تواصل معنا

دراسات

الحروب الثلاث على غزة.. من وجهة نظر الكيان

نشر

في

 

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

ثلاثة اعتداءات حربية، خاضتها “إسرائيل” ضد غزة منذ العام 2008، والهدف الأوحد لها، كان اسقاط حكم المقاومة هناك، وتفكيك سلاحها، ومنعها من الاستمرار في زيادة قوّتها وتهديد “إسرائيل”  المستمر. وهذه أبرز المُعطيات عن تلك الحروب[1]:

  1. الحرب الأولى: كانت في 27 ديسمبر/كانون الأول، لعام 2008، حيث شنت “إسرائيل” حرباً وبشكل مفاجئ على قطاع غزة، أسمتها “الرصاص المصبوب”، فيما أطلقت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “حرب الفرقان” وقد استمرت الحرب مدة 21 يوماً، أدت عملية “الرصاص المصبوب”، إلى مقتل أكثر من 1436 فلسطينيًا بينهم نحو 410 أطفال و104 نساء ونحو 100 مسن، وإصابة أكثر من 5400 آخرين نصفهم من الأطفال. فيما قُتل 13 إسرائيليا بينهم 10 جنود وإصابة 300 آخرين، حيث أطلقت المقاومة قرابة 900 صاروخ وقذيفة باتجاه “إسرائيل”.
  2. الحرب الثانية: كانت في العام 2012، في الـ14 من نوفمبر/تشرين الثاني 2012، شنت “إسرائيل” حرباً ثانية على قطاع غزة، أسمتها “عامود السحاب”، فيما أسمتها حركة حماس “حجارة السجيل”، واستمرت لمدة 8 أيام، حيث اندلعت الحرب بعد مقتل قائد كتائب القسام أحمد الجعبري، وأسفرت تلك العملية العسكرية عن مقتل 162 فلسطينيًا بينهم 42 طفلاً و11 سيدة، وإصابة نحو 1300 آخرين بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فيما قتل 20 إسرائيليًا وأصيب 625 آخرين، معظمهم بـ”الهلع”، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
  3. الحرب الثالثة: في السابع من يوليو/تموز 2014، شنت “إسرائيل” حربها الثالثة على قطاع غزة، أسمتها “الجرف الصامد”، فيما أطلقت عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) اسم “العصف المأكول”. وعلى مدار “51 يومًا” تعرض قطاع غزة، الذي يُعرف بأنه أكثر المناطق كثافة للسكان في العالم، (1.9 مليون فلسطيني) لعدوان عسكري إسرائيلي جوي وبري، تسبب بمقتل 2322 فلسطينيًا، بينهم 578 طفلاً (أعمارهم من شهر إلى 16 عاما)، و489 امرأةً (20-40)، و102 مسنًا (50-80)، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. في المقابل، كشفت بيانات رسمية إسرائيلية عن مقتل 68 عسكريًا من جنودها، و4 مدنيين، إضافة إلى عامل أجنبي واحد، وإصابة 2522 إسرائيلياً بجروح، بينهم 740 عسكريًا، حوالي نصفهم باتوا معاقين، بحسب بيانات عبرية.

تلك الحروب استخدمت فيها “إسرائيل”  سياسة الأرض المحروقة، تحديداً في الحرب الأخيرة على القطاع، حيث قامت بتدمير عشرات آلاف البيوت، كسياسة ردعٍ استخدمتها ضد المقاومة الفلسطينية، مستعيدةً نموذج الضاحية الجنوبية في لبنان.

من الناحية الإسرائيلية، مثلت تلك الحروب جوانب من النجاح الجزئي، والاخفاق الأكبر، حيث يُمكن اعتبار النجاح في زاوية المساس في قدرات المقاومة الفلسطينية وتحديداً حركة حماس، وكذلك التأثير على توجهاتها في افتعال حربٍ جديدة[2]، حيث أنّ مساحة الردع ازدادت مع حجم الخسائر التي احدثتها “إسرائيل” في غزة.

لكن من الجوانب الأخرى، فإنّ “إسرائيل” استمرت في سياسة فقدان هوية المنتصر، حيث أثبتت الحروب على قطاع غزة، وتحديداً الأخيرة منها، بأنّ “إسرائيل” لم تُحقق نصراً[3]، بل وجلبت إلى “إسرائيل” مساحة كبيرة من النقد الدولي، بسبب الخسائر الكبيرة بين المدنيين[4]، اللذين خسروا ارواحهم وبيوتهم.

كما أنّ عدم النجاح في حرب 2014 ضد غزة، لم يفلت من النقد العام ومن تقرير من العيار الثقيل لمراقب الدولة، شمل النقاط التالية[5]:

  1. أخفقت القيادة العسكرية والسياسية في الاستعداد للحرب، خاصة فيما يتعلق بخطر الأنفاق القادمة من قطاع غزة باتجاه الكيان.
  2. كانت المؤسسة السياسية والعسكرية والهيئات الاستخباراتية على علم بتهديد الأنفاق وحتى عرّفته بأنه استراتيجي، لكن الأفعال التي اتخذت لم تكن على مستوى التهديد.
  3. رئيس الوزراء نتنياهو ووزير جيشه موشيه يعلون، أخفيا معلومات مهمّة عن بقية أعضاء المجلس الوزاري المصغر.
  4. قصر الجيش في اعداد خطط واضحة للحرب، وفي تدريب قوّاته بشكل كافٍ.
  5. لم ينجح الجيش في تدمير نصف الأنفاق التي بحوزة المقاومة، على خلاف ما تم ترويجه من المستوى السياسي والعسكري.
  6. لم تُحقق “إسرائيل” نصراً في الحرب، وامتدت الحرب لفترة طويلة، خلافاً للرغبة الإسرائيلية، ولم تستلم فيها المقاومة.

والأهم من ذلك اسرائيلياً، فقد وصلت “إسرائيل”  لقناعة أنّ مساحة الردع المتبادل ما بين المقاومة في غزة، وما بين “إسرائيل” ، بات يمنعها من التفكير بخوض حربٍ شاملة ضد القطاع، بل وباتت تعتبرها حرباً زائدة[6]، في إشارة واضحة إلى عدم قدرة حسمها.

بعد الحرب أشارت “إسرائيل”  أنّها استطاعت ضمان الهدوء لفترة طويلة، من خلال سياسة الردع التي امتلكتها، لكنّ تكرار عمليات التصعيد واستمرار حالة الاستنزاف التي تُمارسها المقاومة، والتي أرغمت “إسرائيل” على تنفيذ جزءٍ من التفاهمات حول تخفيف الحصار، الذي يفتك بالقطاع، يؤكد أنّ حالة الردع تلاشت، حيث يعتبر مردخاي كيدار من كبار المؤرخين في “إسرائيل” ، بأنّ الردع مقابل غزة انتهى، وأنّ “إسرائيل” عليها العمل لاستعادته[7]، وفي ظل عدم وضوح النصر الإسرائيلي، أشار مردخاي أنّ قوى المقاومة في غزة، تشعر بأنّها لم تُهزم بل ولديها رغبة في القتال[8].

وما لا يُمكن اخفاؤه وفق “إسرائيل” بأنّ الحصار الكبير على قطاع غزة، وحالة الانقسام الفلسطيني التي تصب في صالحها، ربما تُثير الكثير من الضغط على المقاومة الفلسطينية، لكنّ على المستوى العسكري، تؤكد بأنّها فشلت، وذلك للأسباب التالية[9][10][11]

  1. قوّة حماس والجهاد الإسلامي تضاعفت، حيث أنّ القوّة الصاروخية للجانبين زادت كمّاً ونوعاً، وكذلك عدد المقاتلين ارتفع.
  2. شنت المقاومة ضد “إسرائيل” العديد من جولات التصعيد، والتي استطاعت من خلالها تأكيد استمرار تهديد “إسرائيل”.
  3. الشعور العام لدى سكان الجنوب، بأنّهم رهينة في يد المقاومة، ولم تستطع الحكومة الإسرائيلية تقديم حلول سحرية لهم.
  4. لدى حماس وضوح استراتيجي في تهديد “إسرائيل” المستمر، واستطاعت ادخال “إسرائيل” في حرب استنزاف لا تستطيع التعايش معها.
  5. باتت حماس تمتلك قُدرة تهديد أكبر من حيث مساحة الاستهداف، وباتت تُشكل خطورة كبيرة من خلال احتمالية اقتحامها للحدود في أي لحظة.

 

[1]  علا عطا الله. (29.12.2016). 3 حروب إسرائيلية على غزة. الاناضول. https://www.aa.com.tr/ar/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/3-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%86%D9%81%D9%88%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D9%83-/716131

[2]  جابي سيبوني. (2014). بين الرصاص المصبوب والجرف الصامد. معهد دراسات الأمن القومي. تل ابيب.

[3]  يورم شفايتسر. (2014). عدم اتضاح هوية المنتصر في الحرب ضد جيش عصابات. معهد دراسات الأمن القومي. تل ابيب.

[4]  نفس المرجع السابق.

[5]  مراقب الدولة. (28.02.2017). عملية الجرف الصامد. موقع مراقب الدولة. https://www.aljazeera.net/encyclopedia/events/2017/3/1/%D8%A3%D8%A8%D8%B1%D8%B2-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B7-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D9%82%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A

[6]  يوسي ميلمان. (25.03.2019). لا أحد يريدها لكن الحرب الرابعة ضد غزة اقتربت. معاريف. https://www.maariv.co.il/journalists/Article-691252

[7]  مردخاي كيدار. (14.11.2018). سياسة الردع مقابل غزة فشلت. ميدا. https://mida.org.il/2018/11/14/%D7%9E%D7%93%D7%99%D7%A0%D7%99%D7%95%D7%AA-%D7%94%D7%94%D7%A8%D7%AA%D7%A2%D7%94-%D7%9E%D7%95%D7%9C-%D7%A2%D7%96%D7%94-%D7%A0%D7%9B%D7%A9%D7%9C/?__cf_chl_captcha_tk__=f2b253973434a1a5221385a68aa26043270135ff-1585389553-0-AYnH4sNPXkZ15DPfCSYVNzHiG70FcFfYnknj4IKEjq8KBWrE1ULtna7uidnhbSJXfYk6HurSwsDWTJ3W9rS4FC0O28PLKSXwyu1dLUl7oCbSWk9CWgT6-uUUe6ISnTAveSfiSdQzehFgn_krsbCRy_HIoIPC3L00wJwSZtNtHC16IOBL5z6jQFCCrcQrF_GI5ZuUVlU84eaYBrXmg_Dmt1JAhe0YBDniPtUpd4IAIMAZgchakY8jsYRzty_SmeyEA4XofdV4kmh8uJECHwoRjlc7BwvoNpgerq5QYffZ1wdNTr9SIwJiT1lOwi0mAOd4LbzbDIORIUfWqF_ENb1ojJ7A38NLp0nESuq2X0TdzJrtyvVfWI1HRK_kbbWLxz8OP31-7gfrR9iRnB7VZsjjqius6o_b-gDqSve93OjSUQqZ-o7dkd7Lu7lc1RAJ9EBi7dDxcfsRiCAtOWMAmDj0aw68Jy4FLETByEg8x28muzZOyFuVjBgyOG559vavthFh8Uee5e3qISg84S1SsdGUX59E3678-EapaJ3Z5eDE9Xd4zp8WXOurw3JRsb_5LAWnE9zmhgUKxYcPMYkxHMQVl1JYHE0kFbB5wG5hZJYEx8I4YSXfpJd_A9XRgyVeWwkBwt9NaQBHfNdqRwwHS3eKqjeBpUDspfBcidv-KUqT4-tcVgI90R40eIRLs-FkKVd8vg

[8]  نفس المرجع السابق.

[9]  شاي ليفي. (13.11.2019). التهديد من غزة، هذه قدرات حماس مقابل الجهاد الإسلامي. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-soldiers/Article-ddaad3666b36e61027.htm

[10]  تامار ليفيا. (28.06.2019). التهديد الهادئ من قطاع غزة. يديعوت احرونوت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5538348,00.html

[11]  جدعون الون. (26.11.2018). التهديد من غزة ليس وجودي لكن لا نستطيع الحياة معه. إسرائيل اليوم. https://www.israelhayom.co.il/article/611033

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

يجب أن تكون <a href=“%s”>مسجل الدخول</a> لإضافة تعليق. تسجيل الدخول

اترك تعليقا

دراسات

قواعد الشيوخ.. مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 19

نشر

في

بواسطة

عرض كتاب

قواعد الشيوخ

مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1968- 1970

عوني فارس

باحث في التاريخ

 

عنوان الكتاب: قواعد الشيوخ.. مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني 1968- 1970

المؤلف: غسان دوعر

الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت

تاريخ النشر: 2018

عدد الصفحات: 302

حمّل الملف BDF

اعتاد الإسلاميون الفلسطينيون في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي استحضار تجربة الإخوان المسلمين التاريخية في المقاومة المسلحة ضد المشروع الصهيوني أثناء نقاشهم الساخن مع نظرائهم في فصائل منظمة التحرير، في محاولة منهم للتأكيد على موقف الإخوان الجذري من المقاومة ومشروعيتها، وأن ظروفًا قاهرة حالت بينهم وبين استئنافها.

هذه التجربة بمحطاتها المختلفة لم تسلم من محاولات التشكيك والتجاهل من طرف التيار الوطني، وبقي جهد الإسلاميين في توثيق تفاصيل أحداثها دون المستوى، وانتظروا زمناً طويلًا لحين ظهور حواضن ثقافية وإعلامية ومراكز بحثية تعنى بالتوثيق لفعلهم المقاوم، وقد مثَّلت مجلة فلسطين المسلمة بين أعوام الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أبرز هذه الحواضن، إذ أخذت على عاتقها رصد الحالة الكفاحية في فلسطين ودور حركة حماس فيها، وقد برز من كُتَّابها المهندس غسان محمد دوعر الذي صدر له في تسعينيات القرن الماضي عدة كتب منها: حرب الأيام السبعة.. أسود حماس (1993)، عماد عقل أسطورة الجهاد والمقاومة (1994)، موعد مع الشاباك.. دراسة في النشاط العسكري لحركة حماس وكتائب القسام خلال عام 1993 (1995)، المهندس الشهيد يحيى عياش رمز الجهاد وقائد المقاومة في فلسطين (1997)، المواجهة بين حماس والموساد (1998).

أمّا مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات فخصص جزءًا من نشاطه التوثيقي للمراحل السابقة على تأسيس حركة حماس، ونتج عن ذلك عدة إصدارات منها سِفْرٌ جديدٌ لغسان دوعر وثَّق فيه تجربة قواعد الشيوخ في الأغوار بين كانون الأول/ ديسمبر 1968 – أيلول/ سبتمبر1970 وهو ما سيدور كلامنا عنه في السطور اللاحقة.

صدر كتاب قواعد الشيوخ مقاومة الإخوان المسلمين ضد المشروع الصهيوني (1968- 1970)، لمؤلفه غسان محمد دوعر، عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، وهو توثيق لتجربة الإخوان المسلمين في مقاومة الاحتلال على الساحة الأردنية تحت راية حركة فتح.

يقدَّم الكتاب شرحًا تفصيليًا لتجربة المقاومة الإخوانية للمشروع الصهيوني إبان مرحلة المقاومة الفلسطينية في الأردن من بدايتها حتى نهايتها، كما رواها صانعوها من قيادات الإخوان وفدائييهم، بما في ذلك مخاض تبلور الفكرة على مستوى عناصر الإخوان وكوادرهم، وانتقالها للمستوى القيادي، ثم تبنيها من المكتب التنفيذي للإخوان في البلاد العربية، وما تبع ذلك من حيثيات سواءً فيما يتعلق بالإجراءات الإدارية واللوجستية وتوفير المال والسلاح وإقامة القواعد والبدء في التدريب ثم القيام في بالعمليات الفدائية، بمشاركة إخوان من جنسيات مختلفة منها الأردن، سوريا، فلسطين، مصر ، الجزائر، أثيوبيا، السودان، لبنان.

حوى الكتاب مقدمةً وأربعة فصولٍ وملحقين للصور والوثائق. استعرضت المقدمة الخطوط العريضة للخطاب الإخواني حول فلسطين، واسترجعت المحطات التاريخية التي مر بها الموقف الإخواني من القضية الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حتى ستينياته، وأظهرت ثباته في دعم فلسطين وقضيتها رغم تغير الواقع السياسي بعد النكبة وتراجع مكانة الإخوان في الوطن العربي، ولخَّصت باقتضاب قصة قواعد الشيوخ، وأعطت لمحة عن محتويات الكتاب، وتناول الفصل الأول التداعيات المأساوية لنكبة عام 1948 على الإخوان المسلمين، ووصف ما حلَّ بهم من سكون وتراجع وانحسار للدور السياسي والشعبي على مستوى الوطن العربي ودخولهم مرحلة “الابتعاد عن مجريات الفعل والتأثير.. والترقب والانتظار” وما قابله من صعودٍ للمدّ القومي، وبروزٍ لفصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة فتح.

وركَّز الفصل  الثاني على تجربة قواعد الشيوخ، واحتوى تفاصيل مهمة عن المراحل التي مرت بها من بداية تبني الفكرة إلى عمليات الحشد واستقطاب المقاتلين وجمع السلاح وتوفير المال والتنسيق مع حركة فتح وإقامة القواعد، والبدء بتنفيذ العمليات ضد قواعد الاحتلال ومستوطنيه على طول المنطقة الممتدة من نهر اليرموك حتى “دير علا” في منطقة الأغوار الوسطى، وكشف عن أسماء المنخرطين في التجربة على المستويات المختلفة من صناعة القرار والطواقم الإدارية والدعم اللوجستي والتدريب والمسؤولين داخل القواعد والمنخرطين في ميدان المواجهة، وأبان عن موقف ودور إخوان الأردن، ولبنان، وسوريا، ومصر، والخليج، والعراق، واليمن، والسودان، وشرح تجربة ثلاثة معسكرات إخوانية تدريبية (جرش والأزرق والعالوك)، وأعطى نبذة عن ست قواعد فدائية إخوانية وهي: غزة، الخليل، بيت المقدس، بدر الكبرى، الأسلحة الثقيلة، الهام، وقدَّم معلوماتٍ واسعة عن ثماني عمليات نفّذها فدائيو الاخوان بالتعاون مع حركة فتح، تضمنت تاريخ حدوثها، والمشاركين فيها، وموقعها، والهدف منها، والأسلحة المستخدمة فيها، ونتائجها، وردود الفعل عليها، منها: عملية الشهيد عز الدين القسام، عملية الحزام الأخضر، علمية الأرض الطيبة، عملية دير ياسين وغيرها.

واسترجع الفصل الثالث قصة الصدام بين فصائل المقاومة والسلطات الأردنية، واستعرض أسبابها وذكر نتائجها وتداعياتها، وكشف كيف أن الإخوان تبنوا الحياد أثناء الأزمة، وقاموا بتفكيك قواعدهم فغادر الأردن الإخوان السوريون والمصريون والسودانيون وتم الإبقاء على وجود رمزي في ثلاث قواعد هي غزة وبيت المقدس والخليل، وقد اختار مقاتلو قاعدة بيت المقدس الانسحاب إلى سوريا، في حين تعرض مقاتلو قاعدة الخليل إلى الاعتقال المؤقت، لكن لم  يتعرض أي من مقاتلي الإخوان لسوء سوى فوزي أبو الخير الذي اعتقل من مخبز والده في مخيم غزة وأعدم.

وسرد الفصل الرابع سيرة أحد عشر شهيدًا من فدائيي الإخوان، وكشف عن بلدانهم، وخلفياتهم الاجتماعية والأكاديمية والتنظيمية، وقصة التحاقهم بقواعد الشيوخ، ودورهم فيها، وطريقة استشهادهم، وهم: إبراهيم عاشور (فلسطين)، صلاح الدين عودة (فلسطين)، رضوان كريشان (الأردن)، سليم المومني (الأردن)، محمود البرقاوي (الأردن)، صلاح خليل (مصر)، نصر العيسى (سوريا)، رضوان بلعة (سوريا)، مهدي الأدلبي (سوريا)، زهير سعدو (سوريا)، محمد سعيد باعبَّاد (اليمن).

في نقد موقف الحركة الإسلامية من فلسطين

امتاز الكتاب بِنَفَسٍ نقديٍ عالٍ تجلى في مناقشته لموقف الإخوان المسلمين من القضية الفلسطينية خصوصًا في الفترة الممتدة بين أعوام 1955-1968، في معاكسة واضحة للصورة النمطية التي روَّجها البعض حول الكُتَّاب من أصول إخوانية باعتبارهم جبناء لا ينتقدون تجربة تنظيمهم وطيِّعون لا يخرجون عن الرواية الرسمية لجماعتهم.

حيث خَلُص المؤلف، وهو ناشط إسلامي وصاحب تجربة ميدانية وكاتب مهتمٌ بتاريخ المقاومة الفلسطينية، إلى أنَّ الإخوان افتقدوا لاستراتيجية واضحة تجاه القضية الفلسطينية، ولم يحمل مشروعهم الإسلامي أي برنامج عملي خاصّ بها، ورغم تمسكهم بمبدأ مقاومة الاحتلال إلا أنهم “لم يستطيعوا تجسيد هذه المبادئ العامة في صورة استراتيجية جهادية ذاتية ينهضون بها عمليًا” (ص 22).

حمَّل المؤلف الجيل القيادي جزءًا من المسؤولية عن ذلك كونه لم يكن قادرًا على تحمل أعباء المقاومة، واقتصر نشاطه على بث أطروحات نظرية مع سعي لإيجاد تيار شعبي فكري وشعوري واسع يضغط على الحكومات من أجل تغيير موقفها من فلسطين، كما وجه نقده لإخوان الأُردن كونهم لم يستفيدوا من المناخات التي سادت بعد النكسة في استنهاض الجمهور في فلسطين للمقاومة تحت راية إسلامية، الأمر الذي أدى إلى نجاح حركة فتح في استقطاب عددٍ كبيرٍ من عناصرهم، وانتقد عدم انتقال فدائيي الإخوان إلى الساحة اللبنانية بعد أحداث أيلول عام 1970 الأمر الذي كان له تداعيات سلبية على الوجود الإسلامي داخل المخيمات في الأردن ولبنان.

تجربة قواعد الشيوخ.. سياقات التبلور ومسارات العمل

تفاعل الإخوان مع صعود فصائل المقاومة الفلسطينية في الأردن، وبدأوا بالتعاون مع حركة فتح خصوصًا بعد حرب حزيران عام 1967، فقدموا الدعم اللوجستي والمالي (إخوان الخليج) والتحشيد (إخوان العراق) والمشاركة في معسكرات التدريب (إخوان سوريا وإخوان الأردن)، لكنَّ الإقرار الرسمي من المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية بالمشاركة في الفعل المقاوم تحت راية فتح تأخر إلى بداية عام 1969.

مرت تجربة قواعد الشيوخ بعدة مراحل، إذ بدأت بتشكيل لجنة للحوار بين الإخوان وفتح عقدت عدة لقاءات شارك فيها عن الإخوان سعد الدين الزميلي، قنديل شاكر شبير(الأردن)، محمد كمال القزاز، عبد العزيز علي محمد (مصر)، عبد الله العقيل (الكويت)، وعن فتح ياسر عرفات، محمد يوسف النجار، خالد الحسن، محمد غنيم، وقد توصلت إلى تفاهمات حول أسس انخراط الإخوان في المقاومة تحت راية فتح، وأفرزت لجنة للتنسيق بين الطرفين ضمت من الإخوان سعد الدين الزميلي وإسحق الفرحان وعبد خلف داودية ومن فتح محمد راتب غنيم ومحمد يوسف النجار.

رتَّب الإخوان عملية تأسيس القواعد، معتمدين على دعمٍ ماليٍ سخيٍ من إخوان الخليج، وإمدادات بالعناصر البشرية من إخوان سوريا ومصر والأردن وغيرها، وشكَّلوا لجنة للتنسيق الميداني ضمت عبد العزيز علي محمد وصلاح خليل وذيب أنيس، وأعطوا المسؤولية عن القواعد تخطيطًا وتدريبًا وتسليحًا لإسحاق الفرحان وأحمد محمد الخطيب (الأردن)، ومحمد كمال القزاز وعبد العزيز علي محمد وصلاح حسن خليل (مصر)، وعبد الله علي المطوع وعبد الله العقيل (الكويت)، وأسندوا مسؤولية التدريب في معسكر الأزرق  لصلاح حسن ومحمود حسن (مصر) وفي معسكر العالوك لعبد العزيز علي محمد (مصر)، وترأس أحمد أبو سعد قاعدة الرفيد، ومحمد طه دردس قاعدة بدر الكبرى، وعبد الله عزام قاعد بيت المقدس، ثمَّ بدأوا بتنفيذ العمليات ضد قوات الاحتلال والمستوطنين، وكانت آخر عملياتهم في آب/ أغسطس عام 1970، حيث توقفوا حين أيقنوا أن المواجهة بين فصائل المقاومة والنظام الأردني باتت وشيكة، وأن عليهم حل أنفسهم وعدم الانخراط فيها.

قواعد الشيوخ ومسار العلاقة بين الاخوان المسلمين وحركة فتح

شكَّلت تجربة قواعد الشيوخ تطورًا مهمًا في مسار العلاقة بين جماعة الإخوان وحركة فتح. أبقت فتح في مرحلة التأسيس علاقتها القوية بالإخوان، وحتى مرحلة قواعد الشيوخ كان كثيرون يعتقدون بأن فتح ذراعٌ من أذرع الإخوان، خصوصًا وأن جزءًا كبيرًا من قادتها وكوادرها خرجوا من رحم الإخوان، وظلت فتح حتى النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي تستنزف الجسم الإخواني إلى أن قرَّر الاخوان وقف ذلك، فأصبح مطلوبًا من الإخواني أن يقرر إمَّا أن يبقى في الإخوان أو أن ينضم إلى فتح.

لم يكن موقف الإخوان من التعاون العسكري مع فتح على الساحة الأردنية واحدًا، إذ عارض ذلك جزءٌ من إخوان سوريا ولبنان والعراق، بعكس إخوان الأردن والكويت ومصر والسودان الذين كانوا أول من تبنى فكرة إقامة قواعد فدائية للإخوان في الأغوار.

في هذا السياق عرض المؤلف موقفين متعارضين من المسألة تبناهما تياران داخل تنظيم الإخوان الفلسطينيين، فقد تزعَّم القيادي الإخواني عبد الله أبو عزة الرأي المعارض، منطلقًا في محاججته من أنَّ رأيه لا يستند إلى موقفٍ معادٍ لمبدأ المقاومة، وإنما بناءً على اطلاعٍ دقيقٍ على محدودية إمكانيات الإخوان في البلاد العربية من حيث توفير المال والسلاح وحرية الحركة، فضلاً عن الواقع الإقليمي المعادي للإخوان، ووجود مؤشرات على قُرب حدوث مواجهة بين فصائل المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني.

في المقابل مثَّل سليمان الحمد موقف المؤيدين، فقد دعا إلى عدم إضاعة فرصة الانخراط في المقاومة خصوصًا وأنَّها ستجلب الكثير من المنافع للإخوان سيما وأن التجربة ستعني إحياءً لفريضة الجهاد في نفوس عناصر الإخوان، كما أنَّهم سيستفيدون من ذلك في “التدرب على السلاح” بشكل علني وسيصبح لهم  شوكة وبالتالي لن يكونوا لقمة سائغة لأحد في المستقبل.

عمليًا كان التعاون بين فتح والإخوان على الساحة الأُردنية قائمًا قبل اتخاذ الإخوان قرارًا رسميًا بتأسيس قواعد الشيوخ، وإن اقتصر في البداية على تقديم الدعم المالي واللوجستي والإعلامي لفتح، خصوصًا من إخوان الكويت الذين ربطتهم علاقة قوية بأبي عمار، وقد أخذت مجموعات إخوانية بالتدرب في قواعد فتح بعيد حرب حزيران عام 1967، لكنَّها لم تتمكن من أنشاء قواعد مستقلة لها، وتأخر الإخوان في إضفاء الصفة الرسمية على عمل فدائييهم، حتى أعطى المكتب التنفيذي الموافقة؛ بعد عقد مفاوضات مع فتح أفضت إلى اتفاق تضمّن عدة بنود منها أن يكون تمويل قواعد الإخوان من الإخوان، وأن قواعد الإخوان يقودها إخوان، وتكون مناهج التربية فيها إخوانية، ويكون ضابط الاتصال بين الطرفين متدين، وتقوم فتح بتوفير المدربين والسلاح، ويتم الإعلان عن العمليات باسم فتح.

بدأ الإخوان بالانخراط في العمل المقاوم تحت مظلة فتح رسميًّا، وانتشر مقاتلوهم في المنطقة الممتدة بين نهر اليرموك ودير علا في منطقة الأغوار الوسطى، وتوسعت دائرة تدريب المقاتلين حتى تمكنوا من تدريب ما بين 300 – 400 إخواني، وشرعوا في تنفيذ العمليات ضد قوات الاحتلال ومستوطنيه بالتعاون مع عناصر فتح، واستمروا بها حتى قبيل اندلاع أحداث أيلول الدامية عام 1970.

ما تبقى من التجربة

شكَّل فدائيو قواعد الشيوخ، إضافة نوعية للعمل المقاوم تحت مظلة حركة فتح، سواءً على صعيد سلوكهم اليومي داخل المعسكرات ومع الأهالي وعناصر الجيش الأردني، أو في أدائهم العسكري أثناء المواجهة مع قوات الاحتلال، وقد نظرت قيادة فتح لتجربتهم باعتبارها تطورًا إيجابيًا في العلاقة مع الإخوان يخدم الحركة ومشروعها، في حين نظر الإخوان اليها على أنَّها مسارٌ تصحيحي للعلاقة خضع لضوابط تحقق رغبة الكادر الإخواني بالمشاركة في المقاومة مع الإبقاء عليه متمايزًا وتمنع انصهاره في فتح.

وصلت التجربة إلى نهاياتها بعد قرابة السنة والنصف من انطلاقها، ورغم خلاصات دوعر التي أكد فيها أنَّها كانت تجربة ناقصة وغير مكتملة وقصيرة زمنيًا، ولم تكن مستقلة، إلا أنَّه لا بدّ من الانتباه إلى أنَّها عملت على تثوير الحالة الإخوانية، وبثت الروح المعنوية في صفوف الجيل الشاب من إخوان فلسطين الذين سيكون لهم دور محوري في تأسيس حماس لاحقًا مثل د. عدنان مسودة  الذي زار قواعد الشيوخ أكثر من مرة والقيادي ناجي صبحة الذي ظلَّ محتفظًا بسلاحه من القواعد لحين اندلاع الانتفاضة الأولى وتأسيس حركة حماس، كما أنَّ التجربة ولدَّت صداقات، استثمرت في ثمانينيات القرن الماضي في تدعيم المقاومة الفلسطينية، كما في علاقة عبد الله عزام مع حمدي سلطان وأبو حسن قاسم.

انتهت قواعد الشيوخ بما لها وما عليها، ورحل عن دنيانا الفانية الكثير من المنخرطين فيها، وبقيت الحقيقة ساطعة تصدح بمآلاتها: أن الفدائيين في قواعد الشيوخ تمكنوا بدمهم وعرقهم من حجز مكانٍ لهم في المسيرة الطويلة لاستعادة فلسطين.

أكمل القراءة

دراسات

المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1930

نشر

في

بواسطة

 

ورقة معلومات

 

المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1930

 

  إعدادكمال الجعبري- مركز القدس للدراسات

 

محتويات الورقة

حمّلها BDF

مقدمة المركز
المؤتمر الإسلامي العام- الخلفيات  
نشأة المؤتمر  
مقترحات المؤتمر  
الوفود المشاركة  
الافتتاح  
الوفود  
المشاركة المسيحية  
نتائج المؤتمر  
ما انتهت إليه نتائج المؤتمر  
خاتمة  

 

 

 

مقدمة المركز

يعبّر المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام 1931، عن المحاولات الجادّة المبكّرة لمواجهة الحالة الاستعمارية المركّبة في فلسطين، من الانتداب البريطاني، والمشروع الصهيوني، كما يعبّر عن البعد الإسلامي الواضح، وموقع العروبة من هذا البعد، في النضال الفلسطيني المبكّر، ولدى الشخصيات التي حملت عبء هذا النضال، كالحاج أمين الحسيني.

وبالرغم من أنّ المؤتمر بدا واعدًا، بالشخصيات التي شاركت فيه، وبجنسيات الوفود المتعددة، الأمر الذي يعطي انطباعًا بإمكان حشد الأمّة وقواها على مختلف توجهاتها، على قضية فلسطين، كما أنّه بدا واعدًا في مقترحاته وتوصياته ومشاريعه، إلا أنّه في الوقت نفسه يلقي الضوء على جانب من معضلات النضال الفلسطيني، في مواجهة حالة استعمارية دوليّة تقطع الطريق على الجهود الواعدة، ويلقي الضوء على تعلّقات الحالة الفلسطينية، بحالة التجزئة، في الأمّة، سواء في بعدها الإسلامي أم في بعدها العربي.

وعلى أية حال فإنّ دراسة هذه التجربة مهمّة للغاية، باعتبار النضال الفلسطيني نضالاً تراكميًّا، ولكونه سلسلة تتعدد حلقاتها ولكنها تتصل، ولأنّ الكثير من المشكلات الراهنة لها جذور في الماضي، أو هي صورة أخرى من مشكلات ماضية، وبهذا تصير المعرفة التاريخية ضرورة، لا مجرد نشاط ذهني، أو تسلية ثقافية.

يقدّم لنا الباحث كمال الجعبري، هذه الورقة التعريفية بالمؤتمر الإسلامي الأول في القدس، آميلن، أن تكون بدورها حلقة في سلسلة متتابعة، تحت عنوان ورقة معلومات، سيهتم مركز القدس بإصدارها إن شاء الله.

ساري عرابي

مدير مركز القدس للدراسات

المؤتمر الإسلامي العام في سطور

 

الخلفيات:

بدأ الحديث حول المؤتمر كما يذكر الأستاذ محسن صالح في العام 1926 خلال زيارة الحاج أمين الحسيني الديار المقدسة لأداء العمرة، فقد دار بينه وبين الزعيم الهندي محمد علي جوهر عدة نقاشات حول استفحال خطر الحركة الصهيونية على فلسطين والقدس خصوصًا وضرورة التحرك للدفاع عن القدس وكذلك ضرورة العمل على الحفاظ عل مكانة القدس الحضارية والوجدانية لدى العرب والمسلمين [1].

 

نشأة المؤتمر:

ولكن الولادة الفعلية للمؤتمر كانت من خلال مجموعة النقاشات التي خاضها عدد من الشخصيات البارزة في العالم الإسلام كالحاج أمين الحسيني وعبد العزيز الثعالبي، اللذين ارتأيا، وغيرهما، ضرورة اللجوء لقوة معينة لدفع المشروع الاستعماري، ووجدا تلك القوة في الوحدة الإسلامية، وبالرغم من عدم نضوج الفكرة في مواجهة الاحتلال البريطاني، وليس الضغط عليه فحسب، إلا أن هذه الخطوة في عقد المؤتمر كانت ردة فعل واضحة تجاه تصاعد السياسات الاستعمارية البريطانية الداعمة للصهيونية في فلسطين[2].

 

مقترحات المؤتمر:

تم تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر بعد مجموعة من المراسلات بين الحاج الحسيني وعدد من الزعماء العرب والمسلمين. حوت تلك المراسلات جدول أعمال المؤتمر الذي تضمن القضايا التالية:

  1. نشر أساليب وسبل التعاون الإسلامي وتعميمها، وتنبيه المسلمين للمسؤولية الملقاة على عاتقهم في تحقيق هذا التعاون، الذي أوجبته الشريعة الإسلامية.
  2. حماية الدين الإسلامي وصون عقائده ومقدساته التي منها، حائط البراق الشريف.
  3. إنشاء جامعة في القدس لتجديد ثقافة المسلمين وتعليمهم من شتى الأقطار، وفي شتى النواحي.
  4. النظر في القضايا الإسلامية الأخرى، ومنها قضية خط سكة الحديد الحجازي الموقوفة من أموال المسلمين[3].

 

الوفود المشاركة:

وقد لبت الوفود الإسلامية والعربية دعوة حضور المؤتمر من عدد من البلدان العربية والإسلامية وهي: تركستان الصينية، تركيا، تونس، جاوا، الجزائر، الحجاز، روسيا، سيلان، سوريا، شرق الأردن، طرابلس الغرب وبرقة (ليبيا)، العراق، فارس (إيران)، فلسطين، قفقازيا، لبنان، مصر، المغرب الأقصى (المغرب)، نيجريا، الهند، اليمن، يوغسلافيا[4].

الافتتاح:

افتتح المؤتمر في 27 رجب 1350 هجرية الموافق 7/10/1931 في باحات المسجد الأقصى المبارك وألقى الحاج أمين الحسيني كلمة المؤتمر الافتتاحية، فيما أم السيد محمد حسن آل كاشف الغطاء كبير مجتهدي الشيعة في المصلين في المسجد الأقصى، حيث ألقى كلمة بعد الصلاة أكد من خلالها بأن بركة المسجد الأقصى في اجتماع المسلمين واتلافهم داخله[5].

 

الوفود:

حضر المؤتمر 153 مندوبًا من الدول والهيئات المشاركة، ومن أبرز الحضور: ضياء الدين الطبطبائي وزير الحكومة الإيرانية السابق، ومحمد خالد باشا رئيس حكومة شرق الأردن السابق، ومحمد زبارة وهو ممثل الإمام يحيى إمام اليمن، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء، وهو كبير مجتهدي الشيعة وكان ضمن الوفد العراقي.

أما الوفد المصري فضم، الشيخ محمد رشيد رضا رئيس تحرير مجلة المنار، والشيخ محمد الغنيمي التفتزاني من كبار المتصوفة، وخطيب وشاعر، وعبد الرحمان عزام عضو مجلس النواب المصري.

أما الوفد السوري، فضم الزعيم الوطني شكري القوتلي، والزعيم الوطني سعد الله الجابري، وشارك كذلك كل من رياض الصلح وعلي بيهم ممثلين عن لبنان، ومن الهند كل من شاعر الإسلام محمد إقبال، والزعيم الإسلامي المعروف شوكت علي.

وضم الوفد المغربي، محمد المكي الناصري، وهو من علماء المغرب ورجال الحركة الوطنية فيها، ومحمد بنونة، وشارك من ليبيا البشير السعداوي، مؤسس اللجنة المركزية للجاليات الطرابلسية والبرقاوية[6]، كما حضر المؤتمر رؤوف باشا وهو أستاذ في كلية الزهرة في سيلان[7].

ومن الشخصيات الفلسطينية البارزة التي كانت ضمن لجان المؤتمر، محمد عزة دروزة، عضو اللجنة التنفيذية العربية واللجنة التنفيذية للمؤتمر، والشيخ سعيد الجماعي خطيب المسجد الأقصى، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر، والشيخ عجاج نويهض، عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر، وإسعاف النشاشيبي عضو المجلس العربي في دمشق، وأمين سر المؤتمر، ومحمد يعقوب الغصين، ممثل جمعية الشبان المسلمين في الرملة، وأمين سر اللجنة المالية، والشيخ محمود الداوودي، نائب رئيس الغرفة التجارية، وعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر[8].

المشاركة المسيحية:

يشير المؤرخ الفلسطيني المقدسي أميل الغوري إلى أن المؤتمر كان أول مؤتمر إسلامي عالمي يعقد في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، كما أن المؤتمر شهد مشاركة لوفد من مسيحيي فلسطين العرب الأرثدوكس، فقد حضروا جلسته الافتتاحية التي عُقدت في المسجد الأقصى، وأيدوا الجهود الساعية لتوحيد العالم العربي والإسلامي، وتعزيز سبل التعاون بين العرب والمسلمين[9]. ومن الأمور المهمة التي اقترحت أثناء جلسات المؤتمر مؤازرة ودعم انتخاب بطريرك عربي للأرثذوكس العرب الفلسطينيين[10].

نتائج المؤتمر:

 انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية مكونة من 25 شخصية هم: ضياء الدين الطبطبائي، رئيس الوزراء الإيراني السابق، وبشير السعداوي، رئيس اللجنة التنفيذية للجاليات الليبية، والحاج توفيق حماد، عضو المجلس النيابي العثماني السابق، وسعيد ثابت، سكرتير شركة حلج الأقطان العراقية، والأمير سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، ورئيس لجنة الدفاع عن خط الحديد الحجازي، وسعيد شامل، رئيس الدفاع الملي للقوقاز الشمالي، وسليمان السودي، مندوب شرق الأردن، والشيخ شفيع داوودي، عضو المائدة المستديرة في الهند، وشوكت علي، الزعيم الهندي، وصلاح الدين بيهم، نائب رئيس المجلس الإسلامي في بيروت، وعبدالرحمان عزام، عضو الوفد المصري، وعبدالعزيز الثعالبي، الزعيم التونسي، وعبد القهار المظفر، عضو اللجنة التنفيذية العربية، وعبد القهار مذكر، مندوب إندونيسيا في المؤتمر، وعوني عبدالهادي، أمين سر اللجنة التنفيذية العربية، وعياض إسحاقي، صاحب مجلة مللي بول في برلين، وغلام رسول مهر، صاحب صحيفة انقلاب لاهور، ومحمد إقبال، الشاعر الهندي المعروف، ومحمد الحسين آل كاشف الغطاء، العراق – النجف، ومحمد رشيد رضا، مؤسس مجلة المنار، والشيخ محمد زبارة، آمين اليمن، والشيخ محمد علوبة، وزير الأوقاف المصرية سابقًا، ووكيل حزب الأحرار الدستوريين، ومحمد بنونة، من المغرب الأقصى[11]، واجتمعت اللجنة التنفيذية للمؤتمر وقدمت القرارات والتوصيات التالية:

  1. المطالبة بتسليم خط السكة الحديدية الحجازية، لأنه أنشئ بأموال المسلمين، والمطالبة بما نصّ عليه صك الانتداب البريطاني، ومعاهدة لوزان بحفظ الأوقاف الإسلامية وعدم التعرض لها.
  2. استنكار قرار لجنة البراق الدولية، والأمر القاضي بتنفيذ القرار.
  3. استنكار ما لقيه مجاهدو طرابلس، ورجال قبائلها من قتل وتشريد واعتقال، ومناشدة الجهات الدولية وأصحاب الديانات السماوية التدخل لإيقاف تلك الفظائع.
  4. استنكار الظهير الفرنسي، وهو قانون يهدف لتحويل مسلمي البربر في المغرب الإسلامي للديانة المسيحية.
  5. استنكار الاستعمار بكافة أشكاله ولأي قطر من الأقطار الإسلامية.
  6. قرارات متعلقة بالمؤتمر والوضع الداخلي في فلسطين:
  • تشكيل نظام للمؤتمر يسمح بعقده بشكل دوري كل سنتين.
  • إنشاء جامعة إسلامية باسم جامعة المسجد الأقصى.
  • التعاهد على الدفاع عن إسلامية حائط البراق.
  • إنشاء دائرة معارف إسلامية.
  • تأسيس شركة لإنقاذ الأراضي المهددة في فلسطين، ودعم الفلاحين والحرفيين في فلسطين لتشكيل مشاريع تعاونية.
  • تشكيل اللجان المحلية في فلسطين[12].

 

ما انتهت إليه نتائج المؤتمر:

تم بالفعل تأسيس عدة لجان فرعية للمؤتمر في مدن فلسطين، وكذلك في الدول التي شاركت في المؤتمر. وفي 11/5/1932 أعلن ضياء الدين الطبطبائي عن قرب إنشاء جامعة المسجد الأقصى، وقال بأنها ستضم كلياتٍ للعلوم الشرعية والإلهية، وكليات للفنون والصناعة، وكذلك للطب والصيدلة.

بقي الشعب الفلسطيني منتظرًا إنشاء الجامعة والشركة الزراعية، ومن أجل المباشرة في تحقيق ذلك، باشر المكتب التنفيذي للمؤتمر بجمع الأموال من البلدان المشاركة، وسافر وفدٌ مكون من الحاج أمين الحسيني، ومحمد علي علوبة، والشاعر محمد إقبال للهند، وتمكنا من جمع مبالغ كبيرة من المال.

تبرع الملك نظام حيدر آباد ملك مملكة حيدر آباد الهندية بمليون روبية هندية، وتبرع كذلك زعيم الشيعة البهرة في الهند بنصف مليون، وانهالت التبرعات على الوفد من كافة فئات المسلمين في الهند، ولكن التدخل الاستعماري البريطاني للأسف عبر مكتب الملك البريطاني في الهند منع وصول تلك التبرعات إلى فلسطين، وتدخلت القُوى الاستعمارية في مختلف الأقطار الإسلامية للحيلولة دون وصول الدعم المالي لفلسطين في سبيل تحقيق نتائج المؤتمر، مما أدى لوأد الفكرتين، كما لعبت الحركة الصهيونية دورًا في محاربة توصيات المؤتمر، فقد خرجت عدة دعوات لمحاربة نفوذ المجلس الإسلامي الأعلى عبر إنشاء مجمع ديني صهيوني (سندهارين) في القدس[13].

خاتمة

شكلت تجربة المؤتمر الإسلامي الأول في القدس، نواةً أو نموذجًا، للعمل الائتلافي الإسلامي العامل للقضية الفلسطينية، قبل ظهور التجربة الجهادية للشيخ عز الدين القسام، أو بدايات نشاط جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، وكان للحاج أمين الحسيني دورٌ بارزٌ في إطلاق هذا المؤتمر، ومحاولة البناء عليه لاحقًا، مما يدعو لإعادة قراءة وتحليل تجربة الحاج أمين الحسيني، وبعدها الإسلامي، والقومي، وتجلياتها وتقاطعاتها.

 

 

 

 

[1] محسن محمد صالح، التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد 1917-1948، تقديم الشيخ عمر الأشقر، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع – الكويت، ط 2، 1989، صفحة 206.

[2] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، 243.

[3] الثعالبي، عبد العزيز، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط1، 1988، صفحة 253.

[4] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، البلدان الممثلة في المؤتمر الإسلامي العام بالقدس١٩٣١، http://www.awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Attending Countries_0.pdf

[5] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 245.

[6] أ. الثعالبي، عبد العزيز، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط1، 1988، صفحة 14.

ب. الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 246.

[7] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، لجان المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، http://awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Committees.pdf

  [8] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، لجان المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، http://awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Committees.pdf

[9] الغوري، أميل، فلسطين عبر ستين عاماً، دار النهار للنشر، بيروت – لبنان، 1972، صفحة 146.

[10] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 246.

[11] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 873 و874.

[12] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 247.

[13] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 248 و249.

أكمل القراءة

دراسات

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 ودور الشيخ عز الدين القسام في إشعالها (القساميون وثورة الـ 36)

نشر

في

بواسطة

إعداد: كمال جهاد الجعبري

مركز القدس للدراسات

المقدمة

شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1917 و1948، أيّ فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، العديد من الثورات والهبّات الفلسطينية، منها ما كان عابرًا استمر لعدة أيّام، ومنها ما استمرّ لسنين عدّة، ومنها ما أخذ شكل الانتفاضات الشعبية والمظاهرات السلمية، ومنها ما أخذ طابعًا عسكريًّا، ومنها ما جمع بين هذين الأمرين.

من بين تلك الثورات: الثورة الفلسطينية الكبرى التي وقعت في الفترة بين عامي 1936 و1939، وتُعدّ من أطول الثورات الفلسطينية مدّة، وفي هذا الورقة يستعرض الباحث، دور الشيخ عز الدين القسام في إشعال الثورة على مستويين: الأول دور الشيخ عز الدين القسام بصفته، شخصية دعوية في غرس روح الجهاد والمقاومة في عموم طبقات الشعب الفلسطيني، والثاني دور حراكه الثوري و تنظيمه المسمى بـ (الجهادية) في إشعال الثورة، ومن ثم قيادة مجرياتها وأحداثها.  

الظروف التي أدت إلى قيام الثورة و ما سبقها من أحداث

بعد إخماد ثورة البراق 1929، وقد كان لتدخل السلطات البريطانية الأثر الأكبر في إخمادها، بدأت تتوجه أنظار القوى الشعبية الفلسطينية إلى عدوّ جديد هو الداعم الرئيس للمشروع الصهيوني والحركة الصهيونية المتمثل في سلطات الاحتلال البريطاني، و بدأت بالفعل الحراكات الثورية والحزبية تتجه نحو مقاومة فكرة الانتداب البريطاني.

و كان من أبرز الأحداث التي وقعت في الفترة بين عامي 1929 و1936، وأسهمت في اندلاع الثورة:

  • ظهور عصابة الكف الأخضر المسلحة، وهي تنظيم عسكري مسلح أسسه المجاهد أحمد طافش، و كان الهدف منها محاربة الوجود اليهودي في مناطق صفد والشمال، وانضمّ إليها عدد من المناضلين من الدول المجاورة من شرق الأردن وسوريا، وكان لها عمليات قتل واختطاف بحق السماسرة الذي كانوا يقومون بعمليات بيع الأراضي في طبريا وصفد للحركة الصهيونية، إلا أن هذا التنظيم لم يدم طويلاً، فلم يمتد أكثر من سنة بفعل الحملات العسكرية البريطانية التي أدّت إلى مقتل واعتقال جلّ كوادره .
  • تعيين الجنرال أرثر واكهوب مندوبًا ساميًا لفلسطين في العام 1930، حيث بدأ هذا المندوب -الذي ظن العرب في بداية الأمر أنه بعيد عن الضغوط اليهودية- بتوطيد دعائم المشروع الصهيوني، ففي عهده اكتشفت شحنات من السلاح المهربة للعصابات الصهيونية في ميناء حيفا، وارتفعت الهجرة اليهودية في عهده من ما لا يزيد عن 170 ألف يهودي لتصل إلى ما يقارب 234 ألف يهودي، وتم في عهده كذلك الاستيلاء على مستنقعات الحولة في شمالي فلسطين، حيث قامت القوات البريطانية بالقوة بمصادرة 15 ألف دونم من الأراضي الزراعية و تسليمها لليهود.
  • المؤتمر الإسلامي: كان لعقد المؤتمر الإسلامي في القدس دورٌ أساسيٌ في تنمية الوعي الثوري والإسلامي تجاه قضية المسجد الأقصى ومخاطر التهويد التي كانت تحيق به، فقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في سياق تحركٍ شعبيٍ إسلاميٍ واسع النطاق جراء التهديد الخطير الذي تعرض له المسجد الأقصى على يد الحركة الصهيونية أثناء أحداث ثورة البراق، وكان الشخصان اللذان شكّلا الحراك الفعال الذي أدى إلى عقد هذا المؤتمر مفتى القدس الحاج أمين الحسيني و الزعيم الإسلامي مولانا شوكت علي لولب اللبناني الأصل رحمهما الله تعالى ، وحضر هذا المؤتمر 22 مندوبًا من مختلف الأقطار الإسلامية، و كان من ضمنهم شخصيات إاسلامية بارزة من أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والشاعر محمد اقبال وغيرهم، وخرج المؤتمر بعدةِ قرارات وتوصيات، منها إنشاء جامعة إسلامية، وإنشاء لجان لمنع بيع الأراضي لليهود، إلا أنّ وقوع العديد من الأقطار التي ينمتي إليها المؤتمرون حال دون تطبيق هذه القرارات و التوصيات.
  • إنشاء الأحزاب الوطنية وانتفاضة 1933: تعد فترة ما بين عامي 1933 و1935 مفصلية في تكوين وإشعال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فقد أدت سياسة سلطات الانتداب ذات الأذن المفتوحة للحركة الصهيونية والأُذن المغلقة عن العرب ومطالبهم إلى تصاعد فكرة التوجه للمواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب، إلّا أنّ  هذه المواجهة بدأت في بداية الأمر تأخذ طابعًا سلميًّا عن طريق إنشاء الأحزاب ورفع العرائض والمذكرات، وكان من أبرز تلك الأحزاب التي أُنشئت “حزب الاستقلال” في عام 1932، و”الحزب العربي الفلسطيني” الذي حظي بدعم المفتي الحاج أمين الحسيني، وتشكلت في تلك الفترة، أو وُضعت نواة تشكيل جماعات جهادية مسلحة من أمثال “جماعة الجهاد المقدس” بقيادة عبد القادر الحسيني و”تنظيم الجهادية” بزعامة الشيخ السوري المجاهد عز الدين القسام، إلّا أنّ الحدث الأبرز كان في شهر 10 من العام 1933، حيث دعت القوى الشعبية والحزبية الفلسطينية إلى إضراب في عموم فلسطين بسبب عدم تجاوب سلطات الانتداب مع مطالب الأحزاب، وخرجت المظاهرات في عدة مدن فلسطينية، وكان أبرزها تلك التي خرجت من المسجد الأقصى بقيادة الزعيم الوطني موسى الحسيني الذي تعرض للضرب، وذكر أنه توفي من أثره بعد عدة سنوات، واستخدمت السلطات البريطانية القمع والرصاص الحي، و قُتل خلال هذه الأحداث 35 فلسطينيًّا و جُرح 255 آخرين، و شكلت أحداث هذه الانتفاضة منعطفًا مهمًا خلال تاريخ النضال الفلسطيني، حيث بدأ خيار المقاومة المسلحة يلوح في الأفق، وبدا حلاً أنجع لمقاومة الانتداب البريطاني ودعمه للسياسات التهويدية .

دور الشيخ عز الدين القسام و ثورته في إشعال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936

أولاًالتعريف بالشيخ عز الدين القسام: هو الشيخ عز الدين عبد القادر مصطفى القسام، ولد في عام 1871، في قرية جبلة في اللاذقية في سوريا. نشأ نشأة إسلامية محافظة على تعاليم الإسلام وأدابه، وغادر إلى الأزهر، ودرس فيه، ثم أكمل دراسته في تركيا ليتعلم العقيدة وأصولها . 

كان للشيخ عز الدين القسام جهود دعوية خاصة في قرية جبلة ومدينة اللاذقية لأنه كان يؤمن أن دور الداعية ليس محصورًا في المساجد، بل يجب أن يتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته، ولذلك، وعندما غزا الطليان ليبيا في عام 1911، حشد الشيخ بضعة مئات من المتطوعين للذهاب إلى ليبيا إلى الجهاد، إلا أن الوالي العثماني شكرهم ونصحهم بعدم الذهاب .

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية واحتلت القوات الفرنسية منطقة شمالي بلاد الشام التي باتت تعرف بسورية، قاد الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد واستطاع تجنيد العديد من القرويين للجهاد، وقاموا بثورة مسلحة في جبل صهيون وذلك في عام 1919، وكان من أبرز مساعديه الشيخ عمر البيطار، إلا أن السلطات الفرنسية قمعت الثورة وأخمدتها، واضطر الشيخ القسام للمغادرة إلى فلسطين . 

ثانيًاقدومه إلى فلسطين: قدم القسام إلى فلسطين في الفترة بين شهر 8 و12 من العام 1920، و ذكر أنّه قدم من جسر الشغور إلى بيروت سيرًا على الأقدام برفقة ستة من أصحابه، منهم الشيخ محمد حنفي، حيث انتقلوا من هناك إلى صيدا ثم عكا ثم حيفا ، وبعد أشهر من قدوم القسام إلى مدينة حيفا عمل في التدريس، فقد درّس في كل من مدرسة الإناث الإسلامية ومدرسة البرج الإسلامية، اللتين تشرف عليهما الجمعية الإسلامية في حيفا، وشاركه في التدريس عدد من الهاربين أو المبعدين من الثوار السوريين، وعمل كذلك إمامًا وخطيبًا لمسجد الاستقلال في حيفا منذ بنائه عام 1925 ، ومأذونًا شرعيًّا لدى المحكمة الشرعية في حيفا وذلك في عام 1930 .

أسهمت طبيعة هذه المهن الثلاث في تسهيل احتكاك الشيخ بعموم الناس في حيفا وشمالي فلسطين، وعمل الشيخ من خلال هذا الاحتكاك على تنمية حب الجهاد والاستشهاد والتضحية في نفوس الناس.

إن تواصل الشيخ، لم يكن مقتصرًا على فئة المتدينين من الناس، بل إن طبيعة عمله، مأذونًا شرعيًّا، سمحت له بمخالطة فئات أخرى من الناس من خلال مشاركته في أفراحهم ومختلف مناسباتهم الاجتماعية . 

ثالثًاالقسام والأعمال الدعوية والتطوعية: تبين لنا أن القسام لم يكن مجرد إمام أو خطيب مسجد بل كان صاحب مشروع، فانخرط في أكثر من عمل تطوعي وجمعية خيرية، كجمعية الشبان المسلمين في حيفا، وذلك منذ تأسيسها في عام 1927 ، و قد حافظ الشيخ القسام على إعطاء دروس دعوية أسبوعية مساء كل جمعة في مقر الجمعية، و كان يرتب بالإضافة إلى ذلك زيارات دعوية أسبوعية بصحبة عدد من أعضاء الجمعية إلى القرى المجاورة لمدينة حيفا بهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسهم أيضًا في تأسيس العديد من الفروع في قرى الشمال الفلسطيني، ومنها قرية صفورية التي أخرجت لاحقًا العديد من الكوادر الجهادية في تنظيم القسام العسكري، وعمل الشيخ القسام كذلك على الاتصال بالقيادات الفلسطينية المؤثرة في القرى، والذين صار العديد منهم لاحقًا أعضاء في تنظيم القسام العسكري، منهم عبد الله أبو حمام، وأسهم الشيخ عز الدين القسام في إخراج العديد من شبان القرى المجاورة لحيفا من دائرة الانحراف إلى دائرة العمل الدؤوب الجاد لمجتمعهم ووطنهم  . 

رابعًاعلاقة الشيخ عز الدين القسام بالمفتي أمين الحسيني: يأتي الحديث عن هذه العلاقة لعدة أسباب، منها التشابه في شخصيتهما، من جهة اشتغالهما الديني واهتمامهما بالقضية الفلسطينية، كما كان يجمع بينهما الذكاء العقلي والذكاء الاجتماعي اللذان أهلاهما ليكونا شخصيتين قياديتين على مستوى الشعب الفلسطيني كله، بل إن شعبيتهما قد تكون فاقت الكثير من الشخصيات المؤطرة حزبيًّا.

وأما من جهة الاختلاف في شخصيتيهما، فقد أشار الدكتور محسن صالح في كتابه التيار الإسلامي في فلسطين 1917-1948 ودوره في حركة الجهاد، إلى فرق يراه بين شخصية الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القسام، فالشيخ القسام كان ينظر للإسلام بنظرة شمولية على نحو أثّر في تكوين شخصيته ومنظومته الفكرية، فكان فكره، ومن ثم تنظيمه، قائمًا على سحق المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني، ومن بعد ذلك بناء الشخصية المسلمة التي تكون المجتمع المسلم، وسعى من خلال هذا الهدف إلى بناء قاعدة إسلامية جهادية واعية.

وأما الحاج أمين الحسيني فبالرغم من وجود الإسلام والطرح الإسلامي مكونًا رئيسًا في طرحه، إلا أنه لم يكن حريصًا على بناء قاعدة إسلامية مجاهدة بقدر ما كان حريصًا على بناء قاعدة تحمل الروح الوطنية النضالية التي تسعى لقتال المستعمر وإفشال المشروع الصهيوني.

أما عن طبيعة العلاقة بين الحاج أمين الحسيني و الشيخ عز الدين القسام فقد تضاربت آراء المؤرخين حول وجود علاقة أو عدمه بينهما، مما لا يحتمل المقام تفصيله في هذه الورقة.

خامسًاجهاد الشيخ عز الدين القسام و تنظيمه الجهادي: إن طبيعة الشيخ عز الدين القسام وشخصيته التي كانت ترفض أن يحصر العالم المسلم دوره في الجانب الدعوي والأخلاقي فحسب، بل أنّ دوره يجب أن يتعدى ليشمل قضايا دينه وأمته.. جعلت الشيخ عز الدين القسام طرفًا في الأحداث التي كانت تجري على أرض فلسطين.

رأى الشيخ القسام أنّ الثورات السابقة التي حدثت على أرض فلسطين لم تكن أكثر من موجات عابرة لا تلبث أن تخمد، وشعر كذلك بضعف أداء الزعامات الفلسطينية الموجودة وعدم كفاءتها لقيادة المعركة مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ، ومن هنا قرر الشيخ عز الدين القسام تأسيس حركة جهادية تستمد منهجها من الإسلام، وترى الجهاد طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين، ومن هنا بدأ القسام ببناء تنظيم سري يمكن عدّه أول تنظيم جهادي عربي إسلامي جاد على أرض فلسطين بعد حلول الانتداب البريطاني.

اختلف المؤرخون والمتخصصون في اسم تنظيم الشيخ عز الدين القسام، فقد اصطلحوا على أن الأسماء التي أطلقت على تنظيم القسام كانت مرتبطة باسم الشيخ القسام، مثل “جماعة القسام” أو “القساميون”، إلا أنّ الدكتورة بيان نويهض ترى أنّ الشيخ عز الدين القسام لم يسمّ تنظيمه باسم معين، و إنما سُمي أتباعه ومن كان معه في عمله الجهادي، بعد استشهاده باسم القساميين، ومن كان معه فعلاً في تنظيمه الجهادي يتفاخر ويعتز بهذا الاسم  . 

أما عن نشأة التنظيم القسامي وبدئه بالعمل، فقد اتفق أكثر من باحث بأن ولادة التنظيم كانت في عام 1925، دون أن ينفذ أي عمل عسكري إلا بعد أربع سنوات أي في عام 1929 ، واعتمد الشيخ القسام في اختيار عناصر تنظيمه على ذكائه وفراسته في مراقبة المصلين أثناء خطبته الجمعة في جامع الاستقلال في حيفا، فكان يدعو من يتوسم فيه الخير من المصلين إلى زيارته، و من ثم تتوالى الزيارات، ويدعو الشيخ القسام بعد ذلك الشخص هذا إلى الانضمام لمجموعته التي بدأت بخمسة أشخاص ثم زاد العدد ليصل إلى 9  . 

أمّا منهج تنظيم الشيخ عز الدين القسام وفكره، فقد تشابه في أيدلوجيته مع الحركة السنوسية في ليبيا والحركة المهدية في السودان، حيث كانتا تستمدان منهجهما من الإسلام، وتؤمنان بالجهاد سبيلاً وحيدًا لتحرير البلاد من العدو الكافر الأجنبي .

حرص الشيخ عز الدين القسام على إطفاء الشرعية الدينية على تنظيمه وجهاده فقام باستفتاء قاضي دمشق الشرعي الشيخ بدر الدين الحسني، فأفتاه بوجوب جهاد الإنجليز واليهود لمنع إقامة وطن لليهود في فلسطين ، وفيما يخص المنهج التربوي لأعضاء تنظيم القسام حرص القسام على تعليم الأعضاء وتحفيظهم آيات الجهاد في القرآن الكريم، وحرص كذلك على تدريسهم قصص الفتوحات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى الإعداد العسكري الذي كان يتولاه جنرال سابق في الجيش العثماني .

خامسًاانطلاق عمليات تنظيم القسام: يرى الدكتور محسن صالح أن تنظيم القسام قام بالعديد من العمليات العسكرية التي استهدفت المصالح اليهودية في فلسطين، إلا أن العديد منها عُدّ من الاعمال الفردية، وأن تلك العمليات جاءت لسببين هما، كسر حاجز الخوف لدى أعضاء التنظيم، وتنفيس الغضب لدى أفراد التنظيم مما كانوا يرونه من بطش السلطات البريطانية وتمادي المستوطنين اليهود.

من ضمن الشواهد على قيام أعضاء تنظيم القسام بعمليات فردية قبل حلول عام 1935، ما ذكره الشيخ أحمد ذيب الغلاييني، وكان يتولى قسم الأسلحة والمتفجرات في تنظيم القسام، فقد ذكر أنّه هو ورفاقه خططوا لضرب العصابات اليهودية، وبالفعل قام الشيخ أحمد الغلاييني بقتل اثنين من اليهود في عام 1929، واعتقل 33 يومًا على ذمة التحقيق، إلا أنه لم يثبت عليه أي تهمة و أفرج عنه .

وفي الفترة الواقعة بين عام 1931-1932 قامت جماعة القسام بالعديد من العمليات الجريئة ، وكانت أول تلك العمليات عملية مستوطنة ياجور في ليلة 5/4/1931، قرب حيفا، وقتل فيها ثلاثة من اليهود وعاد أفراد المجموعة سالمين، وفي يوم 7/4/1931، أصاب المجاهدون يهوديًّا بجراح بالقرب من مستوطنة نهلال، وفي 16/1/1932 قتل المجاهدون يوسف بورنيشان في مستوطنة بلفوريا، لكن العملية الجريئة التي أفقدت السلطات البريطانية صوابها هي عملية نهلال الثانية في ليلة 22/10/1932 فقد أخذ صالح أحمد طه ومصطفى علي الأحمد، قنابل صنعها لهما أحمد الغلاييني، وزرعاها في غرفة حراس المستوطنة وفجراها مما أدى إلى مقتل يهوديين وجرح اثنين آخرين ،  واستمرت العمليات على هذا المنوال حتى حلول عام 1935.

سادسًااشتعال ثورة القسام واستشهاده: في شهر 11 من العام 1935 اتخذ الشيخ عز الدين القسام وجماعته قرارًا مفصليًّا في تاريخ الكفاح والثورة الفلسطينية بشكل عام، فقد أعلن عن انطلاق أول ثورة مسلحة منظمة منذ حلول الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1917،  وكان هذا القرار بمثابة إعلان رفض، أو اختلاف مع المسار النضالي السابق الذي كان يقوم على المظاهرات والاحتجاجات ورفع العرائض .

جاء قرار الشيخ عز الدين نتيجة لعدة أسباب أخرى، منها ارتفاع أعداد المهاجرين اليهود بشكل غير مسبوق، فقد هاجر إلى فلسطين في سنة 1935 ما يقارب 61854 يهوديًّا، واشتروا 72905 دونومات من الأراضي.

ومن الأحداث التي أججت تلك الثورة اكتشاف تهريب 1650 برميلاً من السلاح، وهي كمية كبيرة . وجد الشيخ عز الدين القسام في هذه الحادثة جوًّا مناسبًا لإعلان ثورته، خاصة وأن تنظيمه قد اكتملت أركانه.

لم تكن فكرة القسام الإعلان عن مواجهة عسكرية شاملة، بل عن قيام تنظيم عسكري مسلح ينتهج أسلوب حرب العصابات، وخرج مع القسام رفاقه بعد أن باع بعضهم حلي، وأرسلت بعض القيادات الفلسطينية، مثل الحاج أمين الحسيني، مبالغ من المال دعمًا لتنظيم القسام، وخطب الشيخ عز الدين القسام خطبة أخيرة في مسجد الاستقلال في حيفا أنهاها بقوله “الجهاد يا مسلمون.. الجهاد يا مسلمون”، و خرج من المسجد وجموع المصلين قد أجهشت بالبكاء.

غادر القسام بصحبة 16 من رفاقه إلى قرية يعبد من قرى جنين والتي كانت محطة ثورتهم ورباطهم . مكث القسام ومجموعته ليلتين في بيت الشيخ سعيد الحسان؛ وهم يقرؤون القرآن و يذكرون الله.

في تلك الفترة كانت سلطات الانتداب وأعوانها تبحث عن الشيخ القسام وجماعته ، وفي صبيحة يوم 20 /11/1935 حاصرت قوات الانتداب البريطاني قرية يعبد والمنطقة التي كان فيها الشيخ عز الدين القسام ورفاقه.

بلغت قواته البريطانيين 400 جندي معظمهم من الإنجليز، بينهم قلة من العرب من البوليس العربي ،  ورغم عدم التكافؤ في القوة العددية بين الطرفين، وعرض القوات المحاصِرة الاستسلام على الشيخ عز الدين القسام، إلا أنه رفض ذلك والتفت إلى رفاقه و قال لهم “موتوا شهداء” .

أمر القسام رفاقه بأن تكون حركتهم أثناء المعركة متنقلة، وذلك لكي يعيقوا حصار قوات الانتداب لهم ، ولقد التحم الجانبان في معركة استمرت ست ساعات حتى حلول العصر، وقد ذكر بعض الباحثين أن الانجليز خسروا 15 جنديًا ، وهو رقم كبير بالنسبة لما يراه باحثون ومؤرخون آخرون، إذ يذهب بعضهم إلى أن خسائر الإنجليز لم تتجاوز إلا قتيلاً واحدًا وجريحًا واحدًا، ويعلّل المؤرخ سميح حمودة ذلك، بأنّ القسام ورفاقه كانوا يتحاشون إطلاق النار على المجندين العرب مع الإنجليز.

استشهد في المعركة الشيخ عز الدين القسام وأحمد ابن الشيخ سعيد الحسان الذي استضاف القسام ورفاقه، وكان عمره 15 سنة، ويوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري وهو من مصر، وجرح نمر السعدي و أسعد المفلح، واعتقل كل من عربي بدوي ومحمد يوسف وأحمد جابر و حسن الباير . 

كان لاستشهاد الشيخ عز الدين القسام أثر عميق جدًا لدى الشعب الفلسطيني، تجلى في جنازة الشيخ عز الدين القسام، فقد انطلقت الجماهير بعد الصلاة عليه بمظاهرة مهيبة هتفت ضد الانتداب واليهود، وهاجمت الجماهير الغاضبة مركزَ البوليس البريطاني في حيفا، أما الزعامات السياسية والحزبية الفلسطينية فلم تشارك في جنازة الشيخ عزالدين القسام، واكتفت بإرسال برقيات فاترة لإدارة الانتداب البريطاني  . 

ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939 

تتناول الفقرات التالية ظروف الثورة الفلسطينية الكبرى وأسبابها، ودور جماعة القسام وأثرها في اشتعال هذه الثورة.

ظروف الثورة وأسبابها

مع نهاية عام 1935 وبداية عام 1936، بدأت المشاريع الصهيونية والقمع البريطاني بالتصاعد، وقد أخذت نسب العاطلين عن العمل في الازدياد، مما فاقم من الأزمات الاقتصادية للفلسطينيين، ومع كل ما سبق كان أداء الزعامات والأحزاب العربية لا يتجاوز حدود العرائض التي ترفع إلى المندوب السامي، فبدأت جماهير الشعب الفلسطيني تجنح إلى الجهاد المسلح والثورات الشعبية لمواجهة بطش الانتداب البريطاني وإيقاف المشروع الصهيوني، وشكلت تجربة القسام -بالرغم من إحباطها في بداياتها- نموذجًا جهاديًّا أصبح يستهوي الجميع من أبناء الشعب الفلسطيني . 

اندلاع الثورة وأحداثها

يذكر عدد من المؤرخين والباحثين أن جماعة القسام لم تترك السلاح بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام واعتقال رفاقه، ذلك لأنّ جماعة الشيخ لم تقتصر على مرافقي الشيخ الذين أجهز عليهم في أحراش يعبد، بل إن هناك أعدادًا من مناصري الشيخ القسام وأتباعه لم يكشف عنهم، و بدؤوا في تجميع صفوفهم وترتيبها، وكان من الشيخ فرحان السعدي، أحد القساميين، مع مجموعة بفرقته، أن فجّر الشرارة الأولى للثورة في 15/4/1936، بقتل يهوديين وجرح ثالث في عملية فدائية على الطريق الواصل بين قريتي عنبتا ونور شمس بالقرب من مدينة طولكرم، وأحدثت هذه العملية جوًّا عاما من التوتر والتشنج .

على إثر عملية عنبتا- نور شمس حدثت توترات في مدينة يافا قتل فيها 16 من اليهود و6 من العرب، وأعلنت السلطات البريطانية في نفس تاريخ الاشتباكات – أي 17/4/1936 – فرض حالة الطوارئ في فلسطين، وفرض حظر التجول .

و على إثر هذه الأحداث شكلت القوى الوطنية في فلسطين لجانًا شعبية لكل مدينة من مدن فلسطين بلغ عددها 22 لجنة، وانضم إلى تلك اللجان الشعبية العرب من مختلف الميول والاتجاهات، تحقيقًا للمصلحة العامة للشعب الفلسطيني، وأعلن عن الإضراب الشامل في فلسطين بتاريخ 20/4/1936، وخلال يومين شمل كل مدن فلسطين .

وُضعت الأحزاب السياسية في فلسطين في موقف محرج، وكذلك الزعامات التقليدية، وذلك لأن اللجان الشعبية، والقساميين، أضحوا في مواجهة مباشرة مع السلطات البريطانية، بينما لم تتخذ تلك الأحزاب والزعامات موقفًا واضحًا بعد من الثورة والإضراب، فتمخضت المباحثات والمشاورات عن تشكيل ما عرف باسم “اللجنة العربية العليا”، وهي جسم تنظيمي ضم كل الأطياف السياسية و الشعبية و الثورية  وأضحى لاحقًا ناطقًا رسميًّا باسم الثورة، ولأول مرة منذ الانتداب، ولكونها زعيمًا سياسيًّا، وقائدًا في المواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب البريطاني ، وفي تاريخ 25/4/1936، قررت اللجنة العربية العليا الاستمرار في الإضراب و حددت ثلاثة مطالب لإيقافه:

  • إيقاف الهجرة اليهودية ومنعها منعًا باتًّا.
  • منع انتقال الأراضي العربية لليهود.
  • إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

وكان التجاوب الشعبي متميزًا وفريدًا من كافة فئات الشعب مع الإضراب .

و مع بداية شهر 5 من عام 1936، شهدت الثورة تطورًا نوعيًّا، فقد بدأت المجموعات المسلحة بالتشكل، وبدأت الثورة تأخذ شكلاً جديدًا امتاز بعمليات قطع خطوط الهاتف وخطوط القطار الخاصة بسلطات الانتداب، وشهدت العديد من الكمائن المسلحة التي استهدفت قوات الانتداب والعصابات اليهودية، وجرت مهاجمة المستعمرات اليهودية، وبلغ عدد العمليات 50 عملية يوميًّا، وهو عدد كبير جدًّا وغير مسبوق من العمليات .

برز من هذه الثورة أسماء قيادات ميدانية جهادية جديدة من أمثال عبدالقادر الحسيني، والشيخ فرحان السعدي وعطية أحمد عوض ومحمد الصالح حمد، والثلاثة الآخرون من القساميين .

تميزت الثورة بطابع عربي إسلامي بفعل مشاركة العديد من المجاهدين العرب فيها منهم فوزي القاوقجي والشيخ المجاهد محمد الأشمر من سوريا ، ووقعت خلال هذه الفترة مجموعة من المعارك أذهلت سلطات الانتداب البريطاني بفعل قوتها وشدة تنظيم الثوار فيها، منها معركة عصيرة الشمالية 17/8/1936، ومعركة وادي عرعرة 20/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/1936، ومعركة بيت أمرين 29/9/1936.

توقف الإضراب والثورة مؤقتًا وتدخل الحكام العرب

حاولت السلطات البريطانية بكافة الوسائل والطرق القمعية إحباط الثورة، وكذلك حاولت بالجهود السياسية، واستخدمت في هذه الجهود ما سمي بوساطات الحكام العرب، ففي 2/10/1936 أصدرت ثلاثة بيانات بنفس النص من كل من غازي الأول ملك العراق والأمير عبدالله الأول أمير إمارة شرق الأردن والملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، تدعو الفلسطينيين “للإخلاد إلى السكينة، حقنًا للدماء” والاعتماد على حسن نوايا الحكومة البريطانية، ، لتستجيب اللجنة العربية العليا، وتعلن في تاريخ 12/10/1936، وفي قرار مفاجئ وخطوة غير معتمدة توقف أطول إضراب في تاريخ العالم والذي استمر 187 يومًا متتاليًّا، وليتوقف العمل العسكري مؤقتًا تبعًا لتوقف الإضراب.

تقرير لجنة بيل وعودة اشتعال الثورة

   في تاريخ 11/11/1936، جاءت لجنة ملكية خاصة للتحقيق في الأحداث الجارية في فلسطين، وسميت بلجنة بيل نسبة إلى وزير الخارجية البريطاني. رفض العرب في البداية مقابلتها، إلا أنه ونتيجة لتعرض اللجنة العربية العليا لضغوطات شديدة من كل من العراق والأردن والسعودية، قابلت اللجنة العربية العليا لجنة بيل بتاريخ 6/1/1937، وعادت اللجنة إلى بريطانيا بتاريخ 17/1/1937، وقدمت تقريرها للحكومة بتاريخ 22/5/1937، ونشرت الحكومة البريطانية قرار اللجنة بتاريخ 7/6/1937، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية مع احتفاظ الانتداب بالأماكن المقدسة مع ممر آمن إلى يافا. 

بعد وصول خبر قرار لجنة بيل إلى العرب واليهود في فلسطين، سادت أجواء التوتر بين العرب و اليهود، وبدأت سلطات الانتداب البريطاني بسلوك نهج عنيف وقمعي في تعاملها مع الثوار والقيادات الفلسطينية، فقامت بالتضييق على الحاج أمين الحسيني فالتجأ إلى المسجد الأقصى ليدير الأمور منه، وبدأت السلطات البريطانية بحملة اعتقالات بحق الثوار والقيادات الفلسطينية، وكان من أبرز المجاهدين المعتقلين الشيخ فرحان السعدي القائد العسكري المتميز في القطاع الشمالي للثورة  .

وكما فجر القساميون الثورة في بدايتها، فإن القساميين هم من استأنفها، فبعد علم القساميين وقيادتهم الجهادية، من أمثال القائد عطية أحمد عوض والقائد سالم المخزومي، وكذلك القائد محمد صالح الحمد بتوصيات لجنة بيل، بدأت بإعداد العدة لإشعال الثورة من جديد، واختارت بداية قوية، بقيام المجاهدين القساميين الشيخ محمد أبوجعب والشيخ محمد الديراوي الملقب بغزال، باغتيال حاكم منطقة الجليل الشمالي لويس أندروز، والذي كان معروفًا بتعقبه للقساميين  وكرهه لهم، وقد اغتيل أثناء خروجه من كنيسة في الناصرة  في 26/9/1937 .

جاء رد السلطات البريطانية قاسيًا، فأعدمت الشيخ فرحان السعدي، في 22/11/1937، في سجن عكا، وفي نهار رمضان، وقد أدى تنفيذ هذا الحكم إلى تأجيج الثورة بخلاف توقعات سلطات الانتداب.

عادت الثورة للاشتعال من جديد وتميزت هذه الفترة بإحكام العمليات وإتقانها، وذلك للخبرات المكتسبة والتمرس في القتال والتدريب، فكان العمل العسكري أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، وشكلت “اللجنة المركزية للجهاد” وكان مقرها دمشق، وتولى إدارتها فعليًّا محمد عزة دروزة بتوجيه من المفتي الحاج أمين الحسيني.

برزت في هذه المرحلة قيادات جهادية جديدة من أمثال عارف عبدالرزاق وعبدالرحيم الحاج محمد وعبدالقادر الحسيني ويوسف أبودرة، وكان الأخير من القساميين، وتجلت الحاضنة الشعبية للثورة في هذه الفترة، فحين أصدرت السلطات البريطانية تعميمًا يقضي بمنع لبس الكوفية على المواطنين العرب، وذلك لتمييز الثوار عن المدنيين لأن الثوار تميزوا بلبسها، فردت الجماهير الفلسطينية على اختلاف طبقاتها وشرائحها وعاداتها الاجتماعية بارتداء الكوفية.

تميزت العمليات العسكرية في هذه الفترة بقوتها، فقد تمكن الثوار في شهر 9 من العام 1938 من السيطرة التامة على مدينة الخليل لعدة ساعات ثم انسحبوا منها، وبتاريخ 9/9/1938 تمكن المجاهدون من السيطرة على مدينة بئر السبع ومن تحرير عدد من المعتقلين في سجنها، كما تمكن مجاهدو منطقة الجليل بقيادة القسامي يوسف أبودرة بتاريخ 5/10/1938 من السيطرة على مدينة طبريا و قتل أكثر من 120 مستوطنًا يهوديًّا . 

ومن أبرز معارك تلك الفترة معركة عرابة البطوف 23/12/1937 بقيادة القسامي أبوابراهيم الكبير، ومعركة أم الفحم بقيادة القسامي يوسف أبودرة في 30/1/1938، ومعركة جبل الجرمق بقيادة القساميين سعد الخالدي وعبدالله الأصبح بتاريخ 6/2/1938 .

إخماد الثورة ونهايتها

سعت السلطات البريطانية بكل قوتها إلى القضاء على الثورة، فمع مع حلول 31/10/1938 بلغ مجموع القوات البريطانية 18 كتيبة مشاة في فلسطين، وفوجين من الخيالة، فوج مدرع، وفوج مدفعية، وسريتين مدرعتين، بالإضافة الى قوات البادية الأردنية التي كانت تساند سلطات الانتداب و شاركت في اعتقال قيادات كبيرة من المجاهدين مثل الشيخ المجاهد يوسف أبو درة، و بلغ تعدادها 1170 جنديًّا .

لجأت سلطات الانتداب إلى سياسات بطش وتنكيل تجاه الأهالي العزل، فقامت بتعديل قانون الطوارئ ليشمل حيازة كافة أنواع الأسلحة مهما كان نوعها أو صلاحيتها، ولتصل الأحكام إلى الإعدام، ولو على مالك رصاصات أو حامل سكين في بعض الحالات، وبلغ عدد من أعدمتهم السلطات البريطانية 146، وتجاوز عدد المحكومين 2000، وبلغ عدد المعتقلين بتهمة الثورة 50000 وهدمت 5000 بيت وحانوت .

ومن العوامل التي أدت إلى إجهاض الثورة الصراعات الداخلية وانحياز بعض التيارات ضدّ الثورة، فقد استغلت السلطات البريطانية الخلاف الحادّ بين أسرتي الحسيني والنشاشيبي، فبدأ ما يعرف بالتيار النشاشيبي بمهاجمة الثورة وقيادتها ورفض مواقفهم  ، وشكّلت سلطات الانتداب لاحقًا ما يعرف بفصائل السلام التي تلقت دعمًا هائلاً من الوكالة اليهودية، وتزعمها فخري النشاشيبي، وأحدثت فتنة كبيرة في صفوف الثوار، وقادتهم إلى معارك جانبية ألهتهم عن هدفهم الرئيس  .

 كما لعب غياب العديد من قيادات الثورة بفعل القتل أو الاعتقال أو الإبعاد دورًا في إخماد الثورة ، وشهد نهاية عام 1938م انهيارًا اقتصاديًّا بسبب البطش البريطاني وهدم الحوانيت مما أدى إلى توقف العديد من الأعمال، بالإضافة إلى قلة الدعم والتمويل العربي والإسلامي .

عملت بريطانيا كذلك على تقديم حل سياسي لحسم الثورة، فأعلنت عدولها عن قرار تقسيم فلسطين في 11/1938، ودعت إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في 2/1939، وحضره ممثلون عن الدول العربية، وأصدرت السلطات البريطانية كتابًا أبيض في 5/1939، تضمن قرارًا يقضي بإنشاء دولة مشتركة بين العرب واليهود، وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأحيت تلك القرارات والعوامل السابقة كلها الرغبة لدى بعض الزعامات السياسية للعودة وخوض غمار النزال السياسي ، ومع حلول 9/1939 كانت الثورة الفلسطينية الكبرى قد توقفت فعليًّا و بدأت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها. 

دراسة دراسة

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ أسبوع واحد

القدس مدينة لا تعرف الحدود

مقالات القدس مدينة لا تعرف الحدود جودت صيصان يبدو أن ما تشهده الأراضي الفلسطينية من تصعيد للأحداث منذ أكثر من...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة

رأي المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة جودت صيصان بينما كان من يتحكمون بالمشهد السياسي الفلسطيني حائرين وتائهين وعاجزين عن مواجهة الغطرسة...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية وليد الهودلي   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

رغم تحذير ورفض غالبية القوائم.. هل سيصدر مرسوم تأجيل الانتخابات الفلسطينية؟

رأي.. رغم تحذير ورفض غالبية القوائم … هل سيصدر مرسوم تأجيل الانتخابات الفلسطينية؟ جودت صيصان   رغم تحذيرات العديد من...

مقالاتمنذ شهر واحد

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ شهرين

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ شهرين

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهرين

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهرين

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهرين

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

الأكثر تفاعلا