تواصل معنا

دراسات

العلاقة بين المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل

نشر

في

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

 

موجز

  • تتكون المنظومة العسكري الإسرائيلية، من سبع مؤسسات عاملة، أبرزها وزارة الجيش، والجيش الإسرائيلي، والأجهزة الاستخباراتية كالموساد والشاباك، ولا يوجد لتلك المؤسسات مرجعية واحدة، بل تنقسم المسؤولية عنها، ما بين وزارة الجيش، وبين مؤسسة رئاسة الوزراء.
  • من الناحية الرسمية، فإنّ توزيع الصلاحيات ما بين المؤسستين العسكرية والسياسية في “إسرائيل”، يعتريه بغض الغموض، لكن وفق نصوص القوانين، فإنّ المؤسسة العسكرية تخضع بالكامل للمسؤولية السياسية، ورئيس الوزراء يُعتبر الشخص الأقوى في اتخاذ القرار الأمني.
  • فقدان المستوى السياسي في كثير من الأحيان للخبرة الأمنية، ساهم إلى وجود سيطرة للقيادات العسكرية في اتخاذ بعض القرارات الأمنية أو رفضها، وربما مخالفة التوجهات العسكرية في بعض العمليات العسكرية، وخلال بعض الحروب التي خاضتها الدولة العبرية.
  • كثيرة هي العيوب التي تعتري طبيعة العلاقة بين المؤسستين، فإلى جانب عدم وضوح القانون، تظهر عيوب عدم وجود استراتيجية واضحة، وعدم وضوح أهداف المستوى السياسي، والفجوة الكبيرة بين ما يطلبه المستوى العسكري، وما يقوم به العسكر على الأرض.
  • اقتراحات ترتيب العلاقة، تشمل إعادة صياغة قوانين توضح مسؤولية كل طرف، إلى جانب تأهيل القيادات السياسية ببعض الخبرة العسكرية، من خلال تعيين مستشار عسكري خاص لكلّ منهما.

 

مقدمة

العلاقات بين المستويين المدني والعسكري، في الدولة العبرية كانت منذ قيام الدولة، محط نقاش دائم، وفي السنوات الأخيرة تحديداً، تضاعف حجم النقاش الجماهيري العام، حيال هذه العلاقة، ويزداد هذا النقاش، كلما تم تحويل المسائل الأمنية إلى أمر مقدس، يُمنع المساس به، أو الاعتراض على مخرجاته، ومخصصاته.

في الدولة العبرية، والتي إلى الآن تفتقد لوجود دستور ينظم حياتها، تتداخل فيها العلاقات ما بين المستويات المختلفة في الدولة، خاصة فيما يتعلق بملف الأمن القومي، والذي تُشرف عليه المؤسستان العسكرية والسياسية، في آن معاّ، تداخل لم يخلو في كثير من الأحيان، من وجود خلافات وتداخل في الصلاحيات، وتراشق على العلن، حيال صاحب القرار، في قضايا مختلفة.

يناقش هذا البحث، طبيعة العلاقة ما بين المستويين السياسي والعسكري في “إسرائيل”، وهل في ظل وجود التحديات الأمنية المتنوعة التي تواجه الكيان، صورة تلك العلاقة واضحة، ويحاول البحث الوقوف على دور الجيش الإسرائيلي في اتخاذ القرار، وهل الدور الذي يؤديه يعتبر كافياً، ولمن تميل الكفة في اتخاذ القرار.

والأهم من ذلك، يحاول الاجابة عن تساؤل، هل العلاقة بين المستويين واضحة، تحديداً في السنوات الأخيرة، في ظل غياب القيادة العسكرية عن تصدر المشهد السياسي، كما كان الحال مع بدايات الدولة، والتي شهدت رؤساء وزراء من خلفية عسكرية، كمناحم بيجن واسحاق رابين وغيرهما.

 

المنظومة العسكرية في “إسرائيل”

النظام السياسي في “إسرائيل”، هو نظام برلماني، يفرز حكومة بيدها صلاحيات إدارة البلاد، فيما للرئيس فيها، موقع سياسي تكميلي، لا يمتلك سوى صلاحيات رمزية، فيما المنظومة الأمنية هو اسم يُطلق على مجموعة من الهيكليات التي تعمل لحفظ الأمن في الدولة، من المخاطر الداخلية والخارجية، وتتوزع خريطة المنظومة الأمنية في إسرائيل على سبعة مكونات أساسية:

  1. وزارة الجيش:

هي الجسم الحكومي المسؤول عن أمن “إسرائيل”، ويرأسه وزير الجيش في الحكومة، ويخضع لمسؤوليات وزارة الجيش، الجيش “الإسرائيلي”، وقسم الصناعات العسكرية، ويقع على عاتق الوزارة كذلك الاهتمام بالمعاقين من الجنود وعائلات الجنود القتلى، وهي الوزارة صاحبة الحصة الأكبر من ميزانية الدولة (ايبن، 2015)، ويعتبر وزير الجيش الشخصية الثانية[1] من حيث الأهمية في الحكومة “الإسرائيلية”، وله ولوزارته أربع مهام رئيسة:

الرقابة والتمثيل، حيث يعتبر وزير الجيش، المسؤول عن الجيش ورقابته من قبل الجهات التنفيذية، وممثلا للجيش أمام الحكومة، إلى أن ادارة الجيش تبقى بيد رئيس هيئة الأركان.

على المستوى الاستراتيجي، اتخاذ قرارات تتعلق بالمواضيع الامنية القومية.

على المستوى الاداري، اتخاذ قرارات في توزيع الميزانية العسكرية، واتخاذ القرارات المتعلقة بالتعيينات في الجيش.

اتخاذ قرارات تتعلق في مسألة بناء القوة العسكرية آلية تفعيلها. (المعهد الاسرائيلي للدمقراطية، 2006).

 

  1. الجيش “الاسرائيلي”:

الجيش “الإسرائيلي” هو المؤسسة الأهم في المنظومة الأمنية، وتعتقد “إسرائيل” أن جيشها هو الأقوى في الشرق الأوسط (أخبار الثانية، 2010)، وواحد من أقوى الجيوش في العالم (Bender, 2014)، ويقع على رأس مؤسسة الجيش، هيئة الأركان والذي يرأسها رئيس هيئة الأركان ” الرمتكال”، ويعتبر وزير الجيش هو المرجعية لهيئة الأركان ورئيسها، ولرئيس هيئة الأركان نائباً وكذلك أربع قيادات أخرى تتوزع عليها قيادة الجيش، للتشاور واتخاذ القرارات.

 

  1. مؤسسة المخابرات والمهام الخاصة ( الموساد ):

  يعتبر الموساد “الإسرائيلي” هو الجسم الأساسي في مجموعة المخابرات الإسرائيلية التي تعمل خارج الحدود الإسرائيلية بوظيفتي التجسس والاغتيال، وجمع المعلومات الخارجية والتحذير من الحرب، ويتبع الموساد مباشرة إلى رئيس الوزراء “الإسرائيلي” (شمرون، 1996). وينقسم الموساد إلى قسمين، القسم الاداري والذي يشمل الادارة ورئاسة الموساد، ووحد التخطيط والموارد البشرية والدعم اللوجستي (ملمن، 2005)،  ويضم الموساد ثمانية وحدات تنفيذية، أبرزها تيبل وتسومت (ملمان و ربيب، 2012).

 

  1. خدمة الامن العام ( الشاباك ):

الشاباك “الاسرائيلي” -مصلحة الأمن العام-، تأسس في العام 1949، وكان تابعاً في البداية للجيش “الاسرائيلي”، إلى أنه في العام 1950 أصبح جسماً مستقلاً يتبع مباشرة لمسؤولية رئيس الوزراء، وللشاباك العديد من الأهداف، أبرزها، القضاء على التجسس الخارجي الذي يعمل لصالح أعداء “اسرائيل”، تأمين الأمن الشخصي للشخصيات الهامة في الدولة، القضاء على “الارهاب الداخلي”، تأمين المناطق الحيوية في “اسرائيل”، وتحديد طريقة التأمين المناسبة للوظائف والمهام (ملمان و ربيب، 2012)، ويعمل الشاباك “الإسرائيلي” ضمن تقسيمات مناطقية، ويعتبر القطاع العربي أكبر القطاعات في عمل الشاباك (ميلمان، 2004)، بهدف كشف ومنع الأعمال العدائية من قبل العرب ضد اسرائيل.

  1. وزارة الامن الداخلي:

هي وزارة حكومية، يعود اليها المسؤولية عن الأمن الداخلي في “اسرائيل”، وتُشرف على الشرطة الاسرائيلية، ومصلحة السجون، والدفاع المدني، ويقف على رأس الوزارة وزير الأمن الداخلي “الإسرائيلي” ويعتبر من المناصب الهامة في الدولة، حيث تخضع لسلطة الوزير مباشرة الشرطة، ومصلحة السجون “الاسرائيلية”، ولوزارة الأمن الداخلي العديد من المهام أبرزها:

أولاً: منح مواطنة واقامة، اصدار تصاريح الدخول والبقاء في اسرائيل، ادارة الترتيبات السكانية من اصدار شهادات ميلاد وهويات، وشهادات زواج وغيرها.

ثانياً: التخطيط والرقابة على اماكن ومشاريع البناء في اسرائيل، ورقابة السلطات المحلية، والاشراف على الدفاع المدني (الول، 2009).

  1. الشرطة “الاسرائيلية”:

الشرطة “الإسرائيلية” هي القسم المسؤول عن حفظ الأمن الداخلي في الدولة، وتتبع بشكل مباشر لوزير الأمن الداخلي في الحكومة “الإسرائيلية”، والتي تقوم بتعيين القائد العام للشرطة (الشرطة الاسرائيلية، 2016).

  1. مصلحة السجون العامة:

مصلحة السجون “الإسرائيلية” (شاباس)، هي الشبكة المسؤولة عن كل ما يتعلق بالسجن، وتدير تحت قيادتها 33 سجناً في مناطق مختلفة، ويقع مقر القيادة العامة لمصلحة السجون في منطقة أيلون قرب الرملة، ويديرها “النتسيب” مدير مصلحة السجون (مصلحة السجون، 2016).

 

 نظرياً، طبيعة العلاقة بين المستويين العسكري والسياسي.

العلاقة ما بين المستويين السياسي والعسكري، هي جزء من العلاقات ما بين المستوى الجماهيري المدني، والمستوى العسكري، وكما هو متّبع في الدول الدمقراطية، فإنّ المستوى العسكري يخضع لسلطة ورقابة المستوى المدني، الذي من شأنه اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالدولة، بطبيعة الحال، بالتشاور مع المستوى العسكري لوضع الاستراتيجيات الأنسب.

بشكل عام هناك العديد من النظريات التي تُحدد طبيعة العلاقة ما بين المستويين العسكري والسياسي، في أي دولة، تُعتبر من الدول الديمقراطية.

  1. نظرية المسؤولية المشتركة، هي نظرية تنص على ضرورة التمييز بين الصلاحية القانونية التشريعية، الممنوحة للمستوى السياسي، لتصل العلاقة لحدود التقاسم المتفق عليه بين الجانبين، والتعاون من أجل صياغة استراتيجية الأمن القومي بالشراكة بين الجانبين، وهذا ما فضله اللواء السابق في الجيش الإسرائيلي، والذي طالب أن تكون هذه طبيعة العلاقة ما بين المستويين في “إسرائيل”(هكوهين، 2014).
  2. نظرية التنسيق، وهي نظرية تقتضي أن يكون هناك، تنسيق كامل بين المستويات، الثلاث في المجتمع، السياسي، الأمني وكذلك المجتمعي(ميخال و ايبن، 2016)، للوصول إلى الوضع الأقرب للمثالية، في العلاقات الداخلية بين المستويات المختلفة، وهو الأمر الذي يتطلب ثقافة مجتمعية موّسعة، للقدرة على التأثير في كلا المستويين السياسي والعسكري.
  3. نظرية الشراكة موجهة الهدف، وهي نظرية تنص على أن يكون هناك تواصل مستمر بين الجانبين، يشمل حوار باتجاهين، الأول هو اتجاه تعليمي، بحيث يدرك كلا الجانبين، حاجاتهما وكذلك اهدافهما، والجانب الآخر، جانب تشاوري للوصول إلى الخطط الأنسب، والاستراتيجيات الأفضل للعمل(ميخال و ايبن، 2016).

 

علاقة المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل، ما بين النظرية والتطبيق.

وفق قانون الجيش والذي تمّ سنه في العام 1976، فقد تم التأكيد وبشكل واضح على تبعية المستوى الأمني للمستوى السياسي (ارز، 2006)، وحتى ما قبل سن القانون فقد كان هذا واضحاً، من خلال ما رسخه، أول رئيس وزراء للدولة العبرية، والذي أكد أنّ الجيش لا يُحدد سياسات، وإنّما يخضع مباشرة للمستوى السياسي.

ووفق التقسيمة الهيكلية، والمسؤولية الإدارية، فإنّ الجيش الإسرائيلي، الذي يرأسه رئيس هيئة الأركان، يتبع مباشرة لوزير الجيش في الحكومة الإسرائيلية (راييش، 2007)، بحيث يكون وزير الجيش هو ممثل الجهة العسكرية في الحكومة، والمسؤول المدني عن الجيش، وقد جرت العادة في “إسرائيل” غالباً، أن يكون وزير الجيش من خلفية عسكرية، إلّا في حالات نادرة كما شهدت السنوات الأخيرة، بوجود افيجدور ليبرمان وعمير بيرتس على رأس وزارة الحرب.

ومن حيث توزيع المسؤوليات، فإنّ مهمّة المستوى السياسي، هي تحديد الأهداف العامة التي يجب الوصول إليها، وعلى الجيش الوصول لتلك الأهداف من خلال صياغة استراتيجية وتكتيك، للوصول لتلك الأهداف، حيث وفق القانون، رئيس هيئة الأركان “الرامتكال”، هو القائد الوحيد للمعركة (ايبين، 2015)، والذي يجب عليه ادارتها بالتنسيق والتشاور مع قيادة الجيش.

إلّا أنّ فقدان المستوى السياسي، في الكثير من الحالات للخبرة العسكرية، يدفعه للاستعانة بالمستوى العسكري، بمعنى أنّ المستوى السياسي، الذي من صلاحيته اتخاذ القرار، وإعطاء أوامره للجيش، أوامر تكون في الغالب مبنية على الخيارات التي يضعها المستوى العسكري أمام المستوى السياسي (يحزكيلي، 2011)، بمعنى أنّ المستوى العسكري شريك في القرار، دون أن يكون ذلك واضحاً في القانون، الذي يؤكد سيادة المستوى السياسي، في اتخاذ القرار الأمني.

لذلك من الناحية النظرية، فإنّ العلاقة ما بين المستويين، تجعل من المستوى العسكري خاضع بشكل تام للمستوى السياسي، تحت خط عريض يجعل من المستوى العسكري منفذ للسياسات الحكومية (هكوهين ي.، 2014)، وفق ما تقتضيه الحاجات السياسية، وتسمح به القدرات العسكرية، والتي يحددها رئيس المنظومة العسكرية، والذي هو جزء من الحكومة المدنية، وليس شرطاً أن يكون من خلفية عسكرية.

إلّا أنّ طبيعة العلاقة بين الجانبين تطبيقياً وعملياً على الأرض، قد تختلف باختلاف الحالة أو الظرف المُعاش، والذي يتطلب اتخاذ قرارات مصيرية، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى وجود سيطرة للرأي العسكري على حساب التوجه السياسي، كالذي حدث قبل حرب حزيران 1967، وبعد تردد القيادة السياسية، قام أحد الضباط وهددها بالاستقالة في حالة عدم بداية الحرب (ارشيف الدولة، 2017)، الأمر الذي دفع القيادة المرتبكة حينها، لقبول هذا التوجه الذي خالف الرأي العام السياسي في ذلك الوقت (ارشيف الدولة، 2017).

لكن هذا لا يُخفي الحقيقة الأهم، أنّ رئيس الوزراء هو الشخصية الأهم في اتخاذ القرار العسكري، وحتى بغض النظر عن امتلاكه خلفية عسكرية، أم لا، فإنّه يمتلك حرية عمل واسعة، وسيطرة كبيرة، احياناً بمساعدة مستشارين غير رسميين، لتحديد السياسة العامة، والتي أدت في أحيان كثيرة، وفق الكثير من الباحثين، إلى اضرار كبيرة على الأمن العام، بسبب تمسكه بتوجهاته الشخصية، وافكاره التي يتبناها (فدهستور، 2012).

 

العيوب التي تعتري طبيعة العلاقة بين المستويين في “إسرائيل”:

كثيرة هي العيوب التي تعتري العلاقة ما بين المستويين السياسي والعسكري في “إسرائيل”، ويكاد هناك شبه اجماع إسرائيلي داخلي، على أنّ عيوب كثيرة تعتري طبيعة العلاقة ما بين المستويين العسكري والسياسي في “إسرائيل”، الأمر الذي ينعكس بطبيعة الحال على اتخاذ القرار، وعلى النتائج في كثير من الأحيان.

حيث وفق الباحثين الإسرائيليين، ووفق العديد من لجان التحقيق التي عُقدت في “إسرائيل”، لبحث بعض الإخفاقات العسكرية، اتضح أنّ “إسرائيل” تُعاني من عدم وجود وضوح في صلاحيات كلٍّ من المستوى السياسي والعسكري في اتخاذ القرار (ميخال و ايبن، 2016)، حيث وفق القانون بشكل عملي، لا يوجد تعريف لطبيعة المسؤولية السياسية على المستوى العسكري.

حيث بالنظر للقانون، فإنّ مسؤولية الجيش، تعود للحكومة، بمعنى أنّ رئيس هيئة الأركان يتبع لوزير الجيش، وكذلك للحكومة، وعليه أن يتلقى التعليمات من كلا الطرفين، لكن على الأرض، ومن خلال التطبيق، فإنّ رئيس هيئة الأركان يتلقى تعليماته من وزير الجيش، وغير مطلع على ما يحدث في أروقة الحكم، الأمر الذي قد يوّلد توجه مخالف للحكومة (ميخال و ايبن، 2016)، يسلُكُه، كلٍّ من وزير الجيش ورئيس هيئة اركانه.

أمر آخر، فإنّ هناك فجوة كبيرة، بين الأهداف السياسية، وبين ما يقوم به الجيش على الأرض، حيث خلال الحرب، أو العمليات العسكرية، يتحول وزير الجيش، ورئيس الوزراء الى قيادات عسكرية منفصلة عن الحكومة، قد تذهب أبعد من الأهداف المحددة لها أو أقل من ذلك، في ظل وجود فجوة واضحة من التواصل، بين المستوى السياسي والعسكري، بسبب فقدان جسم واضح، يربط بين كلا الجانبين (يعلون، 2011).

حيث بالنظر إلى ما قام به ارئيل شارون، وزير الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح لبنان عام 1982، من اعطاءه أوامر لقائد الجبهة الشمالية بالاقتراب من القوّات السورية، خلافاً للتوجه السياسي العام الذي حذّر من ذلك (ارليخ، 2006)، يوّضح أنّ الحرب تشهد وجود جسمين مختلفين، سياسي وعسكري، للجانب العسكري فيه عملياً، نفوذ وسيطرة، تًساهم بشكل كبير، إلى تعقيد صورة صلاحيات كل مؤسسة من المؤسستين السياسية والعسكرية.

إلى جانب ذلك، فإنّ تمتع رئيس هيئة الأركان بقوّة كبيرة، وشعبية واسعة، تدفعه احياناً لتجاهل المطالب والتوجهات السياسية، فعلى سبيل المثال، تجاهل رئيس هيئة اركان الجيش الإسرائيلي، شاؤول موفاز، خلال بداية الانتفاضة الثانية، مطالب المستوى السياسي، بإخلاء مناطق في الخليل مُصنفة على أنّها مناطق “أ” (ميخال و ايبن، 2016) أي تتبع للسلطة الفلسطينية، ورغم تجاهل موفاز لتلك المطالب، لم تكن هناك ردود فعل، تُشير إلى استنكار هذا السلوك، من موفاز الذي أصبح وزيرا للجيش فيما بعد.

والأهم من ذلك، هو عيب العلاقة الذي يتمحور، حول عدم وجود تعليمات واضحة من القيادات السياسية للعسكرية (يدلين، 2013)، ويرتبط ذلك في كثير من الأحيان بفقدان الخبرة العسكرية للقيادة السياسية، وقد تجلّى ذلك بوضوح في تقرير مراقب الدولة عن الحرب الأخيرة على غزة، والذي كشف عدم وجود تعليمات واضحة من القيادة السياسية للجيش (مراقب الدولة، 2017)، الأمر الذي أثار حرباً داخل المجلس الوزاري المصغر، بتبادل اتهامات وصلت الى حدود، تحميل رئيس الوزراء ووزير جيشه، مسؤولية عدم اطلاع المجلس على سير المعركة، واتهامات أخرى بالتضليل، واتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من قبل أعضاء حكومته، بالعمل لصالح حزبه وسياسته خلال الحرب، وعدم الجرأة على اتخاذ القرار، وتهرب من تنفيذ السياسات المتفق عليها (بلومنتال، 2017).

إلى جانب ذلك، فقد باتت تشهد السنوات الأخيرة، ظهور الخلاف بين المستويين بشكل علني أمام الجمهور، الأمر الذي انعكس على الثقة بهما، ويُحال ذلك في كثير من الأحيان، إلى رفض الجيش للتوجه السياسي، كونه أكثر خبرة في الجال الأمني، ويُمكن فهم ذلك، من خلال رفض الجيش اعداد خطة لمهاجمة المفاعل النووي الإيراني في العام 2010، حيث اعتبر جابي اشكنازي رئيس هيئة الأركان أنّ ذلك من الممكن أن يؤدي إلى حرب (ميخال و ايبن، 2016)، هذا الموقف أثار عاصفة داخلية، دفعت وزير الجيش آنذاك ايهود باراك، إلى التأكيد بشدة على أنّ دور الجيش اعداد الخطة والتنفيذ، وليس تحديد السياسات.

 

اقتراحات ترتيب العلاقة من جديد:

من أجل التغلّب على العيوب التي تعتري طبيعة العلاقة بين الطرفين، تم تقديم العديد من الاقتراحات، والتي تُقر بضرورة إيجاد حلول تحول من إمكانية الوقوع في أخطاء استراتيجية، قد تؤدي إلى المساس بالأمن القومي.

من بين تلك الاقتراحات هو تفعيل مجلس الأمن القومي، بحيث يكون هذا الجسم الموجود، فعّال عملياً، من خلال القيام بدوره، بصياغة استراتيجية أمنية واضحة، وتكون الجسر الرابط بين المستويين العسكري والسياسي (فدهستور، 2012)، ويستطيع أن يجسر الخلافات التي تسبق في الغالب كل عملية عسكرية، كون المجلس، الذي يتبع لرئاسة الوزراء، خارج نطاق المؤسستين من الناحية العملية، وستكون موازناته أمنية وسياسية، تعمل للصالح العام، وتُشتت المصالح الشخصية أو الحزبية في اتخاذ القرار.

إلى جانب ذلك، فقد تم تقديم اقتراح، يقضي باعتبار رئيس هيئة الأركان المسؤول الأول عن المستوى العسكري، تخضع له كافة القيادات العسكرية بشكل مباشر، دون إمكانية الالتفاف من قبل القيادة السياسية (ميخال و ايبن، 2016)، والتواصل مع تلك القيادات بمعزل عنه، الأمر الذي يخلق نوع من وجود تشتيت، وتشويش في الاشراف على سير العمليات وفي اتخاذ القرار.

وفي ظل الإقرار، أنّ أعضاء المجلس الوزاري المصغر، يعانون من نقص في الخبرة الأمنية، فقد تقدم بعضهم بمقترح قانون، يقضي بضرورة تعيين مستشار عسكري لكلٍّ عضو في المجلس المسؤول عن إدارة الحرب، إلى جانب إلزام كل عضو، بدراسة المواضيع الأمنية المقدمة بنوع من التفصيل (ازولاي، 2017)، وقد ظهر هذا المقترح، بفعل اثبات تقارير مراقب الدولة، فقدان غالبية أعضاء المجلس، الخبرة الأمنية، خاصة أنّ غالبيتهم ليسوا من خلفيات عسكرية، بمن في ذلك وزير الجيش الحالي، افيجدور ليبرمان.

والأهم من ذلك، هو الطرح المُقدم، والذي يطالب بضرورة تحديد صلاحيات كلّ طرف بكل واضح ووفق القانون، وعدم ترك بعض الجوانب فيه، تحتمل الكثير من التفسيرات (ميخال و ايبن، 2016)، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان، إلى تصادم ونزاع صلاحيات، وسيطرة طرف على حساب الآخر، بناءً على قوّته الكاريزمية وشعبيته في الشارع، الأمر الذي يؤثر في سير اتخاذ القرار، وسير العملية العسكرية، بناءً على توجهات ضيقة، إمّا لرئيس الوزراء، أو قيادات عسكرية ذات ثقل كبير، كما تم التطرق اليه في بعض الأمثلة أعلاه.

خاتمة

“إسرائيل” من الدول التي تعيش ظروف أمنية معقدة، حيث وبعد سبعة قرون على تأسيسها لا زالت تُعاني مت وجد مخاطر أمنية، من الطبيعي أن تلاحقها في ظل الحقيقة التي تتبناها الأغلبية على أنّ دولة الاحتلال هذه، كيان غريب، قائم على الاستيطان في المنطقة.

مع بداية التأسيس ارتبطت قوّة الدولة بوجود شخصيات كاريزمية من العيار الثقيل كديفيد بن جوريون، الأمر الذي جعل الكثير من القرارات والصلاحيات مرتبطة بالشخص وليس القانون، وهذا ما يُفسر عدم وجود قوانين واضحة رتبت العلاقة بين المؤسستين العسكرية والأمنية.

والأهم من ذلك، أنّ الكثير من رؤساء الوزراء في “إسرائيل”، خاصة مع بداية تأسيس الدولة، كانت بالأصل قيادات عسكرية، وسبق لها أن شغلت منصب القائد الأعلى للجيش، الأمر الذي كان يُعطي اريحية في التعامل ما بين المؤسستين.

العقد الأخير وتحديداً الحكومات الأخيرة، باتت تشهد غياب الشخصيات العسكرية عن رئاسة الوزراء، وربما وزارة الجيش كما هو الوضع الحالي، في ظل اعتبار بعض الأحزاب أنّ تكليف أحد أعضاءها بشغل منصب وزارة الجيش، يُساهم برفع أسهم الحزب، الأمر الذي ساهم بوجود نوع من الفجوة، ونزاع صلاحيات، وتضارب في كثير من الأحيان بين المستويين، الأمر الذي دفع الكثير من المراكز البحثية، والتقارير الصادرة عن مراقب الدولة، للمطالبة بضرورة ترتيب العلاقة بين المؤسستين بوضوح.

المؤسستان العسكرية والأمنية في “إسرائيل”، تُعانيان في الفترة الأخيرة من وجود نقد ممنهج، مبني على الإخفاقات الكثيرة التي باتت تعتري كليهما، وربما الغموض في طبيعة الصلاحيات، يجعل من الأمر مريح من جانب القاء كلٍّ منهما المسؤولية على عاتق الجانب الآخر، وإن كان حجم تحميل المسؤولية للمستوى السياسي أكبر، فإنّ الأخير مرتاح لطبيعة العلاقة حالياً، ولن يقوم بالتغيير، الذي قد يفقده حرية واسعة من العمل، في تحديد هيكلية الجيش وطبيعة عمله.

 

References

Bender, J. (2014, Apr 23). The 11 Most Powerful Militaries In The World. Retrieved from Business Insider: http://www.businessinsider.com/11-most-powerful-militaries-in-the-world-2014-4/

أخبار الثانية. (28 تشرين أول, 2010). تساهل: هتسابا هخزاك بمزراح هتيخون ( جيش الدفاع الاسرائيلي: الجيش الاقوى في الشرق الاوسط ). تم الاسترداد من القناة الثانية: http://www.mako.co.il/news-military/security-q4_2014/Article-42e03b12e165941004.htm

ارشيف الدولة. (حزيران, 2017). مسماخيم شونيم بعنياني ملحمات ششات هيميم ( وثائق متنوعة في حرب حزيران 1967 ). تم الاسترداد من ارشيف الدولة: http://www.archives.gov.il/archives/#/Archive/0b0717068031bdef/File/0b07170680b2733a

الشرطة الاسرائيلية. (2016). همبنيه هأرجوني لشمترا (البناء التنظيمي للشرطة الاسرائيلية). تم الاسترداد من الشرطة الاسرائيلية: http://www.police.gov.il/portal.aspx?pid=56&mid=17

المعهد الاسرائيلي للدمقراطية. (كانون اول, 2006). مسراد هبنيم فسار هبيتخون ( وزارة الامن الداخلي ووزير الدفاع ). تم الاسترداد من المعهد الاسرائيلي للدمقراطية: http://www.idi.org.il/%D7%A1%D7%A4%D7%A8%D7%99%D7%9D-%D7%95%D7%9E%D7%90%D7%9E%D7%A8%D7%99%D7%9D/%D7%A4%D7%A8%D7%9C%D7%9E%D7%A0%D7%98/%D7%92%D7%99%D7%9C%D7%99%D7%95%D7%9F-52/

الول. (26 كانون ثاني, 2009). تحومي اخريوت مسراد هبنيم ( نطاقات مسؤولية وزارة الأمن الداخلي ). تم الاسترداد من الول: http://www.elulbm.org.il/?p=6

ايتر هيخيدا. (2014). مبنيه تساهل ( هيكلية الجيش ). تم الاسترداد من ايتر هيخيدا: http://www.yehida.co.il/index.php?option=com_content&view=article&id=98&Itemid=72

ايتي بلومنتال. (24 كانون ثاني, 2017). بنت: دوخ تسوك ايتان رعيدات ادما ( بنت: تقرير مراقب الدولة زلزال ). تم الاسترداد من يديعوت احرونوت: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4911943,00.html

بناحس يحزكيلي. (2011). يحسي هجوملين بين هديرج هازرحي مديني فبين هديرج هتسبائي ( العلاقات المتبادلة بين المستوى المدني والعسكري ). القدس: الجامعة العبرية.

جاد شمرون. (1996). هموساد فهميتوس ( الموساد والاسطورة ). القدس: كيتر سفريم.

جرشون هكوهين. (2014). ما لؤومي ببيتخون هلؤومي ( ما هو القومي في الأمن القومي ). تل ابيب: وزارة الأمن.

رامي ارز. (2006). يحسي هديرج هازرحي فهديرج هتسبئي بيسرائيل ( علاقة المستوى المدني والعسكري في اسرائيل ). مركز يافا للابحاث الاستراتيجية، صفحة 16.

رؤوبن ارليخ. (2006). مكوما شل سوريا بملحيمت لبنون هريشونا ( مكان سوريا في حرب لبنان الاولى ). نتانيا: مركز معلومات ماشير عميت.

رؤوبن فدهستور. (2012). هبيتخون هلؤومي بيسرائيل مي محليت فكيتساد ( الامن القومي في اسرائيل من يقرر وكيف ). تأليف رؤوبن فدهستور، بيتخون لؤومي مبات بيكورتي ( الامن القومي، نظرة نقدية ) (الصفحات 20-26). تل ايبب: مركز دانيال ابراهمز للدراسات.

شموؤل ايبن. (2015). ههتنتسحوت عل تكتسيب هبيتخون بيسرائيل ( الخلاف حول ميزانية الدفاع في اسرائيل ). تم الاسترداد من المعهد لدراسات الامن القومي: http://www.inss.org.il/uploadImages/systemFiles/%D7%90%D7%91%D7%9F%20-%20%D7%AA%D7%A7%D7%A6%D7%99%D7%91%20%D7%94%D7%91%D7%99%D7%98%D7%97%D7%95%D7%9F.pdf

شموئيل ايبين. (19 آب, 2015). استراتيجيات تساهل فاحريوت هديرج همديني ( استراتيجية الجيش، ومسؤولية المستوى السياسي ). معهد دراسات الأمن القومي.

عاموس يدلين. (2013). تسابا فاستراتيجيا ( الجيش والاستراتيجية ). تل ابيب: معهد دراسات الأمن القومي.

كوبي ميخال، و شموئيل ايبن. (تموز, 2016). عكرونوت هسيخ بين هديرج همديني فهتسبائي بيسرائيل ( اسس النقاش بين المستويين السياسي والعسكري في اسرائيل ). معهد دراسات الأمن القومي ، الصفحات 12-13.

مراقب الدولة. (اذار, 2017). برسوم دوخ عل مبتساع تسوك ايتان ( نشر تقرير عن حرب غزة 2014 ). تم الاسترداد من مراقب الدولة: http://www.mevaker.gov.il/(X(1)S(cjafr0dfht3enldnm4u4xdcd))/he/publication/Articles/Pages/2017.02.28-Tzuk-Eitan.aspx?AspxAutoDetectCookieSupport=1

مصلحة السجون. (2016). همبنه هأرجوني لشاباس (البناء التنظيمي لمصلحة السجون). Retrieved from مصلحة السجون: http://ips.gov.il/Web/He/About/Structre/Default.aspx

موران ازولاي. (10 حزيران, 2017). فعدات هسريم لحكيكا تسبيع عل حوك هكابينت ( لجنة الوزراء ستصوت على قانون المجلس الوزاري ). تم الاسترداد من يديعوت احرونوت : https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4973923,00.html

موشيه يعلون. (كانون اول, 2011). هكنات هكوخ لعيموت موجبال ( تجهيز القوّة للمواجهة المحدودة ). معرخوت، الصفحات 24-29.

ميخال دانييل. (20 حزيران, 2011). مبنه تساهل: همدريخ همليه ( هيكلية الجيش: المرشد الكامل ). تم الاسترداد من ماكو: http://www.mako.co.il/pzm-recruits/guides/Article-fe4c56dfa9ca031006.htm

نعمي راييش. (آذار, 2007). تسابا شل مدينا او مدينا شل تسابا ( جيش الدولة ام دولة الجيش ). المعهد الإسرائيلي للدمقراطية.

واللا. (28 تشرين أول, 2014). ديرج: تساهل هخزاك بيوتير بمزراخ هتيخون ( ترتيب: جيش الدفاع الاقوى في الشرق الاوسط ). تم الاسترداد من واللا: http://news.walla.co.il/item/2796682

يديعوت احرونوت. (7 ايلول, 2011). تسابا تركيا نيجد تساهل: مي جدول يوتر ( جيش تركيا ضد اسرائيل : من الاكبر أكثر ). تم الاسترداد من يديعوت احرونوت: http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4118811,00.html

يسي ملمان، و دان ربيب. (2012). ملحموت هتسلليم هموساد فكهيلات هموديعين ( حرب الظلال، الموساد وطائفة المخابرات ). تل ابيب: مشكال ( يديعوت سفريم ).

يوتام هكوهين. (19 آب, 2014). مكبلات هخلتوت للميدا ( من اتخذا القرار للدراسة ). تم الاسترداد من بلوج دوالوج: https://doalogue.co.il/blog/%D7%9C%D7%9E%D7%99%D7%93%D7%94-%D7%94%D7%99%D7%90-%D7%9C%D7%90-%D7%9E%D7%99%D7%9C%D7%94-%D7%92%D7%A1%D7%94-%D7%94%D7%A8%D7%94%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%9D-%D7%A2%D7%9C-%D7%A4%D7%95%D7%9C%D7%9E%D7%95/

يوسي ملمن. (18 شباط, 2005). هموساد همبتسعي شل مائير داجان ( الموساد التنفيذي التابع لمائير داجان ). تم الاسترداد من واللا: http://news.walla.co.il/item/673121

يوسي ميلمان. (23 أيار, 2004). هشاباكدراش شفيون، آز هو دراش ( الشاباك طلب مساواة، اذا هو طلب ). تم الاسترداد من هآرتس: http://www.haaretz.co.il/news/health/1.968955

 

 

 

 

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دراسات

الانقسامات الاثنية والمجتمعية في الكيان.

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عواد\ مركز القدس

تُعاني “إسرائيل” من انقسامات داخلية كبيرة، وإن كانت استطاعت التغلب على مُعيقات تشكيل الدولة، إلّا أنّ الفجوات الداخلية استمرت في دكّ خاصرتها التي باتت رخوة بفعل هذه الانقسامات الكبيرة.

ورغم أنّ الصورة النمطية المأخوذة عن الكيان تكمن في إطار النظرة، إلى وجود أغلبية يهودية واقلية عربية، لكنّ المسألة معقدة أكثر من ذلك بكثير، ورُبما في كثير من الأحيان، تؤخذ في إطار وجود طوائف متنوعة، ومتصارعة داخل “إسرائيل”.

  1. التوزع السكاني.

يصل عدد السكان في “إسرائيل” إلى تسعة ملايين نسمة، ومن المتوقع أن تصل في العام 2024 إلى نحو عشرة ملايين نسمة[1]، حيث يبلغ متوسط حجم الأسرة الإسرائيلية ثلاثة أطفال لكل أسرة[2]، وهي من الأعلى إذا ما قورنت مع الدول الغربية.

ووفق توزيع السكان، فقد كانت النسب على النحو التالي[3]:

الشريحة النسبة
اليهود 74%
الفلسطينيون 21%
أخرين 5%

 

وحول الآخرين الموجود ضمن المُعطيات حيال السكان، فإنّ الإشارة هُنا إلى مجموعة من المواطنين اللذين هاجروا إلى إسرائيل، لكن لم يتم تسجيلهم في السجلات على أنّهم يهود، إنّما هاجروا إلى إسرائيل، من مُنطلق استغلالهم قانون حق العودة[4]، إلى جانب نسبة من اللذين أعلنوا عدم انتمائهم لأي من الديانات[5].

ووفق المُعطيات فقد ارتفعت نسبة الخصوبة عند المرأة الإسرائيلية، إلى 3.3 طفل لكل امرأة، وهي من النسب المرتفعة، ويعود ذلك إلى النسبة المرتفعة في الانجاب لدى المتدينين الحريديم (كما سنلاحظ لاحقاً)، وهُنا مجموعة من المُعطيات المُهمة حول السكان في إسرائيل[6]:

  • في العقد الأخير ارتفعت نسبة السكان في إسرائيل بنحو 2 مليون نسمة، وفي العام 2019 وُلد 177 ألف طفل، منهم 74% لأمّهات يهوديات، 23.2% لأمّهات عربيات.
  • نسبة الزيادة السكانية في العقد الأخير كانت 1.9%، فيما كانت في العقد الذي سبقه نحو 2%، حيث 78% من الزيادة هي طبيعية، و22% بقعل هجرة اليهود من الخارج باتجاه إسرائيل.
  • في العام 2019 وصل إلى إسرائيل نحو 35 ألف قادم جديد، 46% منهم من روسيا، 18.8% من أوكرانيا، 7.7% من الولايات المتحدة، فرنسا 6.9%.
  • نسبة المسنين فوق 65 عاماً، وصلت إلى نحو 11.8%، سيرتفع عام 2064 إلى نحو 15.5%، علماً أنّ اليهود يشيخون بنسبة أكبر من العرب.
  • نسبة الأطفال ما دون 14 عام، عند اليهود 27%، وعند العرب 32%.
  • مُتوسط العمر عند اليهود، للمرأة تصل إلى 85.2 عام، فيما للرجال 81.5، عند العرب للرجال 78 عام، وللنساء 82.3 عام.

 

  1. الغربيون والشرقيون.

نسبة الزواج المُختلط بين الجانبين، فقط 23%، وفي هذا إشارة إلى حجم الفجوة بين الطرفين[7]، غربيين، أو ما يُطلق عليهم في إسرائيل اشكنازيم، وشرقيين المعروفون باسم مزراحيم، هي من المصطلحات الأكثر استخداماً في إسرائيل، وتُشير إلى عُمق أزمة الهوية في الدولة العبرية، والمؤشر الأهم على الطبقية والعُنصرية فيها.

مصطلح غربيين يُقصد به اليهود القادمين من أوروبا والقارة الأمريكية، فيما يُطلق مصطلح شرقيين على اليهود القادمين من الدول العربية، بما في ذلك اليهود الاسبان اللذين غادروا اسبانيا بعد طرد المسلمين منها، واستقروا في شمال افريقيا، حيث يُعرف هؤلاء أيضاً باسم “سفرديم” أي اسبان.

مع بداية تأسيس الدولة العبرية، كانت نسبة الغربيين فيها 78%، فيما ما تبقى من اليهود كانوا مزراحيم وسفراديم[8]، الأمر الذي مهد من البداية للسيطرة الغربية على مؤسسات الدولة، وأهم مفاصلها، وخاصةً ما تعلّق منها بالمفاصل القيادة.

نسب التوزيع هذه لم تستمر طويلاً، حيث كانت بداية الهجرات مع تأسيس “إسرائيل” قادمة من الدول العربية، وكذلك الأفريقية، الأمر الذي قلب النسب في الجولة العبرية، حيث بات اليهود من أصول غربية هم الأقل في الدولة[9]، 60% شرقيين وما تبقى من أصولٍ غربية.

وقد ترافق تأسيس الدولة، مع فضيحة ما عُرف بقصة مواليد اليمن، حيث شهدت السنوات الأولى من الخمسينيات، اختفاء آلاف من أبناء اليهود اليمينيين، واللذين جاءوا بكثرة إلى الدولة العبرية خلال تلك الفترة، حيث كان يتم إخفاء الأطفال بحجة علاجهم، ومن ثم ابلاغ اهاليهم بأنّهم توفوا، بقي الملف دون كشف، حتى العام 1968، عندما وصلت أوراق لأهالي الأطفال تطالبهم بإرسال أبناءهم إلى التجنيد، هنا استدرك الآباء أنّ الأولاد اذا لم يموتوا، فلا مكان للدفن معلوم، ولم يشاهد الأهالي ابناءهم، ولم يستلموا ورقة وفاة، الأمر الذي فتح الملف على مصراعيه، وكشف عن جريمة ارتكبت بحق الأطفال[10]، اللذين تم اختطافهم لأهداف غير معلومة إلى اليوم، واستخدامهم ربما في مهمات سرية في المستقبل، وحرمان أهاليهم منهم، في صورة بشعة من صور العنصرية في القرن الحادي والعشرين.

لكن إلى اليوم لا زال هناك شعور يزداد تعمقاً بأنّ الفجوة التي تتسع بين كلا الجانبين، باتت تُشير إلى وجود طائفتين أقرب للتصارع منهما للوحدة، حيث وصف الرئيس الإسرائيلي الحالة، بأنّها تستدعي العمل من أجل المصالحة الداخلية[11]، في ظل المؤشرات الخطيرة عمّا يحدث، في ظل السيطرة الواضحةٍ للغربيين على كلّ مفاصل الدولة.

وقد شهدت الدولة العبرية مسارات احتجاج، كان أبرزها ما عُرف باسم الفهود السود في العام 1971، وهي حركة احتجاج إسرائيلية من يهود الشرق، بسبب التهميش المُتعمد من قبل الدولة لهم، لكنّ الحركة التي قمعتها الدولة[12]، ووصلت الحركة لنهايتها في العام 1973.

حالة الاضطهاد أو اللامساواة، تتمثل في الكثير من نطاقات الحياة في الدولة العبرية، فعلى سبيل المثال من بين كلّ رؤساء الوزراء في “إسرائيل” منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، لم يكن أيّا منهم شرقيا، بل كلهم غربيون[13]، بل ولم يكن هناك حتى منافس شرقي على المنصب.

وينسحب ذلك على غالبية رؤساء الموساد والشاباك في الدولة العبرية، فيما استطاع الوصول لرئاسة الدولة، وهو المنصب الرمزي اثنان من أصول شرقية، حيث دخل موشيه كتساب السجن بتهمة الاغتصاب، وبعد قضاءه فترة سجنه كاملة تم الافراج عنه، وحتى أنّ لجنة تخفيف الافراجات رفضت تقليص مدة السجن له[14]، في سلوك غريب من اللجنة.

وعند النظر إلى أوجه العنصرية المتبعة في “إسرائيل” تجاه الشرقيين، فيُمكن رؤيتها في نطاق العمل بشكل موسع وواضح، يُشير إلى حجم الظلم والقمع[15]:

المُعطى النسبة
من يقوم بالتعيينات في القطاع العام 78% غربيين
المحامين 84% غربيين
مدققي الحسابات 73% غربيين
من بين أصحاب الرواتب العليا 69% غربيين

وعند الحديث عن الأجور في الدولة، وتحديداً في القطاع الخاص، وُجد أنّ دخل الغربي أعلى من الشرقي تقريباً بنسبة 25%، حيث أنّ معدل الدخل عن الغربيين 4.5 ألف دولار، وعند الشرقيين 3.5 ألف دولار[16]، في ظل أنّ غالبية الفقراء في “إسرائيل” هم من الشرقيين.

الشعور بالدونية هو المُميز الأهم في الحالة الإسرائيلية، حيث أنّ الشرقي فيها يشعر نفسه من الطبقة الثانية، والتي لا تستحق حتى مجرد المنافسة على قيادة الدولة، الأمر الذي أعطى المكون الغربي فيها المزيد من الأخذ بزمام ممارسة العُنصرية، وامساك مقابض الدولة على أنّها مُلكية خاصة، ليس للشرقي فيها سوى دور تكميلي، غير مؤثرٍ في توجيه دفتها، أو الاستمتاع بخيراتها كما الغربي.

 

  1. الروس.

عند الحديث عن الروس في “إسرائيل”، فإنّ أولى الأفكار التي تتبادر إلى ذهن المستمع، أنّ هؤلاء في غالبيتهم ليسوا يهوداً، أو على الأقل هم مجتمع خاص له ميزاته وتوجهاته، ويُعتبر ضمن المكونات التي حافظت على خصوصيتها في “إسرائيل” ولم تستطع التأقلم أو الدخول في بوتقة الصهر الإسرائيلية.

مُصطلح الروس في “إسرائيل” يُطلق على كل اليهود اللذين هاجروا من الاتحاد السوفياتي سابقاً باتجاه “إسرائيل”[17]، حتى العام 2014 كان عددهم في “إسرائيل” 859 ألفاً، 45% منهم رجال، و55% من النساء[18]، وتجاوز عددهم المليون ومئة ألف في العامين الأخيرين، حيث أنّ غالبية الهجرات القادمة من الخارج باتجاه “إسرائيل”، قادمة من هناك، حيث في العام 2018، كان من بين 14 ألف من المهاجرين إلى “إسرائيل” 51.1% من روسيا وأوكرانيا[19].

تُظهر نتائج تصويتهم في الانتخابات التوجهات المنغلقة لديهم، حيث أنّ نصفهم تقريباً يصوت لحزب “إسرائيل بيتنا”، بزعامة الروسي افيجدور ليبرمان[20]، في إشارة واضحة إلى التوجه الخاص لهم، بأنّهم في الدرجة الأولى روساً ومن ثم إسرائيليين.

يُعزى إلى هجرتهم التي بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وارتفعت بوتيرة سريعة في التسعينيات حيث وصل مئات الآلاف من الاتحاد السوفياتي، الفضل الأكبر في تطوير عجلة الصناعات المتطورة الإسرائيلية، والتي قفزت صادراتها إلى ما فوق 50 مليار دولار في العام الواحد، حتى أنّ القناعة السائدة في “إسرائيل”، بأنّه لولا الروس، لكانت “إسرائيل” 20 عاماً إلى الوراء[21]، كونهم شكلوا القاعدة الأساسية لقطار الهايتك.

واليوم تدور مخاوف حقيقة في “إسرائيل”، حول تراجع قطار الهايتك، بسبب كبر السن لهؤلاء المهندسين، واقتراب خروجهم إلى التقاعد، وكذلك عودة ما نسبته 20% منهم إلى روسيا مجدداً[22]، حيث أنّ تحسن الأوضاع الاقتصادية في روسيا، وشعور جزء كبير منهم بعدم الاندماج في “إسرائيل”، دفعهم للعودة لبلدهم.

من الجانب الآخر، فإنّ نسبة عالية من الجريمة في “إسرائيل” تُعزى إلى الروس، حيث أشارت تقارير الشرطة الإسرائيلية، بأنّ الروس خلال العشرين سنة الأخيرة، استطاعوا بناء الجريمة المنظمة في “إسرائيل”، وأسسوا أكبر عصابات الجريمة فيها[23]، في ظل الكشف عن علاقات واسعة لهم، مع ضباط وقيادات في الشرطة الإسرائيلية وجزء من الأجهزة الأمنية الأخرى[24].

حتى من ناحية التوزيع السكاني، فقد تبين أنّ غالبيتهم العظمى، بنسبة 75%، يعيشون في مدن الساحل[25]، في تكتلات اثنية واضحة، حيث أنّ احتكاك الروس ببقية المجتمع هي قليلة جداً، خاصة أنّ الغالبية العظمى من الروس، هم من العلمانيين، وجزء آخر لا يدين بالديانة اليهودية.

الروس في “إسرائيل” مجتمع خاص، له عاداته وثقافته، في الغالب هي روسية أكثر منها إسرائيلية، يتزوجون في الغالب من نفس الطائفة، وغالبية من يعملن في الدعارة في “إسرائيل” من هذه الطائفة، وهُنا يُمكن اجمال بعض المُعطيات عن الروس، كما وردت في كتاب ايلانا جوميل[26]، وغيرها:

  1. سلوك الدولة مهد لارتباط الروس أكثر بموطنهم الأصلي من ارتباطهم بإسرائيل.
  2. جزء كبير من الروس لا زال يُعاني مع اللغة العبرية، لذلك لهم قنواتهم وصحفهم الخاصة، والتي تبث وتصدر بالروسية.
  3. لا يرتبط الروس كثيراً من الناحية الأيدولوجية في “إسرائيل”، الأمر الذي صعب من اندماجهم بشكل كبير في المجتمع الإسرائيلي.
  4. للروس تمثيلهم السياسي، بزعامة افيجدور ليبرمان، والذي يحصد في غالبية الانتخابات غالبية أصوات الروس.

 

  1. الاثيوبيين.

الاثيوبيون في الكيان، هم الفئة الأكثر معاناة من العنصرية، بسبب لون بشرتهم السوداء، أو بسبب أصولهم الأفريقية، في ظل اعتقاد بعض الحاخامات اليهود، بأنّه لا يوجد يهود ذوي بشرة سوداء[27]، وهذا ربما ما يُفسر تأخير قيام إسرائيل بجلبهم إلى اليها، حيث أنّ تهجيرهم في عمليات عُرفت باسم حملة سليمان 1991، وحملة موسى 1984، والتي من خلالهما تم جلب عشرات آلاف اليهود إلى إسرائيل.

ويُمكن من خلال المُعطيات أدناه التعرف على أهم ميزات الطائفة الأثيوبية في إسرائيل[28]:
– عددهم يصل إلى 154 ألفا.
– 57% منهم مواليد اثيويبا، و43% منهم مواليد اسرائيل.
– 60% منهم يعيشون في المركز والجنوب.
– 90% منهم يتزوجون من نفس الطائفة، والنسبة عند الرجال أعلى.
– نسبة الطلاق عندهم ضعفي تلك عند باقي السكان في اسرائيل.
– الخصوبة، 3 أطفال لكل امرأة.
– العائلات أحادية الأب أو الأم، 26%، مقابل 13% عند باقي السكان.
– 37% منهم مُسجلين في مكاتب العمل والمعونات الاجتماعية، مقابل 18% عند باقي السكان.
– نسبة دخل العائلة الاثيوبية أقل من المتوسط العام بنسبة 25%، وهكذا أيضاً نسبة مصروفاتهم.
– 33% من اليهود يرفضون الزواج من الطائفة الاثيوبية.
– 24% يعتقدون أنّ الاثيوبيين ليسوا يهوداً.
– 15% من اليهود يرفضون أن يكون لأبنائهم اصدقاء من الطائفة الاثيوبية.
– 60% من الشكاوى من التعرض للعنصرية، قدمها الاثيوبيون في الكيان.

وتُشير الدراسات الإسرائيلية، أنّ الحكومة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تُعيق من مسألة وصول اليهود الاثيوبيين إلى إسرائيل، تحت عنوان أنّ إسرائيل لا تريدهم[29]، والأهم من ذلك أنّ حالة الاضطهاد بحقهم، والتي تصل إلى حدود الاستهتار بدمائهم، وسهولة قتلهم في المجتمع الإسرائيلي، وربما يُدلل على ذلك قيام شرطي إسرائيلي بقتل المواطن الاثيوبي سلومون طقة، وما تبعه من احتجاجات صيف 2019، تم قمعها ووصفها الاعلام بأنّها فوضوية، ورافقتها رائحة عنصرية ضدهم[30].

فيما الأهم من ذلك من وجهة نظر الاثيوبيين والمدافعين عن حقوق الانسان، فإنّ الدولة تتعمد اهمالهم، مما جعل عجلة تقدمهم هي الأبطأ في المجتمع، من النواحي التعليمية والحياتية، في ظل أنّهم لا يزالون الطبقة الأكثر فقراً في المجتمع، في إشارة إلى أنّ استمرار الوتيرة على حالها، سيقود وفق مراكز بحثية إسرائيلية، إلى استمرار الفجوة واتساعها[31].

 

  1. المتدينون “الحريديم”.

ينقسم المتدينون في إسرائيل إلى تيارين، الأول المتدينون القوميون، ويُشكلون نسبة 14%، والثاني الحريديم، اللذين يُشكلون 12% من مجموع السكان، حيث اندمج التيار الأول بالصهيونية، وآمن بها كمخلص، فيما رفض التيار الثاني الاندماج، وبقي حريصاً على الاستمرار في النهج الديني التقليدي، مع عمله في الدولة على تحصيل حقوقه والدفاع عنها، من هنا بات مصطلح المتدينون في إسرائيل، يُطلق بشكل أساس على الحريديم، حيث أنّ غالبية الخلاف حول الدين والدولة يكمن معهم.

من هم الحريديم.

حرِيدِيم : كلمة في صيغة الجمع, في اللغة العبرية, مفردها (حريد), معناها كما ورد في سفر : أشعيا مرتعب / خائف من الله وطائفة الحريديم هم بعض الأرثوذوكس من اليهود, حيث يؤمن الحريديم بالانصياع الكامل لتعاليم التوراة بعيدا عن الحداثة وتطويع الدين ليلائم العصر التي يؤمن بها التيار القومي[32] الديني، الذي انخرط في الصهيونية، لكنّه يحمل أفكار دينية مرتبطة بالصراع والأرض والاستيطان، وليس شكل الدولة.

يتميز الحريديم بالعديد من السمات، منها:  ايمان يهودي ديني شامل، والتشديد في تطبيق الاحكام الدينية التوراتية، بالإضافة الى رفض المحاكم المدنية العلمانية، واقامة رقابة اجتماعية صارمة ومنها الفصل التام بين الرجال والنساء، يعتبر تعلم التوراة الهدف الاسمى بالنسبة للحريديم حيث تعمل النساء لإعالة ازواجهن المتفرغين طوال حياتهم لتعلم التوراة، رفض الخدمة في الجيش لكل من ينتسب للمدارس الدينية الحريدية ، الايمان بأن المخلص سيأتي من خلال اقامة كامل تعاليم التوراة، كذلك تتميز الطائفة الحريدية بالانعزال ونمط حياة خاص كاللباس على سبيل المثال[33].

كذلك فان الحريديم ينقسمون الى قسمين، قسم شرقي وتمثله حركة شاس ” اتحاد الشرقيين العالمي للحفاظ على التوراة” وتأسس الحزب عام 1982، وقسم غربي وتمثله حركة يهودات هتوراة   “اليهودية التوراتية” وتأسس الحزب رسميا عام 1992 كاتحاد ضم اجودات يسرائيل “منظمة اسرائيل” و  ديجل هتوراه ” علم التوراة”[34].

عندما تم الاعلان عن قيام دولة اسرائيل شكل الحريديم ما نسبته فقط 1.5% من مجموع السكان اليهود في الدولة، لذى لم يكن لدى صانعي القرار في اسرائيل أي تخوف من أي تأثير للحريديم على مسار اتخاذ القرارات أو فرض رؤية معينة على المجتمع، أو ارهاق لميزانية الدولة جراء ما وضعوه من شروط تتضمن توفير الدعم الكامل لهم وتوفير مناخ ديني ملائم وعدم اجبارهم على التجنيد في الجيش، ولكن مع مرور الزمن بدأ اعداد الحريديم في التزايد بشكل ملفت ، حيث وصلت نسبتهم الى 6% من مجموع السكان عام 2002، و 9.9% من مجموع السكان عام 2009 وما مجموعه 12.4% من مجموع اليهود في الدولة، ومن المتوقع ان تصل نسبتهم الى 17.9% من مجموع السكان اليهود عام 2024 [35]، ومن المتوقع ان تصل نسبة الحريديم في اسرائيل في العام 2050 الى 50% من مجموع السكان اليهود.

وهذا ما يعني ان عدد الحريديم يتضاعف في كل 12 عام. ويعود السبب في الزيادة الكبيرة في اعدادهم الى معدل الانجاب المرتفع عند المرأة، فقد يصل عدد افراد الاسرة الواحدة الى 13 فرد، بمعدل زيادة سنوية  تصل الى 6% (حسون، 2014) وايضا ما توفره لهم الدولة من رعاية للأطفال ودعم كبير للطلاب المتفرغين لتعليم التوراة، واعفاء من التجنيد للجيش، واعتقاد الحريديم أن كثرة الانجاب هي مرضاه للرب وستسهم في دعم جيش المخلص المنتظر، ومما ساهم ايضا في هذه الزيادة الكبيرة والغير متوقعة لأعدادهم، أن 23% من الحريديم تربوا في عائلات ليست حريدية و 11% عادوا من العلمانية الى الحريدية، مقابل ذلك فان صفر% هي نسبة العودة من الحريدية الى العلمنة[36].

الحريديم وتقوية حكم اليمين.

بالنظر الى احزاب الحريديم سواء حزب شاس الشرقي أو حزب يهودات هتوراه فان كلا الحزبين، يعتمدان على برامج اجتماعية من اجل تحسين واقع الحريديم، وتكاد تخلو حملاتهم الانتخابية من أي تطرق للأمن والسياسة ، مع التأكيد على ان ارض اسرائيل يجب ان تبقى لليهود، فحزب شاس يرفع شعارات المساواة الاجتماعية، مع ضرورة تجميع يهود العالم في اسرائيل، وضرورة بقاء القدس يهودية موحدة للشعب اليهودي، فيما يتبنى حزب يهودات هتوراه كذلك مبادئ اجتماعية مع التركيز بشكل موسع على القضايا الدينية، والتأكيد على ضرورة الاحتفاظ بكامل الأراضي التي تسيطر عليها اسرائيل[37].

لكنّ احزاب الحريديم في اسرائيل سواء الشرقي منها او الغربي، تتجه نحو اليمين في فكرها وهي تساهم بشكل فعال في قدرة اليمين على تشكيل الحكومات الاسرائيلية، فحكومة بنيامين نتنياهو ال34 اعتمدت فقط على 61 عضو كنيست منها 12 مقعدا للحريديم، ولهذا التقارب العديد من الاسباب

اولا: التقارب الفكري فيما يتعلق بالعديد من القضايا، ومنها الايمان بارض اسرائيل الكاملة ورفض تقسيم القدس، اضافة الى ان بعض احزاب اليمين هي احزاب دينية قومية تتقاطع في العديد من القضايا مع الحريديم، ثانيا: رفض الحريديم لليسار الاسرائيلي وعلى وجه التحديد حزب ميرتس، لما يحمله من افكار مناهضة للمعتقدات اليهودية، ثالثا: تراجع احزاب اليسار والوسط انتخابيا في العقد الاخير مما منح اليمين قدرة اكبر على استمالة الحريديم، رابعا : اليمين الاسرائيلي اقدر على تلبية متطلبات الحريديم خاصة ما يتعلق بتأجيل مناقشة تجنيد الحريديم للجيش، خامسا: اجتماع اليمين الاسرائيلي والحريديم على رفض افكار اليسار والوسط الاسرائيلي.

ومن المتوقع في ظل الارتفاع المتزايد في نسبة الحريديم أن تبقى الخريطة السياسية الاسرائيلية تصب في صالح اليمين، وتزيد من ضعف آمال احزاب اليسار التي لم تترأس الحكومة منذ ما يزيد عن عقد ونصف في العودة للحكم.

  1. علاقة المتدينين والعلمانيين، وانعكاس ذلك على العلاقة بالدولة.

العلاقة التي باتت أكثر توتراً في “إسرائيل” هي تلك التي تندرج تحت الصراع الديني العلماني وانعكاسه على الدولة، ويُمكن تبني كلمة شلل كوصف ممكن، لما احدثته تلك العلاقة في الكثير من مناحي الحياة في الدولة.

ووفق المُعطيات في “إسرائيل” فإنّ 43% من اليهود هم علمانيون، فيما نسبة المتدينين تزيد قليلاً عن 20%، والتقليديون 34%[38]، فيما ينقسم المتدينون إلى حريديم ومتدينين صهاينة، فإنّ التقليديين، هم أولئك اللذين يحترمون الذين ويقدرونه ويلتزمون ببعض الطقوس الدينية.

الأزمة ما بين المتدينين والعلمانيين هي بالأساس على شكل الدولة، أو على شكل الحياة المرغوب والمفضل لليهود، حيث أنّ هذا الصراع تعود جذوره إلى ما قبل نشأة “إسرائيل”، حيث أنّ الخلاف كان على طبيعة حياة اليهود في المهجر، ومع تأسيس الحركة الصهيونية، ورفض المتدينين الحريديم لها، ازداد الصراع تأزماً، ووصل إلى حدود الكراهية الداخلية، ورفض كل طرف للآخر.

السباب والعراك بالأيدي، والاتهامات المتبادلة كانت سمة مميزة للصراع في السنوات الأخيرة، ففي الوقت الذي يرى فيه العلمانيون بأنّ الحريديم المتدينين يبتزون الدولة بسبب عدم تحملهم الأعباء في الدولة، ورفضهم المشاركة في الجيش وارهاق ميزانية الدولة، فإنّ الحريديم يرون بأنّ العلمانيون نشازاً وفسدة، ويخالفون التعاليم الدينية[39].

بالمجمل الصراع بين الجانبين يكمن على شكل الدولة المرغوب، ومحاولة كلّ طرف فرض رؤيته على الآخر، وهنا أبرز الخلافات بين الجانبين وانعكس على الدولة:

  1. مسألة القوانين الدينية:

تكمن الأزمة إجمالاً في مدى الأهمية التي ينبغي أن تُعطى للدين اليهودي للحفاظ على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل، هل هي دولة يهودية أو دولة يهود والفرق بينهما كبير وهو ما يعبر عن أزمة هوية واختلاف حول أسسها ودور عامل الدين فيها.

وعلى هذا الأساس تطرح شرعية ومصداقية الدولة والصهيونية أمام الشريعة والتراث الديني اليهودي. لذا تطالب الأحزاب الدينية بتطبيق ومراعاة القوانين الدينية في الحياة العامة والأحوال الشخصية وفي قواعد الأكل الحلال، في المؤسسات والمطاعم اليهودية وحرمة المقابر اليهودية وتحريم الحفريات فيها.

حيث في الوقت الذي يسعى فيه المتدينون لاستمرار فرض قوانينهم الدينية، المرتبطة بالزواج والطلاق، والصلاة عند حائط البراق، والحفاظ على قدسية السبت، باتت السنوات الأخيرة تشهد عدم التزام في الجانب المرتبط بالحفاظ على قدسية السبت، وتمثل ذلك بذهاب الكثير من المناطق باتجاه، افتتاح أعمالها وتشغيل مواصلاتها يوم السبت[40].

  1. مسألة الإعفاءات والامتيازات:

تُعتبر هذه أزمة كبيره مؤثرة في الحياة العامة في إسرائيل وخاصة على الساحة السياسة والعسكرية، فنظرا للدور الذي تلعبه الأحزاب الدينية في الائتلافات الحكومية فقد حصل المتدينون على مزيد من الامتيازات، وعززوا قوتهم المؤسساتية بشكل يفوق حجمهم الاجتماعي. وتتمثل أهم هذه الامتيازات في إعفاء طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية خصوصا المدارس التابعة للحريديم.

حيث أنّ الغالبية العظمى من الطلاب الحريديم في المدارس الدينية لا يُشاركون في التجنيد، إلى جانب إعفاء الفتيات المتدينات من الخدمة العسكرية نهائيا، وزيادة دعم الحكومة للعائلات الكثيرة الأفراد وهي شائعة في الأوساط الدينية، وزيادة المساعدات الاجتماعية للمدارس الدينية وطلابها، وتخصيص ميزانيات إضافية لمساعدة المتدينين في السكن[41]. وهذا الوضع أخذ يزداد الاعتراض عليه من قبل الجمهور العلماني بحجة أنه يكرس عدم المساواة بين المواطنين الإسرائيليين.

  1. مسألة من هو يهودي:

من بين أبرز القضايا الخلافية في “إسرائيل” تعريف من هو اليهودي، ففي الوقت الذي تُطالب التيارات الإصلاحية اعتبار كلّ من يعتنق اليهودية يهودي، أو من كان له أب يهودي، بأنّه يهودي لا زال المتبع في “إسرائيل” هو ما يتبناه التيار الديني الأرثودوكسي، والتي تتمثل في رفض الحاخامية العليا الاعتراف بإجراءات اعتناق اليهودية في الولايات المتحدة وخارج إسرائيل والتي ترفض قطعاً يهودية المعتنقين عبر المحاكم الدينية الإصلاحية.

من هو اليهودي، هو فقط وفق الرؤية الديني الحريدية في “إسرائيل”، والتي باتت تُخرج الكثيرين من اليهودية، معتبرةً بأنّهم ليسوا يهوداً، وهذا ما يُفسر وجود مئات الآلاف في إسرائيل تحت عنوان إسرائيليون ليسوا يهوداً، حيث لا زالت القبضة الدينية على هذا الموضوع، تُزعج الدولة والشريحة العلمانية[42]، التي تطالب بالتغيير.

الصراع ما بين المتدينين والعلمانيين يُشير إلى عمق الأزمة، فقد استطاع المتدينون على نسبتهم القليلة فرض نمط حياة خاص بهم، وأثر على الدولة وشكلها، ومُمكن إعادة ذلك، إلى محاولة الدولة استرضاءهم، والأمر الأهم وجودهم في الحكومات الإسرائيلية كبيضة قبان، تبتز الائتلاف الحكومي لتحقيق مصالحهم، مهددين دوما بإسقاط الحكومة في حال الانقلاب على معاييرهم التي يضعوها، وممكن رؤية ذلك، من خلال ما يُحققه المتدينون في الحكومات المتعاقبة الأخيرة.

  1. الفلسطينيون في الداخل المحتل.

الفلسطينيون اللذين بقوا في أرضهم وتحولوا إلى أقلية في “إسرائيل، يُشكلون ما نسبته 21% من مجموع السكان[43]، ينتمي 86% منهم إلى الديانة الإسلامية، فيما 7% مسيحيون و7% من الدروز[44]، حيث 32% منهم فتيان أقل من أربعة عشر عاماً، يُعاني الفلسطينيون من تهميش متعمد، ومحاولة إسرائيلية مستمرة لتهجيرهم من وطنهم، أو فرض الأسرلة[45] عليهم، الأمر الذي لا زال يُدخلهم في صراع مستمر متزايد مع المؤسسة الصهيونية.

التمييز العنصري الذي تُمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين، يأخذ بالعادة أوجهاً ثلاثة، عن طريق التشريع، في البرلمان الإسرائيلي والكنيست وهنالك عشرات القوانين التي سنت في الكنيست وموجودة في كتاب القانون الإسرائيلي والتي تميز إما صراحة أو بالطريقة الغير مباشرة ضد الفلسطينيين. فيما الطريقة الثانية عن طريق السياسات الحكومية المختلفة ومنها القرارات التي تتخذها الحكومات الإسرائيلية على التوطين، والطريقة الثالثة داخل أروقة المحاكم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

من الناحية التشريعية، هناك عشرات القوانين التي سنتها إسرائيل، وكان هدفها الأساس فقط قمع الأقلية العربية، كقانون كمينتس الذي صادقت عليه الكنيست يوم 5 نيسان 2017، يوسع صلاحيات هدم البيوت والعقوبات على مخالفات التخطيط والبناء، ويحرم الفلسطينيون من أي توسع في أرضهم، وقانون محاربة الإرهاب والذي استهدف فقط الفلسطينيون، إضافة إلى قوانين حصر البدو في مناطق محددة في النقب وحرمانهم من أراضيهم، وتُوج بقانون القومية، وهو قانون أساسي إسرائيلي، يُعرِّف إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي[46]، الأمر الذي يحرم الفلسطينيون من أبسط حقوقهم، ويجعلهم مُهمشين وفق القانون.

على المستوى السياسي، ورغم مشاركة الفلسطينيين ضمن القائمة العربية المشتركة في الانتخابات، فقد درجت إسرائيل على عدم ادخالهم الحكومات، ولا حتى قبول اعتماد الحكومة على أصواتهم، بحيث أنّ الصوت العربي في الكنيست لا قيمة له، ولا يُمكن اعتباره موازٍ لليهودي، بل ويُتهم من يحاول التحالف مع العرب في البرلمان على أنّه خائن[47].

ويعيش الشباب العرب في إسرائيل، ضمن ما يُعرف الفرص المحدودة، حيث أنّ العنصرية المُمنهجة ضدهم جعلت 37% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 19-23، غير مدموجين في اُطر رسمية كالعمل او التعليم الأكاديمي، ونسبة 52% منهم لا يجدون عمل او وظيفة، فيما نسبة البطالة عند النساء العربيات 44.4%، مقارنة مع 14.2% من اليهود[48].

وبعض المُعطيات أدناه تُسلط الضوء على الواقع العربي في إسرائيل[49]:

  1. 47% منهم يعملون دون عقد عمل، مقابل 12% فقط من اليهود.
  2. 42% منهم لا يملكون سيارة، مقابل 31% من اليهود.
  3. 27% يسكنون بمعدل أكثر من شخصين في الغرفة، مقابل 4% عند اليهود.
  4. 29% فقط دخلهم فوق 2300 دولار، مقابل 50% عند اليهود.
  5. 25% فقط يسافرون خارج البلاد للتنزه، مقابل 46% عند اليهود.
  6. 20% من الأطباء والطواقم الطبية في إسرائيل هم من العرب.

يُعاني الفلسطينيون في الداخل كأصحاب ارض حولهم الاحتلال إلى أقلية، فإلى جانب الساحة القانونية التي جعلت من العنصرية مقوننة، والتحريض المُمنهج من الحكومة، فإنّ المجتمع الصهيوني هو الآخر يتبنى العنصرية نهجاً حياتياً، حيث تغلغلت إلى الشارع الإسرائيلي نفســه. وتشــير دراسة إسرائيلية مركز بيرل كاتز نيلسون، إلى نشر ما ال يقل عن 175 ألف منشور تحريضي على مواقع التواصل الاجتماعي الإسرائيلية خلال العام ً ّ 2016 موجه ضد الفلسطينيين، وأكثر مــن 85 ٪منها يدعو إلى العنف الجسدي المباشر[50].

ويُمكن تلخيص أوجه العنصرية من سياق ما ذكر أعلاه بالنقاط التالية:

  1. سياسة قضم الأراضي وهدم البيوت وحجب الخدمات.
  2. الاعتداء على خلفية عنصرية.
  3. الفصل من العمل على خلفية الانتماء والرأي السياسي.
  4. عنصرية الإعلام الإسرائيلي تجاه العرب.
  5. العنصرية بغطاء قانوني وتشريعي.
  6. التمييز من خلال ميزانيات التطوير، حيث تحصل البلدات العربية على ميزانيات قليلة بالمقارنة مع اليهودية.
  7. التمييز في مجال الصحة، حيث لم يتم انشاء مستشفى عربي واحد منذ عام 1948.
  8. عُمق الفقر، حيث وفق أحدث الإحصاءات، فإن “بين 53% و60% من العائلات العربية تعيش تحت خط الفقر، بينما لا تتجاوز النسبة 35% لدى الإسرائيليين”.

 

 

[1]  زئيف كلايين. (26.09.2019). في إسرائيل تسعة ملايين نسمة، السنة سجلت الأكثر مواليداً. إسرائيل اليوم. https://www.israelhayom.co.il/article/695237

[2]  نفس المرجع السابق.

[3]  موشيه كوهين. (31.12.2019). ننهي العام 2019، السنة التي بها تجاوز عدد السكان 9 مليون نسمة. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-738350

[4]  زئيف كلاين. (13.12.2019). تسعة ملايين مواطن، 74% منهم يهودا. إسرائيل اليوم. https://www.israelhayom.co.il/article/720281

[5]  اللجنة المركزية للإحصاء. (2020). التوزيع السكاني في الدولة. اللجنة المركزية للإحصاء. القدس.

[6]  زئيف كلاين. (13.12.2019). تسعة ملايين مواطن، 74% منهم يهودا. إسرائيل اليوم. https://www.israelhayom.co.il/article/720281

[7]  كرميت سفير. (30.01.2019). الشرقيون عملوا الأمور الثانوية. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/Article-682579

[8]  يرون تسور. (2002). التاريخ الديموغرافي الإسرائيلي والمشكلة الطائفية. باعميم، تل ابيب.

[9]  ايلي شليزنجر. (21.02.2017). المُعطيات تتضح، الغربيين تحولوا إلى أقلية. بحدري حريديم. https://www.bhol.co.il/news/223238

[10]  شاي لهاب. (3.01.2020). قضية مواليد اليمين: متطرفون سيطروا على النقاس والعائلات مستمرة في المعاناة. معاريف. https://www.maariv.co.il/culture/tv/Article-738865

[11]  نوعم دبير. (7.06.2015)، ريبلين: في إسرائيل أربعة اسباط العدائية بينهن كبيرة، يديعوت احرونوت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4665846,00.html

[12]  ايال ليفي. (29.12.2018). عندما كان الفهود السود في الشارع. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-677573

[13]  آبي سوسان. (3.01.2017). من يخاف من رئيس وزراء شرقي. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4902564,00.html

[14]  حان معنيت. (6.04.2016). موشيه كتساب سيبقى في السجن. جلوباس. https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001115290

[15]  ماكو. (27.08.2018). فجوات عميقة بين الشرقيين والغربيين، القناة الثانية. https://www.mako.co.il/finances-finances-economy-newcast/q3_2018/Article-6184af8a52c7561004.htm

[16]  دانا يركتسي. (31.03.2019). الغربيون يربحون أكثر، العمل لا ينجي من الفقر. ويلا، https://news.walla.co.il/item/3227679

[17]  الينا جوميل. (2006)، انتم ونحن، أن تكون روسياً في إسرائيل، دبير. القدس.

[18]  مرينا شيفتس. (2016)، مُعطيات مهمة عن مهاجري الاتحاد السوفياتي سابقاً. هد اولبان حداش. http://meyda.education.gov.il/files/AdultEducation/hed_haulpan/hed_105_marina_sheps.pdf

[19]  يرون دروكمان. (31.12.2018). لخظة قبل 2019: تقريبا 9 مليون سكان إسرائيل. واي نت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5437965,00.html

[20]  هداس بروش. (2015). مُعطيات تكشف كيف صوت الروس في إسرائيل في الانتخابات. زمان يسرائيل. https://www.msn.com/he-il/news/middleeast/%D7%A0%D7%AA%D7%95%D7%A0%D7%99%D7%9D-%D7%97%D7%93%D7%A9%D7%99%D7%9D-%D7%97%D7%95%D7%A9%D7%A4%D7%99%D7%9D-%D7%9B%D7%99%D7%A6%D7%93-%D7%9E%D7%A6%D7%91%D7%99%D7%A2%D7%99%D7%9D-%D7%94%D7%A2%D7%95%D7%9C%D7%99%D7%9D-%D7%9E%D7%91%D7%A8%D7%99%D7%94%D7%9E-%D7%9C%D7%A9%D7%A2%D7%91%D7%A8/ar-AAEi1TO

[21]  تاني جولدشتاين. (5.02.2010). لولا الروس لتأخرنا 20 عاماً إلى الوراء. يديعوت احرونوت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3842545,00.html

[22]  يانا بزنر. (17.03.2016). جئنا، شاهدنا وهاجرنا. ماكو. https://www.mako.co.il/weekend-articles/Article-9462f0a99e38351006.htm

[23]  نتان باز. (18.10.2019). المافيا الروسية في إسرائيل والعالم. إسرائيل ديفنس. https://www.israeldefense.co.il/he/node/40591

[24]  نفس المرجع السابق.

[25]  مارينا شيفتس. مرجع سابق.

[26]  ايلانا جوميل. (2016). انتم ونحن، أن تكون روسيا في إسرائيل. كنيرت. طبريا.

[27]  اليشيب رايخنر. (27.12.2018). قالوا لي ذات مرة، بأنّنا لسنا يهودا لأننا سود. مكور ريشون. https://www.makorrishon.co.il/judaism/101535/

[28]  دائرة الإحصاء المركزية. (2018). معلومات مهمة عن الطائفة الاثيوبية. مركز الإحصاء. https://www.cbs.gov.il/he/mediarelease/DocLib/2018/326/11_18_326b.pdf

[29]  موشيه بن عاتار. (4.07.2018). هذه الحقيقة إسرائيل لا تريد اليهود الاثيوبيين. هآرتس. https://www.haaretz.co.il/blogs/moshebatar/BLOG-1.6243330

[30]  يديعوت احرونوت. (2.7.2019). الاحتجاجات تخرج عن السيطرة، مواجهات جرحى. يديعوت احرونوت. https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5541890,00.html

[31]  شاحر ايلان. (4.7.2019). معالجة المشاكل الجذرية عند الاثيوبيين بطيء ومؤلم. كلكلست. https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3765672,00.html

[32]  شلومو ابينار. (2013). شني هعولموت يهفخو بسوف لايحاد حريديم فدتيم ( العالميين سيصبحا عالما واحدا ، حريديم ومتدينيين ). تم الاسترداد من عوتس مائير: http://www.meirtv.co.il/site/article/?id=183

[33]  عوز الموج. (25 مارس, 2012). حريديم بيسرائيل ، تمونات متساف ( الحريديم في اسرائيل، صورة من الواقع ). تم الاسترداد من موساد سموول نأمان: http://www.peopleil.org/details.aspx?itemID=30276

[34]  يهودات هتوراة ” يهود التوراة “. (2015). تم الاسترداد من المعهد الاسرائيلي للديموقراطية: http://www.idi.org.il/%D7%9E%D7%99%D7%93%D7%A2-%D7%95%D7%9B%D7%9C%D7%99%D7%9D/%D7%91%D7%97%D7%99%D7%A8%D7%95%D7%AA-%D7%95%D7%9E%D7%A4%D7%9C%D7%92%D7%95%D7%AA/%D7%9E%D7%A4%D7%9C%D7%92%D7%95%D7%AA/%D7%99%D7%94%D7%93%D7%95%D7%AA-%D7%94%D7%AA%D7%95%D7%A8%D7%9

[35]  شلومو حسون. (2014). دت فمدينا بيسرائيل تسريتيم افشرييم ( الدين والدولة في اسرائيل سيناريوهات متوقعة). واشنطن: جامعة ميريلاند.

[36]  عمري منيف. (12 سبتمبر, 2010). محكار 35 مهحريديم بيسرائيل جدلوا بمشبحوت شاينن حريديوت ( 35% من الحريديم في اسرائيل تربوا في عائلات ليست حريدية ). تم الاسترداد من nrg: http://www.nrg.co.il/online/54/ART2/155/435.html

[37]  يهدوت هتورا. مرجع سابق.

[38]  زئيف كلايين. مرجع سابق.

[39]  انا ريبا برسكي. (20.11.2019). الحريديم في هجوم غير مسبوق على ليبرمان. معاريف. https://www.maariv.co.il/elections2019/news/Article-730658

[40]  شوقي فريدمان. (20.1.2020). عقد من التديين؟. المركز الإسرائيلي للدمقراطية. https://www.idi.org.il/articles/29396

[41]  جلعاد ملاخ. (2016). مساواة في العبء أم عبء في المساواة. المركز الإسرائيلي للدمقراطية. القدس.

[42]  ديفيد تبراسكي. (25.12.2019). من هو اليهودي- 2019. دبار. https://www.davar1.co.il/204110/

[43]  موشيه كوهين. (31.12.2019). ننهي العام 2019، السنة التي بها تجاوز عدد السكان 9 مليون نسمة. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-738350

[44]  روعي اساف ونسرين حداد. (2017). المجتمع العربي في إسرائيل. المركز الإسرائيلي للدمقراطية. القدس.

[45]  تحويلهم الى إسرائيليين يتنكرون لأصلهم وعروبتهم.

[46]  المركز الإسرائيلي للدمقراطية. (2018). كل ما تريدون معرفته عن قانون القومية. المركز الإسرائيلي للدمقراطية. https://www.idi.org.il/articles/24220

[47]  ايتي جادسي. (31.10.2019). انحطاط سياسي: جانتس التقى مع زعماء القائمة المشتركة. كول حاي. https://www.93fm.co.il/radio/570127/

[48]  اساف وحداد. مرجع سابق.

[49]  نفس الرجع.

[50]  مركز بيرل كتنلسون. (2016). تقرير الكراهية. https://goo.gl/y5WvOL

 

أكمل القراءة

دراسات

تفكيك ذكرى النكبة- إقرارُ بالهزيمة

نشر

في

بواسطة

أحمد أشقر
(1)
“أَنَا يُوسُفٌ يَا أَبِي. يَا أَبِي، إِخْوَتِي لَا يُحِبُّونَنِي، لاَ يُريدُونَنِي بَيْنَهُم أَبِي. يَعتدُونَ عَلَيَّ وَيرْمُونَنِي بِالحَصَى وَالكَلَامِ يُرِيدُونَنِي أَنْ أَمُوتَ لِكَيْ يَمْدَحُونِي. وَهُمْ أَوْصَدُوا بَابَ بَيْتِك دُونِي. وَهُمْ طرَدُونِي مِنَ الحَقْلِ”.
و:
“علّق سلاحك فوق نخلتنا يا غريب، لأزرع حنطتي/ في حقل كنعان المقدس.. خذ نبيذًاً من جراري.. وقسطًاً من طعام.. خذ/ صلوات كنعانيّة في عيد كرمتها…[…]/ الشعر سلّمنا إلى قمر تعلقه أنات [عنات]/ على حديقتها، كإمرأة لعشاق بلا أمل،[…].
(محمد درويش).
(2)
تسعى الجماعات المختلفة، من طبقات وشعوب وأمم، للاحتفاظ بذاكرة جمعيّة تخصّها. فنشوؤها محصلة للوجود، وتطورها والاحتفاظ بها ليس بالأمر السهل أو الهيّن، كما أنه ليس بالمستحيل، ومع ذلك فهو بالغ التعقيد، لأن هذه العمليّة رهن الأوضاع السياسيّة التي تعايشها هذه المجموعات؛ لذا تصبح الذاكرة الجمعيّة رهينة أو أسيرة ومحصلة صراعات وخلافات الممارسات السياسية العدوة منها والوطنيّة. كما أن الوعي الذي تتحرك فيه محكوم بوعي قيادة هذا العمل ومعارضيه والنخب التي تسبح في فضائها وتنتجها. وهنا تكمن الأهمية والخطورة في آن واحد، لأن بإمكان القيادة أن تعمل واعية على بنائها واستنهاضها في مشروع وطني أو قومي وحدوي، كما يمكن للقيادة أن تعبث بها وتشتتها لتتحوّل إلى شظايا ومطية لمصالحها في الداخل المحليّ والسياسة الإقليمية والدولية. والذاكرة التي تحتوي على كل معطيات الماضي تُعبّر عن نفسها بواسطة الجماعة التي تحملها من خلال الطقوس والاحتفالات والممارسات الجمعيّة الأخرى، والحفاظ على لغة قومية سليمة وآداب وفنون بصرية راقية، لا يمكنها أن تنتمي إلى الماضي وحده، بل يمكن اعتبارها المحطة الراهنة والمحرك الذي هو الهوية التي تقوم بتحويل كل المعطيات الماضية والراهنة إلى فعل وممارسة نحو المُستقبل.
تنشغل المجموعات التي تعيش واقعاً مأساويّاً بالذاكرة الجمعية (كحال الشعب العربي في فلسطين)، أكثر من بقية المجموعات التي حققت أهدافها أو تلك التي تسير بثبات نحو تحقيقها بالتعبير عنها. لذا تحتل الذاكرة الجمعيّة حيّزاً كبيراً في خطابها. وعندما يزداد واقعها مأساوية فإنها تبالغ في الحديث عن الذاكرة إلى أن تنفجر تحت ضغط الهزائم المتكررة وقصف الأعداء الخارجيين والداخليين. وتتحول إلى مجموعة من ذكريات تبدو متواصلة ومتماسكة لكنها في الواقع تعاني من القطع والتقطيع والتضخيم والتقزيم، وتتجمد بوصلتها في مكانها ولا يمكنها الإشارة والسير قدماً في مشروعها خاصة عندما يضع العدو فكفكتها هدفاً مركزيّاً له.
(3)
مثل الهوية، بدأت تتحدد معالم الذاكرة الفلسطينية الجمعيّة في مواجهة المشروع اليهودي تحديداً. وعلية أصبحت رهينة محددات وحدود ونتائج هذا الصراع. فارتهنت إلى قوانين وقواعد وألاعيب العمل السياسي- مقتلها الفعلي. وخضعت لعملية التفكيك وإعادة البناء بناءً على رغبات القوى السياسية الفاعلة فيها وعليها.
تفترش الذاكرة الجمعية أرض فلسطين من الميّ للميّ، ومن رفح للناقورة، ميداناً لها. وتشكل محاولة استعادة الوطن من ركام المدن والقرى المُحتلة- المهدومة، وشخيب دماء المقتولين، ونحيب المطرودين من هذه الأرض على أيدي اليهود. إنها المفارقة الجدلية الأبدية المُتمثلة بالنهوض من بين الأنقاض. لذا استعار السياسيون الفلسطينيون طائر أجدادهم الأسطوري: عنقاء الرماد، واستبطن كثيرون حكاية طائر الفينيق. وبما أن استبناء الذاكرة الجمعية واستنهاضها هو في حدود المشاريع السياسية التي تزداد هزالة وغموضاً كلما ابتعدنا عن نقطة الأساس- الذروة سنة 1948- باتت هذه الذاكرة هزيلة مثل كلّ الأحياء التي تضعف مع الزمن.
يمكن القول إن تحديد الذاكرة القوميّة لعرب فلسطين في المواجهة مع الاستعمار اليهودي ونأيها عن التحول إلى جزء من وحدة الذاكرة الجمعية للأمة العربيّة (“أنا يوسف يا أبي”)، وعدم ربطها بعمقها التاريخي الطويل الكنعاني- الفرعوني- السومري.. والبابلي (“كإمرأة لعشاق بلا أمل”)؛ حكم عليها بالضعف البنيوي، مثلاً حتى الآن لا يزال غالبية الفلسطينيين لا يربطون بين اليهود الذين احتلوا أرض كنعان قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة بيهود اليوم علماً أنهم هم من يؤكدون على وحدة الاحتلاليْن، كما أنهم يرفضون النظر للاحتلاليْن، كاحتلال واحد استملاكي- استعماري. كما أن هذه الذاكرة نشأت ضمن البنية الكولونيالية وتماشت مع استحقاقات البرجوزاية العربية، تحديداً الفلسطينية، التي كانت ولا تزال تابعاً، كما سنرى لاحقاً.
(4)
حطمت النكبة الشعب الفلسطيني ورمته في صحارى المجاهيل همّه أن يجد ما يسّد رمق جوعه ويجد مأوى يقيه حرّ الصيف وبرد الشتاء له ولأفراد عائلته. مع ذلك استمر يمارس ذاكرته وهويته من خلال أحلامه التي عمل اليهود والمتواطئون معهم من العربان على تشظيها قبل النكبة. وبات مشدوداً إلى الماضي في الطقوس والممارسات المختلفة التي ورثها من جثث المقتولين من قراه ومدنه أثناء عدوان النكبة، لأن المكان- فلسطين وروحها تتجسد بهم كافةً. في هذه الفترة بدأ الفلسطينيون نضالاً هشّاً ضعيفاَ غير مدروس لذا ازدادت فظائع نتائج النكبة، نتائج هذا النضال بتقديم آلاف الشهداء والجري في محاولات غير مدروسة للعودة إلى الوطن أو في معارك محدودة يفتعلها اليهود لوأد أية محاولة عسكرية للعودة. عندها بات الفلسطينيون أسرى البكاء على الأطلال، إعداد الشهداء وزيارة مقابرهم إنها حالة “نيكروفيلية (حبّ الموتى)” كما وصفها الأديب الأردني غالب هلسا (1932- 1989). وإذا اسمترينا باستعارة “النيكورفيلية” لقلنا إن الشعب الفلسطيني “نيكروفيلي” لأنه لا يزال يمنح الشرعية لمؤسسات تمثيلية مثل (م. ت. ف) والسلطة الفلسطينية، والكنيست، ووجهاء ووجيهات الجمعيات المختلفة ومئات أخرى من الأطر التمثيلية، ليس لأنه لم ينتخبها، بل لأنها يجب أن تكون في عداد الموتى في وعيه نحو الاستقلال والحريّة.
(5)
عبّر صدور موسوعة ‏كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها‏ سنة 1997 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عن العناوين الدقيقة لبناء الذاكرة الجمعية الفلسطينية وأدوات وحوامل استنهاضها وتفعيلها. لكن مع أهميتها وأهمية ما تلاها وتبعها من موسوعات وكتب ودراسات لم تتمكن مجتمعة من السعي قدماً لبناء ذاكرة جمعية لسبب بسيط جداً: لأن الحركة الوطنية الفلسطينية ونخب الشعب الفلسطيني كافة التي كانت تحمل المشروع الوطني وتقوده قد انخرطت في النظام العالمي الرأسمالي الليبرالي وتبنت مفاهيمه وقيمه (التوازن الدولي، العقلانية، التسوية ومشتقاتها) وباتت على هامش هامشه متوهمة أنها تؤثر فيه على أمل أن يقبل اليهود بتسوية ما معها يَسمَح لها بإقامة كياناً سياسيّاً “على أيّ شِبْرٍ من فلسطين” ليس لإيجاد تسوية للصراع، بل من أجل التعبير عن نفسها كنظام وطبقة تابعة ليس أكثر. فالتفكير في تغيير وضع ما يتطلب من حوامله أن تغيّر تصورها عنه، إلا أن قيادة الحركة الوطنية والنخب الفلسطينية عجزت عن اجتراح تصور قومي مقاوم يخصّها وبقيت عند تصورها المنبثق من قرى فقيرة ومدن لم يكتمل تطورها قبل النكبة ومخيمات تعاني من كل أنواع البؤس الاجتماعي، والأهم من كل هذا- الهزيمة وعارها، الذي يخاف الفلسطيني إلى يومنا الراهن الحديث عما أحدثه هذا العار من إنكسار وشرخ في الذاكرة والنفسية الجمعية الفلسطينية.
(6)
شكلّت اتفاقية أوسلو لسنة 1994 وما تلاها من اتفاقيات إعلاناً عن هزيمة القيادة والنخب واستسلامها. ويمكن القول إن أقسى ما حدث على المُستوى المعنوي هو رفض اليهود منح قيام (م. ت. ف) “حقّ” توقيع وثيقة هزيمتهم واستسلامهم على أرض وطنهم بل جرّوهم إلى أمريكا التي أبادت السكان الأصليين وأقصتهم عن الأرض والتاريخ (هل يوجد أكثر بلاغة من هذه الرمزية؟) بعدها انتشرت بين الفلسطينيين في الوطن والشتات محاولات مكثفة من الانشغال- وليس الاشتغال أو العمل- بالذكرى والذاكرة. فقام أبناء قرى منكوبة بتشكيل لجان عودة- ليس من أجل العودة- كما أقاموا أطراً مختلفة من اتحادات عودة وذاكرة وذكرى والحفاظ على الذاكرة وما إلى ذلك من الانشغال في الماضي- مرّة أخرى، ليس الاشتغال أو العمل به. إنها حالات من الحنين إلى المفقودين تشبه حال العجوز الذي يشتهي امرأة فاتنة لكنه إضافة لإصابته بكل أمراض الشيخوخة نسي أنه وُلد بعاهة خلقيّة: عِنّين، مع هذا فإنه يجيد تصوير السيلفي واستخدام الواتس آب باحترافية متناهية! في تلك الأثناء تمكن اليهود من السيطرة على الأرض ومصادر الثروات الأخرى من مياه ووعي. وإلى جانبهم سيطر “المانحون والداعمون” من دول ومؤسسات ومصارف وأفراد على فضاء الحياة السياسية والثقافية الفلسطينية لضبطها بما يكفل أمن وسلامة دولة اليهود. فأغرقوا هذه الجمعيات والمؤسسات واستحوذوا عليها ليس بالمال فقط بل بالأجندات التي “شقفتها تشقيف” فحوّلوا التاريخ “الوقائع” عند (إريك هوبسباوم/ 1917- 2012) إلى سرديات شبيهة بوجهة النظر. كما أنهم خصخصوها إلى قطاعات جندرية وجنسانية ومِثْلية وبقية الصَرْعات التي تَحُول دون وحدة أي مشروع وطني أو قومي. تم وضع هذه الشظايا تحت مسمى: التمكين، الذي يحول حتماً ضدّ أية وحدة. وتحول التاريخ والتراث الفلسطينييّن إلى خردوات في سوق سلع الليبرالية الجديدة، فتحولت الأغاني التراثية إلى شيء مُبتذل (تحوّلت الدحيّة إلى تعواية كلاب محششة وسكرانة تطلق الرصاص من أسلحة الاحتلال)، كما تحولت الملابس والمطرزات الفلسطينية إلى اكسسوارات تباع وتلبسها كل من تشاء، لأنها انفلتت عن سياقها الأصلي (بعض المُطرزات التشيليّة تباع على أنها فلسطينية). كما ابتدعت بعض النسويات فكرة ضرورة تعويض اللاجئات من النساء مبالغ من المال أكثر من الرجال، لأن اضطهاد النساء “مضاعف”، بناء على قراءة التاريخ والنكبة على خلفيّة “نسوية”. وابتدع المثليون خطة قراءة النكبة الفلسطينية على خلفية “مِثلية”. وقامت بعض الجمعيات النسوية في المثلث تحديداً على تنظيم لقاءات مع نسويات يهوديات جمعت نساء ناجيات من المحرقة مع نساء من النكبة للحديث عن تجاربهن. كما قامت مجموعات أخرى بتنظيم لقاءات بين مجرمي نكبة 1948 اليهود والعرب المطرودين من مدنهم وقراهم للحديث عن “تلك الأحداث” لتطهير ضمائرهم الملطخة بدمائنا وعار الإنسانية. كل هذا يتم بواسطة أشخاص باتوا يعتاشون على النكبة وينّم الواحد على زميله في نفس “الدكانة”. كما وفتحت لهن (هآرتس)، صحيفة النخب اليهودية، “ساحة” خاصّة بهن على ما يبدو لإعداد بعضهن كمرشحات وعضوات في الـ(كنيست) من مستوى رديء. والبعض منهم، رجالاً ونساءً، أصبح من أصحاب الملايين؛ هذا التواطؤ لم يكن ليحدث لولا “القابلية للاستعمار” عند الشعوب التي تدين بالإسلام كما يشرحها مالك بن نبي (1905- 1973).
في المقابل، باتت “إسرائيل” في السنوات الأخيرة تسمح للاجئين الفلسطينيين الذي يعيشون في أوروبا من زيارة فلسطين وقراهم المنكوبة. وفعلاُ زارها الآلاف لكن بعضهم بدل أن يزور قريته، طيرة حيفا، حطت به السيارة في طيرة المثلث. وبعضهم اعتقد أن حيفا بجوار رام الله. هؤلاء كانوا يعيشون في سوريا على بعد ضربة حجر من فلسطين (…) لكن عندما حققوا حلمهم بالتحوّل إلى لاجئين في أوروبا تكشف حلمهم الأوحد: زيارة “الأقصى الشريف” والصلاة فيه. فإسرائيل التي سطت على أملاك أهاليهم تواصل اليوم السطو على ما يدخرونه من مخصصات الإعاشة الأوروبية بالسماح لهم بزيارة مقابرهم وصرف مدخراتهم فيها. كما وتواصل دوائر المحفوظات والأرشيفات اليهودية عدوانها على وجدان الفلسطينيين والتنكيل بهم من خلال كشف ونشر وثائقها التي تؤكد على أن جريمتها ضدّ عرب فلسطين كانت مبيتة ومخططة سلفاً. والأمر المُفزع من الناحية النفسية هو احتفال قطاع واسع من المنشغلين بالتاريخ والذاكرة وإعلان سعادتهم بهذا الكشف ولسان حالهم يقول إن هذا إثبات أننا على حقّ علماً أن حقوق الشعوب والأمم لا تحفظها الوثائق والأوراق بل النضال والعمل الواعي نحو التحرير والاستقلال. وإذا عدنا إلى استعارة “النيكروفيلية” من غالب هلسا، هل نعتبر ما يقوم به قطاع واسع من الفلسطينيين هو تشييع النكبة إلى القبر، لكن قطعة، قطعة؟
بناءً على ما تقدم أعتقد أن سكران أحمد حسين (إبراهيم) في “تغييرات في الصلاة الإبراهيميّة” يظلّ أكثر وعياً من الحركة الوطنية الفلسطينية ومعظم نخبها.

أكمل القراءة

دراسات

مركز القدس: 39% من المقدسيين يُفضلون الهوية الفلسطينية

نشر

في

بواسطة

 

في ظل ما تُعانيه المناطق المقدسية التي دفعها جدار الفصل العنصري إلى خارج أسوار المدينة، مع بقاء تلك المناطق تابعة للقدس ادارياً، مع احتفاظ سكانها بالهوية المقدسية الصادرة عن الاحتلال، وفي ظل معاناتها من تهميش واضح، وتدهور في نطاقات حياتية متعددة.

قام مركز القدس بعمل استطلاع شمل شريحة من السكان، لبحث العديد من الأسئلة ذات الصلة بالأمور الحياتية، وكذلك المقارنة ما بين الاقامة المقدسية والفلسطينية.

لكن قبل ذلك، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الأبحاث الصهيونية، أشارت قبل عدّة سنوات من اليوم أنّ الفلسطينيون سكان القدس، يفضلون الجنسية “الإسرائيلية” على تلك الفلسطينية، حيث أشار 52% من المُستطلعين رغبتهم بالحصول عليها، أكثر من حصولهم على الجنسية الفلسطينية.

اليوم وفق ذات الاستطلاع، شهدت الأرقام انقلاباً كبيراً، حيث نزلت هذه النسبة إلى 15% فقط، في إشارة إلى الشعور الفلسطيني العام بأنّ حلم الدولة الفلسطينية، مُقدم على أي مشروع آخر، وبأنّ الفلسطيني الذي يعيش في القدس ويحمل الهوية المقدسية الصادرة عن الاحتلال، لا يُريد من الاحتلال أبعد من ذلك، بل يُريد الخلاص منه.

وقد تم عمل الاستطلاع من قبل معهد واشنطن بالتعاون مع باحثين فلسطينيين، بإشراف الدكتور ديفيد بولوك، والذي أشار إلى أنّ حماس، تركيا والحركة الإسلامية كان لها دور في تغيير هذا التوجه لديهم.

ووفق النتائج الاستطلاعية، فإنّ العام 2015 والذي شهد تفضيل 52% من سكان القدس الفلسطينيين للجنسية الإسرائيلية، ليس له أي بعد أيديولوجي، بل مرتبط برغبتهم بالعمل والتعليم، وكذلك الوصول بأريحية إلى شواطئ البحار التي يُسيطر عليها الاحتلال، في الداخل الفلسطيني.

لكن عند سؤال الفلسطينيين حيال التغيير الكبير لديهم في هذا التوجه، فقد كانت الإجابات ذات ارتباط كبير في الصراع:

  1. انتفاضة القدس في العام 2015 والرد الصهيوني الإجرامي على تلك الأحداث.
  2. الشعور الفلسطيني العام بأنّ الاحتلال بالفعل يُشكل تهديداً للمسجد الأقصى.
  3. التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين المقدسيين وعدم تقديم خدمات تُذكر.

وبالعودة إلى استطلاع مركز القدس، فقد كشف نتائج العينة المستطلعة، ردّاً على سؤال، ما بين الهوية المقدسية الصادرة عن الاحتلال، والهوية الفلسطينية الصادرة عن السلطة، أيّهما تفضل؟ حيث أشار 39% تفضيلهم الفلسطينية، مقابل 42% المقدسية، فيما 19% بقوا على الحياد.

وعند الحديث عن أبرز المشاكل التي يُعانيها المقدسيون، فقد أشار المستطلعين أنّها تتراوح ما بين الحياتية والسياسية، ومحاولة الاحتلال المستمرة التضييق عليهم ودفعهم للهجرة نحو خارج أسوار المدينة، لتفريغها لصالح اليهود.

وعن أسباب الشريحة التي تُفضل الهوية الفلسطينية على تلك المقدسية المعروفة بالزرقاء، فقد كانت مرتبطة بالواقع الحياتي الصعب، وكذلك الجانب السياسي، وعند سؤالنا أيٍّ من الأسباب التالية يأتي في المُقدمة، كانت النسب موزعة على النحو التالي:

  1. غياب الخدمات عن مناطق سكنهم، حيث تُعاني تلك المناطق من أزمة النفايات، وسوء الخدمات التحتية 24%.
  2. الضرائب المرتفعة التي ترهق المواطن المقدسي وتبقيه غالباً قريباً من خط الفقر 22%.
  3. الاضطرار للسكن في مناطق مزدحمة جداً مثل كفر عقب، وعناتا وغيرهما 19%.
  4. التمييز العنصري ما بين الفلسطيني واليهودي لصالح الأخير، خاصة في مجالات العمل، التعليم والعلاج 16%.
  5. الحواجز على أبواب القدس، والتي تُعيق حركة الفلسطينيين بشكل كبير، وتدفعهم إلى ساعات من الانتظار 14%.
  6. غير ذلك 5%.

ولم يُخفِ من يفضلون الهوية المقدسية على تلك الفلسطينية، شعورهم بأنّ هذا الواقع الصعب بات غير محتمل، لكن تبقى للهوية المقدسية ميزات، مرتبطة بالأمور الحياتية، وكذلك السياسية والحرب على الهوية، وقد كانت أبرز المُسببات التي تدفعهم للتمسك على النحو التالي، مرتبة وفق النسب التالية:

  1. الارتباط بالقدس، وسهولة الوصول إلى الأماكن المقدسة 42%.
  2. توفر فرص عمل أفضل في الداخل المحتل لحملة الهوية المقدسية 21%.
  3. سهولة التحرك في المدن الفلسطينية المحتلة في الداخل 17%.
  4. وجود خدمات أفضل فيما يتعلق بالتأمين الصحي، والدراسة 14%.
  5. غير ذلك 6%.

الخيارات في النطاق الأول المتعلقة بمن فضلوا الهوية الفلسطينية، أو الثاني بمن فضلوا الهوية المقدسية، كان بالإجمال مُجمع عليها من المُستطلعين، ولكن رتبوا الخيارات وفق ما رأوه من ارتباطها بأمورهم الحياتية المباشرة.

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 3 أيام

المطفّفين والمتقاعدين؟!

  وليد الهودلي وقد وصلنا من أخبار تلك البلاد في ذاك الزمان، زمان عجب العجاب أنّ الناس قد ابتدعوا نظاما...

مقالاتمنذ 6 أيام

عاصم الفارس الذي نزّل تطبيق: لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة؟!

وليد الهودلي هناك أمور لا تحتمل التأجيل ثانية واحدة، فعندما انكفأ جيش الأحزاب الذي هاجم المدينة بقضّ الجاهلية وقضيضها لاستئصال...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

الاحتلال والقفص؟!

    وليد الهودلي لمّحت في مقال سابق عن سياسة القفص الاحتلالية، وحيث أتانا بعد قفص أوسلو سياسة الضم أو...

مقالاتمنذ أسبوعين

في مواجهة الضمّ وسياسة القفص؟!

  وليد الهودلي أبدأ بهذه القصة التي حصلت معي قبل يومين أرويها لكم كما حصلت بالكمال والتمام دونما أي فضاء...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

رسالة من أم الأسير نضال زلوم الى مصر العروبة والاحرار.

وليد الهودلي أنا أم الأسير نضال زلوم حيث أطلق سراحه برعاية مصرية في صفقة وفاء الاحرار، بعد أن حفيت أقدامي...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

جريمة قتل اياد الحلاق وصمة عار وماركة مسجلة لهذا الاحتلال؟!

الاستاذ وليد الهودلي هي ذات الجريمة التي تمارسها حكومة الاحتلال مع الشعب الفلسطيني على مدار الساعة منذ نشأة هذا الاحتلال:...

مقالاتمنذ شهر واحد

ماذا بعد أن نُشيّع أوسلو إلى مثواه الأخير؟!

كتب وليد الهودلي\ مركز القدس لقد أضاع الاحتلال فرصة ذهبية من شانها أن تطيل عمر كيانهم، جاءهم اتفاق يمنحهم ثمانية...

مقالاتمنذ شهر واحد

قرارات الرئيس الأخيرة.. ما بين القدرة على التطبيق والمُعيقات

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي.   تأخرنا كثيراً، ربّما هذا العنوان الأبرز والأكثر ملائمة للحالة الفلسطينية،...

مقالاتمنذ شهر واحد

المتدينون والعلمانيون في الكيان، صراعٌ على شكل الدولة

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي العلاقة التي باتت أكثر توتراً في “إسرائيل” هي تلك التي تندرج...

مقالاتمنذ شهرين

على لسان محررين.. معتقل جلبوع مقبرة حقيقية في ظل موجات الحرّ

  إعداد: رولا حسنين- مركز القدس   في كثير من الأحيان تصل الى مرحلة الصمت أمام كل ما يعيشه الشعب...

الأكثر تفاعلا