تواصل معنا

دراسات

   العلاقات السياسية بين العرب واليهود  داخل “إسرائيل”

نشر

في

 

 

 

          كتب\  حسين موسى  

 

 أتسمت العلاقات السياسية بين المجتمع العربي والمجتمع اليهودي داخل”إسرائيل” بعدم الثبات وتأرجحت ما بين الأبوية والصراع والعداء. ففي الخمسينات والستينات صوت العرب للأحزاب الصهيونية وبعد عام 1967 كان التوجه العربي نحو الأحزاب النامية الداعية للمساواة والسلام في بداية الثمانينات والتسعينات نمت التيارات الإسلامية والقومية داخل المجتمع العربي بفضل التعليم والأفكار الجديدة. بالرغم من ذلك لم يشكا حزب عربي جزء من حكومة ائتلافية.وفي السنوات الأخيرة ، شاب العلاقات السياسية بين المجموعات المزيد من التوتر ومنها أكثر من مشروع يطالب بإلغاء المواطنة خاصة للأعضاء العرب من الكنيست بسبب مشاركتهم في احتجاجات ضد الحكومة. بالتوازي مع صراع الأحزاب وضعف سلطتها ، كان هناك تزايد في قوة المنظمات العربية المدنية ، الغير حكومية والتي نشطت في عدة مجالات منها الخدمات ، الاتصالات والدفاع عن الحقوق ، كما زادت حلقة الاتصال بين هذه المنظمات الغير حكومية ومنظمات حقوق الإنسان بهدف تحسين أوضاع العرب في”إسرائيل” .

           وتعد مشكلة عدم المساواة بين العرب واليهود واندماج الفلسطنيين في ”إسرائيل” في المجتمع والمؤسسات الإسرائيلية أبرز المشكلات التي يواجهها الفلسطينيون في ”إسرائيل” وذلك في أطار نظرة إسرائيلية رسمية لهم باعتبارهم طابورا خامسا مشكوكا في ولائهم للدولة العبرية ، وإن كانت هذه النظرة قد طرأ عليها بعض التغيير في أعقاب تقدم عملية السلام ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلي بعض نتائج الدراسات التي تؤكد عمق الفجوة بين المواطنين العرب واليهود داخل ”إسرائيل” ، حيث تشير دراسة إلي أن 60% من فلسطيني ”إسرائيل” يعيشون تحت خط الفقر ، وان حجم ما ينفق علي الطالب العربي خلال 5 سنوات من الدراسة يبلغ 50% مما تنفق علي الطالب اليهودي ، كما توضح دراسة أخري أن 52% من العمال العرب يتقاضون 50% من معدلات الأجور السائدة داخل”إسرائيل” ،وان حجم ما ينفق في مجال الصحة علي العرب يبلغ 40% مما ينفق علي اليهود ، وان ما تحصل عليه القرى العربية من مخصصات مالية يبلغ 20% ممل تحصل عليه القرى اليهودية ،

وفي بحث بعنوان ” قضايا العمل الأهلي وفرص كسر جدار العزلة” , تناول المدير العام لمؤسسة ” اتجاه” بشرح أوضاعفلسطينو 48 موضحا ً أنهم ليسوا جزءاً من قوي المجتمع المدني الإسرائيلي , وإنما هم جزء من نسيج الأمة العربية وأن المشروع الصهيوني قد فشل بعد محاولات مضنية في فصلفلسطينو 48 عن الواقع العربي ،  ويري الباحث في هذا الصدد أن”إسرائيل” تحاول منذ قيامها وبشكل منهجي طمس أثار جريمتها وإعادة إنتاج الشعب الفلسطيني بشكل مبتور بحيث لا تتجمع له المقومات التي يستطيع أن يظهر بها كشعب في المستقبل سواء في مناطق 1948 أو بقية المناطق الفلسطينية .ودعا  إلي ضرورة أن يكون الوطن العربي خاضعاً للنشاطات التي تدعم التواصل معفلسطينو 48 مشيراً إلي البدء في بناء مؤسسات أصلية اتخذت أدوات جديدة في التأثير السياسي من بينها تدويل القضايا وطرحها أمام المنظمات وهيئة الأمم المتحدة ومؤتمراتها , كما حدث في مؤتمر (ديربان) , كما طالب الباحث (مخول) باستحداث آليات أخري في العمل العربي الفلسطيني المشترك واستقلال آليات الجامعة العربية ولجانها لتأخذ في الاعتبار فلسطيني 48 .

*   أهم المشكلات التي تواجه عرب”إسرائيل”

      يحلل يئير بوميل (2007) في كتابه ظل أزرق ، ابيض سياسة الحكومة تجاه المواطنين العرب في العقود الأولي ، ويدعي أن الواقع الحياتي للعرب في”إسرائيل” اليوم هو إلي حد كبير نتيجة مباشرة لسياسة مثابرة انتهجتها بحقهم جميع الحكومات وكان هدفها التمييز ضدهم وإقصائهم عن كل شرائح المجتمع اليهودي-الإسرائيلي ومنع تبلورهم في جماعة سياسية أو اقتصادية ، وتظهر أبحاث أخري جوانب مختلفة ومنوعة للتميز الخطير والمتواصل في رصد الموارد للمواطنين العرب وبذلك يحض الادعاء بأن مسئولية عدم المساواة تكمن في طابع المجتمع العربي.

وهذا ويمكن تصنيف أبرز هذه المشكلات علي النحو التالي :

أولا: علي الصعيد السياسي والاقتصادي.

       إن انتهاج”إسرائيل” لسياسات تهدف إلي تغيير الحريات الأساسية للمجتمع العربي داخل”إسرائيل” ، والتي تسعي بدورها إلي تهديد وجودهم في وطنهم من خلال اقتراحات قوانين تعسفية وممارسات عنصرية ، يدفع بضرورة إيجاد حل قائم علي أسس العدل التاريخي وعلي تطبيق قرارات الشرعية الدولية واحترام حقوق الشعب الفلسطيني وعلي رأسها حق تقرير المصير. وفي هذا الصدد أشار “أسامة حلبي” عضو الهيئة العامة لمركز “عدالة” في دراسته المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية لفلسطيني 48 مشيرا إلي أن”إسرائيل” تأسست كدولة يهودية دون اعتبار لوجود الفلسطينيين ، وكذلك في ظل غياب دستور مكتوب يحدد العلاقة بين الغالبية اليهودية والأقلية العربية ، وتحفظ الحقوق الدستورية لهذه الأقلية العربية بالإضافة لبعض القوانين والأنظمة التي تم سنها استنادا لحالة الطوارئ المستمرة منذ قيام”إسرائيل” . وقد أدت هذه القوانين والأنظمة إلي تهميش حقوق ومكانه المواطنين العرب سواء في تقييد حرياتهم أو في المساس بحقوق أخري كحق ضم أرض لملكية الدولة وتضييق الحيز الجغرافي المتاح لهم .كما أشار إلي نصوص القوانين العنصرية بشأن الحصول علي المواطنة الإسرائيلية بهدف تقليص وإلغاء إمكانية الوجود القانوني في الوطن بالنسبة لعدد كبير منفلسطينو 1948 والذين هم سكان البلاد الأصليين ،مؤكدا أن المواطنة الكاملة مرتبطة بالانتماء القومي والديني اليهودي وبالمقابل المواطن العربي منقوصة وشكلية ولا يمكنها حماية صاحبها من سياسات التمييز القانوني والمؤسس ضده. في العاميين الماضيين قامت السلطات الإسرائيلية بإصدار قانون يهدف إلي منع مجموعات وأفراد سياسيين من دخول البرلمان ، كما تم إضافة فقرة أخري للمادة والتي تحرم الأحزاب التي لم تعترف بأن”إسرائيل” دولة ديمقراطية والتي تتضمن منع أحزاب سياسية تتماثل في أهدافها مع منظمات تخريبية في إشارة إلي المتضامنين مع الانتفاضة تمهيدا لعدم ترشيحهم في الانتخابات البرلمانية . كما أوضحت بعض الدراسات أن الكنيست الإسرائيلي صمم علي إبقاء القوانين والأنظمة الانتدابية المتعلقة بالأرض والتي تخدم أهدفها في الاستيلاء علي ما تبقي من أراضي يملكها المواطنون العرب ، كما أشارت الدراسات إلي استمرار”إسرائيل” في تسخير حزمة من القوانين لتأكيد الطابع اليهودي والعنصري للدولة وهو ما يشكل دليلا قاطعا علي زيف الادعاءات بأن”إسرائيل” هي دولة لجميع مواطنيها.

ثانيا: علي الصعيد الاجتماعي – الاقتصادي

يعاني عرب”إسرائيل” منذ بداية الاحتلال من عبء سياسات التمييز وعدم المساواة والتي بدورها خلقت فجوات اقتصادية واجتماعية بين اليهود والعرب داخل”إسرائيل” . ويعد من ابرز سياسات التمييز التي تمارس ضد المجتمع العربي هي المتعلقة بالمخصصات المالية لتطوير الاقتصاد والبنية التحتية في المجالس المحلية ، كما أن يعد أيضا حرمان الشباب العربي المؤهل من العمل والالتحاق بالمؤسسات العامة للدولة والشركات اليهودية من أهم المشكلات الاجتماعية التي عمقت الفجوة بين عرب”إسرائيل” والمجتمع الإسرائيلي.   كثيرون في الأكاديمية والحكم المركزي والمحلي وفي المجتمع المدني ، مشغولون علي مر السنين ، وبشكل ملحوظ في العقد الأخير ، في العمل علي دفع المساواة بين اليهود والعرب مواطني إسرائيل. وقد تم اختيار استراتجيات مختلفة من اجل تحقيق هذا الهدف وتطبيق هذه الاستراتجيات بطرق مختلفة من قبل جهات كثيرة. طبقت منذ أحداث أكتوبر 2000 عدة خطط حكومية منها ما هو علي نطاق صغير ومنها ما هو علي نطاق واسع مثل: الخطة متعددة السنوات لتطوير البلدات العربية (2001-2004) – (قرار الحكومة رقم 2467 الصادر في أكتوبر 2000 والمعروف باسم “خطة المليارات الأربعة لرئيس الحكومة إيهود باراك” وخطط حكومية مختلفة حول التمثيل الملائم للعرب في سلك خدمات الدولة ، إلا أن في الواقع لم تطبق هذه الخطط بصورة كاملة. كما أجريت عشرات الدراسات والأبحاث التي تناولت مشكلة “عدم المساواة” كما نفذت منظمات المجتمع المدني مشاريع كثيرة هدفها دفع المساواة بين اليهود والعرب ، وتتمثل هذه المشاريع في “نشاطات إعلامية لرفع الوعي بالتمييز ونشر أوراق عمل و أبحاث وتحليل لعدم المساواة” ولكن علي الرغم مكن كل هذه الجهود فإنه لم يطرأ أي تغيير ملموس علي الوضع ، ولاتزال حالة عدم المساواة بين اليهود والعرب أخذة بالتفاقم.

في الحقيقة حكومية”إسرائيل” هي المسئول الأول عن عملية توزيع الموارد علي مجمل السكان داخل الدولة ، لذلك فإن الفرضية التي ترتكز عليها هذه الوثيقة التابعة لجمعية سيكوي تقول أن مفتاح تطبيق المساواة بين اليهود والعرب يكمن في تغيير السياسة الحكومية ، إلا أنه بالبحث وجد أن هناك عاملان رئيسيان من شأنهما تغيير سياسة الحكومة تجاه المواطنين العرب وهما: مؤسسات الحكم ومنظمات المجتمع المدني.

مشاكل في مجالي التعليم والرفاة الاجتماعي والإسكان

* في مجال التعليم:

أن صف التعليم في الوسط العربي أكثر اكتظاظا وحصول الطالب العربي علي عدد ساعات تعليمية أقل من الطالب اليهودي. المناهج التعليمية يتدخل في صياغتها القادة الإسرائيلية.حيث تستهدف السياسة العنصرية التعليمية العمل كمعول لهدم الثقافة والروح القومية والوطنية وفي مجال العربية لدي أبناء فلسطينيي 1948 داخل الكيان الصهيوني . ومن أساسيات تلك السياسة الإبقاء قدر الإمكان على أكبر عدد من العرب في حالة جهل مطبق كي لا يدركوا خطورة ما جري بهم . ويكفي استدعاء ما سبق وعبر عن أهمية سياسة تجهيل أبناء الأقلية العربية ، تصريح ” اوري لويزاين المستشار السابق لرئيس حكومة الكيان الصهيوني للشئون العربية ” لو لم يكن ثمة طلابفلسطينو ، لكان الوضع خيرا وأبقي ولو أن العرب بقوا حمالي حطب لربما كان أسهل لنا أن نتحكم فيهم ولكن ثمة أمور غير مرتبطة بالرغبة و لامناص من ذلك ” وتجدر الإشارة إلى أن النظام التربوي في ““إسرائيل” ” يستند على قانونين هما قانون التعليم الإلزامي رقم 5709 لسنه 1949 وقانون التعليم الرسمي رقم 5713 لسنه 1953 .

 وينص القانون الأول على أن التعليم الإلزامي يجب أن يشمل جميع الأطفال من سن 5 – 13 سنة وجميع الشباب الذين لم ينهوا دراستهم الابتدائية وجعل القانون التعليم الابتدائي مجانيا في المدارس الرسمية . في حين حدد القانون الثاني أهداف التعليم في ““إسرائيل” ” ناصا ومؤكدا على أن ” هدف التعليم الحكومي هو إرساء الأسس التربوية على قيم اليهودية ( العنصرية الصهيونية … والولاء للدولة والشعب اليهودي)   .. وبموجب هذا القانون ، جعلت جميع المؤسسات العلمية حكومية ويتولى وزير التربية والتعليم وضع المناهج لكل مؤسسة تعليمية رسمية أو غير رسمية ، يهودية أو غير يهودية لضمان السيطرة التامة على كل ما يدرس في داخل الكيان الصهيوني . وعلى الصعيد النظري يعتبر العرب رعايا إسرائيليين من الناحية القانونية وبذلك أخضعوا لقوانين الدولة الإسرائيلية ” وصار القانونان هما أساس النظام الذي قام عليه تعليم العرب في هذا الكيان . وتتماثل مراحل التعليم العربي مع مراحل التعليم اليهودي وهي ثلاث : 1- مراحل التعليم الإلزامي والتي تنقسم إلى فترتين ، رياض الأطفال ، ثم تليها المرحلة الابتدائية ، وتنتهي هذه المرحلة في سن 14 سنة ويعتبر العرب غير ملزمين بقانون التعليم الإلزامي ، وتبعا لذلك فإن الكثير من الأطفال العرب لا يدخلون المدارس الابتدائية ، وإذا دخلوها فهم لا يستمرون حتى نهاية المرحلة سواء بسبب الحالة الاقتصادية السيئة للمواطن العربي حيث يضطر الآباء إلى دفع أبنائهم على ترك مقاعد الدراسة والانخراط في سوق العمل الأسود والرخيص للحصول على لقمة العيش لإدامة الحياة . وتختلف نسبة الأطفال العرب غير المسجلين في المدارس أو الذين تركوا الدراسة باختلاف الأماكن فالمدن ليست مثل القرى .

*الرفاه الاجتماعي:

حجم الرفاه الاجتماعي في البلدات العربية يعد أقل بكثير منه في البلدات اليهودية ،

– حيث أن كل بلدة يهودية تحتوي علي شركة مواصلات عامة منظمة مهما كان صغرها بينما في الوسط العربي مدن يسكنها عشرات الآلاف من المواطنين العرب ولا يتمتعون بخدمات مواصلات عامة منتظمة.

ومن الآثار السيئة لتلك المشكلة تضع قلة المواصلات العامة من والي البلدات العربية ، صعوبات علي تنقل الشرائح السكانية الفقيرة ، نجد الإشارة أيضا إلي أن أكثر من ثلث الأسر العربية لا تملك سيارة.

تظهر معطيات الفقر والتوزيع الجغرافي للسكان العرب ، أن شريحة السكان العرب هي شريحة مستضعفة مقارنة بالسكان اليهود في”إسرائيل” ، سواء بسبب تمركزها في أطراف الدولة ، أو بسبب فقرها أو قدرتها المحدودة في الوصول إلي المواصلات العامة والخاصة ويجب أن نضيف لذلك كل أنواع سياسات التمييز في الكثير من قرارات محكمة العدل العليا ، وفي تقرير لجنة أور وفي تقارير مراقب الدولة.

*في مجال الإسكان:

هناك أزمة سكن يعيشها قرابة مليون ونصف المليون عربي والمقيمين في أرض الآباء والأجداد منذ سنوات طويلة.

ولكن يجب أن نفرق في الوقت ذاته بين أمة السكن لدي اليهود ومثيلتها لدي عرب48 ، كما يقول الخبير الاقتصادي أمينة فارس. “ففي البلدات اليهودية هناك مساحات شاسعة ، لكن لا يتم تسويقها أو البناء عليها بالوتيرة الكافية لحل أزمة السكن في البلدات اليهودية ، وفي المقابل فإن القرى العربية تفتقر إلي هذه المساحات من الأراضي ، بسبب سياسات”إسرائيل” في الاستيلاء علي أراضي القرى والبلدات العربية المحتلة عام 1948 ، حيث قلصت المسطحات والخرائط الهيكلية التي رسمتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للقرى والمدن العربية من مساحات الأراضي المسموح بالبناء فيها. هذا وتشير معطيات جمعية سيكوي لدعم المساواة المدنية في”إسرائيل” إلي وجود نقص مقداره خمسة ألاف وحدة سكنية سنويا في الوسط العربي ، بينما أزداد عدد فلسطيني الداخل المحتل في العام 1948 عشرة أضعاف منذ ذلك الحين ، إلا انه لم يتم إقامة أي تجمعات سكنية لهم باستثناء بعض البلدات البدوية في النقب.كما كشفت دراسة النقاب عن انخفاضا كبيرا لوحظ في عدد سكانفلسطينو الأراضي 48 الفلسطينية من أنهم فخورين بجنسيتهم الإسرائيلية خلال العام الماضي.

    وفقا لصحيفة التايمز الإسرائيلية فإن 44.5% من السكان العرب في “إسرائيل” يفتخرون كونهم إسرائيليين، في حين أن 20% من بينهم غير فخورين ، بينما أعرب 30% عن استيائهم المطلق من أنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية.ذكرت الصحيفة أن مؤشر الديمقراطية للعام الماضي أظهر أن 52.8 من سكانفلسطينو 48 أعربوا عن فخرهم الكبير من أتنهم يحملون الجنسية الإسرائيلية , أنهم فخورين ليكونوا إسرائيليين ، وبحسب الاستطلاع فإن ثلاثة أرباع الإسرائيليين يشعرون بأنه يجري تمييز ضد العرب ، في حين أن 90% من الإسرائيليين اليهود يقولون بأنهم فخورين بجنسيتهم. ووفقا للاستطلاع فإن أقل من ثلث وبنسبة 32%فلسطينو 48 يقولون أنهم يتقون في رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، في حين أن 2% منهم يثقون في الشرطة الإسرائيلية ، كما أن 52% يثقون بالرئيس الإسرائيلي شيمون بيبرس.  وكشف مسح إحصائي جديد أن فلسطيني الداخل يواجهون مشاكل خطيرة في مختلف نواحي الحياة جراء السياسات الإسرائيلية العنصرية تنذر بانفجار صدام مع سلطات الاحتلال وتهدد بتصدع جبهتهم الداخلية. ويكشف المسح الاجتماعي الاقتصادي الثالث (2010) الذي أعده وأعلن نتائجه مركز الجليل للدراسات والبحوث الصحية يوم الثلاثاء في مؤتمر خاص في مدينة شفا عمرو ، عن هوة سحيقة بين العرب واليهود في مجالات كثيرة ، بينما تتشابه ظروف الفلسطينيين عبر طرفي الخط الأخضر. وشملت عينة المسح 1931 أسرة في 28بلدة عربية في “إسرائيل” التي يبلغ تعداد سكانها 7.2 ملايين نسمة منهم 1.23 مليون من العرب (17%) ، 82% منهم مسلمون و9% مسيحيون و8% من العرب الدروز.ويعيش 7% من فلسطيني الداخل في قري تخلو من خدمات الماء والكهرباء وبقية الخدمات الأساسية ، لان “إسرائيل” لا تعترف بها وتسعي من أجل ترحيل سكانها لمراكز تجميع سكاني طمعا بالأرض كما يؤكد سكانها. كما يعيش مائة ألف نسمة في المدن الساحلية التاريخية (عكا وحيفا واللد والرملة ويافا) التي باتت تعرف بالمدن المختلطة ، ويشكل المهجرون داخل وطنهم 17%.ويبلغ العمر الوسطي لدي الفلسطيني الداخل الذين يعدون مجتمعا فتيا 19عاما مقابل 23عامل لدي اليهود. أما معدل عدد أفراد الأسرة العربية(4.3أشخاص) فهو في انخفاض ، لكنه لا يزال أعلي من النسبة نفسها لدي اليهود (3.1أشخاص).ويظهر المسح أن 15% من فلسطيني الداخل يعانون من أمراض مزمنة خاصة السكري وضغط الدم وأمراض القلب.

ومن المشاكل الحساسة التي كشف عنها المسح أن 92% من العرب يسكنون في مناطق تبعد عن أقرب مستشفي أكثر من خمسة كيلومترات.وينذر المسح بتفاقم خطير لازمة السكن لدي فلسطيني الداخل جراء مصادرة أراضيهم ، حيث تبين أن 55% منهم يحتاج لوحدة سكنية واحدة علي الأقل في السنوات العشر القادمة. ويظهر المسح أن ظاهرة العنف والإجرام من سرقة وتهديدات واعتداءات قد زادت بنسبة 5% مقارنة مع مسح 2007.ويكشف المسح عن معطي خطير أخر مفاده أن ظاهرة تدخين السجائر والنرجيلة قد ارتفعت بنسبة 10% قياسا بمسح مماثل تم في 2007 بموازاة ارتفاع نسبة ممارسة الرياضة البدنية. ويظهر المسح أن النسبة العامة لمعرفة القراءة والكتابة لدي فلسطيني الداخل تبلغ 94% ، بينما يبلغ المعدل العام للالتحاق بالتعليم في الفئة العمرية خمس سنوات فما فوق 39.2%.وكما يظهر فروقا في نواح حياتية أخري ، حيث تبلغ نسبة البطالة في الأراضي المحتلة عام 1967 حوالي 24% مقابل 7% لدي فلسطيني الداخل. و كشفت دراسة صادرة عن مركز “مساواة” لحقوق المواطنين العرب في”إسرائيل” أن حصةفلسطينو 48 من الميزانية العامة الإسرائيلية لعام 2012 لا تتعدي 6.25% فقط ، علي الرغم من أن نسبتهم السكانية تصل إلي 20% من السكان في إسرائيل.وأوضحت الدراسة التي شملت مراجعة ميزانيات المؤسسات والوزارات الحكومية وقرارات الحكومة في السنة الماضية ، أن الحكومة الإسرائيلية تستعد لاستثمار حوالي مليار شيكل في البلدات العربية علي مدار السنوات الأربع القادمة ، وهو ما يشكل 6.25% فقط من ميزانية التطوير الحكومية.وقالت الدراسة أن هذه المعطيات تشير إلي أن “المساواة لا تزال صعبة المنال ، وان هذه الميزانيات لا تساهم بما يكفي في تقليص الفجوات بين المجتمع العربي واليهودي في البلاد”.

الممارسات الاقصائية

وهي تعد من أخطر المشاكل التي يعاني منها عرب”إسرائيل” ومن ابرز الممارسات السياسية التي تمارس ضدفلسطينو إسرائيل. فقد حولت بها”إسرائيل”فلسطينو 1948 إلي أقلية مهمشة اقتصاديا واجتماعيا  ،فقيرة ومستضعفة ، لا تملك من الأرض سوي 3% من أن صادرت حكومة”إسرائيل” غالبية هذه الأرض لصالح دولة”إسرائيل” وحولتفلسطينو 48 إلي عمالة رخيصة للاقتصاد والإسرائيلي المزدهر. ولقد أوضحت إحصائية أن عدد العائلات العربية التي ترضخ تحت خط الفقر بلغ عام 2000 قرابة 58.900 عائلة وان نسبة البطالة بلغت بينفلسطينو 48 عام 1999 حوالي 11% في حين أنها كانت بين اليهود حوالي 8.5% وان نسبة الوفيات عند الأطفال العرب عام 99/2000 بلغت 8.4 لكل ألف طفل وبالنسبة لليهود 4.1 لكل ألف طفل.

كما أظهرت الدراسة أن ميزانيات الوزارات الإسرائيلية تحتوي علي بنود مقتصرة فقط علي الإسرائيليين اليهود ، ويستثني منهافلسطينو 48 ، مثل الميزانية الخاصة باستيعاب المهاجرين الجدد إلي”إسرائيل” ، والتي تبلغ مليارا و 3001 مليون شيكل ، والميزانية المخصصة للجنود المسرحين من الجيش الإسرائيلي والتي تصل إلي مليار و 766 مليون شيكل.ويشمل التميز ضد العرب في الميزانية الإسرائيلية وزارة التعليم أيضا ، والتي تخصص 88% من ميزانية الثقافة فيها للثقافة الصهيونية فقط ، مثل “التربية الاستيطانية” ، وهي بنود لا يستفيد منها العرب ، بالإضافة إلي تحويل أكثر من مليار شيكل لمؤسسات دينية توراتية.

أهم معوقات الاندماج

1-     هناك مجموعة من العوامل منها العوامل الهيكلية كالصراع العربي الاسرائيلى والنمو الديمغرافى والتركيز الجغرافي بالإضافة الى مجموعة من العوامل السياسية كالسياسات والمؤسسات العنصرية والعلاقات السياسية بين المجموعات بالإضافة الى عوامل اقتصادية وثقافية (

2-     عدم الاعتراف بالمواطنين العرب الفلسطينيين في”إسرائيل” كأقلية قومية وتحقيق الحقوق المشتقة من هذه المكانة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والنضال من أجل مساواة تامة في الحقوق القومية والمدنية والاعتراف بالهيئات التي تمثل المواطنين العرب في إسرائيل

 

3-       مصادرة الأراضي العربية، بطريقة مباشرة وغير مباشرة وسياسة هدم البيوت، عدم الاعتراف بجميع القرى العربية  وعدم إقامة سلطات محلية فيها. إعداد البرامج التطويرية بحيث تشمل إقامة تجمعات سكنية عربية جديدة على “أرض الدولة” على حل مشكلة المهجرين على أساس الاعتراف بحقهم في قراهم التي هدمت عام 1948 ممارسة أهالي إقرث وبرعم والغابسية وقرى أخرى لحقهم في العودة لبيوتهم.

4-     سيطرة المحتل على  الوقف الإسلامي

5-     التجنيد الإجباري المفروض على الشباب العرب الدروز. ورفض مشروع الخدمة الوطنية.

6-     عدم إقامة جهاز مستقل للتعليم العربي يستطيع المسئولون به أن يخططوا سياسة التعليم حسب رؤية شمولية واضحة تتعامل مع واقعنا الحضاري

7-     عدم  التعامل بمساواة تامة تجاه المواطنين العرب من حيث الميزانيات والموارد لا بل سياسة

              تفضيل من أجل سد الفجوات القائمة.

8-     عدم  إقامة جامعة عربية

9-     عدم وجود مركز أبحاث عن التعليم العربي

10-   عدم تغيير المناهج في المدارس اليهودية لتصبح أكثر إنسانية وللتعامل باحترام مع الشعب العربي.

11-   عدم وجود  تحالفات مع منظمات المجتمع المدني العالمي والحركات الاجتماعية العالمية التي تشكل هدفا استراتيجيا لمنظماتنا العربية

12-   عدم  تخصيص ميزانيات وتنظيم مشاريع لحل الضائقة السكنية في المدن والبلدات والقرى العربية. ولإيجاد متطلبات الحياة العصرية فيها، كما هي موجودة في المدن والبلدات والقرى اليهودية.

13-   يوجد حوالي 450 ألف عربي داخل”إسرائيل” لهم حق التصويت في الانتخابات ، يمثلون 13% من إجمالي الناخبين في”إسرائيل” ومن الناحية النظرية يمكن لهذه النسبة أن تضمن وصول ما بين 15-17 عضو عربي في الكنيست ، الأمر الذي أن حدث فسوف يمثل انقلابا في الخريطة السياسية الإسرائيلية.

14-   عدم تعزيز الطاقم المهني في جميع الدوائر والفروع بالدوائر الحكومية بإضافة طاقم يتحدث العربيّة.

15-   عدم السعي لاكتشاف العوائق المسببة للسياسة غير المتساوية تجاه المواطنين العرب. العوائق هي العوامل الإدارية، الشخصية أو الأخرى( الموجودة في وزارات الحكومة و /أو المجتمع العربيّ، والتي تمنع تحقيق المساواة وانتهاج سياسة متساوية تساعد على إزالة هذه العوائق.

16-   حرمان الشباب العربي المؤهل من العمل والالتحاق بالمؤسسات العامة للدولة والشركات اليهودية من أهم المشكلات الاجتماعية التي عمقت الفجوة بين عرب”إسرائيل” والمجتمع الإسرائيلي.

17-   وجود مجموعة من القوانين والأنظمة التي تؤدى إلي تهميش حقوق ومكانه المواطنين العرب سواء في تقييد حرياتهم أو في المساس بحقوق أخري كحق ضم أرض لملكية الدولة وتضييق الحيز الجغرافي المتاح لهم. مثل  المادة (1) والتي تحرم الأحزاب التي لم تعترف بأن”إسرائيل” دولة ديمقراطية والتي تتضمن منع أحزاب سياسية تتماثل في أهدافها مع منظمات تخريبية في إشارة إلي المتضامنين مع الانتفاضة تمهيدا لعدم ترشيحهم في الانتخابات البرلمانية .

المراجع :

  • شلومو حسون ، العلاقات بين اليهود والعرب داخل”إسرائيل” ، سيناريوهات المستقبل ، (معهد جوزيف وألما جيلدن هورن  للدراسات جامعة ميريلاند    2012)
  • أبو فراس ، عرب”إسرائيل” التسمية المغالطة ( مجلة شباب اليوم الاليكترونية . ) عدد 1-9-2012
  • منير محمود ،”إسرائيل” بين الحقائق والأكاذيب (القاهرة: الشركة المتحدة للطباعة ، الأولى ، 2010)
  • عبد العظيم رمضان، مساعي السلام العربية الإسرائيلية “الأصول التاريخية” ( القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب ،الأولى ـ 2009)
  • عرب 1948 : إشكاليات الهوية والدور ( لبنان : مجلة الجيش : العدد 329)
  • وديع عواده ،مسح احصائى يعكس عنصرية”إسرائيل” ،(فلسطين ،صحيفة الموقف الاليكترونية ،21 يونيو 2011)
  • رمزي حكيم ، الترانسفير الجديد .. مستقبل “عرب 48” في دولة اليهود  ( جريدة الشرق الأوسط . العدد 11349 في 24 ديسمبر 2009 )

 

دراسات

المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1930

نشر

في

بواسطة

 

ورقة معلومات

 

المؤتمر الإسلامي العام في القدس 1930

 

  إعدادكمال الجعبري- مركز القدس للدراسات

 

محتويات الورقة

حمّلها BDF

مقدمة المركز
المؤتمر الإسلامي العام- الخلفيات  
نشأة المؤتمر  
مقترحات المؤتمر  
الوفود المشاركة  
الافتتاح  
الوفود  
المشاركة المسيحية  
نتائج المؤتمر  
ما انتهت إليه نتائج المؤتمر  
خاتمة  

 

 

 

مقدمة المركز

يعبّر المؤتمر الإسلامي المنعقد في القدس عام 1931، عن المحاولات الجادّة المبكّرة لمواجهة الحالة الاستعمارية المركّبة في فلسطين، من الانتداب البريطاني، والمشروع الصهيوني، كما يعبّر عن البعد الإسلامي الواضح، وموقع العروبة من هذا البعد، في النضال الفلسطيني المبكّر، ولدى الشخصيات التي حملت عبء هذا النضال، كالحاج أمين الحسيني.

وبالرغم من أنّ المؤتمر بدا واعدًا، بالشخصيات التي شاركت فيه، وبجنسيات الوفود المتعددة، الأمر الذي يعطي انطباعًا بإمكان حشد الأمّة وقواها على مختلف توجهاتها، على قضية فلسطين، كما أنّه بدا واعدًا في مقترحاته وتوصياته ومشاريعه، إلا أنّه في الوقت نفسه يلقي الضوء على جانب من معضلات النضال الفلسطيني، في مواجهة حالة استعمارية دوليّة تقطع الطريق على الجهود الواعدة، ويلقي الضوء على تعلّقات الحالة الفلسطينية، بحالة التجزئة، في الأمّة، سواء في بعدها الإسلامي أم في بعدها العربي.

وعلى أية حال فإنّ دراسة هذه التجربة مهمّة للغاية، باعتبار النضال الفلسطيني نضالاً تراكميًّا، ولكونه سلسلة تتعدد حلقاتها ولكنها تتصل، ولأنّ الكثير من المشكلات الراهنة لها جذور في الماضي، أو هي صورة أخرى من مشكلات ماضية، وبهذا تصير المعرفة التاريخية ضرورة، لا مجرد نشاط ذهني، أو تسلية ثقافية.

يقدّم لنا الباحث كمال الجعبري، هذه الورقة التعريفية بالمؤتمر الإسلامي الأول في القدس، آميلن، أن تكون بدورها حلقة في سلسلة متتابعة، تحت عنوان ورقة معلومات، سيهتم مركز القدس بإصدارها إن شاء الله.

ساري عرابي

مدير مركز القدس للدراسات

المؤتمر الإسلامي العام في سطور

 

الخلفيات:

بدأ الحديث حول المؤتمر كما يذكر الأستاذ محسن صالح في العام 1926 خلال زيارة الحاج أمين الحسيني الديار المقدسة لأداء العمرة، فقد دار بينه وبين الزعيم الهندي محمد علي جوهر عدة نقاشات حول استفحال خطر الحركة الصهيونية على فلسطين والقدس خصوصًا وضرورة التحرك للدفاع عن القدس وكذلك ضرورة العمل على الحفاظ عل مكانة القدس الحضارية والوجدانية لدى العرب والمسلمين [1].

 

نشأة المؤتمر:

ولكن الولادة الفعلية للمؤتمر كانت من خلال مجموعة النقاشات التي خاضها عدد من الشخصيات البارزة في العالم الإسلام كالحاج أمين الحسيني وعبد العزيز الثعالبي، اللذين ارتأيا، وغيرهما، ضرورة اللجوء لقوة معينة لدفع المشروع الاستعماري، ووجدا تلك القوة في الوحدة الإسلامية، وبالرغم من عدم نضوج الفكرة في مواجهة الاحتلال البريطاني، وليس الضغط عليه فحسب، إلا أن هذه الخطوة في عقد المؤتمر كانت ردة فعل واضحة تجاه تصاعد السياسات الاستعمارية البريطانية الداعمة للصهيونية في فلسطين[2].

 

مقترحات المؤتمر:

تم تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر بعد مجموعة من المراسلات بين الحاج الحسيني وعدد من الزعماء العرب والمسلمين. حوت تلك المراسلات جدول أعمال المؤتمر الذي تضمن القضايا التالية:

  1. نشر أساليب وسبل التعاون الإسلامي وتعميمها، وتنبيه المسلمين للمسؤولية الملقاة على عاتقهم في تحقيق هذا التعاون، الذي أوجبته الشريعة الإسلامية.
  2. حماية الدين الإسلامي وصون عقائده ومقدساته التي منها، حائط البراق الشريف.
  3. إنشاء جامعة في القدس لتجديد ثقافة المسلمين وتعليمهم من شتى الأقطار، وفي شتى النواحي.
  4. النظر في القضايا الإسلامية الأخرى، ومنها قضية خط سكة الحديد الحجازي الموقوفة من أموال المسلمين[3].

 

الوفود المشاركة:

وقد لبت الوفود الإسلامية والعربية دعوة حضور المؤتمر من عدد من البلدان العربية والإسلامية وهي: تركستان الصينية، تركيا، تونس، جاوا، الجزائر، الحجاز، روسيا، سيلان، سوريا، شرق الأردن، طرابلس الغرب وبرقة (ليبيا)، العراق، فارس (إيران)، فلسطين، قفقازيا، لبنان، مصر، المغرب الأقصى (المغرب)، نيجريا، الهند، اليمن، يوغسلافيا[4].

الافتتاح:

افتتح المؤتمر في 27 رجب 1350 هجرية الموافق 7/10/1931 في باحات المسجد الأقصى المبارك وألقى الحاج أمين الحسيني كلمة المؤتمر الافتتاحية، فيما أم السيد محمد حسن آل كاشف الغطاء كبير مجتهدي الشيعة في المصلين في المسجد الأقصى، حيث ألقى كلمة بعد الصلاة أكد من خلالها بأن بركة المسجد الأقصى في اجتماع المسلمين واتلافهم داخله[5].

 

الوفود:

حضر المؤتمر 153 مندوبًا من الدول والهيئات المشاركة، ومن أبرز الحضور: ضياء الدين الطبطبائي وزير الحكومة الإيرانية السابق، ومحمد خالد باشا رئيس حكومة شرق الأردن السابق، ومحمد زبارة وهو ممثل الإمام يحيى إمام اليمن، ومحمد حسين آل كاشف الغطاء، وهو كبير مجتهدي الشيعة وكان ضمن الوفد العراقي.

أما الوفد المصري فضم، الشيخ محمد رشيد رضا رئيس تحرير مجلة المنار، والشيخ محمد الغنيمي التفتزاني من كبار المتصوفة، وخطيب وشاعر، وعبد الرحمان عزام عضو مجلس النواب المصري.

أما الوفد السوري، فضم الزعيم الوطني شكري القوتلي، والزعيم الوطني سعد الله الجابري، وشارك كذلك كل من رياض الصلح وعلي بيهم ممثلين عن لبنان، ومن الهند كل من شاعر الإسلام محمد إقبال، والزعيم الإسلامي المعروف شوكت علي.

وضم الوفد المغربي، محمد المكي الناصري، وهو من علماء المغرب ورجال الحركة الوطنية فيها، ومحمد بنونة، وشارك من ليبيا البشير السعداوي، مؤسس اللجنة المركزية للجاليات الطرابلسية والبرقاوية[6]، كما حضر المؤتمر رؤوف باشا وهو أستاذ في كلية الزهرة في سيلان[7].

ومن الشخصيات الفلسطينية البارزة التي كانت ضمن لجان المؤتمر، محمد عزة دروزة، عضو اللجنة التنفيذية العربية واللجنة التنفيذية للمؤتمر، والشيخ سعيد الجماعي خطيب المسجد الأقصى، وعضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر، والشيخ عجاج نويهض، عضو اللجنة التنفيذية للمؤتمر، وإسعاف النشاشيبي عضو المجلس العربي في دمشق، وأمين سر المؤتمر، ومحمد يعقوب الغصين، ممثل جمعية الشبان المسلمين في الرملة، وأمين سر اللجنة المالية، والشيخ محمود الداوودي، نائب رئيس الغرفة التجارية، وعضو اللجنة التحضيرية للمؤتمر[8].

المشاركة المسيحية:

يشير المؤرخ الفلسطيني المقدسي أميل الغوري إلى أن المؤتمر كان أول مؤتمر إسلامي عالمي يعقد في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، كما أن المؤتمر شهد مشاركة لوفد من مسيحيي فلسطين العرب الأرثدوكس، فقد حضروا جلسته الافتتاحية التي عُقدت في المسجد الأقصى، وأيدوا الجهود الساعية لتوحيد العالم العربي والإسلامي، وتعزيز سبل التعاون بين العرب والمسلمين[9]. ومن الأمور المهمة التي اقترحت أثناء جلسات المؤتمر مؤازرة ودعم انتخاب بطريرك عربي للأرثذوكس العرب الفلسطينيين[10].

نتائج المؤتمر:

 انتخب المؤتمر لجنة تنفيذية مكونة من 25 شخصية هم: ضياء الدين الطبطبائي، رئيس الوزراء الإيراني السابق، وبشير السعداوي، رئيس اللجنة التنفيذية للجاليات الليبية، والحاج توفيق حماد، عضو المجلس النيابي العثماني السابق، وسعيد ثابت، سكرتير شركة حلج الأقطان العراقية، والأمير سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، ورئيس لجنة الدفاع عن خط الحديد الحجازي، وسعيد شامل، رئيس الدفاع الملي للقوقاز الشمالي، وسليمان السودي، مندوب شرق الأردن، والشيخ شفيع داوودي، عضو المائدة المستديرة في الهند، وشوكت علي، الزعيم الهندي، وصلاح الدين بيهم، نائب رئيس المجلس الإسلامي في بيروت، وعبدالرحمان عزام، عضو الوفد المصري، وعبدالعزيز الثعالبي، الزعيم التونسي، وعبد القهار المظفر، عضو اللجنة التنفيذية العربية، وعبد القهار مذكر، مندوب إندونيسيا في المؤتمر، وعوني عبدالهادي، أمين سر اللجنة التنفيذية العربية، وعياض إسحاقي، صاحب مجلة مللي بول في برلين، وغلام رسول مهر، صاحب صحيفة انقلاب لاهور، ومحمد إقبال، الشاعر الهندي المعروف، ومحمد الحسين آل كاشف الغطاء، العراق – النجف، ومحمد رشيد رضا، مؤسس مجلة المنار، والشيخ محمد زبارة، آمين اليمن، والشيخ محمد علوبة، وزير الأوقاف المصرية سابقًا، ووكيل حزب الأحرار الدستوريين، ومحمد بنونة، من المغرب الأقصى[11]، واجتمعت اللجنة التنفيذية للمؤتمر وقدمت القرارات والتوصيات التالية:

  1. المطالبة بتسليم خط السكة الحديدية الحجازية، لأنه أنشئ بأموال المسلمين، والمطالبة بما نصّ عليه صك الانتداب البريطاني، ومعاهدة لوزان بحفظ الأوقاف الإسلامية وعدم التعرض لها.
  2. استنكار قرار لجنة البراق الدولية، والأمر القاضي بتنفيذ القرار.
  3. استنكار ما لقيه مجاهدو طرابلس، ورجال قبائلها من قتل وتشريد واعتقال، ومناشدة الجهات الدولية وأصحاب الديانات السماوية التدخل لإيقاف تلك الفظائع.
  4. استنكار الظهير الفرنسي، وهو قانون يهدف لتحويل مسلمي البربر في المغرب الإسلامي للديانة المسيحية.
  5. استنكار الاستعمار بكافة أشكاله ولأي قطر من الأقطار الإسلامية.
  6. قرارات متعلقة بالمؤتمر والوضع الداخلي في فلسطين:
  • تشكيل نظام للمؤتمر يسمح بعقده بشكل دوري كل سنتين.
  • إنشاء جامعة إسلامية باسم جامعة المسجد الأقصى.
  • التعاهد على الدفاع عن إسلامية حائط البراق.
  • إنشاء دائرة معارف إسلامية.
  • تأسيس شركة لإنقاذ الأراضي المهددة في فلسطين، ودعم الفلاحين والحرفيين في فلسطين لتشكيل مشاريع تعاونية.
  • تشكيل اللجان المحلية في فلسطين[12].

 

ما انتهت إليه نتائج المؤتمر:

تم بالفعل تأسيس عدة لجان فرعية للمؤتمر في مدن فلسطين، وكذلك في الدول التي شاركت في المؤتمر. وفي 11/5/1932 أعلن ضياء الدين الطبطبائي عن قرب إنشاء جامعة المسجد الأقصى، وقال بأنها ستضم كلياتٍ للعلوم الشرعية والإلهية، وكليات للفنون والصناعة، وكذلك للطب والصيدلة.

بقي الشعب الفلسطيني منتظرًا إنشاء الجامعة والشركة الزراعية، ومن أجل المباشرة في تحقيق ذلك، باشر المكتب التنفيذي للمؤتمر بجمع الأموال من البلدان المشاركة، وسافر وفدٌ مكون من الحاج أمين الحسيني، ومحمد علي علوبة، والشاعر محمد إقبال للهند، وتمكنا من جمع مبالغ كبيرة من المال.

تبرع الملك نظام حيدر آباد ملك مملكة حيدر آباد الهندية بمليون روبية هندية، وتبرع كذلك زعيم الشيعة البهرة في الهند بنصف مليون، وانهالت التبرعات على الوفد من كافة فئات المسلمين في الهند، ولكن التدخل الاستعماري البريطاني للأسف عبر مكتب الملك البريطاني في الهند منع وصول تلك التبرعات إلى فلسطين، وتدخلت القُوى الاستعمارية في مختلف الأقطار الإسلامية للحيلولة دون وصول الدعم المالي لفلسطين في سبيل تحقيق نتائج المؤتمر، مما أدى لوأد الفكرتين، كما لعبت الحركة الصهيونية دورًا في محاربة توصيات المؤتمر، فقد خرجت عدة دعوات لمحاربة نفوذ المجلس الإسلامي الأعلى عبر إنشاء مجمع ديني صهيوني (سندهارين) في القدس[13].

خاتمة

شكلت تجربة المؤتمر الإسلامي الأول في القدس، نواةً أو نموذجًا، للعمل الائتلافي الإسلامي العامل للقضية الفلسطينية، قبل ظهور التجربة الجهادية للشيخ عز الدين القسام، أو بدايات نشاط جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، وكان للحاج أمين الحسيني دورٌ بارزٌ في إطلاق هذا المؤتمر، ومحاولة البناء عليه لاحقًا، مما يدعو لإعادة قراءة وتحليل تجربة الحاج أمين الحسيني، وبعدها الإسلامي، والقومي، وتجلياتها وتقاطعاتها.

 

 

 

 

[1] محسن محمد صالح، التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد 1917-1948، تقديم الشيخ عمر الأشقر، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع – الكويت، ط 2، 1989، صفحة 206.

[2] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، 243.

[3] الثعالبي، عبد العزيز، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط1، 1988، صفحة 253.

[4] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، البلدان الممثلة في المؤتمر الإسلامي العام بالقدس١٩٣١، http://www.awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Attending Countries_0.pdf

[5] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 245.

[6] أ. الثعالبي، عبد العزيز، خلفيات المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، دار الغرب الإسلامي، بيروت – لبنان، ط1، 1988، صفحة 14.

ب. الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 246.

[7] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، لجان المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، http://awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Committees.pdf

  [8] الأرشيف الفلسطيني في جامعة بيرزيت، لجان المؤتمر الإسلامي بالقدس ١٩٣١، http://awraq.birzeit.edu/sites/default/files/1931 – Islamic Conference Committees.pdf

[9] الغوري، أميل، فلسطين عبر ستين عاماً، دار النهار للنشر، بيروت – لبنان، 1972، صفحة 146.

[10] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 246.

[11] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 873 و874.

[12] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 247.

[13] الحوت، بيان نويهض، القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط3، بيروت – لبنان، 1986، صفحة 248 و249.

أكمل القراءة

دراسات

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 ودور الشيخ عز الدين القسام في إشعالها (القساميون وثورة الـ 36)

نشر

في

بواسطة

إعداد: كمال جهاد الجعبري

مركز القدس للدراسات

المقدمة

شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1917 و1948، أيّ فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، العديد من الثورات والهبّات الفلسطينية، منها ما كان عابرًا استمر لعدة أيّام، ومنها ما استمرّ لسنين عدّة، ومنها ما أخذ شكل الانتفاضات الشعبية والمظاهرات السلمية، ومنها ما أخذ طابعًا عسكريًّا، ومنها ما جمع بين هذين الأمرين.

من بين تلك الثورات: الثورة الفلسطينية الكبرى التي وقعت في الفترة بين عامي 1936 و1939، وتُعدّ من أطول الثورات الفلسطينية مدّة، وفي هذا الورقة يستعرض الباحث، دور الشيخ عز الدين القسام في إشعال الثورة على مستويين: الأول دور الشيخ عز الدين القسام بصفته، شخصية دعوية في غرس روح الجهاد والمقاومة في عموم طبقات الشعب الفلسطيني، والثاني دور حراكه الثوري و تنظيمه المسمى بـ (الجهادية) في إشعال الثورة، ومن ثم قيادة مجرياتها وأحداثها.  

الظروف التي أدت إلى قيام الثورة و ما سبقها من أحداث

بعد إخماد ثورة البراق 1929، وقد كان لتدخل السلطات البريطانية الأثر الأكبر في إخمادها، بدأت تتوجه أنظار القوى الشعبية الفلسطينية إلى عدوّ جديد هو الداعم الرئيس للمشروع الصهيوني والحركة الصهيونية المتمثل في سلطات الاحتلال البريطاني، و بدأت بالفعل الحراكات الثورية والحزبية تتجه نحو مقاومة فكرة الانتداب البريطاني.

و كان من أبرز الأحداث التي وقعت في الفترة بين عامي 1929 و1936، وأسهمت في اندلاع الثورة:

  • ظهور عصابة الكف الأخضر المسلحة، وهي تنظيم عسكري مسلح أسسه المجاهد أحمد طافش، و كان الهدف منها محاربة الوجود اليهودي في مناطق صفد والشمال، وانضمّ إليها عدد من المناضلين من الدول المجاورة من شرق الأردن وسوريا، وكان لها عمليات قتل واختطاف بحق السماسرة الذي كانوا يقومون بعمليات بيع الأراضي في طبريا وصفد للحركة الصهيونية، إلا أن هذا التنظيم لم يدم طويلاً، فلم يمتد أكثر من سنة بفعل الحملات العسكرية البريطانية التي أدّت إلى مقتل واعتقال جلّ كوادره .
  • تعيين الجنرال أرثر واكهوب مندوبًا ساميًا لفلسطين في العام 1930، حيث بدأ هذا المندوب -الذي ظن العرب في بداية الأمر أنه بعيد عن الضغوط اليهودية- بتوطيد دعائم المشروع الصهيوني، ففي عهده اكتشفت شحنات من السلاح المهربة للعصابات الصهيونية في ميناء حيفا، وارتفعت الهجرة اليهودية في عهده من ما لا يزيد عن 170 ألف يهودي لتصل إلى ما يقارب 234 ألف يهودي، وتم في عهده كذلك الاستيلاء على مستنقعات الحولة في شمالي فلسطين، حيث قامت القوات البريطانية بالقوة بمصادرة 15 ألف دونم من الأراضي الزراعية و تسليمها لليهود.
  • المؤتمر الإسلامي: كان لعقد المؤتمر الإسلامي في القدس دورٌ أساسيٌ في تنمية الوعي الثوري والإسلامي تجاه قضية المسجد الأقصى ومخاطر التهويد التي كانت تحيق به، فقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في سياق تحركٍ شعبيٍ إسلاميٍ واسع النطاق جراء التهديد الخطير الذي تعرض له المسجد الأقصى على يد الحركة الصهيونية أثناء أحداث ثورة البراق، وكان الشخصان اللذان شكّلا الحراك الفعال الذي أدى إلى عقد هذا المؤتمر مفتى القدس الحاج أمين الحسيني و الزعيم الإسلامي مولانا شوكت علي لولب اللبناني الأصل رحمهما الله تعالى ، وحضر هذا المؤتمر 22 مندوبًا من مختلف الأقطار الإسلامية، و كان من ضمنهم شخصيات إاسلامية بارزة من أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والشاعر محمد اقبال وغيرهم، وخرج المؤتمر بعدةِ قرارات وتوصيات، منها إنشاء جامعة إسلامية، وإنشاء لجان لمنع بيع الأراضي لليهود، إلا أنّ وقوع العديد من الأقطار التي ينمتي إليها المؤتمرون حال دون تطبيق هذه القرارات و التوصيات.
  • إنشاء الأحزاب الوطنية وانتفاضة 1933: تعد فترة ما بين عامي 1933 و1935 مفصلية في تكوين وإشعال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فقد أدت سياسة سلطات الانتداب ذات الأذن المفتوحة للحركة الصهيونية والأُذن المغلقة عن العرب ومطالبهم إلى تصاعد فكرة التوجه للمواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب، إلّا أنّ  هذه المواجهة بدأت في بداية الأمر تأخذ طابعًا سلميًّا عن طريق إنشاء الأحزاب ورفع العرائض والمذكرات، وكان من أبرز تلك الأحزاب التي أُنشئت “حزب الاستقلال” في عام 1932، و”الحزب العربي الفلسطيني” الذي حظي بدعم المفتي الحاج أمين الحسيني، وتشكلت في تلك الفترة، أو وُضعت نواة تشكيل جماعات جهادية مسلحة من أمثال “جماعة الجهاد المقدس” بقيادة عبد القادر الحسيني و”تنظيم الجهادية” بزعامة الشيخ السوري المجاهد عز الدين القسام، إلّا أنّ الحدث الأبرز كان في شهر 10 من العام 1933، حيث دعت القوى الشعبية والحزبية الفلسطينية إلى إضراب في عموم فلسطين بسبب عدم تجاوب سلطات الانتداب مع مطالب الأحزاب، وخرجت المظاهرات في عدة مدن فلسطينية، وكان أبرزها تلك التي خرجت من المسجد الأقصى بقيادة الزعيم الوطني موسى الحسيني الذي تعرض للضرب، وذكر أنه توفي من أثره بعد عدة سنوات، واستخدمت السلطات البريطانية القمع والرصاص الحي، و قُتل خلال هذه الأحداث 35 فلسطينيًّا و جُرح 255 آخرين، و شكلت أحداث هذه الانتفاضة منعطفًا مهمًا خلال تاريخ النضال الفلسطيني، حيث بدأ خيار المقاومة المسلحة يلوح في الأفق، وبدا حلاً أنجع لمقاومة الانتداب البريطاني ودعمه للسياسات التهويدية .

دور الشيخ عز الدين القسام و ثورته في إشعال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936

أولاًالتعريف بالشيخ عز الدين القسام: هو الشيخ عز الدين عبد القادر مصطفى القسام، ولد في عام 1871، في قرية جبلة في اللاذقية في سوريا. نشأ نشأة إسلامية محافظة على تعاليم الإسلام وأدابه، وغادر إلى الأزهر، ودرس فيه، ثم أكمل دراسته في تركيا ليتعلم العقيدة وأصولها . 

كان للشيخ عز الدين القسام جهود دعوية خاصة في قرية جبلة ومدينة اللاذقية لأنه كان يؤمن أن دور الداعية ليس محصورًا في المساجد، بل يجب أن يتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته، ولذلك، وعندما غزا الطليان ليبيا في عام 1911، حشد الشيخ بضعة مئات من المتطوعين للذهاب إلى ليبيا إلى الجهاد، إلا أن الوالي العثماني شكرهم ونصحهم بعدم الذهاب .

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية واحتلت القوات الفرنسية منطقة شمالي بلاد الشام التي باتت تعرف بسورية، قاد الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد واستطاع تجنيد العديد من القرويين للجهاد، وقاموا بثورة مسلحة في جبل صهيون وذلك في عام 1919، وكان من أبرز مساعديه الشيخ عمر البيطار، إلا أن السلطات الفرنسية قمعت الثورة وأخمدتها، واضطر الشيخ القسام للمغادرة إلى فلسطين . 

ثانيًاقدومه إلى فلسطين: قدم القسام إلى فلسطين في الفترة بين شهر 8 و12 من العام 1920، و ذكر أنّه قدم من جسر الشغور إلى بيروت سيرًا على الأقدام برفقة ستة من أصحابه، منهم الشيخ محمد حنفي، حيث انتقلوا من هناك إلى صيدا ثم عكا ثم حيفا ، وبعد أشهر من قدوم القسام إلى مدينة حيفا عمل في التدريس، فقد درّس في كل من مدرسة الإناث الإسلامية ومدرسة البرج الإسلامية، اللتين تشرف عليهما الجمعية الإسلامية في حيفا، وشاركه في التدريس عدد من الهاربين أو المبعدين من الثوار السوريين، وعمل كذلك إمامًا وخطيبًا لمسجد الاستقلال في حيفا منذ بنائه عام 1925 ، ومأذونًا شرعيًّا لدى المحكمة الشرعية في حيفا وذلك في عام 1930 .

أسهمت طبيعة هذه المهن الثلاث في تسهيل احتكاك الشيخ بعموم الناس في حيفا وشمالي فلسطين، وعمل الشيخ من خلال هذا الاحتكاك على تنمية حب الجهاد والاستشهاد والتضحية في نفوس الناس.

إن تواصل الشيخ، لم يكن مقتصرًا على فئة المتدينين من الناس، بل إن طبيعة عمله، مأذونًا شرعيًّا، سمحت له بمخالطة فئات أخرى من الناس من خلال مشاركته في أفراحهم ومختلف مناسباتهم الاجتماعية . 

ثالثًاالقسام والأعمال الدعوية والتطوعية: تبين لنا أن القسام لم يكن مجرد إمام أو خطيب مسجد بل كان صاحب مشروع، فانخرط في أكثر من عمل تطوعي وجمعية خيرية، كجمعية الشبان المسلمين في حيفا، وذلك منذ تأسيسها في عام 1927 ، و قد حافظ الشيخ القسام على إعطاء دروس دعوية أسبوعية مساء كل جمعة في مقر الجمعية، و كان يرتب بالإضافة إلى ذلك زيارات دعوية أسبوعية بصحبة عدد من أعضاء الجمعية إلى القرى المجاورة لمدينة حيفا بهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسهم أيضًا في تأسيس العديد من الفروع في قرى الشمال الفلسطيني، ومنها قرية صفورية التي أخرجت لاحقًا العديد من الكوادر الجهادية في تنظيم القسام العسكري، وعمل الشيخ القسام كذلك على الاتصال بالقيادات الفلسطينية المؤثرة في القرى، والذين صار العديد منهم لاحقًا أعضاء في تنظيم القسام العسكري، منهم عبد الله أبو حمام، وأسهم الشيخ عز الدين القسام في إخراج العديد من شبان القرى المجاورة لحيفا من دائرة الانحراف إلى دائرة العمل الدؤوب الجاد لمجتمعهم ووطنهم  . 

رابعًاعلاقة الشيخ عز الدين القسام بالمفتي أمين الحسيني: يأتي الحديث عن هذه العلاقة لعدة أسباب، منها التشابه في شخصيتهما، من جهة اشتغالهما الديني واهتمامهما بالقضية الفلسطينية، كما كان يجمع بينهما الذكاء العقلي والذكاء الاجتماعي اللذان أهلاهما ليكونا شخصيتين قياديتين على مستوى الشعب الفلسطيني كله، بل إن شعبيتهما قد تكون فاقت الكثير من الشخصيات المؤطرة حزبيًّا.

وأما من جهة الاختلاف في شخصيتيهما، فقد أشار الدكتور محسن صالح في كتابه التيار الإسلامي في فلسطين 1917-1948 ودوره في حركة الجهاد، إلى فرق يراه بين شخصية الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القسام، فالشيخ القسام كان ينظر للإسلام بنظرة شمولية على نحو أثّر في تكوين شخصيته ومنظومته الفكرية، فكان فكره، ومن ثم تنظيمه، قائمًا على سحق المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني، ومن بعد ذلك بناء الشخصية المسلمة التي تكون المجتمع المسلم، وسعى من خلال هذا الهدف إلى بناء قاعدة إسلامية جهادية واعية.

وأما الحاج أمين الحسيني فبالرغم من وجود الإسلام والطرح الإسلامي مكونًا رئيسًا في طرحه، إلا أنه لم يكن حريصًا على بناء قاعدة إسلامية مجاهدة بقدر ما كان حريصًا على بناء قاعدة تحمل الروح الوطنية النضالية التي تسعى لقتال المستعمر وإفشال المشروع الصهيوني.

أما عن طبيعة العلاقة بين الحاج أمين الحسيني و الشيخ عز الدين القسام فقد تضاربت آراء المؤرخين حول وجود علاقة أو عدمه بينهما، مما لا يحتمل المقام تفصيله في هذه الورقة.

خامسًاجهاد الشيخ عز الدين القسام و تنظيمه الجهادي: إن طبيعة الشيخ عز الدين القسام وشخصيته التي كانت ترفض أن يحصر العالم المسلم دوره في الجانب الدعوي والأخلاقي فحسب، بل أنّ دوره يجب أن يتعدى ليشمل قضايا دينه وأمته.. جعلت الشيخ عز الدين القسام طرفًا في الأحداث التي كانت تجري على أرض فلسطين.

رأى الشيخ القسام أنّ الثورات السابقة التي حدثت على أرض فلسطين لم تكن أكثر من موجات عابرة لا تلبث أن تخمد، وشعر كذلك بضعف أداء الزعامات الفلسطينية الموجودة وعدم كفاءتها لقيادة المعركة مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ، ومن هنا قرر الشيخ عز الدين القسام تأسيس حركة جهادية تستمد منهجها من الإسلام، وترى الجهاد طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين، ومن هنا بدأ القسام ببناء تنظيم سري يمكن عدّه أول تنظيم جهادي عربي إسلامي جاد على أرض فلسطين بعد حلول الانتداب البريطاني.

اختلف المؤرخون والمتخصصون في اسم تنظيم الشيخ عز الدين القسام، فقد اصطلحوا على أن الأسماء التي أطلقت على تنظيم القسام كانت مرتبطة باسم الشيخ القسام، مثل “جماعة القسام” أو “القساميون”، إلا أنّ الدكتورة بيان نويهض ترى أنّ الشيخ عز الدين القسام لم يسمّ تنظيمه باسم معين، و إنما سُمي أتباعه ومن كان معه في عمله الجهادي، بعد استشهاده باسم القساميين، ومن كان معه فعلاً في تنظيمه الجهادي يتفاخر ويعتز بهذا الاسم  . 

أما عن نشأة التنظيم القسامي وبدئه بالعمل، فقد اتفق أكثر من باحث بأن ولادة التنظيم كانت في عام 1925، دون أن ينفذ أي عمل عسكري إلا بعد أربع سنوات أي في عام 1929 ، واعتمد الشيخ القسام في اختيار عناصر تنظيمه على ذكائه وفراسته في مراقبة المصلين أثناء خطبته الجمعة في جامع الاستقلال في حيفا، فكان يدعو من يتوسم فيه الخير من المصلين إلى زيارته، و من ثم تتوالى الزيارات، ويدعو الشيخ القسام بعد ذلك الشخص هذا إلى الانضمام لمجموعته التي بدأت بخمسة أشخاص ثم زاد العدد ليصل إلى 9  . 

أمّا منهج تنظيم الشيخ عز الدين القسام وفكره، فقد تشابه في أيدلوجيته مع الحركة السنوسية في ليبيا والحركة المهدية في السودان، حيث كانتا تستمدان منهجهما من الإسلام، وتؤمنان بالجهاد سبيلاً وحيدًا لتحرير البلاد من العدو الكافر الأجنبي .

حرص الشيخ عز الدين القسام على إطفاء الشرعية الدينية على تنظيمه وجهاده فقام باستفتاء قاضي دمشق الشرعي الشيخ بدر الدين الحسني، فأفتاه بوجوب جهاد الإنجليز واليهود لمنع إقامة وطن لليهود في فلسطين ، وفيما يخص المنهج التربوي لأعضاء تنظيم القسام حرص القسام على تعليم الأعضاء وتحفيظهم آيات الجهاد في القرآن الكريم، وحرص كذلك على تدريسهم قصص الفتوحات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى الإعداد العسكري الذي كان يتولاه جنرال سابق في الجيش العثماني .

خامسًاانطلاق عمليات تنظيم القسام: يرى الدكتور محسن صالح أن تنظيم القسام قام بالعديد من العمليات العسكرية التي استهدفت المصالح اليهودية في فلسطين، إلا أن العديد منها عُدّ من الاعمال الفردية، وأن تلك العمليات جاءت لسببين هما، كسر حاجز الخوف لدى أعضاء التنظيم، وتنفيس الغضب لدى أفراد التنظيم مما كانوا يرونه من بطش السلطات البريطانية وتمادي المستوطنين اليهود.

من ضمن الشواهد على قيام أعضاء تنظيم القسام بعمليات فردية قبل حلول عام 1935، ما ذكره الشيخ أحمد ذيب الغلاييني، وكان يتولى قسم الأسلحة والمتفجرات في تنظيم القسام، فقد ذكر أنّه هو ورفاقه خططوا لضرب العصابات اليهودية، وبالفعل قام الشيخ أحمد الغلاييني بقتل اثنين من اليهود في عام 1929، واعتقل 33 يومًا على ذمة التحقيق، إلا أنه لم يثبت عليه أي تهمة و أفرج عنه .

وفي الفترة الواقعة بين عام 1931-1932 قامت جماعة القسام بالعديد من العمليات الجريئة ، وكانت أول تلك العمليات عملية مستوطنة ياجور في ليلة 5/4/1931، قرب حيفا، وقتل فيها ثلاثة من اليهود وعاد أفراد المجموعة سالمين، وفي يوم 7/4/1931، أصاب المجاهدون يهوديًّا بجراح بالقرب من مستوطنة نهلال، وفي 16/1/1932 قتل المجاهدون يوسف بورنيشان في مستوطنة بلفوريا، لكن العملية الجريئة التي أفقدت السلطات البريطانية صوابها هي عملية نهلال الثانية في ليلة 22/10/1932 فقد أخذ صالح أحمد طه ومصطفى علي الأحمد، قنابل صنعها لهما أحمد الغلاييني، وزرعاها في غرفة حراس المستوطنة وفجراها مما أدى إلى مقتل يهوديين وجرح اثنين آخرين ،  واستمرت العمليات على هذا المنوال حتى حلول عام 1935.

سادسًااشتعال ثورة القسام واستشهاده: في شهر 11 من العام 1935 اتخذ الشيخ عز الدين القسام وجماعته قرارًا مفصليًّا في تاريخ الكفاح والثورة الفلسطينية بشكل عام، فقد أعلن عن انطلاق أول ثورة مسلحة منظمة منذ حلول الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1917،  وكان هذا القرار بمثابة إعلان رفض، أو اختلاف مع المسار النضالي السابق الذي كان يقوم على المظاهرات والاحتجاجات ورفع العرائض .

جاء قرار الشيخ عز الدين نتيجة لعدة أسباب أخرى، منها ارتفاع أعداد المهاجرين اليهود بشكل غير مسبوق، فقد هاجر إلى فلسطين في سنة 1935 ما يقارب 61854 يهوديًّا، واشتروا 72905 دونومات من الأراضي.

ومن الأحداث التي أججت تلك الثورة اكتشاف تهريب 1650 برميلاً من السلاح، وهي كمية كبيرة . وجد الشيخ عز الدين القسام في هذه الحادثة جوًّا مناسبًا لإعلان ثورته، خاصة وأن تنظيمه قد اكتملت أركانه.

لم تكن فكرة القسام الإعلان عن مواجهة عسكرية شاملة، بل عن قيام تنظيم عسكري مسلح ينتهج أسلوب حرب العصابات، وخرج مع القسام رفاقه بعد أن باع بعضهم حلي، وأرسلت بعض القيادات الفلسطينية، مثل الحاج أمين الحسيني، مبالغ من المال دعمًا لتنظيم القسام، وخطب الشيخ عز الدين القسام خطبة أخيرة في مسجد الاستقلال في حيفا أنهاها بقوله “الجهاد يا مسلمون.. الجهاد يا مسلمون”، و خرج من المسجد وجموع المصلين قد أجهشت بالبكاء.

غادر القسام بصحبة 16 من رفاقه إلى قرية يعبد من قرى جنين والتي كانت محطة ثورتهم ورباطهم . مكث القسام ومجموعته ليلتين في بيت الشيخ سعيد الحسان؛ وهم يقرؤون القرآن و يذكرون الله.

في تلك الفترة كانت سلطات الانتداب وأعوانها تبحث عن الشيخ القسام وجماعته ، وفي صبيحة يوم 20 /11/1935 حاصرت قوات الانتداب البريطاني قرية يعبد والمنطقة التي كان فيها الشيخ عز الدين القسام ورفاقه.

بلغت قواته البريطانيين 400 جندي معظمهم من الإنجليز، بينهم قلة من العرب من البوليس العربي ،  ورغم عدم التكافؤ في القوة العددية بين الطرفين، وعرض القوات المحاصِرة الاستسلام على الشيخ عز الدين القسام، إلا أنه رفض ذلك والتفت إلى رفاقه و قال لهم “موتوا شهداء” .

أمر القسام رفاقه بأن تكون حركتهم أثناء المعركة متنقلة، وذلك لكي يعيقوا حصار قوات الانتداب لهم ، ولقد التحم الجانبان في معركة استمرت ست ساعات حتى حلول العصر، وقد ذكر بعض الباحثين أن الانجليز خسروا 15 جنديًا ، وهو رقم كبير بالنسبة لما يراه باحثون ومؤرخون آخرون، إذ يذهب بعضهم إلى أن خسائر الإنجليز لم تتجاوز إلا قتيلاً واحدًا وجريحًا واحدًا، ويعلّل المؤرخ سميح حمودة ذلك، بأنّ القسام ورفاقه كانوا يتحاشون إطلاق النار على المجندين العرب مع الإنجليز.

استشهد في المعركة الشيخ عز الدين القسام وأحمد ابن الشيخ سعيد الحسان الذي استضاف القسام ورفاقه، وكان عمره 15 سنة، ويوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري وهو من مصر، وجرح نمر السعدي و أسعد المفلح، واعتقل كل من عربي بدوي ومحمد يوسف وأحمد جابر و حسن الباير . 

كان لاستشهاد الشيخ عز الدين القسام أثر عميق جدًا لدى الشعب الفلسطيني، تجلى في جنازة الشيخ عز الدين القسام، فقد انطلقت الجماهير بعد الصلاة عليه بمظاهرة مهيبة هتفت ضد الانتداب واليهود، وهاجمت الجماهير الغاضبة مركزَ البوليس البريطاني في حيفا، أما الزعامات السياسية والحزبية الفلسطينية فلم تشارك في جنازة الشيخ عزالدين القسام، واكتفت بإرسال برقيات فاترة لإدارة الانتداب البريطاني  . 

ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939 

تتناول الفقرات التالية ظروف الثورة الفلسطينية الكبرى وأسبابها، ودور جماعة القسام وأثرها في اشتعال هذه الثورة.

ظروف الثورة وأسبابها

مع نهاية عام 1935 وبداية عام 1936، بدأت المشاريع الصهيونية والقمع البريطاني بالتصاعد، وقد أخذت نسب العاطلين عن العمل في الازدياد، مما فاقم من الأزمات الاقتصادية للفلسطينيين، ومع كل ما سبق كان أداء الزعامات والأحزاب العربية لا يتجاوز حدود العرائض التي ترفع إلى المندوب السامي، فبدأت جماهير الشعب الفلسطيني تجنح إلى الجهاد المسلح والثورات الشعبية لمواجهة بطش الانتداب البريطاني وإيقاف المشروع الصهيوني، وشكلت تجربة القسام -بالرغم من إحباطها في بداياتها- نموذجًا جهاديًّا أصبح يستهوي الجميع من أبناء الشعب الفلسطيني . 

اندلاع الثورة وأحداثها

يذكر عدد من المؤرخين والباحثين أن جماعة القسام لم تترك السلاح بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام واعتقال رفاقه، ذلك لأنّ جماعة الشيخ لم تقتصر على مرافقي الشيخ الذين أجهز عليهم في أحراش يعبد، بل إن هناك أعدادًا من مناصري الشيخ القسام وأتباعه لم يكشف عنهم، و بدؤوا في تجميع صفوفهم وترتيبها، وكان من الشيخ فرحان السعدي، أحد القساميين، مع مجموعة بفرقته، أن فجّر الشرارة الأولى للثورة في 15/4/1936، بقتل يهوديين وجرح ثالث في عملية فدائية على الطريق الواصل بين قريتي عنبتا ونور شمس بالقرب من مدينة طولكرم، وأحدثت هذه العملية جوًّا عاما من التوتر والتشنج .

على إثر عملية عنبتا- نور شمس حدثت توترات في مدينة يافا قتل فيها 16 من اليهود و6 من العرب، وأعلنت السلطات البريطانية في نفس تاريخ الاشتباكات – أي 17/4/1936 – فرض حالة الطوارئ في فلسطين، وفرض حظر التجول .

و على إثر هذه الأحداث شكلت القوى الوطنية في فلسطين لجانًا شعبية لكل مدينة من مدن فلسطين بلغ عددها 22 لجنة، وانضم إلى تلك اللجان الشعبية العرب من مختلف الميول والاتجاهات، تحقيقًا للمصلحة العامة للشعب الفلسطيني، وأعلن عن الإضراب الشامل في فلسطين بتاريخ 20/4/1936، وخلال يومين شمل كل مدن فلسطين .

وُضعت الأحزاب السياسية في فلسطين في موقف محرج، وكذلك الزعامات التقليدية، وذلك لأن اللجان الشعبية، والقساميين، أضحوا في مواجهة مباشرة مع السلطات البريطانية، بينما لم تتخذ تلك الأحزاب والزعامات موقفًا واضحًا بعد من الثورة والإضراب، فتمخضت المباحثات والمشاورات عن تشكيل ما عرف باسم “اللجنة العربية العليا”، وهي جسم تنظيمي ضم كل الأطياف السياسية و الشعبية و الثورية  وأضحى لاحقًا ناطقًا رسميًّا باسم الثورة، ولأول مرة منذ الانتداب، ولكونها زعيمًا سياسيًّا، وقائدًا في المواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب البريطاني ، وفي تاريخ 25/4/1936، قررت اللجنة العربية العليا الاستمرار في الإضراب و حددت ثلاثة مطالب لإيقافه:

  • إيقاف الهجرة اليهودية ومنعها منعًا باتًّا.
  • منع انتقال الأراضي العربية لليهود.
  • إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

وكان التجاوب الشعبي متميزًا وفريدًا من كافة فئات الشعب مع الإضراب .

و مع بداية شهر 5 من عام 1936، شهدت الثورة تطورًا نوعيًّا، فقد بدأت المجموعات المسلحة بالتشكل، وبدأت الثورة تأخذ شكلاً جديدًا امتاز بعمليات قطع خطوط الهاتف وخطوط القطار الخاصة بسلطات الانتداب، وشهدت العديد من الكمائن المسلحة التي استهدفت قوات الانتداب والعصابات اليهودية، وجرت مهاجمة المستعمرات اليهودية، وبلغ عدد العمليات 50 عملية يوميًّا، وهو عدد كبير جدًّا وغير مسبوق من العمليات .

برز من هذه الثورة أسماء قيادات ميدانية جهادية جديدة من أمثال عبدالقادر الحسيني، والشيخ فرحان السعدي وعطية أحمد عوض ومحمد الصالح حمد، والثلاثة الآخرون من القساميين .

تميزت الثورة بطابع عربي إسلامي بفعل مشاركة العديد من المجاهدين العرب فيها منهم فوزي القاوقجي والشيخ المجاهد محمد الأشمر من سوريا ، ووقعت خلال هذه الفترة مجموعة من المعارك أذهلت سلطات الانتداب البريطاني بفعل قوتها وشدة تنظيم الثوار فيها، منها معركة عصيرة الشمالية 17/8/1936، ومعركة وادي عرعرة 20/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/1936، ومعركة بيت أمرين 29/9/1936.

توقف الإضراب والثورة مؤقتًا وتدخل الحكام العرب

حاولت السلطات البريطانية بكافة الوسائل والطرق القمعية إحباط الثورة، وكذلك حاولت بالجهود السياسية، واستخدمت في هذه الجهود ما سمي بوساطات الحكام العرب، ففي 2/10/1936 أصدرت ثلاثة بيانات بنفس النص من كل من غازي الأول ملك العراق والأمير عبدالله الأول أمير إمارة شرق الأردن والملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، تدعو الفلسطينيين “للإخلاد إلى السكينة، حقنًا للدماء” والاعتماد على حسن نوايا الحكومة البريطانية، ، لتستجيب اللجنة العربية العليا، وتعلن في تاريخ 12/10/1936، وفي قرار مفاجئ وخطوة غير معتمدة توقف أطول إضراب في تاريخ العالم والذي استمر 187 يومًا متتاليًّا، وليتوقف العمل العسكري مؤقتًا تبعًا لتوقف الإضراب.

تقرير لجنة بيل وعودة اشتعال الثورة

   في تاريخ 11/11/1936، جاءت لجنة ملكية خاصة للتحقيق في الأحداث الجارية في فلسطين، وسميت بلجنة بيل نسبة إلى وزير الخارجية البريطاني. رفض العرب في البداية مقابلتها، إلا أنه ونتيجة لتعرض اللجنة العربية العليا لضغوطات شديدة من كل من العراق والأردن والسعودية، قابلت اللجنة العربية العليا لجنة بيل بتاريخ 6/1/1937، وعادت اللجنة إلى بريطانيا بتاريخ 17/1/1937، وقدمت تقريرها للحكومة بتاريخ 22/5/1937، ونشرت الحكومة البريطانية قرار اللجنة بتاريخ 7/6/1937، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية مع احتفاظ الانتداب بالأماكن المقدسة مع ممر آمن إلى يافا. 

بعد وصول خبر قرار لجنة بيل إلى العرب واليهود في فلسطين، سادت أجواء التوتر بين العرب و اليهود، وبدأت سلطات الانتداب البريطاني بسلوك نهج عنيف وقمعي في تعاملها مع الثوار والقيادات الفلسطينية، فقامت بالتضييق على الحاج أمين الحسيني فالتجأ إلى المسجد الأقصى ليدير الأمور منه، وبدأت السلطات البريطانية بحملة اعتقالات بحق الثوار والقيادات الفلسطينية، وكان من أبرز المجاهدين المعتقلين الشيخ فرحان السعدي القائد العسكري المتميز في القطاع الشمالي للثورة  .

وكما فجر القساميون الثورة في بدايتها، فإن القساميين هم من استأنفها، فبعد علم القساميين وقيادتهم الجهادية، من أمثال القائد عطية أحمد عوض والقائد سالم المخزومي، وكذلك القائد محمد صالح الحمد بتوصيات لجنة بيل، بدأت بإعداد العدة لإشعال الثورة من جديد، واختارت بداية قوية، بقيام المجاهدين القساميين الشيخ محمد أبوجعب والشيخ محمد الديراوي الملقب بغزال، باغتيال حاكم منطقة الجليل الشمالي لويس أندروز، والذي كان معروفًا بتعقبه للقساميين  وكرهه لهم، وقد اغتيل أثناء خروجه من كنيسة في الناصرة  في 26/9/1937 .

جاء رد السلطات البريطانية قاسيًا، فأعدمت الشيخ فرحان السعدي، في 22/11/1937، في سجن عكا، وفي نهار رمضان، وقد أدى تنفيذ هذا الحكم إلى تأجيج الثورة بخلاف توقعات سلطات الانتداب.

عادت الثورة للاشتعال من جديد وتميزت هذه الفترة بإحكام العمليات وإتقانها، وذلك للخبرات المكتسبة والتمرس في القتال والتدريب، فكان العمل العسكري أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، وشكلت “اللجنة المركزية للجهاد” وكان مقرها دمشق، وتولى إدارتها فعليًّا محمد عزة دروزة بتوجيه من المفتي الحاج أمين الحسيني.

برزت في هذه المرحلة قيادات جهادية جديدة من أمثال عارف عبدالرزاق وعبدالرحيم الحاج محمد وعبدالقادر الحسيني ويوسف أبودرة، وكان الأخير من القساميين، وتجلت الحاضنة الشعبية للثورة في هذه الفترة، فحين أصدرت السلطات البريطانية تعميمًا يقضي بمنع لبس الكوفية على المواطنين العرب، وذلك لتمييز الثوار عن المدنيين لأن الثوار تميزوا بلبسها، فردت الجماهير الفلسطينية على اختلاف طبقاتها وشرائحها وعاداتها الاجتماعية بارتداء الكوفية.

تميزت العمليات العسكرية في هذه الفترة بقوتها، فقد تمكن الثوار في شهر 9 من العام 1938 من السيطرة التامة على مدينة الخليل لعدة ساعات ثم انسحبوا منها، وبتاريخ 9/9/1938 تمكن المجاهدون من السيطرة على مدينة بئر السبع ومن تحرير عدد من المعتقلين في سجنها، كما تمكن مجاهدو منطقة الجليل بقيادة القسامي يوسف أبودرة بتاريخ 5/10/1938 من السيطرة على مدينة طبريا و قتل أكثر من 120 مستوطنًا يهوديًّا . 

ومن أبرز معارك تلك الفترة معركة عرابة البطوف 23/12/1937 بقيادة القسامي أبوابراهيم الكبير، ومعركة أم الفحم بقيادة القسامي يوسف أبودرة في 30/1/1938، ومعركة جبل الجرمق بقيادة القساميين سعد الخالدي وعبدالله الأصبح بتاريخ 6/2/1938 .

إخماد الثورة ونهايتها

سعت السلطات البريطانية بكل قوتها إلى القضاء على الثورة، فمع مع حلول 31/10/1938 بلغ مجموع القوات البريطانية 18 كتيبة مشاة في فلسطين، وفوجين من الخيالة، فوج مدرع، وفوج مدفعية، وسريتين مدرعتين، بالإضافة الى قوات البادية الأردنية التي كانت تساند سلطات الانتداب و شاركت في اعتقال قيادات كبيرة من المجاهدين مثل الشيخ المجاهد يوسف أبو درة، و بلغ تعدادها 1170 جنديًّا .

لجأت سلطات الانتداب إلى سياسات بطش وتنكيل تجاه الأهالي العزل، فقامت بتعديل قانون الطوارئ ليشمل حيازة كافة أنواع الأسلحة مهما كان نوعها أو صلاحيتها، ولتصل الأحكام إلى الإعدام، ولو على مالك رصاصات أو حامل سكين في بعض الحالات، وبلغ عدد من أعدمتهم السلطات البريطانية 146، وتجاوز عدد المحكومين 2000، وبلغ عدد المعتقلين بتهمة الثورة 50000 وهدمت 5000 بيت وحانوت .

ومن العوامل التي أدت إلى إجهاض الثورة الصراعات الداخلية وانحياز بعض التيارات ضدّ الثورة، فقد استغلت السلطات البريطانية الخلاف الحادّ بين أسرتي الحسيني والنشاشيبي، فبدأ ما يعرف بالتيار النشاشيبي بمهاجمة الثورة وقيادتها ورفض مواقفهم  ، وشكّلت سلطات الانتداب لاحقًا ما يعرف بفصائل السلام التي تلقت دعمًا هائلاً من الوكالة اليهودية، وتزعمها فخري النشاشيبي، وأحدثت فتنة كبيرة في صفوف الثوار، وقادتهم إلى معارك جانبية ألهتهم عن هدفهم الرئيس  .

 كما لعب غياب العديد من قيادات الثورة بفعل القتل أو الاعتقال أو الإبعاد دورًا في إخماد الثورة ، وشهد نهاية عام 1938م انهيارًا اقتصاديًّا بسبب البطش البريطاني وهدم الحوانيت مما أدى إلى توقف العديد من الأعمال، بالإضافة إلى قلة الدعم والتمويل العربي والإسلامي .

عملت بريطانيا كذلك على تقديم حل سياسي لحسم الثورة، فأعلنت عدولها عن قرار تقسيم فلسطين في 11/1938، ودعت إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في 2/1939، وحضره ممثلون عن الدول العربية، وأصدرت السلطات البريطانية كتابًا أبيض في 5/1939، تضمن قرارًا يقضي بإنشاء دولة مشتركة بين العرب واليهود، وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأحيت تلك القرارات والعوامل السابقة كلها الرغبة لدى بعض الزعامات السياسية للعودة وخوض غمار النزال السياسي ، ومع حلول 9/1939 كانت الثورة الفلسطينية الكبرى قد توقفت فعليًّا و بدأت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها. 

دراسة دراسة

 

أكمل القراءة

دراسات

قراءة في كتاب مؤشر الدمقراطية “الإسرائيلي”

نشر

في

بواسطة

قراءة في كتاب مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي

عماد أبو عوّاد

محلل الشؤون الإسرائيلية في مركز القدس

 

مقدمة

يُقدّم “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” مع نهاية كلّ عام، كتابًا إلى رئيس دولة الاحتلال يحمل عنوان “مؤشّر الدمقراطية الإسرائيلي”[1]، والذي يعتمد في الأساس على مجموعة من استطلاعات الرأي التي توضح التوجه العام للمواطنين، وتكشف عن أهم الفجوات والمخاوف التي تعتريهم؛ تحديدًا في قضايا الأمن والديمقراطية.

الكتاب الذي يمتد على 220 صفحة، تناول هذا العام زوايا مهمّة؛ أبرزها الوضع العام للدولة، والواقع الديمقراطي، وإلى أي مدى يشعر المواطن الصهيوني بتفاؤل إزاء مستقبلها، كما تناول رضى الجمهور عن المؤسسات المختلفة، بدءًا من الجيش وصولاً إلى الأحزاب الصهيونية المختلفة. والجديد الذي لم يكن بالإمكان تجاوزه هذا العام، هو أزمة كورونا وتأثيراتها على النطاقات المختلفة من حياة الجمهور.

ورغم أنّ الكتاب يتسلمه الرئيس الإسرائيلي تشجيعًا على قراءته ولإظهار أهميته، وهذا سلوك رؤوبن ريبلين[2] ومن سبقه، وهو ما ينسحب على بقية إصدارات المراكز، فإنّ الجدل يبقى قائمًا حيال مدى تعاطي السياسي الصهيوني مع مثل هذه الإصدارات، لكن مقارنة سلوك الساسة مع ما يرد في تلك الإسهامات البحثية، يكشف أنّ الفجوة عميقة، تحديدًا خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ العام 2009 والذي بدأ فيه بنيامين نتنياهو[3] فترة حكمه الثانية.

 

أولاً: تراجع كبير في النظرة لواقع الدولة

وفق المؤشر فقد شهد العام 2020 نزولاً كبيرًا في نسبة من يعتبرون أنّ الواقع العام للدولة جيد، فنسبة الذين قدروا أنّ واقع “إسرائيل” جيد كان 37.5% مقابل 50% العام 2019، وعند تحليل عينة الاستطلاع تبين أنّ 52.5% من المُنتمين لليمين يُقدرون أنّ واقع “إسرائيل” جيد، مقابل 26% من المركز وفقط 13% من اليسار.

النزول أيضًا شمل تقييم المواطن لواقعه، فبعد أنّ قيم 80% من المواطنين عام 2019 أوضاعهم أنّها جيدة، نزل الرقم إلى 61% عام 2020، وعند سؤال المواطن الفلسطيني في الداخل: “هل تشعر بأنّك جزء من إسرائيل”، أشار 44% فقط بالإيجاب.

بتحليل الأرقام أعلاه، لا يُمكن فصل هذا التراجع عن موضوع جائحة كورونا، والتي ترافقت في “إسرائيل” مع مجموعة من المُتغيرات التي وصلت ذروتها مع مطلع العام 2020 وصولاً إلى حلّ الكنيست مع نهايته، فقد كان لعدم الاستقرار السياسي والانتخابات المتكررة الدور الأكبر في تجسيد الكراهية الداخلية، وتعميق الفجوات الآخذة في الازدياد.

ويُشير إلى ذلك تحليل العينة الاستطلاعية أعلاه، فغالبية المُنتمين لليمين عبّروا عن رضاهم عن واقعهم وواقع الدولة، وهذا مرتبط بوجودهم في الحكم تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بمعنى أنّ لعدم الرضى عند اليسار والمركز ارتباطًا جذريًّا بمسألة ابتعادهم عن الحكم لما يزيد عن اثني عشر عامًا متواصلاً، والتي جذّر فيها اليمين انقسامًا ليس من السهل ردمه.

من هُنا يُمكن الربط بين الرضى وطبيعة النظام الحاكم، بمعنى أنّ واقع الدولة بات يُطوّع وفق أهواء من هم في السلطة، لذلك نجد أنّ الرضى مرتفع عند فئة اليمين ، الأمر الذي سيلقى انعكاسًا في النسب في حال وصل المركز واليسار إلى الحكم، لتؤكد هذه العينة أنّ التكتلين المنبثقين في الساحة الصهيونية، ورغم الاختلافات الداخلية في كلّ تكتل، باتا يقتربان إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بإمكانية الالتقاء على قاسم مشترك، وهذا على الأقل في ظل حُكم بنيامين نتنياهو.

ثانيًا: الديمقراطية الإسرائيلية في خطر كبير

مستقبل الديمقراطية الإسرائيلي في خطر شديد، كما يرى 54%، وهي ذات النسبة تقريبًا منذ العام 2019 مع زيادة بسيطة، والمؤشر يزداد خطورةً كلّما قُسّمت العينة إلى المعسكرات المختلفة، فقد اعتبر 85% من اليسار أنّ ديمقراطية بلادهم تواجه خطرًا  شديدًا مقابل 63% من المركز، و35% فقط من اليمين.

ولم تُغفل دراسة عينة الاستطلاع التطرق للقضية الأهم في هذا السياق، وهي سؤال “من المركبات التالية أقوى”، المركب اليهودي أم المركب الديمقراطي في الدولة العبرية، فقد رأى 50% أنّ المركب اليهودي طاغٍ على المركب الديمقراطي، وبتحليل العينة تبين أنّ الجمهور الديني 72% من الحريديم و50% من المتدينين القوميين، رأوا بأنّ المركب الديمقراطي هو الطاغي وليس اليهودي.

وهنا يكمن جوهر الصراع الداخلي حول شكل الدولة، فكل طرف بات يعتبر أنّ شكل الدولة لا يزال على خلاف ما يريد، فالمتدينون الذين هم جزء من اليمين الحاكم يرون ضرورة كبح جماح المركب الديمقراطي لصالح الديني، فيما التيار العلماني الذي هو جزء من المركز واليسار، يرى بأنّ الجانب الديني طاغ ويجب كبح جماحه.

باتت هذه التجاذبات تؤدي إلى تمرير قوانين وشطب أخرى، كسرت ما تأسست عليه الدولة من موازنة بين المركبين، وفتحت باب الصراع بينهما، فقد بات يسعى من في سدّة الحكم إلى تثبيت رؤيته فيما يتعلق بشكل الدولة.

وفي الوقت الذي رأى فيه 58% من اليهود بأنّ قيادتهم السياسية فاسدة، وغارقة في مخالفات جنائية، يتضح من تحليل العينة ذات الانقسام، أنّ من يعتقدون ذلك هم 87.5% ممن ينتمون لليسار، و74% ممن ينتمون للمركز، وفقط 43% ممن ينتمون لليمين، في مؤشر أنّ البقاء في الحكم أهم من القيم التي نشأت عليها “إسرائيل”، ففي مقابل رابين الذي استقال في سبعينيات القرن الماضي لشبهة حول زوجته تبين براءتها فيما بعد، نجدّ أنّ نتنياهو، وهو الملاحق بثلاث لوائح اتهام، يحصل على مليون وأربعمائة ألف صوت في الانتخابات، بمعنى أنّ الفساد لم يعد معيارًا للخلاص من الحاكم، بل بات يُقلل من قيمته في سبيل بقاء الحاكم الذي سيحمي محيطه، رغم تأسيسه لمنظومة تسعى للدفاع عن مصالحه ومنع محاكمته.

وما يوضح الصورة أكثر هو الثقة في المحكمة العليا، والتي تُعتبر بيضة القبان ما بين السلطة التشريعية والتنفيذية بغياب دستور إسرائيلي، فقد فقدت المحكمة خلال 9 سنوات 20% من الثقة فيها، لتتراجع في العام 2020 إلى حدود 50%، فيما يحصل المستشار القضائي للحكومة على ثقة لا تتجاوز 42%، وهذا مرتبط بشكل كبير بأمرين، الأول رفض اليمين لهيمنة المحكمة واتهامها بأنّها التي تحكم وليس السلطة التنفيذية برفضها للكثير من القوانين ذات الطابع الديني، والثاني مرتبط بمحاكمة نتنياهو، فقد رأى اليمينيون أنّ المستشار القضائي للحكومة أفيخاي مندلبليت، لفق تُهمًا لبنيامين نتنياهو.

 

ثالثًا: الواقع الصحي جيد

الرضى عن منظومة الصحة في “إسرائيل” كان جيدًا جدًّا، فـ 50% من “الإسرائيليين” أعطوها تقييمًا فوق الجيد، و36% قيموها على أنّها متوسطة، وفقط 15% اعتبروا أداءها سيئًا، وقد عبر 86% عن مطالبتهم بزيادة ميزانية الصحة على حساب الوزارات الأخرى.

الرضى الإسرائيلي عن أداء المنظومة الصحية مرتبط بشكل كبير بأدائها خلال جائحة كورونا، فقد استطاعت المنظومة الصحية أن توّفر عناية جيدة ومتابعة حثيثة للمرضى، باعتمادها على الصناعات المحلية المتطورة في رفد مستشفياتها ومراكزها الصحية بالتجهيزات ذات الجودة العالية، رغم أنّ “إسرائيل” تُعتبر من الدول التي سجلت عدد وفيات مرتفع بالكورونا مقارنة بعدد السكان، فقد بلغ المتوسط العالمي 261 لكل مليون، بينما في “إسرائيل” 434.

والغريب رغم الرضى الجيد عن أداء المنظومة الصحية، فقد احتلت المرتبة الثانية من حيث الحاجة لتحسينها من بين أولويات الإسرائيليين الاجتماعية- الاقتصادية، بعد العمل على تخفيض غلاء المعيشة، وربما هذا مؤشر نوعًا ما على الراحة الاقتصادية بالمجمل العام للفئة الأكبر من الجمهور الإسرائيلي، رغم الغلاء الكبير للمعيشة، فالبحث في إطار التحسين وليس الحاجة الملحة، بمعنى أنّ الجمهور هناك يبحث عن المزيد من الخدمات التي تُشعره بزيادة مستوى الرفاهية، ولا يبحث في إطار الحاجة الملحة.

 

رابعًا: الشرطة تحصل على تقدير سيء

فقط 27% أشاروا إلى أنّ الشرطة تؤدي دورها بشكل جيد، ونفس النسبة أشارت بأنّ أداء الشرطة سيء جدًّا، فيما بقية المُشاركين رأوا أداءها ما بين السيء والمقبول، وأشار 82% من الفلسطينيين في الداخل المحتل و67% من اليهود، بأنّ الشرطة تتعامل مع الجريمة في الوسط اليهودي بشكل قوي وصارم، وتتجاهل ذلك في الوسط الفلسطيني.

كما أنّ 62.5% من المُستطلعين اليهود و56.5% من الفلسطينيين أشاروا إلى ذات الشيء فيما يتعلق بالطائفة الأثيوبية، وأشار غالبية المُستطلعين أنّ الشرطة تتشدد في الدرجة الأولى مع الفلسطينيين، وكذلك مع اليهود من أصول شرقية، و70% أجمعوا على أنّ الشرطة الإسرائيلية لا تكترث ولا تولي أي أهمية للنقد الموجه ضدها.

تتعاطى الشرطة الإسرائيلية مع الملفات المُختلفة وفق الفئة المُستهدفة، ففي الوقت الذي يُشكل فيه الفلسطينيون في الداخل المحتل فقط 21%، فإنّ معدل القتلى من بينهم بسبب الجريمة الداخلية يتجاوز نسبة الـ 50% من المجموع العام، والأغرب من ذلك أنّ عدد الملفات المفتوحة لدى الشرطة في جرائم القتل اليهودية 5 أضعاف تلك التي عند الفلسطينيين، وهذا ما يؤكده الاستطلاع أعلاه، من وجهة نظر اليهود أيضًا، حينما عبر أكثر من ثلثيهم عن قناعتهم بأنّ الشرطة تتجاهل الجريمة في الأوساط الفلسطينية.

إنّ طبيعة تقسيم المناصب في “إسرائيل”، جعلت من اليهودي الغربي المسيطر على غالبية المناصب الحساسة، فمثلاً رغم أنّ الشرقيين يصل تعدادهم إلى 50% من مجموع السكان، لم يصل منهم إلى اليوم أي شخص لرئاسة الوزراء، أو الموساد والشاباك، وكثير من المناصب الحساسة الأخرى كرئاسة المحكمة العليا.

ربما تفسر هذه الحقيقة، حالة العنصرية الموجهة في المجتمع الصهيوني، والتي بطبيعة الحال انعكست كذلك على الشرطة التي تتعامل مع اليهودي الغربي بطريقة تختلف تمامًا عن الفلسطينيين، ومن ثم الأثيوبيين وكذلك الشرقيين اليهود.

 

خاتمة

نصف المُستطلعين اليهود أشاروا بأنّ التضامن بين الإسرائيليين في أدنى مستوياته، فالشعور بالمصير الجمعي وضرورة أن يكون هناك لُحمة حقيقية، بات يفقد الكثير من التوجهات الداعمة له، مع ازدياد التقوقع الداخلي في كلّ طائفة دينية، وتيار فكري في الدولة العبرية.

التضامن الداخلي في “إسرائيل” ارتبط بشكل جوهري في السنوات الأخيرة بحكم اليمين المستمر منذ أحد عشر عامًا، فقد أفرزت الحكومات المتعاقبة شرخًا متسعًا كلّما مرّ الوقت من خلال أسلوب الحكم المتبع، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى رفض شرائح كاملة مجرد القبول بالجلوس مع أخرى تحت قبّة حكم واحدة.

ربما ظهرت أزمة التضامن الداخلي ظهرت بشكل أكبر خلال جائحة كورونا، فقد رفض الحريديم، على سبيل المثال، الانصياع لأوامر السلطات، رغم أنّهم جزء من الحكومة، مما يُشير إلى عُمق التفكير المنفرد لكل شريحة وطائفة، بمعنى أنّ الأمن الخاص بات مُقدّمًا على العام، ولهذا سينعكس انعكاس الأمن الإسرائيلي بشكل عام، على الأُسس التي تأسست عليها الدولة، وبما بما يمسّ بقوانين الأساس التي تُنظم الحياة العامة.

الأمن بالمجمل مرتبط بالثقة، ثقة باتت في تراجع مستمر في الساحة الصهيونية، وزادت من مساحة الاختلاف والرفض، وربما استمرار نتنياهو على رأس المؤسسة الإسرائيلية سيكون له المزيد من التفتيت والتشظي، فالرجل الذي يبحث عن الإفلات من المحاكمة، يقود “إسرائيل” تحت شعار أنا ومن بعدي الطوفان، والغريب أنّه استطاع تثبيت انقسام جديد النوع في “إسرائيل”، وذلك بالانقسام على شخصه، “بيبستيم” (داعم، نتنياهو تحت أي ظرف) و”انتي بيبستيم” (معارضوه تحت أي ظرف)، وهذا ما جعل التأييد والمعارضة على أساس الموقف من نتنياهو، وليس المصلحة العامة، وهنا تتجذر الأزمة وتكمن معالم الضياع والانهيار الداخلي.

 

 

 

[1]  أور عنبي، ايليت شخبيت، وآخرون. 2020. مؤشر الدمقراطية الإسرائيلي 2020. معهد دراسات الدمقراطية. https://www.idi.org.il/media/15539/the-israeli-democracy-index-2020.pdf

[2]  الرئيس الإسرائيلي الحالي.

[3]  رئيس وزراء الاحتلال.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهر واحد

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهر واحد

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهر واحد

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

مقالاتمنذ شهرين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ شهرين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ شهرين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ شهرين

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

الأكثر تفاعلا