

عاملان مهمان ساهما في قلب العجلة لصالح “إسرائيل” ، حيث ترى “إسرائيل” أنّ المساعدات الأمريكية العاجلة، وكذلك التجنيد الكبير الذي فُرض على الشباب “الإسرائيلي”، ساهم بخلق نوع تحول “إسرائيل” من الدفاع إلى الهجوم[76]، وقلب الطاولة على القوّات العربية.

لكن رغم ذلك، لم يُسلم الجمهور الإسرائيلي مع نتائج الحرب، ليس من منطلق خسارة “إسرائيل” لأراضٍ فهي لم تخسر، بل لأنّ تلك الحرب مثلت كارثة قومية، كادت تنتهي بزوال الدولة، خاصة أنّ الخسائر البشرية كانت كذلك كبيرة، حيث فقدت “إسرائيل” 2800 جندي، الأمر الذي أخرج الجماهير للتظاهر بعد الحرب، وتشكيل لجنة اجرانات، والتي حملت المستوى العسكري واستخباراته مسؤولية الحرب[77].

حيث في اليوم الذي سبق الحرب أشارت استخبارات “إسرائيل” ألا خوف من اندلاع حرب، وبأنّ العرب ليس بواردهم خوض تلك الحرب، والأبعد من ذلك توعد رئيس هيئة الأركان ديفيد بن اليعزر، بتكسير عظام العرب، وقوله لا اريد لكم كم سيأخذ ذلك منّا من الوقت[78]، في إشارة واضحة إلى الشعور بالعظمة والاستهتار بالخصم.

كان من نتائج الحرب التي استمرت حتى الرابع والعشرين من تشرين أول، تحول استراتيجي، حيث باتت الوجه نحو الغرب أكثر منها للاتحاد السوفياتي، بعد قناعة النظام المصري بقيادة أنور السادات أنّ الولايات المتحدة هي ذات الثقل الكبير، ووحدها القادرة على التأثير على “إسرائيل” [79]، وهو ما دفع “إسرائيل” الانسحاب من بعض المناطق التي احتلتها خلال الحرب، ورضوخ مصر فيما بعد للسلام مع “إسرائيل” [80]، الذي انتهى بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد.

لكن وجهة النظر “الإسرائيلية” البحثية ترى، أنّ حرب 1973 أكثر من انتكاسة، كما يرى الدكتور والمؤرخ “الاسرائيلي” يجال كيبينس، والذي يُلخص ذلك للأسباب التالية[81]:

  1. فشل في تقدير مجريات الأمور من قبل القيادة السياسية وكذلك العسكرية.
  2. الشعور بالتفوق الكبير بعد حرب حزيران 1967، من قبل الجمهور وكذلك الحكومة، ساهم بخلق وعي عام بأنّ الدولة لا تُهزم.
  3. ما بعد الحرب حدث تراجع كبير في قيمة الجيش “الإسرائيلي”، ولأول مرة هذا الجيش يكون تحت النقد.
  4. “إسرائيل” رفضت بعد يوم من الحرب مقترح اتفاق السلام مع مصر، واصرت رئيسة الوزراء جولدا مائير على عودة مصر خلف الخطوط وفق ما كان قبل السادس من أكتوبر، ما لم تقبل به جولدا وقتها، حدث بعد سنوات، لكن بعد خسائر كبيرة.

الحرب كانت بالنسبة لـ “إسرائيل”  ضربة مؤلمة، فهي على الأقل وفقهم لم تنته بهزيمة العرب، بل يُمكن إطلاق بأنّ التعادل كان سيد الموقف، لكن الخسارة الأهم كانت استخباراتية وسياسية، حيث تدعي “إسرائيل” أنّ صهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والمعروف باسم أشرف مروان كان قد نقل لـ”إسرائيل”  نية مصر شنّ الحرب، كما أنّه وبحوالي أسبوعين قبل نشوب الحرب، كشفت صور التقطت من الجو أن سورية نشرت 670 دبابة و101 منصة مدفعية، وأنه عشية الحرب نشرت سورية 760 دبابة و140 منصة مدفعية عند الجبهة مع “إسرائيل” حيث كان بالإمكان الاستنتاج من ذلك أن النوايا هي نوايا هجومية[82].

بغض النظر عن النتائج النهائية للحرب، لكن ما يُمكن تأكيده أنّ “إسرائيل” ما بعد حرب تشرين اول 1973، هي ليست ذاتها قبل الحرب، فقد تراجعت هيبتها، ونزلت قيمة جيشها المُقدس، وبات الحديث عن إمكانية هزيمتها أمرٌ يدور الحديث عنه.

سابعاً: حرب لبنان الأولى 1982.

تُطلق “إسرائيل” على هذه الحرب اسم، عملية سلام الجليل، والتي جاءت على خلفية استمرار العمليات الفلسطينية من الساحة اللبنانية، خلال سنوات السبعينات أوائل الثمانينات، ولكن وفقها فإنّ السبب المباشر للحرب، عندما 1982 حاولت جماعة “إرهابية” بقيادة ابو نضال في حزيران يونيو 1982 اغتيال سفير “إسرائيل” لدى بريطانيا شْلومو أرْغوف والذي أصيب بجروح، وردًا على ذلك شن الجيش “الإسرائيلي” هجومًا آخر على لبنان وتمكّن من تحقيق هدفه الأصلي أي القضاء على قواعد المخربين في جنوب لبنان. وتم لاحقًا توسيع رقعة العملية لتشمل احتلال بيروت مما شكّل نقطة تحول العملية إلى حرب طويلة مستمرّة. وأخفقت الحرب في تحقيق هدفها الرئيسي. وتمّ توقيع معاهدة سلام مع لبنان ولكنّه لم يتم إقرارها بسبب ضعف الحكومة اللبنانية وقتها[83].

وقد شاركت سوريا في الحرب لفترة قصيرة (11-7 من حزيران يونيو 1982)، ليس في هضبة الجولان حيث تم التقيد باتفاقية فصل القوات بحذافيرها، وإنما في لبنان نفسه حيث كان لسوريا تواجد عسكري ملحوظ. ولم تتقدم المعارك البرية ضد القوات السورية بشكل جيّد بالنسبة للجيش “الإسرائيلي” الذي دفع ثمنًا باهظًا في مساعيه لشلّ القوات السورية وقطع الطريق السريع بين بيروت ودمشق. وخلافًا لذلك، تم في المعارك الجوية تدمير 14 بطارية صواريخ من طراز sam 2,3,6 روسية الصنع من أصل 19 بطارية كان السوريون قد نصبوها في لبنان، ولحقت أضرار بأربع بطاريات أخرى. وفقد سلاح الجو السوري والذي تم قطع الدعم البرّي عنه، 29 طائرة مقاتلة من طراز ميغ خلال يوم واحد. وكان هذا أعنف قتال دار بين الجانبين حتى ذلك الحين إذ شاركت فيه مئتا طائرة لكلا الجانبين كانت تقاتل في مجال جوي محدود جدًا. وكان سلاح الجو يدير هذا القتال بناء على العبر التي استُخلِصت من حرب يوم الغفران من خلال الدمج بين التدريب والتزويد بالعتاد العسكري ومبادئ التخطيط والسيطرة والمفاجأة والإبداعية. واستخدمت “إسرائيل” في القتال وسائل إلكترونية سرية ولذلك يمكن القول إنّ الحرب كانت حربًا إلكترونية[84].

العملية “الإسرائيلية” سارت بسرعة كبيرة في البداية، حيث في اليوم الأول قطع الجيش مسافة 27 كيلو متر في الأراضي اللبنانية، وفي الثامن من حزيران كان هناك مواجهات قوّية بين الفلسطينيين و”إسرائيل”  في مدينتي صور وصيدون، كما شارك في اليوم التالي 150 طائرة في مساندة القوّات البرية، اسقطت الطائرات “الإسرائيلية” خلالها 47 طائرة سورية[85].

معركة السلطان يعقوب، كانت من أهم المعارك في العين “الإسرائيلية”، حيث خسرت فيها “إسرائيل” 20 جندياً في معركة استمرت ثمانية ساعات مقابل القوّات السورية، وفقدت ستة آخرين[86]. في الثالث عشر من حزيران وصل الجيش إلى بيروت، التي خضعت لحصاره، بعد أن فقد 368 جندياً وقتل ألفاُ من المقاومة الفلسطينية، وأسر 6000 آخرين[87].

وقد استمر قصف بيروت وحصارها طويلاً، وفي 10 آب/أغسطس وافقت “إسرائيل” على مشروع للموفد الأميركي فيليب حبيب لإخراج الفدائيين والسوريين من بيروت وكل لبنان وطالبت بأن تسلم رسمياً قائمة أسماء الدول التي ستستقبلهم وأعداد الفدائيين المغادرين وجثث 9 جنود “إسرائيليين” دفنوا في بيروت خلال حرب 1978.

ولما عجزت الولايات المتحدة عن وقف القصف “الإسرائيلي” للبنان، حذر الرئيس الأمريكي “إسرائيل” بأن الولايات المتحدة ستنفض يدها من المفاوضات إذا واصلت غاراتها على بيروت. وأعلنت “إسرائيل” قبولها بوقف إطلاق النار[88]

وفي 20 آب/ أغسطس انسحبت “إسرائيل” من مرفأ بيروت ومحيطه وتسلمها الجيش اللبناني، وأعلن الرئيس الأمريكي ريغان موافقته على إرسال قوة اميركية إلى لبنان للمشاركة في إطار القوة المتعددة الجنسيات في الإشراف على خروج الفدائيين الفلسطينيين من بيروت، لكنّ “إسرائيل” اعادت اجتياح بيروت الغربية بعد مقتل بشير الجميل، الذي كان يرى فيه شارون بأنّه بوابة السلام مع لبنان[89].

مجزرة صبرا وشاتيلا كانت مفترق الطرق وفق “إسرائيل” ، فإنّ مقتل بشير الجميل، دفعها لمنح اذن للكتائب اللبنانية المسيحية لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، الأمر الذي أثار غضب دولي انتهى بانسحاب “إسرائيل” من بيروت، وتشكيل لجنة حكومية إسرائيلية ألزمت ارئيل شارون وزير الجيش حينها بالاستقالة[90]. خسرت “إسرائيل” بعدها الكثير من الجنود قتلى في لبنان، وأدت الحرب إلى خلخلة سياسية كبيرة في “إسرائيل”.

حيث أنّ عجز عملية سلامة الجليل عن تحقيق هدفها دفع بحكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها في 1984 إلى الانسحاب من لبنان. وبقيت في لبنان قوة رمزية بهدف مساعدة سكان الجنوب اللبناني في مراقبة المنطقة الأمنية، وهي شريط حدودي ضيق بمحاذاة الحدود مع “إسرائيل” كان حيويًا لتوفير الأمن للتجمعات السكنية في “إسرائيل” والتي يقع بعضها بالقرب من الحدود[91].

ووفق المؤرخين “الإسرائيليين”، فإنّ لحرب لبنان الأولى نتائج في الغالب كانت سلبية ويُمكن حصرها في النقاط التالية[92]:

  1. ساهمت الحرب بالقضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان وتوجيه ضربة قوّية لسورية.
  2. ساهمت الحرب في اضعاف الحزب الشيعي المعتدل أمل، وظهر بمكانه قوّة جديدة، حزب الله، الذي تمكن من خوض معارك ضارية ضد “إسرائيل”.
  3. الحرب التي قتل فيها 1216 حتى العام 2000، شهدت لأول مرة رفض فرقة “إسرائيلية” بقيادة ايلي جيبع تنفيذ أوامر قياداتها، ما عرف باسم التمرد.
  4. تراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية “الإسرائيلية” وصل إلى ذروته.
  5. الحرب مثلت انكسار في الثقافة الجماهيرية “الإسرائيلية” حتى اليوم.

ثامناُ: حرب لبنان الثانية.

حرب لبنان الثانية، والتي لا تزال رحى النقاش فيها إلى اليوم جارية، كانت من أهم المحطات التي واجهن “إسرائيل” ، حيث كان حزب الله وفق “إسرائيل” بعد انسحاب جيش الدفاع “الإسرائيلي” من لبنان سنة 2000 وإعادة انتشاره على امتداد الخط الأزرق بما يتفق مع قرارات الأمم المتحدة، قد استمر في اتخاذ موقفه العدواني والاستفزازي. وشمل هذا الموقف محاولات لاختطاف جنود “إسرائيليين” فضلا عن ارتكاب اعتداء على المدنيين “الإسرائيليين” في شمال البلاد[93].

حيث في 12 يوليو تموز من عام 2006 تسللت مجموعة من حزب الله إلى الأراضي “الإسرائيلية” لتهاجم دورية تابعة للجيش “الإسرائيلي”، وخلال هذا الاعتداء وما تبعه من محاولة لإنقاذ جنديين “إسرائيليين” مخطوفين قتل ثمانية جنود من الجيش “الإسرائيلي”. ولم تتم إعادة جثماني الجنديين المخطوفين الوكيل الاحتياط إيهود غولدفاسر والرقيب أول الاحتياط إلداد ريغف إلا بعد سنتين، في يوم 16 من يوليو تموز 2008. وردا على الاعتداء استهدف الجيش “الإسرائيلي” مقر حزب الله في لبنان ومطار بيروت الدولي، وفرض حصارا جويا وبحريا على لبنان أتبعه بهجوم بري على جنوب لبنان[94].

وطوال الحرب التي استمرت من 12 يوليو تموز حتى 14 أغسطس آب استهدف حزب الله وبصورة متعمدة السكان “الإسرائيليين” من خلال إطلاق ما يزيد عن 4000 صاروخ على المناطق المأهولة بكثافة، مما أسفر عن مقتل 44 شخصا وجرح ما يزيد على 600 شخص آخر. وقتل في تلك الحرب 121 جنديا إسرائيليا وجرح 450 آخرين. وقد اعتمد حزب الله على ترسانة كبيرة من الأسلحة احتوت على أكثر من 1000 صاروخ بعيد المدى وأكثر من 13,000 صاروخ قصير المدى بالإضافة إلى وحدات جوية وبحرية وقوات برية لحرب العصابات مزودة بالأسلحة المضادة للدبابات[95].

وتضمن رد الجيش “الإسرائيلي” نشر ما يقارب ال 10,000 جندي في لبنان وتنفيذ 18,800 طلعة جوية وإطلاق ما يزيد عن 120,000 قذيفة مدفع وإطلاق النيران من البحر. وقتل ما يزيد عن 600 من أفراد حزب الله ولحقت أضرار كبيرة ب 15,000 منشأة كان حزب الله يستخدمها. وقد قام الجيش “الإسرائيلي” خلال الحرب بتنسيق 800 قافلة نجدة و 613 مهمة إخلاء جوية وبرية وبحرية. وفي 12 آب أغسطس تمت الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، مما أدى إلى إعلان وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. وقد دعا القرار 1701 إلى الوقف المطلق للعمليات الحربية، كما حدد المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني منطقة عازلة خالية من “الأفراد المسلحين والعتاد والسلاح باستثناء ما يتبع الحكومة اللبنانية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة – اليونيفيل”، فضلا عن توسيع عدد قوات اليونيفيل إلى حد أقصى يبلغ 15,000 جندي[96] .

ربما مجريات الحرب وتطوراتها على الأرض، معلومة لكلّ باحثٍ ومطلع، لكن الأهم في هذه الحرب بأنّها استعدت تشكيل لجنة من أجل تقييم أداء الجيش “الإسرائيلي”، حيث كشفت هذه الحرب معضلة كبيرة تمثلت بعدم قدرة الجيش “الإسرائيلي” حسم المعركة، وربما دخوله الحرب دون استعداد كافٍ.

وقد تم تعيين اللجنة نتيجة الخيبة الكبيرة التي شعر بها الجمهور “الإسرائيلي” خلال الحرب ونتيجتها، وقد خلصت اللجنة التي حملت اسم فينوغراد، نسبةً إلى رئيسها الياهو فينوغراد[97]:

  1. الحرب شكلت خطراً كبيراً على “إسرائيل” ، وحملت في طيّاتها اخفاقاً كبيراً وخطيراً.
  2. شن عملية عسكرية واسعة انزلقت نحو حرب، لم تكن تستند العملية إلى خطة معدة مسبقاً، ولم تشمل تحديداً لأهداف قابلة للتحقيق والسبل الملائمة لتحقيقها.
  3. العملية البرية التي أطلقت في الأيام الأخيرة للنزاع العسكري بين حزب الله اللبناني و”إسرائيل” “لم تحقق أهدافها”. وأسفرت تلك العملية عن مقتل 33 جنديا “إسرائيليا”، وذلك قبل 60 ساعة من دخول وقف الأعمال الحربية حيز التطبيق يوم 14 آب 2006.
  4. الدخول في الحرب دون وضع استراتيجية للخروج شكل ثغرة خطيرة، مشيرا إلى أن إدارة الحرب كانت متعثرة على المستويين السياسي والميداني وخصوصا على مستوى القوات البرية.
  5. لم تجر القيادة العسكرية، أو القيادة السياسية، أو كلتاهما معاً، في أي من مراحل الفترة موضوع البحث، أي نقاشات معمقة وشاملة في شأن مخطط العملية وأهدافها وسبل تحقيقها
  6. “إسرائيل” فشلت عسكرياً أمام تنظيم يضم بضع آلاف من المقاتلين، استطاع مواجهة أقوى جيش في الشرق الأوسط، وبدى واضحاً عدم قدرتها في استخدام قوّتها العسكرية بشكل صحيح.
  7. الجيش لم يُقدم للمستوى السياسي خطط يُمكن الاستفادة منها، وأخفق في القضاء على القدرات الصاروخية لحزب الله.
  8. عدم استعداد الوحدات النظامية وقوات الاحتياط، والارتباك داخل صفوفها، وتضارب الأوامر الصادرة عن القيادة، وعدم تحقيق الجيش أهدافه.

إلى جانب المعارك الضارية في الحرب، كبنت جبيل، ومارون الراس، والتي ترى فيها “إسرائيل” أداءً كبيراً من قبل حزب الله، أثار مخاوف كبيرة خلال الحرب، فإنّ القناعة “الإسرائيلية” المترسخة، لا زالت في طور الشعور بأنّ الحرب وإن لم تكن هزيمةً محققة لإسرائيل، فهي بالتأكيد ليست نصراً[98].

وأهم ما يُمكن تلخيصه وفق مراكز البحث “الإسرائيلية”، من نتائج تراكمت للحرب بعد سنوات من انطلاقها وفق ما يلي[99]:

  1. استطاعت “إسرائيل” ردع حزب الله من خلال التهديد باستخدام نموذج الضاحية، في أي حرب قادمة ضد لبنان.
  2. في نفس الوقت فإنّ حزب الله، تمتع هو الآخر من جانبه بقوّة ردع موازية لتلم التي تمتلكها “إسرائيل” ، من خلال قدرته على تهديد كل الأراضي “الإسرائيلية”.
  3. ما بعد الحرب، خرج حزب الله أكثر قوّة، فهو إلى الجانب الصمود الكبير، أعاد ترميم قوّته، وحافظ على شعبية واسعة في لبنان.
  4. عدم تحقيق “إسرائيل” نصراً في الحرب، دفعها لتغيير استراتيجيتها الأمنية، التي كانت تعتمد على الحسم، وباتت تعتمد على الردع المتبادل مع قوى المقاومة.

تاسعاً: حروب “إسرائيل” على غزة.

ثلاثة اعتداءات حربية، خاضتها “إسرائيل” ضد غزة منذ العام 2008، والهدف الأوحد لها، كان اسقاط حكم المقاومة هناك، وتفكيك سلاحها، ومنعها من الاستمرار في زيادة قوّتها وتهديد “إسرائيل” المستمر. وهذه أبرز المُعطيات عن تلك الحروب[100]:

  1. الحرب الأولى: كانت في 27 ديسمبر/كانون الأول، لعام 2008، حيث شنت “إسرائيل” حرباً وبشكل مفاجئ على قطاع غزة، أسمتها “الرصاص المصبوب”، فيما أطلقت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “حرب الفرقان” وقد استمرت الحرب مدة 21 يوماً، أدت عملية “الرصاص المصبوب”، إلى مقتل أكثر من 1436 فلسطينيًا بينهم نحو 410 أطفال و104 نساء ونحو 100 مسن، وإصابة أكثر من 5400 آخرين نصفهم من الأطفال. فيما قُتل 13 “إسرائيليا” بينهم 10 جنود وإصابة 300 آخرين، حيث أطلقت المقاومة قرابة 900 صاروخ وقذيفة باتجاه “إسرائيل”.
  2. الحرب الثانية: كانت في العام 2012، في الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني 2012، شنت “إسرائيل” حرباً ثانية على قطاع غزة، أسمتها “عامود السحاب”، فيما أسمتها حركة حماس “حجارة السجيل”، واستمرت لمدة 8 أيام، حيث اندلعت الحرب بعد مقتل قائد كتائب القسام أحمد الجعبري، وأسفرت تلك العملية العسكرية عن مقتل 162 فلسطينيًا بينهم 42 طفلاً و11 سيدة، وإصابة نحو 1300 آخرين بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فيما قتل 20 إسرائيليًا وأصيب 625 آخرين، معظمهم بـ”الهلع”، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
  3. الحرب الثالثة: في السابع من يوليو/تموز 2014، شنت “إسرائيل” حربها الثالثة على قطاع غزة، أسمتها “الجرف الصامد”، فيما أطلقت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “العصف المأكول”. وعلى مدار “51 يومًا” تعرض قطاع غزة، الذي يُعرف بأنه أكثر المناطق كثافة للسكان في العالم، (1.9 مليون فلسطيني) لعدوان عسكري إسرائيلي جوي وبري، تسبب بمقتل 2322 فلسطينيًا، بينهم 578 طفلاً (أعمارهم من شهر إلى 16 عاما)، و489 امرأةً (20-40)، و102 مسنًا (50-80)، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. في المقابل، كشفت بيانات رسمية “إسرائيلية” عن مقتل 68 عسكريًا من جنودها، و4 مدنيين، إضافة إلى عامل أجنبي واحد، وإصابة 2522 “إسرائيلياً” بجروح، بينهم 740 عسكريًا، حوالي نصفهم باتوا معاقين، بحسب بيانات عبرية.

تلك الحروب استخدمت فيها “إسرائيل” سياسة الأرض المحروقة، تحديداً في الحرب الأخيرة على القطاع، حيث قامت بتدمير عشرات آلاف البيوت، كسياسة ردعٍ استخدمتها ضد المقاومة الفلسطينية، مستعيدةً نموذج الضاحية الجنوبية في لبنان.

من الناحية “الإسرائيلية”، مثلت تلك الحروب جوانب من النجاح الجزئي، والاخفاق الأكبر، حيث يُمكن اعتبار النجاح في زاوية المساس في قدرات المقاومة الفلسطينية وتحديداً حركة حماس، وكذلك التأثير على توجهاتها في افتعال حربٍ جديدة[101]، حيث أنّ مساحة الردع ازدادت مع حجم الخسائر التي احدثتها “إسرائيل” في غزة.

لكن من الجوانب الأخرى، فإنّ “إسرائيل” استمرت في سياسة فقدان هوية المنتصر، حيث أثبتت الحروب على قطاع غزة، وتحديداً الأخيرة منها، بأنّ “إسرائيل” لم تُحقق نصراً[102]، بل وجلبت إلى “إسرائيل” مساحة كبيرة من النقد الدولي، بسبب الخسائر الكبيرة بين المدنيين[103]، اللذين خسروا ارواحهم وبيوتهم.

كما أنّ عدم النجاح في حرب 2014 ضد غزة، لم يفلت من النقد العام ومن تقرير من العيار الثقيل لمراقب الدولة، شمل النقاط التالية[104]:

  1. أخفقت القيادة العسكرية والسياسية في الاستعداد للحرب، خاصة فيما يتعلق بخطر الأنفاق القادمة من قطاع غزة باتجاه الكيان.
  2. كانت المؤسسة السياسية والعسكرية والهيئات الاستخباراتية على علم بتهديد الأنفاق وحتى عرّفته بأنه استراتيجي، لكن الأفعال التي اتخذت لم تكن على مستوى التهديد.
  3. رئيس الوزراء نتنياهو ووزير جيشه موشيه يعلون، أخفيا معلومات مهمّة عن بقية أعضاء المجلس الوزاري المصغر.
  4. قصر الجيش في اعداد خطط واضحة للحرب، وفي تدريب قوّاته بشكل كافٍ.
  5. لم ينجح الجيش في تدمير نصف الأنفاق التي بحوزة المقاومة، على خلاف ما تم ترويجه من المستوى السياسي والعسكري.
  6. لم تُحقق “إسرائيل” نصراً في الحرب، وامتدت الحرب لفترة طويلة، خلافاً للرغبة “الإسرائيلية”، ولم تستلم فيها المقاومة.

والأهم من ذلك اسرائيلياً، فقد وصلت “إسرائيل” لقناعة أنّ مساحة الردع المتبادل ما بين المقاومة في غزة، وما بين “إسرائيل” ، بات يمنعها من التفكير بخوض حربٍ شاملة ضد القطاع، بل وباتت تعتبرها حرباً زائدة[105]، في إشارة واضحة إلى عدم قدرة حسمها.

بعد الحرب أشارت “إسرائيل” أنّها استطاعت ضمان الهدوء لفترة طويلة، من خلال سياسة الردع التي امتلكتها، لكنّ تكرار عمليات التصعيد واستمرار حالة الاستنزاف التي تُمارسها المقاومة، والتي أرغمت “إسرائيل” على تنفيذ جزءٍ من التفاهمات حول تخفيف الحصار، الذي يفتك بالقطاع، يؤكد أنّ حالة الردع تلاشت، حيث يعتبر مردخاي كيدار من كبار المؤرخين في “إسرائيل” ، بأنّ الردع مقابل غزة انتهى، وأنّ “إسرائيل” عليها العمل لاستعادته[106]، وفي ظل عدم وضوح النصر “الإسرائيلي”، أشار مردخاي أنّ قوى المقاومة في غزة، تشعر بأنّها لم تُهزم بل ولديها رغبة في القتال[107].

وما لا يُمكن اخفاؤه وفق “إسرائيل” بأنّ الحصار الكبير على قطاع غزة، وحالة الانقسام الفلسطيني التي تصب في صالحها، ربما تُثير الكثير من الضغط على المقاومة الفلسطينية، لكنّ على المستوى العسكري، تؤكد بأنّها فشلت، وذلك للأسباب التالية[108][109][110]

  1. قوّة حماس والجهاد الإسلامي تضاعفت، حيث أنّ القوّة الصاروخية للجانبين زادت كمّاً ونوعاً، وكذلك عدد المقاتلين ارتفع.
  2. شنت المقاومة ضد “إسرائيل” العديد من جولات التصعيد، والتي استطاعت من خلالها تأكيد استمرار تهديد إسرائيل.
  3. الشعور العام لدى سكان الجنوب، بأنّهم رهينة في يد المقاومة، ولم تستطع الحكومة الإسرائيلية تقديم حلول سحرية لهم.
  4. لدى حماس وضوح استراتيجي في تهديد “إسرائيل” المستمر، واستطاعت ادخال إسرائيل في حرب استنزاف لا تستطيع التعايش معها.
  5. باتت حماس تمتلك قُدرة تهديد أكبر من حيث مساحة الاستهداف، وباتت تُشكل خطورة كبيرة من خلال احتمالية اقتحامها للحدود في أي لحظة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1]  حمزة العقرباوي. (1.05.2019). ثورة يافا.. اول كفاحنا المسلح. الترا فلسطين. https://ultrapal.ultrasawt.com/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%8A%D8%A7%D9%81%D8%A7-%D8%A3%D9%88%D9%91%D9%84%D9%8F-%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%AD%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%B3%D9%84%D8%AD/%D8%AD%D9%85%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D8%B1%D8%A8%D8%A7%D9%88%D9%8A/%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9

[2]  الأرشيف. (15.06.2014). أحداث يافا، (الانتفاضة الأولى). أرشيف بتاح تكفا. https://ptarchive.wordpress.com/2014/06/15/%D7%A4%D7%A8%D7%A2%D7%95%D7%AA-%D7%AA%D7%A8%D7%A4%D7%90-%D7%94%D7%90%D7%99%D7%A0%D7%AA%D7%99%D7%A4%D7%90%D7%93%D7%94-%D7%94%D7%A8%D7%90%D7%A9%D7%95%D7%A0%D7%94-1-5-1921/

[3]  نفس المرجع السابق.

[4]  الموسوعة الفلسطينية. (2020). ثورة 1929، البراق. الموسوعة الفلسطينية.

[5]  فلسطين اليوم. (17.06.2018). ذكرى استشهاد ابطال ثورة البراق محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير. فلسطين اليوم. https://paltoday.ps/ar/post/325187/%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84-%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AC%D9%85%D8%AC%D9%88%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%A4%D8%A7%D8%AF-%D8%AD%D8%AC%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D9%88%D8%B9%D8%B7%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%8A%D8%B1

[6]  عوز روزنبرج. (18.08.2019). 90 سنة بعد ذلك، كيف أثرت أحداث البراق على الصورة النازفة لإسرائيل. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-713938

[7]  واي نت. (2020). أحداث البراق. واي نت. https://www.ynet.co.il/yaan/0,7340,L-455843-PreYaan,00.html

[8]  الموسوعة الفلسطينية. (2020). ثورة 1936-1939. الموسوعة الفلسطينية.

[9]  نفس المرجع السابق.

 

[10]  وكالة وفا. (2019). الانتفاضة من الرباق إلى الأقصى. وكالة وفا.

[11]  الموسوعة الفلسطينية، مرجع سابق.

[12]  فتحي خطاب. (16.4.2019). الثورة الفلسطينية الكبرى، أطول ثورة شعبية في التاريخ العربي. الغد. https://www.alghad.tv/%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%88%D8%A3%D8%B7%D9%88%D9%84-%D8%AB%D9%88/

[13]  يوئاب جلبر. (2004). الثورة والنكبة. دبير، تل ابيب.

[14]  جيلي حسكين. (2018). الثورة العربية الكبرى 1936. جيلي حسكين. https://www.gilihaskin.com/%D7%94%D7%9E%D7%A8%D7%93-%D7%94%D7%A2%D7%A8%D7%91%D7%99-%D7%94%D7%92%D7%93%D7%95%D7%9C-%D7%A9%D7%9C%D7%91-%D7%90-1936/

[15]  يعكوب شبيت. (1983). ضبط نفس أو رد، التوتر في اليشوف 1936-1963. جامعة بار ايلان، رمات جان.

[16]  نفس المرجع السابق.

[17]  ديفيد بم جوريون. (1985). أرشيف حزب العمل. حزب العمل.

[18]  جيلي حسكين. مرجع سابق.

[19]  يهودا سيلوتسكي. (1986). ملخص نشأة الهجناه. متاخ (المركز التكنولوجي التعليمي). القدس.

[20]  يعكوب شبيت. مرجع سابق.

[21]  يتسحاك كنلتسون. (1938). أمن اليشوف، والحلّ السياسي. صحيفة هبوعل هتسعير.

[22]  جيلي حسكين. مرجع سابق.

[23]  يعكوب شبيت. مرجع سابق.

[24]  سلفين الون. (2008). حرب الاستقلال، المجريات الأساسية الخمس. متاخ (المركز التكنولوجي التعليمي). القدس.

[25] نفس المرجع السابق.

[26]  يريب بيلج. (2013). حرب الاستقلال، مرحلة، مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1948-war/Article-bf11a356a05a041006.htm

[27]  نفس المرجع السابق.

[28]  مئير بيعيل. (1998). حروب إسرائيل: حرب الاستقلال. مكسيم. القدس.

[29]  سلفين ألون. مرجع سابق.

[30]  موقع الكنيست. (2008). حرب الاستقلال. موقع الكنيست.

[31]  يريب بيلج. مرجع سابق.

[32]  نفس المرجع السابق.

[33]  مئير بيعيل. مرجع سابق.

[34]  يريب بيلج. مرجع سابق.

[35]  ابيجيل اورن. (1995). تأسيس الجيش بعد تأسيس الدولة. متاخ (المركز التكنولوجي التعليمي). القدس.

[36]  موقع الكنيست. مرجع سابق.

[37]  حان ميلول. (21.06.2017). عندما كانت الدولة الصغيرة على وجه حرب أهلية. هسفرونيم. https://blog.nli.org.il/%D7%90%D7%9C%D7%98%D7%9C%D7%A0%D7%94/

[38]  نفس المرجع السابق.

[39]  مئير بيعيل. (1998). حروب إسرائيل: حرب الاستقلال. مكسيم. القدس.

[40]  نفس المرجع السابق.

[41]  يريب بيلج. (2013). حرب الاستقلال، مرحلة، مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1948-war/Article-bf11a356a05a041006.htm

[42]  نفس المرجع السابق.

[43]  مئير بيعيل. مرجع سابق.

[44]  مورلي هبا اون. (16.04.2018). الحقيقة من وراء أقلية ضد أكثرية. بروت كدوشوت. https://parotk.com/29-%D7%A2%D7%A6%D7%9E%D7%90%D7%95%D7%AA-2018-%D7%94%D7%A2%D7%95%D7%91%D7%93%D7%95%D7%AA-%D7%9E%D7%90%D7%97%D7%95%D7%A8%D7%99-%D7%9E%D7%99%D7%AA%D7%95%D7%A1-%D7%9E%D7%A2%D7%98%D7%99%D7%9D-%D7%9E/

[45]  نفس المرجع السابق.

[46]  يريب بيلج. (2013). حرب 1956، مرحلة بعد مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/suez-crisis/Article-d69a63a1cc8f041006.htm

[47]  موقع الجيش الإسرائيلي. (2019). حرب سيناء 1956. موقع الجيش الإسرائيلي. https://www.idf.il/%D7%90%D7%AA%D7%A8%D7%99%D7%9D/%D7%94%D7%94%D7%99%D7%A1%D7%98%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%94-%D7%A9%D7%9C-%D7%A6%D7%94%D7%9C/%D7%93%D7%A4%D7%99-%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%95%D7%AA/%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%A1%D7%99%D7%A0%D7%99/

[48]  مدار. (2016). شمعون بيريس: من “أوسلو” إلى حكومات رفضت الحل. مركز مدار. رام الله.

[49]  يريب بيلج. (2013). حرب 1956، مرحلة بعد مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/suez-crisis/Article-d69a63a1cc8f041006.htm

[50]  يعكوب بار اون. (24.10.2016). مدير مكتب موشيه ديان، يكشف ماذا دار خلف الكواليس في حرب 1956. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/military/Article-561001

[51]  الموسوعة الفلسطينية. (2919). حرب 1956. الموسوعة الفلسطينية.

[52]  موقع الجيش الإسرائيلي. مرجع سابق.

[53]  يريب بيلج. (2013). حرب 1956، مرحلة بعد مرحلة. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/suez-crisis/Article-d69a63a1cc8f041006.htm

[54]  يعكوب بار اون. (24.10.2016). مدير مكتب موشيه ديان، يكشف ماذا دار خلف الكواليس في حرب 1956. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/military/Article-561001

[55]  نفس المرجع السابق.

[56]  الأرشيف. (2017). مجموعة وثائق حرب 1967. الأرشيف الإسرائيلي. https://www.archives.gov.il/p67/

[57]  زخي شالوم. (2006). الدبلوماسية في ظل الحرب. النقب: جامعة بن جوريون.

[58]  ايلي اشكنازي. (5 حزيران, 2016). الجيش لا يؤمن في الحكومة: الخلافات مساء حرب 1967 تم كشفها. تم الاسترداد من ويلا: https://www.google.ps/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=5&cad=rja&uact=8&ved=0ahUKEwiU0sW73IjWAhWCb1AKHT-

[59]  امنون لورد. (5 حزيران, 2016). احتللنا، هجرنا وسطونا: اعادة تاريخ حرب الستة أيام. تم الاسترداد من ميدا: http://mida.org.il/2016/06/05/%D7%A9%D7%9B%D7%AA%D7%95%D7%91-%D7%94%D7%94%D7%99%D7%A1%D7%98%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%94-%D7%A9%D7%9C-%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%A9%D7%A9%D7%AA-%D7%94%D7%99%D7%9E%D7%99%D7%9D/

[60]  آبي بيتسور. (أيار, 2017). اكيف يتم بناء السور: الجبهة الداخلية الإسرائيلية في حرب الستة أيام. معرخوت 472، الصفحات 64-69.

[61]  الأرشيف الإسرائيلي. مرجع سابق.

[62]  اوري ميلشتاين. (27 أيار, 2017). 50 عام للحرب التي غيرت وجه الدولة. تم الاسترداد من معاريف: http://www.maariv.co.il/news/military/Article-585829

[63]  الأرشيف الإسرائيلي. مرجع سابق.

[64]  نفس المرجع السابق.

[65]  ايلي أشكنازي. (2017). ماذا سيكون مع العرب. تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3065827

[66]  الأرشيف الإسرائيلي. مرجع سابق.

[67]  اورن نهري. (10 حزيران, 2017). عندما قامت اسرائيل باسقاط طائرة روسية والسوفييت اوازنوا الرد على ذلك. تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3071335

[68]  أساف جولن. (18 أيار, 2017). من الخوف حتى النصر، احداث حرب 1967. تم الاسترداد من 360: http://www.360.co.il/landing-page.html

[69]  وزارة الخارجية. (2019). حرب الاستنزاف (1970-1968). موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية. القدس.

[70]  نفس المرجع السابق.

[71]  يريب بيلج. (2013). حرب الاستنزاف مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/war-of-attrition/Article-708b580de15c041006.htm

[72]  نفس المرجع السابق.

[73]  جيا لرون. (4.09.2019).  اليوم بات ممكناً القول إن حرب الاستنزاف تفاقمت لأن الولايات المتحدة أرادت تجريب سلاح جديد!. هآرتس. https://wetransfer.com/downloads/80c81336abbcafae9968df06b4fa9e1a20200322085222/f4a9a497180168d0365e79ff340ef75420200322085222/70f551?fbclid=IwAR2hTq7VTemqyGxV_cZZareZreVEw_JgZlD0Li9BhVepqsAf8k2VBRqusDc

[74]  وزارة الخارجية. (2019). حرب يوم الغفران. موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية. القدس.

[75]  المكتبة الوطنية. حرب يوم الغفران- بعد 40 سنة. المكتبة الوطنية الإسرائيلية. القدس.

[76]  القناة الثانية. (30.05.2011). ملخص حرب يوم الغفران 1973. القناة الثانية. https://www.youtube.com/watch?v=D6981pKYrtk&ab_channel=zapanativ

[77]  نفس المرجع السابق.

[78]  نفس المرجع السابق.

[79]  سارة اهروني ومائير اهروني. (1998). حروب إسرائيل: حرب يوم الغفران. مكسيم. القدس.

[80]  نفس المرجع السابق.

[81]  يجال كيبينس. (8.10.2019). أكثر بكثير من انتكاسة: ماذا لا نعلم عن حرب 1973. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/military/Article-723047

[82]  نفس المرجع السابق.

[83]  وزارة الخارجية. (2019). عملية سلامة الجليل (1982). موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي.

[84]  نفس المرجع السابق.

[85]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[86]  نفس المرجع الأسبق.

[87]  لترون. (2019). سلاح المدرعات في حرب لبنان الأولى. بارك لترون. https://yadlashiryon.com/armor_wars/the-war-on-the-galil/

[88]  نفس المرجع السابق.

[89]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[90]  عوفير ادرات. (21.09.2012). 30 عام على مجزرة صبرا وشاتيلا، لا زالت المعطيات مخفية عن الجمهور. هآرتس. https://www.haaretz.co.il/hblocked?returnTo=https%3A%2F%2Fwww.haaretz.co.il%2Fnews%2Fpolitics%2F1.1825136

[91]  وزارة الخارجية. مرجع سابق.

[92]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[93]  هآرتس. (7.07.2016). 34 يوماً من الحرب. هآرتس. https://www.haaretz.co.il/st/c/prod/heb/2016/news/06/timelineLebanon/

[94]  نفس المرجع السابق.

[95]  موقع الخارجية الإسرائيلية. (2019). حرب لبنان الثانية. موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي. القدس.

[96]  نفس المرجع السابق.

[97]  جابي سيبوني. (2016). العبر من حرب لبنان الثانية وتطبيقها. معهد دراسات الأمن القومي. https://www.inss.org.il/he/wp-content/uploads/sites/2/2017/07/%D7%A2%D7%A9%D7%95%D7%A8-%D7%9C%D7%9E%D7%9C%D7%97%D7%9E%D7%AA-%D7%9C%D7%91%D7%A0%D7%95%D7%9F-%D7%94%D7%A9%D7%A0%D7%99%D7%99%D7%94-%D7%A1%D7%99%D7%91%D7%95%D7%A0%D7%99.pdf

[98]  يريب بيلج. (2013). حرب لبنان الثانية، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/2006-lebanon-war/Article-025df711af2e041006.htm

[99]  كرميت فلنسي، ويورم شفايتسر. (2016). نظرية ردع حزب الله تجاه إسرائيل. معهد دراسات الأمن القومي.

[100]  علا عطا الله. (29.12.2016). 3 حروب إسرائيلية على غزة. الاناضول. https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/3-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D9%81%D9%88%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%83-/716131

[101]  جابي سيبوني. (2014). بين الرصاص المصبوب والجرف الصامد. معهد دراسات الأمن القومي. تل ابيب.

[102]  يورم شفايتسر. (2014). عدم اتضاح هوية المنتصر في الحرب ضد جيش عصابات. معهد دراسات الأمن القومي. تل ابيب.

[103]  نفس المرجع السابق.

[104]  مراقب الدولة. (28.02.2017). عملية الجرف الصامد. موقع مراقب الدولة. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2017/3/1/%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B7-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A

[105]  يوسي ميلمان. (25.03.2019). لا أحد يريدها لكن الحرب الرابعة ضد غزة اقتربت. معاريف. https://www.maariv.co.il/journalists/Article-691252

[106]  مردخاي كيدار. (14.11.2018). سياسة الردع مقابل غزة فشلت. ميدا. https://mida.org.il/2018/11/14/%D7%9E%D7%93%D7%99%D7%A0%D7%99%D7%95%D7%AA-%D7%94%D7%94%D7%A8%D7%AA%D7%A2%D7%94-%D7%9E%D7%95%D7%9C-%D7%A2%D7%96%D7%94-%D7%A0%D7%9B%D7%A9%D7%9C/?__cf_chl_captcha_tk__=f2b253973434a1a5221385a68aa26043270135ff-1585389553-0-AYnH4sNPXkZ15DPfCSYVNzHiG70FcFfYnknj4IKEjq8KBWrE1ULtna7uidnhbSJXfYk6HurSwsDWTJ3W9rS4FC0O28PLKSXwyu1dLUl7oCbSWk9CWgT6-uUUe6ISnTAveSfiSdQzehFgn_krsbCRy_HIoIPC3L00wJwSZtNtHC16IOBL5z6jQFCCrcQrF_GI5ZuUVlU84eaYBrXmg_Dmt1JAhe0YBDniPtUpd4IAIMAZgchakY8jsYRzty_SmeyEA4XofdV4kmh8uJECHwoRjlc7BwvoNpgerq5QYffZ1wdNTr9SIwJiT1lOwi0mAOd4LbzbDIORIUfWqF_ENb1ojJ7A38NLp0nESuq2X0TdzJrtyvVfWI1HRK_kbbWLxz8OP31-7gfrR9iRnB7VZsjjqius6o_b-gDqSve93OjSUQqZ-o7dkd7Lu7lc1RAJ9EBi7dDxcfsRiCAtOWMAmDj0aw68Jy4FLETByEg8x28muzZOyFuVjBgyOG559vavthFh8Uee5e3qISg84S1SsdGUX59E3678-EapaJ3Z5eDE9Xd4zp8WXOurw3JRsb_5LAWnE9zmhgUKxYcPMYkxHMQVl1JYHE0kFbB5wG5hZJYEx8I4YSXfpJd_A9XRgyVeWwkBwt9NaQBHfNdqRwwHS3eKqjeBpUDspfBcidv-KUqT4-tcVgI90R40eIRLs-FkKVd8vg

[107]  نفس المرجع السابق.

[108]  شاي ليفي. (13.11.2019). التهديد من غزة، هذه قدرات حماس مقابل الجهاد الإسلامي. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-soldiers/Article-ddaad3666b36e61027.htm

[109]  تامار ليفيا. (28.06.2019). التهديد الهادئ من قطاع غزة. يديعوت احرونوت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5538348,00.html

[110]  جدعون الون. (26.11.2018). التهديد من غزة ليس وجودي لكن لا نستطيع الحياة معه. إسرائيل اليوم. https://www.israelhayom.co.il/article/611033

دراسات

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 ودور الشيخ عز الدين القسام في إشعالها (القساميون وثورة الـ 36)

نشر

في

بواسطة

إعداد: كمال جهاد الجعبري

مركز القدس للدراسات

المقدمة

شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1917 و1948، أيّ فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، العديد من الثورات والهبّات الفلسطينية، منها ما كان عابرًا استمر لعدة أيّام، ومنها ما استمرّ لسنين عدّة، ومنها ما أخذ شكل الانتفاضات الشعبية والمظاهرات السلمية، ومنها ما أخذ طابعًا عسكريًّا، ومنها ما جمع بين هذين الأمرين.

من بين تلك الثورات: الثورة الفلسطينية الكبرى التي وقعت في الفترة بين عامي 1936 و1939، وتُعدّ من أطول الثورات الفلسطينية مدّة، وفي هذا الورقة يستعرض الباحث، دور الشيخ عز الدين القسام في إشعال الثورة على مستويين: الأول دور الشيخ عز الدين القسام بصفته، شخصية دعوية في غرس روح الجهاد والمقاومة في عموم طبقات الشعب الفلسطيني، والثاني دور حراكه الثوري و تنظيمه المسمى بـ (الجهادية) في إشعال الثورة، ومن ثم قيادة مجرياتها وأحداثها.  

الظروف التي أدت إلى قيام الثورة و ما سبقها من أحداث

بعد إخماد ثورة البراق 1929، وقد كان لتدخل السلطات البريطانية الأثر الأكبر في إخمادها، بدأت تتوجه أنظار القوى الشعبية الفلسطينية إلى عدوّ جديد هو الداعم الرئيس للمشروع الصهيوني والحركة الصهيونية المتمثل في سلطات الاحتلال البريطاني، و بدأت بالفعل الحراكات الثورية والحزبية تتجه نحو مقاومة فكرة الانتداب البريطاني.

و كان من أبرز الأحداث التي وقعت في الفترة بين عامي 1929 و1936، وأسهمت في اندلاع الثورة:

  • ظهور عصابة الكف الأخضر المسلحة، وهي تنظيم عسكري مسلح أسسه المجاهد أحمد طافش، و كان الهدف منها محاربة الوجود اليهودي في مناطق صفد والشمال، وانضمّ إليها عدد من المناضلين من الدول المجاورة من شرق الأردن وسوريا، وكان لها عمليات قتل واختطاف بحق السماسرة الذي كانوا يقومون بعمليات بيع الأراضي في طبريا وصفد للحركة الصهيونية، إلا أن هذا التنظيم لم يدم طويلاً، فلم يمتد أكثر من سنة بفعل الحملات العسكرية البريطانية التي أدّت إلى مقتل واعتقال جلّ كوادره .
  • تعيين الجنرال أرثر واكهوب مندوبًا ساميًا لفلسطين في العام 1930، حيث بدأ هذا المندوب -الذي ظن العرب في بداية الأمر أنه بعيد عن الضغوط اليهودية- بتوطيد دعائم المشروع الصهيوني، ففي عهده اكتشفت شحنات من السلاح المهربة للعصابات الصهيونية في ميناء حيفا، وارتفعت الهجرة اليهودية في عهده من ما لا يزيد عن 170 ألف يهودي لتصل إلى ما يقارب 234 ألف يهودي، وتم في عهده كذلك الاستيلاء على مستنقعات الحولة في شمالي فلسطين، حيث قامت القوات البريطانية بالقوة بمصادرة 15 ألف دونم من الأراضي الزراعية و تسليمها لليهود.
  • المؤتمر الإسلامي: كان لعقد المؤتمر الإسلامي في القدس دورٌ أساسيٌ في تنمية الوعي الثوري والإسلامي تجاه قضية المسجد الأقصى ومخاطر التهويد التي كانت تحيق به، فقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في سياق تحركٍ شعبيٍ إسلاميٍ واسع النطاق جراء التهديد الخطير الذي تعرض له المسجد الأقصى على يد الحركة الصهيونية أثناء أحداث ثورة البراق، وكان الشخصان اللذان شكّلا الحراك الفعال الذي أدى إلى عقد هذا المؤتمر مفتى القدس الحاج أمين الحسيني و الزعيم الإسلامي مولانا شوكت علي لولب اللبناني الأصل رحمهما الله تعالى ، وحضر هذا المؤتمر 22 مندوبًا من مختلف الأقطار الإسلامية، و كان من ضمنهم شخصيات إاسلامية بارزة من أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والشاعر محمد اقبال وغيرهم، وخرج المؤتمر بعدةِ قرارات وتوصيات، منها إنشاء جامعة إسلامية، وإنشاء لجان لمنع بيع الأراضي لليهود، إلا أنّ وقوع العديد من الأقطار التي ينمتي إليها المؤتمرون حال دون تطبيق هذه القرارات و التوصيات.
  • إنشاء الأحزاب الوطنية وانتفاضة 1933: تعد فترة ما بين عامي 1933 و1935 مفصلية في تكوين وإشعال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فقد أدت سياسة سلطات الانتداب ذات الأذن المفتوحة للحركة الصهيونية والأُذن المغلقة عن العرب ومطالبهم إلى تصاعد فكرة التوجه للمواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب، إلّا أنّ  هذه المواجهة بدأت في بداية الأمر تأخذ طابعًا سلميًّا عن طريق إنشاء الأحزاب ورفع العرائض والمذكرات، وكان من أبرز تلك الأحزاب التي أُنشئت “حزب الاستقلال” في عام 1932، و”الحزب العربي الفلسطيني” الذي حظي بدعم المفتي الحاج أمين الحسيني، وتشكلت في تلك الفترة، أو وُضعت نواة تشكيل جماعات جهادية مسلحة من أمثال “جماعة الجهاد المقدس” بقيادة عبد القادر الحسيني و”تنظيم الجهادية” بزعامة الشيخ السوري المجاهد عز الدين القسام، إلّا أنّ الحدث الأبرز كان في شهر 10 من العام 1933، حيث دعت القوى الشعبية والحزبية الفلسطينية إلى إضراب في عموم فلسطين بسبب عدم تجاوب سلطات الانتداب مع مطالب الأحزاب، وخرجت المظاهرات في عدة مدن فلسطينية، وكان أبرزها تلك التي خرجت من المسجد الأقصى بقيادة الزعيم الوطني موسى الحسيني الذي تعرض للضرب، وذكر أنه توفي من أثره بعد عدة سنوات، واستخدمت السلطات البريطانية القمع والرصاص الحي، و قُتل خلال هذه الأحداث 35 فلسطينيًّا و جُرح 255 آخرين، و شكلت أحداث هذه الانتفاضة منعطفًا مهمًا خلال تاريخ النضال الفلسطيني، حيث بدأ خيار المقاومة المسلحة يلوح في الأفق، وبدا حلاً أنجع لمقاومة الانتداب البريطاني ودعمه للسياسات التهويدية .

دور الشيخ عز الدين القسام و ثورته في إشعال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936

أولاًالتعريف بالشيخ عز الدين القسام: هو الشيخ عز الدين عبد القادر مصطفى القسام، ولد في عام 1871، في قرية جبلة في اللاذقية في سوريا. نشأ نشأة إسلامية محافظة على تعاليم الإسلام وأدابه، وغادر إلى الأزهر، ودرس فيه، ثم أكمل دراسته في تركيا ليتعلم العقيدة وأصولها . 

كان للشيخ عز الدين القسام جهود دعوية خاصة في قرية جبلة ومدينة اللاذقية لأنه كان يؤمن أن دور الداعية ليس محصورًا في المساجد، بل يجب أن يتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته، ولذلك، وعندما غزا الطليان ليبيا في عام 1911، حشد الشيخ بضعة مئات من المتطوعين للذهاب إلى ليبيا إلى الجهاد، إلا أن الوالي العثماني شكرهم ونصحهم بعدم الذهاب .

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية واحتلت القوات الفرنسية منطقة شمالي بلاد الشام التي باتت تعرف بسورية، قاد الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد واستطاع تجنيد العديد من القرويين للجهاد، وقاموا بثورة مسلحة في جبل صهيون وذلك في عام 1919، وكان من أبرز مساعديه الشيخ عمر البيطار، إلا أن السلطات الفرنسية قمعت الثورة وأخمدتها، واضطر الشيخ القسام للمغادرة إلى فلسطين . 

ثانيًاقدومه إلى فلسطين: قدم القسام إلى فلسطين في الفترة بين شهر 8 و12 من العام 1920، و ذكر أنّه قدم من جسر الشغور إلى بيروت سيرًا على الأقدام برفقة ستة من أصحابه، منهم الشيخ محمد حنفي، حيث انتقلوا من هناك إلى صيدا ثم عكا ثم حيفا ، وبعد أشهر من قدوم القسام إلى مدينة حيفا عمل في التدريس، فقد درّس في كل من مدرسة الإناث الإسلامية ومدرسة البرج الإسلامية، اللتين تشرف عليهما الجمعية الإسلامية في حيفا، وشاركه في التدريس عدد من الهاربين أو المبعدين من الثوار السوريين، وعمل كذلك إمامًا وخطيبًا لمسجد الاستقلال في حيفا منذ بنائه عام 1925 ، ومأذونًا شرعيًّا لدى المحكمة الشرعية في حيفا وذلك في عام 1930 .

أسهمت طبيعة هذه المهن الثلاث في تسهيل احتكاك الشيخ بعموم الناس في حيفا وشمالي فلسطين، وعمل الشيخ من خلال هذا الاحتكاك على تنمية حب الجهاد والاستشهاد والتضحية في نفوس الناس.

إن تواصل الشيخ، لم يكن مقتصرًا على فئة المتدينين من الناس، بل إن طبيعة عمله، مأذونًا شرعيًّا، سمحت له بمخالطة فئات أخرى من الناس من خلال مشاركته في أفراحهم ومختلف مناسباتهم الاجتماعية . 

ثالثًاالقسام والأعمال الدعوية والتطوعية: تبين لنا أن القسام لم يكن مجرد إمام أو خطيب مسجد بل كان صاحب مشروع، فانخرط في أكثر من عمل تطوعي وجمعية خيرية، كجمعية الشبان المسلمين في حيفا، وذلك منذ تأسيسها في عام 1927 ، و قد حافظ الشيخ القسام على إعطاء دروس دعوية أسبوعية مساء كل جمعة في مقر الجمعية، و كان يرتب بالإضافة إلى ذلك زيارات دعوية أسبوعية بصحبة عدد من أعضاء الجمعية إلى القرى المجاورة لمدينة حيفا بهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسهم أيضًا في تأسيس العديد من الفروع في قرى الشمال الفلسطيني، ومنها قرية صفورية التي أخرجت لاحقًا العديد من الكوادر الجهادية في تنظيم القسام العسكري، وعمل الشيخ القسام كذلك على الاتصال بالقيادات الفلسطينية المؤثرة في القرى، والذين صار العديد منهم لاحقًا أعضاء في تنظيم القسام العسكري، منهم عبد الله أبو حمام، وأسهم الشيخ عز الدين القسام في إخراج العديد من شبان القرى المجاورة لحيفا من دائرة الانحراف إلى دائرة العمل الدؤوب الجاد لمجتمعهم ووطنهم  . 

رابعًاعلاقة الشيخ عز الدين القسام بالمفتي أمين الحسيني: يأتي الحديث عن هذه العلاقة لعدة أسباب، منها التشابه في شخصيتهما، من جهة اشتغالهما الديني واهتمامهما بالقضية الفلسطينية، كما كان يجمع بينهما الذكاء العقلي والذكاء الاجتماعي اللذان أهلاهما ليكونا شخصيتين قياديتين على مستوى الشعب الفلسطيني كله، بل إن شعبيتهما قد تكون فاقت الكثير من الشخصيات المؤطرة حزبيًّا.

وأما من جهة الاختلاف في شخصيتيهما، فقد أشار الدكتور محسن صالح في كتابه التيار الإسلامي في فلسطين 1917-1948 ودوره في حركة الجهاد، إلى فرق يراه بين شخصية الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القسام، فالشيخ القسام كان ينظر للإسلام بنظرة شمولية على نحو أثّر في تكوين شخصيته ومنظومته الفكرية، فكان فكره، ومن ثم تنظيمه، قائمًا على سحق المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني، ومن بعد ذلك بناء الشخصية المسلمة التي تكون المجتمع المسلم، وسعى من خلال هذا الهدف إلى بناء قاعدة إسلامية جهادية واعية.

وأما الحاج أمين الحسيني فبالرغم من وجود الإسلام والطرح الإسلامي مكونًا رئيسًا في طرحه، إلا أنه لم يكن حريصًا على بناء قاعدة إسلامية مجاهدة بقدر ما كان حريصًا على بناء قاعدة تحمل الروح الوطنية النضالية التي تسعى لقتال المستعمر وإفشال المشروع الصهيوني.

أما عن طبيعة العلاقة بين الحاج أمين الحسيني و الشيخ عز الدين القسام فقد تضاربت آراء المؤرخين حول وجود علاقة أو عدمه بينهما، مما لا يحتمل المقام تفصيله في هذه الورقة.

خامسًاجهاد الشيخ عز الدين القسام و تنظيمه الجهادي: إن طبيعة الشيخ عز الدين القسام وشخصيته التي كانت ترفض أن يحصر العالم المسلم دوره في الجانب الدعوي والأخلاقي فحسب، بل أنّ دوره يجب أن يتعدى ليشمل قضايا دينه وأمته.. جعلت الشيخ عز الدين القسام طرفًا في الأحداث التي كانت تجري على أرض فلسطين.

رأى الشيخ القسام أنّ الثورات السابقة التي حدثت على أرض فلسطين لم تكن أكثر من موجات عابرة لا تلبث أن تخمد، وشعر كذلك بضعف أداء الزعامات الفلسطينية الموجودة وعدم كفاءتها لقيادة المعركة مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ، ومن هنا قرر الشيخ عز الدين القسام تأسيس حركة جهادية تستمد منهجها من الإسلام، وترى الجهاد طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين، ومن هنا بدأ القسام ببناء تنظيم سري يمكن عدّه أول تنظيم جهادي عربي إسلامي جاد على أرض فلسطين بعد حلول الانتداب البريطاني.

اختلف المؤرخون والمتخصصون في اسم تنظيم الشيخ عز الدين القسام، فقد اصطلحوا على أن الأسماء التي أطلقت على تنظيم القسام كانت مرتبطة باسم الشيخ القسام، مثل “جماعة القسام” أو “القساميون”، إلا أنّ الدكتورة بيان نويهض ترى أنّ الشيخ عز الدين القسام لم يسمّ تنظيمه باسم معين، و إنما سُمي أتباعه ومن كان معه في عمله الجهادي، بعد استشهاده باسم القساميين، ومن كان معه فعلاً في تنظيمه الجهادي يتفاخر ويعتز بهذا الاسم  . 

أما عن نشأة التنظيم القسامي وبدئه بالعمل، فقد اتفق أكثر من باحث بأن ولادة التنظيم كانت في عام 1925، دون أن ينفذ أي عمل عسكري إلا بعد أربع سنوات أي في عام 1929 ، واعتمد الشيخ القسام في اختيار عناصر تنظيمه على ذكائه وفراسته في مراقبة المصلين أثناء خطبته الجمعة في جامع الاستقلال في حيفا، فكان يدعو من يتوسم فيه الخير من المصلين إلى زيارته، و من ثم تتوالى الزيارات، ويدعو الشيخ القسام بعد ذلك الشخص هذا إلى الانضمام لمجموعته التي بدأت بخمسة أشخاص ثم زاد العدد ليصل إلى 9  . 

أمّا منهج تنظيم الشيخ عز الدين القسام وفكره، فقد تشابه في أيدلوجيته مع الحركة السنوسية في ليبيا والحركة المهدية في السودان، حيث كانتا تستمدان منهجهما من الإسلام، وتؤمنان بالجهاد سبيلاً وحيدًا لتحرير البلاد من العدو الكافر الأجنبي .

حرص الشيخ عز الدين القسام على إطفاء الشرعية الدينية على تنظيمه وجهاده فقام باستفتاء قاضي دمشق الشرعي الشيخ بدر الدين الحسني، فأفتاه بوجوب جهاد الإنجليز واليهود لمنع إقامة وطن لليهود في فلسطين ، وفيما يخص المنهج التربوي لأعضاء تنظيم القسام حرص القسام على تعليم الأعضاء وتحفيظهم آيات الجهاد في القرآن الكريم، وحرص كذلك على تدريسهم قصص الفتوحات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى الإعداد العسكري الذي كان يتولاه جنرال سابق في الجيش العثماني .

خامسًاانطلاق عمليات تنظيم القسام: يرى الدكتور محسن صالح أن تنظيم القسام قام بالعديد من العمليات العسكرية التي استهدفت المصالح اليهودية في فلسطين، إلا أن العديد منها عُدّ من الاعمال الفردية، وأن تلك العمليات جاءت لسببين هما، كسر حاجز الخوف لدى أعضاء التنظيم، وتنفيس الغضب لدى أفراد التنظيم مما كانوا يرونه من بطش السلطات البريطانية وتمادي المستوطنين اليهود.

من ضمن الشواهد على قيام أعضاء تنظيم القسام بعمليات فردية قبل حلول عام 1935، ما ذكره الشيخ أحمد ذيب الغلاييني، وكان يتولى قسم الأسلحة والمتفجرات في تنظيم القسام، فقد ذكر أنّه هو ورفاقه خططوا لضرب العصابات اليهودية، وبالفعل قام الشيخ أحمد الغلاييني بقتل اثنين من اليهود في عام 1929، واعتقل 33 يومًا على ذمة التحقيق، إلا أنه لم يثبت عليه أي تهمة و أفرج عنه .

وفي الفترة الواقعة بين عام 1931-1932 قامت جماعة القسام بالعديد من العمليات الجريئة ، وكانت أول تلك العمليات عملية مستوطنة ياجور في ليلة 5/4/1931، قرب حيفا، وقتل فيها ثلاثة من اليهود وعاد أفراد المجموعة سالمين، وفي يوم 7/4/1931، أصاب المجاهدون يهوديًّا بجراح بالقرب من مستوطنة نهلال، وفي 16/1/1932 قتل المجاهدون يوسف بورنيشان في مستوطنة بلفوريا، لكن العملية الجريئة التي أفقدت السلطات البريطانية صوابها هي عملية نهلال الثانية في ليلة 22/10/1932 فقد أخذ صالح أحمد طه ومصطفى علي الأحمد، قنابل صنعها لهما أحمد الغلاييني، وزرعاها في غرفة حراس المستوطنة وفجراها مما أدى إلى مقتل يهوديين وجرح اثنين آخرين ،  واستمرت العمليات على هذا المنوال حتى حلول عام 1935.

سادسًااشتعال ثورة القسام واستشهاده: في شهر 11 من العام 1935 اتخذ الشيخ عز الدين القسام وجماعته قرارًا مفصليًّا في تاريخ الكفاح والثورة الفلسطينية بشكل عام، فقد أعلن عن انطلاق أول ثورة مسلحة منظمة منذ حلول الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1917،  وكان هذا القرار بمثابة إعلان رفض، أو اختلاف مع المسار النضالي السابق الذي كان يقوم على المظاهرات والاحتجاجات ورفع العرائض .

جاء قرار الشيخ عز الدين نتيجة لعدة أسباب أخرى، منها ارتفاع أعداد المهاجرين اليهود بشكل غير مسبوق، فقد هاجر إلى فلسطين في سنة 1935 ما يقارب 61854 يهوديًّا، واشتروا 72905 دونومات من الأراضي.

ومن الأحداث التي أججت تلك الثورة اكتشاف تهريب 1650 برميلاً من السلاح، وهي كمية كبيرة . وجد الشيخ عز الدين القسام في هذه الحادثة جوًّا مناسبًا لإعلان ثورته، خاصة وأن تنظيمه قد اكتملت أركانه.

لم تكن فكرة القسام الإعلان عن مواجهة عسكرية شاملة، بل عن قيام تنظيم عسكري مسلح ينتهج أسلوب حرب العصابات، وخرج مع القسام رفاقه بعد أن باع بعضهم حلي، وأرسلت بعض القيادات الفلسطينية، مثل الحاج أمين الحسيني، مبالغ من المال دعمًا لتنظيم القسام، وخطب الشيخ عز الدين القسام خطبة أخيرة في مسجد الاستقلال في حيفا أنهاها بقوله “الجهاد يا مسلمون.. الجهاد يا مسلمون”، و خرج من المسجد وجموع المصلين قد أجهشت بالبكاء.

غادر القسام بصحبة 16 من رفاقه إلى قرية يعبد من قرى جنين والتي كانت محطة ثورتهم ورباطهم . مكث القسام ومجموعته ليلتين في بيت الشيخ سعيد الحسان؛ وهم يقرؤون القرآن و يذكرون الله.

في تلك الفترة كانت سلطات الانتداب وأعوانها تبحث عن الشيخ القسام وجماعته ، وفي صبيحة يوم 20 /11/1935 حاصرت قوات الانتداب البريطاني قرية يعبد والمنطقة التي كان فيها الشيخ عز الدين القسام ورفاقه.

بلغت قواته البريطانيين 400 جندي معظمهم من الإنجليز، بينهم قلة من العرب من البوليس العربي ،  ورغم عدم التكافؤ في القوة العددية بين الطرفين، وعرض القوات المحاصِرة الاستسلام على الشيخ عز الدين القسام، إلا أنه رفض ذلك والتفت إلى رفاقه و قال لهم “موتوا شهداء” .

أمر القسام رفاقه بأن تكون حركتهم أثناء المعركة متنقلة، وذلك لكي يعيقوا حصار قوات الانتداب لهم ، ولقد التحم الجانبان في معركة استمرت ست ساعات حتى حلول العصر، وقد ذكر بعض الباحثين أن الانجليز خسروا 15 جنديًا ، وهو رقم كبير بالنسبة لما يراه باحثون ومؤرخون آخرون، إذ يذهب بعضهم إلى أن خسائر الإنجليز لم تتجاوز إلا قتيلاً واحدًا وجريحًا واحدًا، ويعلّل المؤرخ سميح حمودة ذلك، بأنّ القسام ورفاقه كانوا يتحاشون إطلاق النار على المجندين العرب مع الإنجليز.

استشهد في المعركة الشيخ عز الدين القسام وأحمد ابن الشيخ سعيد الحسان الذي استضاف القسام ورفاقه، وكان عمره 15 سنة، ويوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري وهو من مصر، وجرح نمر السعدي و أسعد المفلح، واعتقل كل من عربي بدوي ومحمد يوسف وأحمد جابر و حسن الباير . 

كان لاستشهاد الشيخ عز الدين القسام أثر عميق جدًا لدى الشعب الفلسطيني، تجلى في جنازة الشيخ عز الدين القسام، فقد انطلقت الجماهير بعد الصلاة عليه بمظاهرة مهيبة هتفت ضد الانتداب واليهود، وهاجمت الجماهير الغاضبة مركزَ البوليس البريطاني في حيفا، أما الزعامات السياسية والحزبية الفلسطينية فلم تشارك في جنازة الشيخ عزالدين القسام، واكتفت بإرسال برقيات فاترة لإدارة الانتداب البريطاني  . 

ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939 

تتناول الفقرات التالية ظروف الثورة الفلسطينية الكبرى وأسبابها، ودور جماعة القسام وأثرها في اشتعال هذه الثورة.

ظروف الثورة وأسبابها

مع نهاية عام 1935 وبداية عام 1936، بدأت المشاريع الصهيونية والقمع البريطاني بالتصاعد، وقد أخذت نسب العاطلين عن العمل في الازدياد، مما فاقم من الأزمات الاقتصادية للفلسطينيين، ومع كل ما سبق كان أداء الزعامات والأحزاب العربية لا يتجاوز حدود العرائض التي ترفع إلى المندوب السامي، فبدأت جماهير الشعب الفلسطيني تجنح إلى الجهاد المسلح والثورات الشعبية لمواجهة بطش الانتداب البريطاني وإيقاف المشروع الصهيوني، وشكلت تجربة القسام -بالرغم من إحباطها في بداياتها- نموذجًا جهاديًّا أصبح يستهوي الجميع من أبناء الشعب الفلسطيني . 

اندلاع الثورة وأحداثها

يذكر عدد من المؤرخين والباحثين أن جماعة القسام لم تترك السلاح بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام واعتقال رفاقه، ذلك لأنّ جماعة الشيخ لم تقتصر على مرافقي الشيخ الذين أجهز عليهم في أحراش يعبد، بل إن هناك أعدادًا من مناصري الشيخ القسام وأتباعه لم يكشف عنهم، و بدؤوا في تجميع صفوفهم وترتيبها، وكان من الشيخ فرحان السعدي، أحد القساميين، مع مجموعة بفرقته، أن فجّر الشرارة الأولى للثورة في 15/4/1936، بقتل يهوديين وجرح ثالث في عملية فدائية على الطريق الواصل بين قريتي عنبتا ونور شمس بالقرب من مدينة طولكرم، وأحدثت هذه العملية جوًّا عاما من التوتر والتشنج .

على إثر عملية عنبتا- نور شمس حدثت توترات في مدينة يافا قتل فيها 16 من اليهود و6 من العرب، وأعلنت السلطات البريطانية في نفس تاريخ الاشتباكات – أي 17/4/1936 – فرض حالة الطوارئ في فلسطين، وفرض حظر التجول .

و على إثر هذه الأحداث شكلت القوى الوطنية في فلسطين لجانًا شعبية لكل مدينة من مدن فلسطين بلغ عددها 22 لجنة، وانضم إلى تلك اللجان الشعبية العرب من مختلف الميول والاتجاهات، تحقيقًا للمصلحة العامة للشعب الفلسطيني، وأعلن عن الإضراب الشامل في فلسطين بتاريخ 20/4/1936، وخلال يومين شمل كل مدن فلسطين .

وُضعت الأحزاب السياسية في فلسطين في موقف محرج، وكذلك الزعامات التقليدية، وذلك لأن اللجان الشعبية، والقساميين، أضحوا في مواجهة مباشرة مع السلطات البريطانية، بينما لم تتخذ تلك الأحزاب والزعامات موقفًا واضحًا بعد من الثورة والإضراب، فتمخضت المباحثات والمشاورات عن تشكيل ما عرف باسم “اللجنة العربية العليا”، وهي جسم تنظيمي ضم كل الأطياف السياسية و الشعبية و الثورية  وأضحى لاحقًا ناطقًا رسميًّا باسم الثورة، ولأول مرة منذ الانتداب، ولكونها زعيمًا سياسيًّا، وقائدًا في المواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب البريطاني ، وفي تاريخ 25/4/1936، قررت اللجنة العربية العليا الاستمرار في الإضراب و حددت ثلاثة مطالب لإيقافه:

  • إيقاف الهجرة اليهودية ومنعها منعًا باتًّا.
  • منع انتقال الأراضي العربية لليهود.
  • إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

وكان التجاوب الشعبي متميزًا وفريدًا من كافة فئات الشعب مع الإضراب .

و مع بداية شهر 5 من عام 1936، شهدت الثورة تطورًا نوعيًّا، فقد بدأت المجموعات المسلحة بالتشكل، وبدأت الثورة تأخذ شكلاً جديدًا امتاز بعمليات قطع خطوط الهاتف وخطوط القطار الخاصة بسلطات الانتداب، وشهدت العديد من الكمائن المسلحة التي استهدفت قوات الانتداب والعصابات اليهودية، وجرت مهاجمة المستعمرات اليهودية، وبلغ عدد العمليات 50 عملية يوميًّا، وهو عدد كبير جدًّا وغير مسبوق من العمليات .

برز من هذه الثورة أسماء قيادات ميدانية جهادية جديدة من أمثال عبدالقادر الحسيني، والشيخ فرحان السعدي وعطية أحمد عوض ومحمد الصالح حمد، والثلاثة الآخرون من القساميين .

تميزت الثورة بطابع عربي إسلامي بفعل مشاركة العديد من المجاهدين العرب فيها منهم فوزي القاوقجي والشيخ المجاهد محمد الأشمر من سوريا ، ووقعت خلال هذه الفترة مجموعة من المعارك أذهلت سلطات الانتداب البريطاني بفعل قوتها وشدة تنظيم الثوار فيها، منها معركة عصيرة الشمالية 17/8/1936، ومعركة وادي عرعرة 20/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/1936، ومعركة بيت أمرين 29/9/1936.

توقف الإضراب والثورة مؤقتًا وتدخل الحكام العرب

حاولت السلطات البريطانية بكافة الوسائل والطرق القمعية إحباط الثورة، وكذلك حاولت بالجهود السياسية، واستخدمت في هذه الجهود ما سمي بوساطات الحكام العرب، ففي 2/10/1936 أصدرت ثلاثة بيانات بنفس النص من كل من غازي الأول ملك العراق والأمير عبدالله الأول أمير إمارة شرق الأردن والملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، تدعو الفلسطينيين “للإخلاد إلى السكينة، حقنًا للدماء” والاعتماد على حسن نوايا الحكومة البريطانية، ، لتستجيب اللجنة العربية العليا، وتعلن في تاريخ 12/10/1936، وفي قرار مفاجئ وخطوة غير معتمدة توقف أطول إضراب في تاريخ العالم والذي استمر 187 يومًا متتاليًّا، وليتوقف العمل العسكري مؤقتًا تبعًا لتوقف الإضراب.

تقرير لجنة بيل وعودة اشتعال الثورة

   في تاريخ 11/11/1936، جاءت لجنة ملكية خاصة للتحقيق في الأحداث الجارية في فلسطين، وسميت بلجنة بيل نسبة إلى وزير الخارجية البريطاني. رفض العرب في البداية مقابلتها، إلا أنه ونتيجة لتعرض اللجنة العربية العليا لضغوطات شديدة من كل من العراق والأردن والسعودية، قابلت اللجنة العربية العليا لجنة بيل بتاريخ 6/1/1937، وعادت اللجنة إلى بريطانيا بتاريخ 17/1/1937، وقدمت تقريرها للحكومة بتاريخ 22/5/1937، ونشرت الحكومة البريطانية قرار اللجنة بتاريخ 7/6/1937، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية مع احتفاظ الانتداب بالأماكن المقدسة مع ممر آمن إلى يافا. 

بعد وصول خبر قرار لجنة بيل إلى العرب واليهود في فلسطين، سادت أجواء التوتر بين العرب و اليهود، وبدأت سلطات الانتداب البريطاني بسلوك نهج عنيف وقمعي في تعاملها مع الثوار والقيادات الفلسطينية، فقامت بالتضييق على الحاج أمين الحسيني فالتجأ إلى المسجد الأقصى ليدير الأمور منه، وبدأت السلطات البريطانية بحملة اعتقالات بحق الثوار والقيادات الفلسطينية، وكان من أبرز المجاهدين المعتقلين الشيخ فرحان السعدي القائد العسكري المتميز في القطاع الشمالي للثورة  .

وكما فجر القساميون الثورة في بدايتها، فإن القساميين هم من استأنفها، فبعد علم القساميين وقيادتهم الجهادية، من أمثال القائد عطية أحمد عوض والقائد سالم المخزومي، وكذلك القائد محمد صالح الحمد بتوصيات لجنة بيل، بدأت بإعداد العدة لإشعال الثورة من جديد، واختارت بداية قوية، بقيام المجاهدين القساميين الشيخ محمد أبوجعب والشيخ محمد الديراوي الملقب بغزال، باغتيال حاكم منطقة الجليل الشمالي لويس أندروز، والذي كان معروفًا بتعقبه للقساميين  وكرهه لهم، وقد اغتيل أثناء خروجه من كنيسة في الناصرة  في 26/9/1937 .

جاء رد السلطات البريطانية قاسيًا، فأعدمت الشيخ فرحان السعدي، في 22/11/1937، في سجن عكا، وفي نهار رمضان، وقد أدى تنفيذ هذا الحكم إلى تأجيج الثورة بخلاف توقعات سلطات الانتداب.

عادت الثورة للاشتعال من جديد وتميزت هذه الفترة بإحكام العمليات وإتقانها، وذلك للخبرات المكتسبة والتمرس في القتال والتدريب، فكان العمل العسكري أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، وشكلت “اللجنة المركزية للجهاد” وكان مقرها دمشق، وتولى إدارتها فعليًّا محمد عزة دروزة بتوجيه من المفتي الحاج أمين الحسيني.

برزت في هذه المرحلة قيادات جهادية جديدة من أمثال عارف عبدالرزاق وعبدالرحيم الحاج محمد وعبدالقادر الحسيني ويوسف أبودرة، وكان الأخير من القساميين، وتجلت الحاضنة الشعبية للثورة في هذه الفترة، فحين أصدرت السلطات البريطانية تعميمًا يقضي بمنع لبس الكوفية على المواطنين العرب، وذلك لتمييز الثوار عن المدنيين لأن الثوار تميزوا بلبسها، فردت الجماهير الفلسطينية على اختلاف طبقاتها وشرائحها وعاداتها الاجتماعية بارتداء الكوفية.

تميزت العمليات العسكرية في هذه الفترة بقوتها، فقد تمكن الثوار في شهر 9 من العام 1938 من السيطرة التامة على مدينة الخليل لعدة ساعات ثم انسحبوا منها، وبتاريخ 9/9/1938 تمكن المجاهدون من السيطرة على مدينة بئر السبع ومن تحرير عدد من المعتقلين في سجنها، كما تمكن مجاهدو منطقة الجليل بقيادة القسامي يوسف أبودرة بتاريخ 5/10/1938 من السيطرة على مدينة طبريا و قتل أكثر من 120 مستوطنًا يهوديًّا . 

ومن أبرز معارك تلك الفترة معركة عرابة البطوف 23/12/1937 بقيادة القسامي أبوابراهيم الكبير، ومعركة أم الفحم بقيادة القسامي يوسف أبودرة في 30/1/1938، ومعركة جبل الجرمق بقيادة القساميين سعد الخالدي وعبدالله الأصبح بتاريخ 6/2/1938 .

إخماد الثورة ونهايتها

سعت السلطات البريطانية بكل قوتها إلى القضاء على الثورة، فمع مع حلول 31/10/1938 بلغ مجموع القوات البريطانية 18 كتيبة مشاة في فلسطين، وفوجين من الخيالة، فوج مدرع، وفوج مدفعية، وسريتين مدرعتين، بالإضافة الى قوات البادية الأردنية التي كانت تساند سلطات الانتداب و شاركت في اعتقال قيادات كبيرة من المجاهدين مثل الشيخ المجاهد يوسف أبو درة، و بلغ تعدادها 1170 جنديًّا .

لجأت سلطات الانتداب إلى سياسات بطش وتنكيل تجاه الأهالي العزل، فقامت بتعديل قانون الطوارئ ليشمل حيازة كافة أنواع الأسلحة مهما كان نوعها أو صلاحيتها، ولتصل الأحكام إلى الإعدام، ولو على مالك رصاصات أو حامل سكين في بعض الحالات، وبلغ عدد من أعدمتهم السلطات البريطانية 146، وتجاوز عدد المحكومين 2000، وبلغ عدد المعتقلين بتهمة الثورة 50000 وهدمت 5000 بيت وحانوت .

ومن العوامل التي أدت إلى إجهاض الثورة الصراعات الداخلية وانحياز بعض التيارات ضدّ الثورة، فقد استغلت السلطات البريطانية الخلاف الحادّ بين أسرتي الحسيني والنشاشيبي، فبدأ ما يعرف بالتيار النشاشيبي بمهاجمة الثورة وقيادتها ورفض مواقفهم  ، وشكّلت سلطات الانتداب لاحقًا ما يعرف بفصائل السلام التي تلقت دعمًا هائلاً من الوكالة اليهودية، وتزعمها فخري النشاشيبي، وأحدثت فتنة كبيرة في صفوف الثوار، وقادتهم إلى معارك جانبية ألهتهم عن هدفهم الرئيس  .

 كما لعب غياب العديد من قيادات الثورة بفعل القتل أو الاعتقال أو الإبعاد دورًا في إخماد الثورة ، وشهد نهاية عام 1938م انهيارًا اقتصاديًّا بسبب البطش البريطاني وهدم الحوانيت مما أدى إلى توقف العديد من الأعمال، بالإضافة إلى قلة الدعم والتمويل العربي والإسلامي .

عملت بريطانيا كذلك على تقديم حل سياسي لحسم الثورة، فأعلنت عدولها عن قرار تقسيم فلسطين في 11/1938، ودعت إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في 2/1939، وحضره ممثلون عن الدول العربية، وأصدرت السلطات البريطانية كتابًا أبيض في 5/1939، تضمن قرارًا يقضي بإنشاء دولة مشتركة بين العرب واليهود، وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأحيت تلك القرارات والعوامل السابقة كلها الرغبة لدى بعض الزعامات السياسية للعودة وخوض غمار النزال السياسي ، ومع حلول 9/1939 كانت الثورة الفلسطينية الكبرى قد توقفت فعليًّا و بدأت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها. 

دراسة دراسة

 

أكمل القراءة

دراسات

قراءة في كتاب مؤشر الدمقراطية “الإسرائيلي”

نشر

في

بواسطة

قراءة في كتاب مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي

عماد أبو عوّاد

محلل الشؤون الإسرائيلية في مركز القدس

 

مقدمة

يُقدّم “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” مع نهاية كلّ عام، كتابًا إلى رئيس دولة الاحتلال يحمل عنوان “مؤشّر الدمقراطية الإسرائيلي”[1]، والذي يعتمد في الأساس على مجموعة من استطلاعات الرأي التي توضح التوجه العام للمواطنين، وتكشف عن أهم الفجوات والمخاوف التي تعتريهم؛ تحديدًا في قضايا الأمن والديمقراطية.

الكتاب الذي يمتد على 220 صفحة، تناول هذا العام زوايا مهمّة؛ أبرزها الوضع العام للدولة، والواقع الديمقراطي، وإلى أي مدى يشعر المواطن الصهيوني بتفاؤل إزاء مستقبلها، كما تناول رضى الجمهور عن المؤسسات المختلفة، بدءًا من الجيش وصولاً إلى الأحزاب الصهيونية المختلفة. والجديد الذي لم يكن بالإمكان تجاوزه هذا العام، هو أزمة كورونا وتأثيراتها على النطاقات المختلفة من حياة الجمهور.

ورغم أنّ الكتاب يتسلمه الرئيس الإسرائيلي تشجيعًا على قراءته ولإظهار أهميته، وهذا سلوك رؤوبن ريبلين[2] ومن سبقه، وهو ما ينسحب على بقية إصدارات المراكز، فإنّ الجدل يبقى قائمًا حيال مدى تعاطي السياسي الصهيوني مع مثل هذه الإصدارات، لكن مقارنة سلوك الساسة مع ما يرد في تلك الإسهامات البحثية، يكشف أنّ الفجوة عميقة، تحديدًا خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ العام 2009 والذي بدأ فيه بنيامين نتنياهو[3] فترة حكمه الثانية.

 

أولاً: تراجع كبير في النظرة لواقع الدولة

وفق المؤشر فقد شهد العام 2020 نزولاً كبيرًا في نسبة من يعتبرون أنّ الواقع العام للدولة جيد، فنسبة الذين قدروا أنّ واقع “إسرائيل” جيد كان 37.5% مقابل 50% العام 2019، وعند تحليل عينة الاستطلاع تبين أنّ 52.5% من المُنتمين لليمين يُقدرون أنّ واقع “إسرائيل” جيد، مقابل 26% من المركز وفقط 13% من اليسار.

النزول أيضًا شمل تقييم المواطن لواقعه، فبعد أنّ قيم 80% من المواطنين عام 2019 أوضاعهم أنّها جيدة، نزل الرقم إلى 61% عام 2020، وعند سؤال المواطن الفلسطيني في الداخل: “هل تشعر بأنّك جزء من إسرائيل”، أشار 44% فقط بالإيجاب.

بتحليل الأرقام أعلاه، لا يُمكن فصل هذا التراجع عن موضوع جائحة كورونا، والتي ترافقت في “إسرائيل” مع مجموعة من المُتغيرات التي وصلت ذروتها مع مطلع العام 2020 وصولاً إلى حلّ الكنيست مع نهايته، فقد كان لعدم الاستقرار السياسي والانتخابات المتكررة الدور الأكبر في تجسيد الكراهية الداخلية، وتعميق الفجوات الآخذة في الازدياد.

ويُشير إلى ذلك تحليل العينة الاستطلاعية أعلاه، فغالبية المُنتمين لليمين عبّروا عن رضاهم عن واقعهم وواقع الدولة، وهذا مرتبط بوجودهم في الحكم تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بمعنى أنّ لعدم الرضى عند اليسار والمركز ارتباطًا جذريًّا بمسألة ابتعادهم عن الحكم لما يزيد عن اثني عشر عامًا متواصلاً، والتي جذّر فيها اليمين انقسامًا ليس من السهل ردمه.

من هُنا يُمكن الربط بين الرضى وطبيعة النظام الحاكم، بمعنى أنّ واقع الدولة بات يُطوّع وفق أهواء من هم في السلطة، لذلك نجد أنّ الرضى مرتفع عند فئة اليمين ، الأمر الذي سيلقى انعكاسًا في النسب في حال وصل المركز واليسار إلى الحكم، لتؤكد هذه العينة أنّ التكتلين المنبثقين في الساحة الصهيونية، ورغم الاختلافات الداخلية في كلّ تكتل، باتا يقتربان إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بإمكانية الالتقاء على قاسم مشترك، وهذا على الأقل في ظل حُكم بنيامين نتنياهو.

ثانيًا: الديمقراطية الإسرائيلية في خطر كبير

مستقبل الديمقراطية الإسرائيلي في خطر شديد، كما يرى 54%، وهي ذات النسبة تقريبًا منذ العام 2019 مع زيادة بسيطة، والمؤشر يزداد خطورةً كلّما قُسّمت العينة إلى المعسكرات المختلفة، فقد اعتبر 85% من اليسار أنّ ديمقراطية بلادهم تواجه خطرًا  شديدًا مقابل 63% من المركز، و35% فقط من اليمين.

ولم تُغفل دراسة عينة الاستطلاع التطرق للقضية الأهم في هذا السياق، وهي سؤال “من المركبات التالية أقوى”، المركب اليهودي أم المركب الديمقراطي في الدولة العبرية، فقد رأى 50% أنّ المركب اليهودي طاغٍ على المركب الديمقراطي، وبتحليل العينة تبين أنّ الجمهور الديني 72% من الحريديم و50% من المتدينين القوميين، رأوا بأنّ المركب الديمقراطي هو الطاغي وليس اليهودي.

وهنا يكمن جوهر الصراع الداخلي حول شكل الدولة، فكل طرف بات يعتبر أنّ شكل الدولة لا يزال على خلاف ما يريد، فالمتدينون الذين هم جزء من اليمين الحاكم يرون ضرورة كبح جماح المركب الديمقراطي لصالح الديني، فيما التيار العلماني الذي هو جزء من المركز واليسار، يرى بأنّ الجانب الديني طاغ ويجب كبح جماحه.

باتت هذه التجاذبات تؤدي إلى تمرير قوانين وشطب أخرى، كسرت ما تأسست عليه الدولة من موازنة بين المركبين، وفتحت باب الصراع بينهما، فقد بات يسعى من في سدّة الحكم إلى تثبيت رؤيته فيما يتعلق بشكل الدولة.

وفي الوقت الذي رأى فيه 58% من اليهود بأنّ قيادتهم السياسية فاسدة، وغارقة في مخالفات جنائية، يتضح من تحليل العينة ذات الانقسام، أنّ من يعتقدون ذلك هم 87.5% ممن ينتمون لليسار، و74% ممن ينتمون للمركز، وفقط 43% ممن ينتمون لليمين، في مؤشر أنّ البقاء في الحكم أهم من القيم التي نشأت عليها “إسرائيل”، ففي مقابل رابين الذي استقال في سبعينيات القرن الماضي لشبهة حول زوجته تبين براءتها فيما بعد، نجدّ أنّ نتنياهو، وهو الملاحق بثلاث لوائح اتهام، يحصل على مليون وأربعمائة ألف صوت في الانتخابات، بمعنى أنّ الفساد لم يعد معيارًا للخلاص من الحاكم، بل بات يُقلل من قيمته في سبيل بقاء الحاكم الذي سيحمي محيطه، رغم تأسيسه لمنظومة تسعى للدفاع عن مصالحه ومنع محاكمته.

وما يوضح الصورة أكثر هو الثقة في المحكمة العليا، والتي تُعتبر بيضة القبان ما بين السلطة التشريعية والتنفيذية بغياب دستور إسرائيلي، فقد فقدت المحكمة خلال 9 سنوات 20% من الثقة فيها، لتتراجع في العام 2020 إلى حدود 50%، فيما يحصل المستشار القضائي للحكومة على ثقة لا تتجاوز 42%، وهذا مرتبط بشكل كبير بأمرين، الأول رفض اليمين لهيمنة المحكمة واتهامها بأنّها التي تحكم وليس السلطة التنفيذية برفضها للكثير من القوانين ذات الطابع الديني، والثاني مرتبط بمحاكمة نتنياهو، فقد رأى اليمينيون أنّ المستشار القضائي للحكومة أفيخاي مندلبليت، لفق تُهمًا لبنيامين نتنياهو.

 

ثالثًا: الواقع الصحي جيد

الرضى عن منظومة الصحة في “إسرائيل” كان جيدًا جدًّا، فـ 50% من “الإسرائيليين” أعطوها تقييمًا فوق الجيد، و36% قيموها على أنّها متوسطة، وفقط 15% اعتبروا أداءها سيئًا، وقد عبر 86% عن مطالبتهم بزيادة ميزانية الصحة على حساب الوزارات الأخرى.

الرضى الإسرائيلي عن أداء المنظومة الصحية مرتبط بشكل كبير بأدائها خلال جائحة كورونا، فقد استطاعت المنظومة الصحية أن توّفر عناية جيدة ومتابعة حثيثة للمرضى، باعتمادها على الصناعات المحلية المتطورة في رفد مستشفياتها ومراكزها الصحية بالتجهيزات ذات الجودة العالية، رغم أنّ “إسرائيل” تُعتبر من الدول التي سجلت عدد وفيات مرتفع بالكورونا مقارنة بعدد السكان، فقد بلغ المتوسط العالمي 261 لكل مليون، بينما في “إسرائيل” 434.

والغريب رغم الرضى الجيد عن أداء المنظومة الصحية، فقد احتلت المرتبة الثانية من حيث الحاجة لتحسينها من بين أولويات الإسرائيليين الاجتماعية- الاقتصادية، بعد العمل على تخفيض غلاء المعيشة، وربما هذا مؤشر نوعًا ما على الراحة الاقتصادية بالمجمل العام للفئة الأكبر من الجمهور الإسرائيلي، رغم الغلاء الكبير للمعيشة، فالبحث في إطار التحسين وليس الحاجة الملحة، بمعنى أنّ الجمهور هناك يبحث عن المزيد من الخدمات التي تُشعره بزيادة مستوى الرفاهية، ولا يبحث في إطار الحاجة الملحة.

 

رابعًا: الشرطة تحصل على تقدير سيء

فقط 27% أشاروا إلى أنّ الشرطة تؤدي دورها بشكل جيد، ونفس النسبة أشارت بأنّ أداء الشرطة سيء جدًّا، فيما بقية المُشاركين رأوا أداءها ما بين السيء والمقبول، وأشار 82% من الفلسطينيين في الداخل المحتل و67% من اليهود، بأنّ الشرطة تتعامل مع الجريمة في الوسط اليهودي بشكل قوي وصارم، وتتجاهل ذلك في الوسط الفلسطيني.

كما أنّ 62.5% من المُستطلعين اليهود و56.5% من الفلسطينيين أشاروا إلى ذات الشيء فيما يتعلق بالطائفة الأثيوبية، وأشار غالبية المُستطلعين أنّ الشرطة تتشدد في الدرجة الأولى مع الفلسطينيين، وكذلك مع اليهود من أصول شرقية، و70% أجمعوا على أنّ الشرطة الإسرائيلية لا تكترث ولا تولي أي أهمية للنقد الموجه ضدها.

تتعاطى الشرطة الإسرائيلية مع الملفات المُختلفة وفق الفئة المُستهدفة، ففي الوقت الذي يُشكل فيه الفلسطينيون في الداخل المحتل فقط 21%، فإنّ معدل القتلى من بينهم بسبب الجريمة الداخلية يتجاوز نسبة الـ 50% من المجموع العام، والأغرب من ذلك أنّ عدد الملفات المفتوحة لدى الشرطة في جرائم القتل اليهودية 5 أضعاف تلك التي عند الفلسطينيين، وهذا ما يؤكده الاستطلاع أعلاه، من وجهة نظر اليهود أيضًا، حينما عبر أكثر من ثلثيهم عن قناعتهم بأنّ الشرطة تتجاهل الجريمة في الأوساط الفلسطينية.

إنّ طبيعة تقسيم المناصب في “إسرائيل”، جعلت من اليهودي الغربي المسيطر على غالبية المناصب الحساسة، فمثلاً رغم أنّ الشرقيين يصل تعدادهم إلى 50% من مجموع السكان، لم يصل منهم إلى اليوم أي شخص لرئاسة الوزراء، أو الموساد والشاباك، وكثير من المناصب الحساسة الأخرى كرئاسة المحكمة العليا.

ربما تفسر هذه الحقيقة، حالة العنصرية الموجهة في المجتمع الصهيوني، والتي بطبيعة الحال انعكست كذلك على الشرطة التي تتعامل مع اليهودي الغربي بطريقة تختلف تمامًا عن الفلسطينيين، ومن ثم الأثيوبيين وكذلك الشرقيين اليهود.

 

خاتمة

نصف المُستطلعين اليهود أشاروا بأنّ التضامن بين الإسرائيليين في أدنى مستوياته، فالشعور بالمصير الجمعي وضرورة أن يكون هناك لُحمة حقيقية، بات يفقد الكثير من التوجهات الداعمة له، مع ازدياد التقوقع الداخلي في كلّ طائفة دينية، وتيار فكري في الدولة العبرية.

التضامن الداخلي في “إسرائيل” ارتبط بشكل جوهري في السنوات الأخيرة بحكم اليمين المستمر منذ أحد عشر عامًا، فقد أفرزت الحكومات المتعاقبة شرخًا متسعًا كلّما مرّ الوقت من خلال أسلوب الحكم المتبع، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى رفض شرائح كاملة مجرد القبول بالجلوس مع أخرى تحت قبّة حكم واحدة.

ربما ظهرت أزمة التضامن الداخلي ظهرت بشكل أكبر خلال جائحة كورونا، فقد رفض الحريديم، على سبيل المثال، الانصياع لأوامر السلطات، رغم أنّهم جزء من الحكومة، مما يُشير إلى عُمق التفكير المنفرد لكل شريحة وطائفة، بمعنى أنّ الأمن الخاص بات مُقدّمًا على العام، ولهذا سينعكس انعكاس الأمن الإسرائيلي بشكل عام، على الأُسس التي تأسست عليها الدولة، وبما بما يمسّ بقوانين الأساس التي تُنظم الحياة العامة.

الأمن بالمجمل مرتبط بالثقة، ثقة باتت في تراجع مستمر في الساحة الصهيونية، وزادت من مساحة الاختلاف والرفض، وربما استمرار نتنياهو على رأس المؤسسة الإسرائيلية سيكون له المزيد من التفتيت والتشظي، فالرجل الذي يبحث عن الإفلات من المحاكمة، يقود “إسرائيل” تحت شعار أنا ومن بعدي الطوفان، والغريب أنّه استطاع تثبيت انقسام جديد النوع في “إسرائيل”، وذلك بالانقسام على شخصه، “بيبستيم” (داعم، نتنياهو تحت أي ظرف) و”انتي بيبستيم” (معارضوه تحت أي ظرف)، وهذا ما جعل التأييد والمعارضة على أساس الموقف من نتنياهو، وليس المصلحة العامة، وهنا تتجذر الأزمة وتكمن معالم الضياع والانهيار الداخلي.

 

 

 

[1]  أور عنبي، ايليت شخبيت، وآخرون. 2020. مؤشر الدمقراطية الإسرائيلي 2020. معهد دراسات الدمقراطية. https://www.idi.org.il/media/15539/the-israeli-democracy-index-2020.pdf

[2]  الرئيس الإسرائيلي الحالي.

[3]  رئيس وزراء الاحتلال.

أكمل القراءة

دراسات

ورقة تحليلية: التعليم عن بعد في الجامعات الفلسطينية.. عن التحدي ومجابهته.. جامعة بيرزيت نموذجًا

نشر

في

بواسطة

ورقة تحليلية:

التعليم عن بعد في الجامعات الفلسطينية.. عن التحدي ومجابهته

 جامعة بيرزيت نموذجًا

تقى فارس

المقدمة

 

التعليم عن بعد

أصدرت وزارة التربية والتعليم العالي قرارًا يوصي باعتماد التقنيات الإلكترونية في الجامعات الفلسطينية لدوام الفصل الدراسي الثاني لعام 2020-2021، بحيث يُستخدم التعليم المدمج لطلبة السنة الأولى، والتعليم الإلكتروني لطلبة السنة الثانية فما فوق، وتحقيق الحد الأدنى من التدريب الوجاهي لطلبة المساقات العملية، وترك القرار لمؤسسات التعليم العالي فيما يتعلق بطلبة الدراسات العليا، وذلك في حدود المحافظة على إجراءت الوقاية، ومراعاة شروط السلامة العامة[1].

تعرض هذه الورقة لمسار التعليم عن بعد الذي اتبعته الجامعات الفلسطينية في ظل جائحة كورونا، متخذةً من جامعة بيرزيت نموذجًا، بالبحث في الإجراءات التي اتخذتها إدارة الجامعة منذ بداية الأزمة وحتى الآن في التعامل مع النظام التعليمي الإلكتروني، وتتطرق إلى آليات التنفيذ مسلطةً الضوء على تفاعل مكونات الجامعة إيجابيًا وسلبًا معها، وما آلت إليه هذه التجربة من نتائج أولية.

التعليم عن بعد.. هل هي التجربة الأولى؟

أحدث ظهور فايروس كورونا (كوفيد-19) أواخر عام 2019 وتفشيه في العالم تغيّرًا في نمط الحياة المتّبع في أغلب الدول، وقد تأثّر النظام التعليمي ومؤسساته بهذه التغيّر، ونظرًا لأنَّ الجامعات كانت بؤرًا محتملة لتفشي الفايروس، فقد قامت إداراتها بإغلاقها أمام الطلبة وانتهاج سبل أخرى لضمان استمرار المسيرة التعليمية.

سبقت مبادرات التعليم عن بعد في فلسطين ظهور الفايروس، فقد سعت بعض الجامعات الفلسطينية إلى تطوير أساليب التعليم ومواكبة الأنماط الحديثة التي تتجه لاعتماد التكنولوجيا أساسًا في العملية التعليمية[2]، وقد عملت جامعة بيرزيت على تطوير اعتمادها على الحلول التقنية والإلكترونية، وأخذت هذه المساعي مناحي متعددة، مثل استخدام تقنية المحاضرات المسجلة لعدد من المساقات الأساسية على منصة موودل Moodle، بما يتيح للطلبة الرجوع لها في أي وقت وحضور المحاضرات، وإدخال نظام الواجبات الإلكترونية شرطًا في اجتياز مساقات إجبارية للطلبة، كذلك بعض حلول المشاكل التقنية عبر منصة رتاج Ritaj البوابة الأكاديمية والإدارية لجامعة بيرزيت، وتغيير كلمة السر إلكترونيًّا دون الحاجة الى مراجعة مباني الجامعة، لكن هذه المساعي جاءت في سياق ثانوي، وبقيت تحقق حدًّا دون المطلوب من الاعتمادية على الوسائل الإلكترونية.

كيف تعاملت إدارة الجامعة مع الحالة الوبائية؟

استهلت إدارة جامعة بيرزيت[3]، خطواتها الوقائية من فايروس كورونا (كوفيد-19) بإلغائها الأيام الإرشادية لطلبة الثانوية العامة وذلك في الثاني من آذار/ مارس 2020، تلا ذلك عقد محاضرة توعوية بشأن الفايروس، ونشر توصيات تنصح أعضاء الهيئة الإدارية والأكاديمية بعدم السفر خارج البلاد في المرحلة الحالية، تبع ذلك إصدار قرار رسمي يشمل إلغاء الحجوزات المتعلقة بتمثيل الجامعة في الخارج، ووقف كامل الأنشطة التي تشهد تجمهرًا طلابيًّا، وتكوين خلية أزمة برئاسة رئيس الجامعة، ولجنة برئاسة مساعد الرئيس للبحث في مسألة التعليم الإلكتروني، ولجنة برئاسة نائب الرئيس للشؤون الإدارية والمالية للوقوف على مسائل العملية الإدارية في الجامعة[4].

علّقت الجامعة دوامها التزمًا بحالة الطوارئ في السابع من آذار/ مارس 2020، الى أن قرر مجلس الجامعة اعتماد العمل الأكاديمي والإداري عن بعد، والتعليم الإلكتروني لاستكمال الفصل الثاني من العام الدراسي 2019-2020، وذلك في جلسته الطارئة في التاسع من آذار/ مارس 2020[5]، وأسرعت الجامعة في تعزيز استثماراتها لمواكبة التطورات، فقامت بإطلاق مبادرة للتعليم والتعلم الإلكتروني باعتماد المنصات المتوفرة للتعليم الإلكتروني كمووديل Moodle وزوم  Zoom وبي بي بي BBB، وتقديم تدريبات للهيئة الأكاديمية تشمل طرق استخدامها، ثم إدخال التعديلات على البوابة الإلكترونية للجامعة رتاج Ritaj بربطها بأرقام هواتف الطلبة لتسريع استقبالهم للرسائل الأكاديمية، وتشغيل ربع مليون دولار لتطوير قدراتها التكنولوجية.

ارتأت الجامعة، كذلك، وضع نظام تقييمي مغاير، أبرز ما فيه اعتماد نظام (ناجح أو غير مكتمل) لتقييم طلبة درجتي البكالوريوس والماجستير للفصل الثاني من العام الدراسي 2019-2020[6]، واستؤنفت المساقات العلمية التي كان من المفترض إتمامها خلال الفصل الثاني، وذلك من خلال دوام مكثف وقصير[7].

زامن ذلك صدور قرار بعقد دورتين صيفيتين لكل من طلبة البكالوريوس بحد أقصى 7 ساعات في كل دورة، والماجستير بحد أقصى 6 ساعات في كل دورة، وتخصيص الدورة الأولى للمساقات النظرية، وإفساح المجال للمساقات العملية خلال الثانية[8]، تلا ذلك إصدار قرار يقضي باستمرار اعتماد نظام التعليم عن بعد، مع دراسة إمكانية عودة طلبة السنة الدراسية الأولى ودرجة الماجستير وذلك خلال الفصل الأول للعام الدراسي 2020-2021.[9]

ضمت قرارات الجامعة أيضًا محاولات للتقليل من الحضور في الحرم الجامعي[10]، وإيجاد طرق أخرى للتواصل مع مرافق الجامعة، فقد فتح باب التواصل مع دائرتي التسجيل والمالية عن بعد[11]، وقدّمت المكتبة الرئيسة والمكتبات الأخرى في الجامعة خدمات إضافية تتناسب مع مجريات التعليم عن بعد[12].

ماذا عن التطبيق؟

بذلت الجامعة جهودًا لإكمال سير العملية التعليمية، لكنها واجهت معضلات حقيقية أمام إتمامها، فالتمكن من الاستخدام الصحيح والدقيق للمنصات الإلكترونية استنزف وقتًا من الكادر التعليمي، الذي كان يعتمد بدرجة عالية على نظام التعليم الوجاهي، كما شهدت العملية التقييمية، التي كانت تعتمد في الغالب على الامتحانات الأولى والثانية (امتحانات منتصف الفصل)، وامتحانات نهاية الفصل.. تغيرات جذرية خصوصًا بعد محاولات التخلي عن الامتحانات بشكل جزئي، واعتماد الاختبارات الإلكترونية أو التقارير والمشاريع.

إلى جانب ذلك فإن مشكلة ضعف شكبة الإنترنت بشكل عام، وحالات قطع التيار الكهربائي التي تتكرر في بعض المناطق، وما يفرضه الاحتلال الصهيوني على شبكات الاتصال الفلسطينية من قيود تمنعها من تطوير قدراتها في تقديم الخدمات الحديثة[13] شكلّت عبئًا إضافيًا، وقد تعرّضت خدمات الجامعة الإلكترونية (سيرفراتها) خلال الفصل الدراسي الأول لهجوم إلكتروني مما أدى الى تعطّلها عن العمل جزئيًا وكليًا، حتى استطاعت الجامعة بالتعاون مع المزوديين المحليين والدوليين وشركة الاتصالات الفلسطينية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، واستغرقهم هذا ما يقارب أسبوعًا.

هذه الظروف كان لها تأثيرها المباشر على الطلبة الذين لاقوا صعوبات في التأقلم مع الوضع الجديد، فالعائلة الفلسطينية التي ترتفع فيها نسبة أفرادها الطلبة، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.. فإن نسبة الأسر التي لديها جهاز حاسوب (مكتبي، محمول، لوحي) تبلغ 33.2 وذلك عام 2019[14]، وهذا بالتأكيد ينعكس على الطلبة الذين أصبحت الظروف غير مهيأة أمامهم للتركيز في الدراسة.

إلى جانب ذلك فإن عملية استيعاب المحاضرات التي تحتاج إلى بذل جهد تطبيقي خلال المحاضرة نفسها بدأت تتشتت، كما أن الطلبة أصبحوا بحاجة إلى استخدام برامج وتقنيات جديدة لحل واجباتهم التي أخذت طابع التقارير والأبحاث والمشاريع مع انخفاض نسبة الامتحانات.

أما المشكلة المذكورة آنفًا المتعلقة بضعف الشبكة وعدم تحملها هذا الكم الهائل من الطلبة، فقد ترجمت واقعًا أثناء تقديم عدد من الطلبة امتحاناتهم نصف الفصلية إلكترونيًا ليتفاجؤوا بأن النظام تعطَّل بسبب الضغط، وقد أدى هذا إلى تأجيل العديد من الامتحانات وخلق أجواء تعليمية متوترة، فضلاً عن أساليب الامتحانات التي لم تتمكن من منع عملية الغش المحتملة إلا عن طريق تقليص وقت الامتحانات وحرمان الطالب من التنقل بين الأسئلة.

إلى جانب ذلك فإن ظاهرة عقد المحاضرات والامتحانات بعد انتهاء الدوام الرسمي قد زادت من استياء الطلبة، وهناك مشاكل أخرى خرجت عن حيز جودة التعليم إلى عملية دفع القسط ومبدأ التقسيط للطلبة الذين لا يستطيعون دفع القسط كاملًا، وحجمه الذي بقي ثابتًا على الرغم من عدم استخدام الطلبة العديد من مرافق الجامعة التي يشمل القسط مبالغ على استخدامها، وانقطاع منحة مرتبة الشرف (الأنر) خلال الفصل الدراسي الثاني، تزامن ذلك مع الوضع الاقتصادي الفلسطيني الذي تأثر بشكل كبير بالجائحة.

تداعيات فايروس كورونا على الحركة المطلبية

تميّزت جامعة بيرزيت على مدار السنين بجسمين نقابيين مؤثرين هما: الحركة الطلابية، ونقابة العاملين والموظفين، وقد شكلت جائحة كورونا تحديًا لهما واختبارًا في قدرتهما على استحداث أشكالٍ جديدة للاحتجاج تتناسب والوضع القائم.

بدأت نقابة العاملين بعدة خطوات تصعيدية تدريجية تتعلق بمطالب سابقة على انتشار الوباء منها الأمن الوظيفي والتأمين الصحي، وتجاوز إدارة الجامعة للقوانين واللوائح خلال فترة الجائحة[15].

على صعيد آخر لاقى التعليم الإلكتروني احتجاجات واسعة من جانب الطلبة، وأثر ذلك على الحركة الطلابية التي واجهت صعوبات في استئناف عملها النقابي في بداية الجائحة، خصوصًا مع تأجيل عقد انتخابات مجلس الطلبة التي تقام خلال الفصل الدراسي الثاني الأمر الذي عطَّل أعمال مجلس الطلبة، مقابل استمرار أعمال اللجان التحضيرية للكتل الطلابية بدلاً عنه.

هذا الأداء نتج عنه اهتزاز بثقة الطلبة بالحركة التي تمثلهم وقد أفرز ذلك مجموعات طلابية جديدة صغيرة العدد وغير حزبية مثل: صوت طلاب بيرزيت (كل دينار بفرق) التي حاولت طرح قضايا متعلقة بالأقساط إضافة إلى ظروف التعليم، ونظّمت وقفة احتجاجية لكنها لم تجد التفافًا حولها وذلك في الثاني من أيلول/ ديسمبر 2020، بالإضافة إلى مجموعة (التجمع الطلابي لحل مشكلة التعليم الإلكتروني) والتي لم تتجاوز كونها مجموعة على الفيسبوك ولم تتمكن أيضًا من تنظيم الطلبة.

هذه التحركات وإن لم تحقق أي إنجازات إلا أنها ضغطت على الحركة الطلابية لأخذ زمام الأمور، فعملت على إتمام سير عملية الدفع والتقسيط للفصلين الصيفيين للعام الدراسي 2019-2020، والفصل الدراسي الأول 2020-2021، لكن المشكلات التي بدأت تتعمق دون التوصل لحلول مع إدارة الجامعة دفعتها لإعلان تعليق للدوام يشمل المحاضرات الإلكترونية والعملية وكافة الامتحانات والمشاريع بين الأول والرابع من نوفمر عام 2020.

شكّل ذلك تحديًا أمام الطلبة الذين باتوا بين قرارين: الالتزام بالإضراب الطلابي بإرادتهم ودون إخلاء كما يحدث أثناء الدوام الاعتيادي، أو الاستجابة لضغوطات العديد من الكادر الأكاديمي الذين أصروا على استكمال الدوام الاعتيادي.

في نهاية الأسبوع جرى التوصل إلى حلّ يضمن تحقيق حدٍ مقبول من المطالب التي ينادي بها الطلبة، خصوصًا التي تتعلق بطلبة السنة الدراسية الأولى، وبنود أخرى بشأن المحاضرات والامتحانات، وتطوير المنصة التعليمية ITC وذلك عبر بيان صدر عن الحركة الطلابية[16].

لكن الأمور لم تسر على هذا النحو، وكانت المفارقة في تنصّل الإدارة وهيئتها التعليمية من الالتزام بما اتفق عليه، وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن عدة مواضيع عالقة منذ التعليق الأول، لتقوم الحركة الطلابية بإعلان الإضراب المفتوح حتى التوصل إلى حل.

رُفِع سقف المطالب لتشمل أمورًا تتعلق إلى جانب التعليم الإلكتروني بمرافق الجامعة وسياساتها المالية، واستمر الإضراب، الذي شهد التزامًا طلابيًا بين السابع والخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ليخرج بنتائج جيدة، أبرزها ما يضمن احتساب ست ساعات بنظام (ناجح وغير مكتمل)، والامتناع عن عقد امتحانات بعد ساعات الدوام الرسمي، واعتماد نمط المجموعات فيها، ولتشمل أيضًا تعبيد المدخلين الشرقي والغربي، وإيجاد مكان لحفظ الأمانات، ورفع قيمة المساعدات المالية وخفض أسعار الأوراق الثبوتية، وجعل البرنامج الذي تتبناه الجامعة (مساري) اختياريًّا.

لكن هذه النتائج والتطبيق الفعلي لها لاقى أصداءًا مختلفة من الطلبة، فقد رأت شريحة كبيرة منهم بأن الإضراب لم يحقق ما هو مطلوب ولم تستطع الحركة الطلابية مرة أخرى إلزام الجامعة بتطبيق ما هو متفق عليه، فبدا عند كثيرين منهم أن سياسة الإضراب لم تعد مجدية كما السابق، وأن قيادة الحركة الطلابية لم تعد على قدر كافٍ من المسؤولية أمام المطالب الحقيقية التي يطمح بنيلها الطلبة، وأمام إدارة الجامعة.

التعليم عن بعد.. ماذا أخذ.. وماذا أعطى!

شكل التعليم عن بعد تحديًا حقيقيًا للجامعة بإداراتها وكادرها الأكاديمي وطلبتها، ورغم أن الجامعة لم تتمكن من التغلب على التحدي تمامًا إلا أنَّها تمكنت من تحقيق استجابة معقولة ساهمت في إدارة الأزمة والاستمرار دون تعطيل الفصول الدراسية.

واجه الطلبة صعوبات كثيرة خلال الفترة السابقة، فطلبة السنة الأولى الذين انتقلوا لنظام تعليمي مغاير شكلًا ومضمونًا لما هو متبع في المدارس، لا زالوا حتى الآن يواجهون مشاكل في التعامل مع مضامين المساقات وأساليب التدريس خصوصًا مع المماطلات التي وقفت طيلة الفصل أمام دوامهم في الجامعة، أما بقية الطلبة فإنهم ما زالوا يعانون من مشاكل متعلقة بعدم التزام عدد من الكوادر التعليمية بالدوام الرسمي للمحاضرات والامتحانات، والضغط النفسي الناجم عن التقليل من شأن الصعوبات التي تواجه الطلبة، والخلل الذي ما زال يعاني منه نظام الجامعة الإلكتروني بين الفينة والأخرى.

لكن على الصعيد الآخر فإن الجائحة رغم قسوتها سرّعت في أخذ الجامعات وعلى رأسها جامعة بيرزيت إلى نمط تعليمي جديد، قد يشكل في المستقبل عمودًا أساسيًا يبنى عليه النظام الأكاديمي والإداري فيها، كما حاول الكادر التعليمي استحداث طرق جديدة في التدريس والتقييم، وقد كان يطمح للوصول إليها منذ زمن لكنه لم يجد الفرصة المواتية.

وقد شجّعت سهولة استخدام المنصات الإلكترونية؛ الجامعة لعقد مؤتمرات وندوات عبر الفضاء الإلكتروني، تجاوز ذلك إلى الكليات الجامعية التي بدأت تتسابق هيآتها التدريسية على إقامة ندوات إلكترونية، واستضاف بعضها ضيوفًا من خارج فلسطين، وكل هذا ساعد في فتح آفاق تعليمية جديدة.

 

 

 

[1] جامعة بيرزيت، “إعلان بخصوص تعليمات الداوم خلال الفصل الثاني للعام الأكاديمي 2020-2021”.

http://bit.ly/3oqLt0j

[2] أدخلت جامعة القدس المفتوحة بفروعها المختلفة في فلسطين نظام التعليم المدمج منذ سنوات طويلة، وكانت الرائدة في هذا المجال.

[3] يُنظر: يبلغ عدد طلبة جامعة بيرزيت 15144؛ جامعة بيرزيت. “حقائق وأرقام”.

http://bit.ly/2XqEpoG

[4]  قرار مجلس الجامعة في الجلسة (19) 2019/2020 بتاريخ 4/3/2020.

[5] قرار مجلس الجامعة في الجلسة الطارئة بناريخ 9/3/2020.

[6] يُنظر: تعليمات أكاديمية خاصة بطلبة البكالوريوس في ظل الظروف الاستثنائية؛ تعليمات أكاديمية خاصة بطلبة الماجستير في ظل الظروف الاستثنائية. http://bit.ly/399dZgC http://bit.ly/39g1fVE

[7]  جامعة بيرزيت. “تأجيل استكمال المساقات العلمية المؤجلة من الفصل الثاني”.

http://bit.ly/39dGYzI

[8] جامعة بيرزيت.” فتح باب التسجيل للدورتين الصيفيتين 2019-2020″.

https://bit.ly/3oq3WtT

[9] جامعة بيرزيت. “قرار (1) طرائق وآليات التدريس للفصل الأول 2021/2020”.

http://bit.ly/38rszB7

[10] جامعة بيرزيت. “قرار بخصوص تقليل التواجد في الحرم الجامعي  والعمل عن بعد”.

https://bit.ly/3rZMVJc

[11]  تم إرفاق أرقام للتواصل مع الجامعة عبر منصة رتاج.

[12]  جامعة بيرزيت. “خدمات المكتبة الرئيسية عن بعد في فترة الطوارئ “كورونا”.

http://bit.ly/3hT1BFC

[13]  الجزيرة نت. “احتلال الأرض والجو.. هكذا تنفذ إسرائيل خطة الضم عبر الاتصالات”.

[14] الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني. “المؤشرات الرئيسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في فلسطين 2017-2019”.

https://bit.ly/3slosOX

[15] وطن. “شد حيلك يا وطن سامح عواد”.

https://bit.ly/2MBeDvA

[16]  بيان صادر عن الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت بتاريخ 4/11/2020.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ أسبوع واحد

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ أسبوعين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

وعادت حليمة الفلسطينية لعادتها القديمة!!

  جودت صيصان عجبًا لأمر بعض المسؤولين الفلسطينين الذين ينتظرون تلميحًا أو تصريحًا، ولو كان من أصغر موظف في إدارة...

مقالاتمنذ شهر واحد

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة جودت صيصان منذ حوالي عقدين من الزمان والقيادة الفلسطينية تعلن بأن القضية الفلسطينية...

مقالاتمنذ شهر واحد

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية              إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرابع من كانون الثاني/ يناير المراسيم الخاصة...

مقالاتمنذ شهر واحد

أسئلة على هامش إعلان الانتخابات

  كتبت: رولا حسنين في خضم الحديث عن تصريحات الرئيس محمود عباس حول إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الفترة القليلة...

مقالاتمنذ شهرين

تغيير المناهج التعليمية… خطوة خطيرة لدول التحالف العربي التطبيعي

كتب: جودت صيصان  يبدو أن الكثير منا كان يظن أن دول التحالف العربي التطبيعي قد أُجبرت على التطبيع مع العدو...

مقالاتمنذ شهرين

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الجمعة السابق المراسيم الانتخابية التي حددت المواعيد...

الأكثر تفاعلا