تواصل معنا

دراسات

العلاقة بين المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل

نشر

في

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

 

موجز

  • تتكون المنظومة العسكري الإسرائيلية، من سبع مؤسسات عاملة، أبرزها وزارة الجيش، والجيش الإسرائيلي، والأجهزة الاستخباراتية كالموساد والشاباك، ولا يوجد لتلك المؤسسات مرجعية واحدة، بل تنقسم المسؤولية عنها، ما بين وزارة الجيش، وبين مؤسسة رئاسة الوزراء.
  • من الناحية الرسمية، فإنّ توزيع الصلاحيات ما بين المؤسستين العسكرية والسياسية في “إسرائيل”، يعتريه بغض الغموض، لكن وفق نصوص القوانين، فإنّ المؤسسة العسكرية تخضع بالكامل للمسؤولية السياسية، ورئيس الوزراء يُعتبر الشخص الأقوى في اتخاذ القرار الأمني.
  • فقدان المستوى السياسي في كثير من الأحيان للخبرة الأمنية، ساهم إلى وجود سيطرة للقيادات العسكرية في اتخاذ بعض القرارات الأمنية أو رفضها، وربما مخالفة التوجهات العسكرية في بعض العمليات العسكرية، وخلال بعض الحروب التي خاضتها الدولة العبرية.
  • كثيرة هي العيوب التي تعتري طبيعة العلاقة بين المؤسستين، فإلى جانب عدم وضوح القانون، تظهر عيوب عدم وجود استراتيجية واضحة، وعدم وضوح أهداف المستوى السياسي، والفجوة الكبيرة بين ما يطلبه المستوى العسكري، وما يقوم به العسكر على الأرض.
  • اقتراحات ترتيب العلاقة، تشمل إعادة صياغة قوانين توضح مسؤولية كل طرف، إلى جانب تأهيل القيادات السياسية ببعض الخبرة العسكرية، من خلال تعيين مستشار عسكري خاص لكلّ منهما.

 

مقدمة

العلاقات بين المستويين المدني والعسكري، في الدولة العبرية كانت منذ قيام الدولة، محط نقاش دائم، وفي السنوات الأخيرة تحديداً، تضاعف حجم النقاش الجماهيري العام، حيال هذه العلاقة، ويزداد هذا النقاش، كلما تم تحويل المسائل الأمنية إلى أمر مقدس، يُمنع المساس به، أو الاعتراض على مخرجاته، ومخصصاته.

في الدولة العبرية، والتي إلى الآن تفتقد لوجود دستور ينظم حياتها، تتداخل فيها العلاقات ما بين المستويات المختلفة في الدولة، خاصة فيما يتعلق بملف الأمن القومي، والذي تُشرف عليه المؤسستان العسكرية والسياسية، في آن معاّ، تداخل لم يخلو في كثير من الأحيان، من وجود خلافات وتداخل في الصلاحيات، وتراشق على العلن، حيال صاحب القرار، في قضايا مختلفة.

يناقش هذا البحث، طبيعة العلاقة ما بين المستويين السياسي والعسكري في “إسرائيل”، وهل في ظل وجود التحديات الأمنية المتنوعة التي تواجه الكيان، صورة تلك العلاقة واضحة، ويحاول البحث الوقوف على دور الجيش الإسرائيلي في اتخاذ القرار، وهل الدور الذي يؤديه يعتبر كافياً، ولمن تميل الكفة في اتخاذ القرار.

والأهم من ذلك، يحاول الاجابة عن تساؤل، هل العلاقة بين المستويين واضحة، تحديداً في السنوات الأخيرة، في ظل غياب القيادة العسكرية عن تصدر المشهد السياسي، كما كان الحال مع بدايات الدولة، والتي شهدت رؤساء وزراء من خلفية عسكرية، كمناحم بيجن واسحاق رابين وغيرهما.

 

المنظومة العسكرية في “إسرائيل”

النظام السياسي في “إسرائيل”، هو نظام برلماني، يفرز حكومة بيدها صلاحيات إدارة البلاد، فيما للرئيس فيها، موقع سياسي تكميلي، لا يمتلك سوى صلاحيات رمزية، فيما المنظومة الأمنية هو اسم يُطلق على مجموعة من الهيكليات التي تعمل لحفظ الأمن في الدولة، من المخاطر الداخلية والخارجية، وتتوزع خريطة المنظومة الأمنية في إسرائيل على سبعة مكونات أساسية:

  1. وزارة الجيش:

هي الجسم الحكومي المسؤول عن أمن “إسرائيل”، ويرأسه وزير الجيش في الحكومة، ويخضع لمسؤوليات وزارة الجيش، الجيش “الإسرائيلي”، وقسم الصناعات العسكرية، ويقع على عاتق الوزارة كذلك الاهتمام بالمعاقين من الجنود وعائلات الجنود القتلى، وهي الوزارة صاحبة الحصة الأكبر من ميزانية الدولة (ايبن، 2015)، ويعتبر وزير الجيش الشخصية الثانية[1] من حيث الأهمية في الحكومة “الإسرائيلية”، وله ولوزارته أربع مهام رئيسة:

الرقابة والتمثيل، حيث يعتبر وزير الجيش، المسؤول عن الجيش ورقابته من قبل الجهات التنفيذية، وممثلا للجيش أمام الحكومة، إلى أن ادارة الجيش تبقى بيد رئيس هيئة الأركان.

على المستوى الاستراتيجي، اتخاذ قرارات تتعلق بالمواضيع الامنية القومية.

على المستوى الاداري، اتخاذ قرارات في توزيع الميزانية العسكرية، واتخاذ القرارات المتعلقة بالتعيينات في الجيش.

اتخاذ قرارات تتعلق في مسألة بناء القوة العسكرية آلية تفعيلها. (المعهد الاسرائيلي للدمقراطية، 2006).

 

  1. الجيش “الاسرائيلي”:

الجيش “الإسرائيلي” هو المؤسسة الأهم في المنظومة الأمنية، وتعتقد “إسرائيل” أن جيشها هو الأقوى في الشرق الأوسط (أخبار الثانية، 2010)، وواحد من أقوى الجيوش في العالم (Bender, 2014)، ويقع على رأس مؤسسة الجيش، هيئة الأركان والذي يرأسها رئيس هيئة الأركان ” الرمتكال”، ويعتبر وزير الجيش هو المرجعية لهيئة الأركان ورئيسها، ولرئيس هيئة الأركان نائباً وكذلك أربع قيادات أخرى تتوزع عليها قيادة الجيش، للتشاور واتخاذ القرارات.

 

  1. مؤسسة المخابرات والمهام الخاصة ( الموساد ):

  يعتبر الموساد “الإسرائيلي” هو الجسم الأساسي في مجموعة المخابرات الإسرائيلية التي تعمل خارج الحدود الإسرائيلية بوظيفتي التجسس والاغتيال، وجمع المعلومات الخارجية والتحذير من الحرب، ويتبع الموساد مباشرة إلى رئيس الوزراء “الإسرائيلي” (شمرون، 1996). وينقسم الموساد إلى قسمين، القسم الاداري والذي يشمل الادارة ورئاسة الموساد، ووحد التخطيط والموارد البشرية والدعم اللوجستي (ملمن، 2005)،  ويضم الموساد ثمانية وحدات تنفيذية، أبرزها تيبل وتسومت (ملمان و ربيب، 2012).

 

  1. خدمة الامن العام ( الشاباك ):

الشاباك “الاسرائيلي” -مصلحة الأمن العام-، تأسس في العام 1949، وكان تابعاً في البداية للجيش “الاسرائيلي”، إلى أنه في العام 1950 أصبح جسماً مستقلاً يتبع مباشرة لمسؤولية رئيس الوزراء، وللشاباك العديد من الأهداف، أبرزها، القضاء على التجسس الخارجي الذي يعمل لصالح أعداء “اسرائيل”، تأمين الأمن الشخصي للشخصيات الهامة في الدولة، القضاء على “الارهاب الداخلي”، تأمين المناطق الحيوية في “اسرائيل”، وتحديد طريقة التأمين المناسبة للوظائف والمهام (ملمان و ربيب، 2012)، ويعمل الشاباك “الإسرائيلي” ضمن تقسيمات مناطقية، ويعتبر القطاع العربي أكبر القطاعات في عمل الشاباك (ميلمان، 2004)، بهدف كشف ومنع الأعمال العدائية من قبل العرب ضد اسرائيل.

  1. وزارة الامن الداخلي:

هي وزارة حكومية، يعود اليها المسؤولية عن الأمن الداخلي في “اسرائيل”، وتُشرف على الشرطة الاسرائيلية، ومصلحة السجون، والدفاع المدني، ويقف على رأس الوزارة وزير الأمن الداخلي “الإسرائيلي” ويعتبر من المناصب الهامة في الدولة، حيث تخضع لسلطة الوزير مباشرة الشرطة، ومصلحة السجون “الاسرائيلية”، ولوزارة الأمن الداخلي العديد من المهام أبرزها:

أولاً: منح مواطنة واقامة، اصدار تصاريح الدخول والبقاء في اسرائيل، ادارة الترتيبات السكانية من اصدار شهادات ميلاد وهويات، وشهادات زواج وغيرها.

ثانياً: التخطيط والرقابة على اماكن ومشاريع البناء في اسرائيل، ورقابة السلطات المحلية، والاشراف على الدفاع المدني (الول، 2009).

  1. الشرطة “الاسرائيلية”:

الشرطة “الإسرائيلية” هي القسم المسؤول عن حفظ الأمن الداخلي في الدولة، وتتبع بشكل مباشر لوزير الأمن الداخلي في الحكومة “الإسرائيلية”، والتي تقوم بتعيين القائد العام للشرطة (الشرطة الاسرائيلية، 2016).

  1. مصلحة السجون العامة:

مصلحة السجون “الإسرائيلية” (شاباس)، هي الشبكة المسؤولة عن كل ما يتعلق بالسجن، وتدير تحت قيادتها 33 سجناً في مناطق مختلفة، ويقع مقر القيادة العامة لمصلحة السجون في منطقة أيلون قرب الرملة، ويديرها “النتسيب” مدير مصلحة السجون (مصلحة السجون، 2016).

 

 نظرياً، طبيعة العلاقة بين المستويين العسكري والسياسي.

العلاقة ما بين المستويين السياسي والعسكري، هي جزء من العلاقات ما بين المستوى الجماهيري المدني، والمستوى العسكري، وكما هو متّبع في الدول الدمقراطية، فإنّ المستوى العسكري يخضع لسلطة ورقابة المستوى المدني، الذي من شأنه اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالدولة، بطبيعة الحال، بالتشاور مع المستوى العسكري لوضع الاستراتيجيات الأنسب.

بشكل عام هناك العديد من النظريات التي تُحدد طبيعة العلاقة ما بين المستويين العسكري والسياسي، في أي دولة، تُعتبر من الدول الديمقراطية.

  1. نظرية المسؤولية المشتركة، هي نظرية تنص على ضرورة التمييز بين الصلاحية القانونية التشريعية، الممنوحة للمستوى السياسي، لتصل العلاقة لحدود التقاسم المتفق عليه بين الجانبين، والتعاون من أجل صياغة استراتيجية الأمن القومي بالشراكة بين الجانبين، وهذا ما فضله اللواء السابق في الجيش الإسرائيلي، والذي طالب أن تكون هذه طبيعة العلاقة ما بين المستويين في “إسرائيل”(هكوهين، 2014).
  2. نظرية التنسيق، وهي نظرية تقتضي أن يكون هناك، تنسيق كامل بين المستويات، الثلاث في المجتمع، السياسي، الأمني وكذلك المجتمعي(ميخال و ايبن، 2016)، للوصول إلى الوضع الأقرب للمثالية، في العلاقات الداخلية بين المستويات المختلفة، وهو الأمر الذي يتطلب ثقافة مجتمعية موّسعة، للقدرة على التأثير في كلا المستويين السياسي والعسكري.
  3. نظرية الشراكة موجهة الهدف، وهي نظرية تنص على أن يكون هناك تواصل مستمر بين الجانبين، يشمل حوار باتجاهين، الأول هو اتجاه تعليمي، بحيث يدرك كلا الجانبين، حاجاتهما وكذلك اهدافهما، والجانب الآخر، جانب تشاوري للوصول إلى الخطط الأنسب، والاستراتيجيات الأفضل للعمل(ميخال و ايبن، 2016).

 

علاقة المستويين العسكري والسياسي في إسرائيل، ما بين النظرية والتطبيق.

وفق قانون الجيش والذي تمّ سنه في العام 1976، فقد تم التأكيد وبشكل واضح على تبعية المستوى الأمني للمستوى السياسي (ارز، 2006)، وحتى ما قبل سن القانون فقد كان هذا واضحاً، من خلال ما رسخه، أول رئيس وزراء للدولة العبرية، والذي أكد أنّ الجيش لا يُحدد سياسات، وإنّما يخضع مباشرة للمستوى السياسي.

ووفق التقسيمة الهيكلية، والمسؤولية الإدارية، فإنّ الجيش الإسرائيلي، الذي يرأسه رئيس هيئة الأركان، يتبع مباشرة لوزير الجيش في الحكومة الإسرائيلية (راييش، 2007)، بحيث يكون وزير الجيش هو ممثل الجهة العسكرية في الحكومة، والمسؤول المدني عن الجيش، وقد جرت العادة في “إسرائيل” غالباً، أن يكون وزير الجيش من خلفية عسكرية، إلّا في حالات نادرة كما شهدت السنوات الأخيرة، بوجود افيجدور ليبرمان وعمير بيرتس على رأس وزارة الحرب.

ومن حيث توزيع المسؤوليات، فإنّ مهمّة المستوى السياسي، هي تحديد الأهداف العامة التي يجب الوصول إليها، وعلى الجيش الوصول لتلك الأهداف من خلال صياغة استراتيجية وتكتيك، للوصول لتلك الأهداف، حيث وفق القانون، رئيس هيئة الأركان “الرامتكال”، هو القائد الوحيد للمعركة (ايبين، 2015)، والذي يجب عليه ادارتها بالتنسيق والتشاور مع قيادة الجيش.

إلّا أنّ فقدان المستوى السياسي، في الكثير من الحالات للخبرة العسكرية، يدفعه للاستعانة بالمستوى العسكري، بمعنى أنّ المستوى السياسي، الذي من صلاحيته اتخاذ القرار، وإعطاء أوامره للجيش، أوامر تكون في الغالب مبنية على الخيارات التي يضعها المستوى العسكري أمام المستوى السياسي (يحزكيلي، 2011)، بمعنى أنّ المستوى العسكري شريك في القرار، دون أن يكون ذلك واضحاً في القانون، الذي يؤكد سيادة المستوى السياسي، في اتخاذ القرار الأمني.

لذلك من الناحية النظرية، فإنّ العلاقة ما بين المستويين، تجعل من المستوى العسكري خاضع بشكل تام للمستوى السياسي، تحت خط عريض يجعل من المستوى العسكري منفذ للسياسات الحكومية (هكوهين ي.، 2014)، وفق ما تقتضيه الحاجات السياسية، وتسمح به القدرات العسكرية، والتي يحددها رئيس المنظومة العسكرية، والذي هو جزء من الحكومة المدنية، وليس شرطاً أن يكون من خلفية عسكرية.

إلّا أنّ طبيعة العلاقة بين الجانبين تطبيقياً وعملياً على الأرض، قد تختلف باختلاف الحالة أو الظرف المُعاش، والذي يتطلب اتخاذ قرارات مصيرية، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى وجود سيطرة للرأي العسكري على حساب التوجه السياسي، كالذي حدث قبل حرب حزيران 1967، وبعد تردد القيادة السياسية، قام أحد الضباط وهددها بالاستقالة في حالة عدم بداية الحرب (ارشيف الدولة، 2017)، الأمر الذي دفع القيادة المرتبكة حينها، لقبول هذا التوجه الذي خالف الرأي العام السياسي في ذلك الوقت (ارشيف الدولة، 2017).

لكن هذا لا يُخفي الحقيقة الأهم، أنّ رئيس الوزراء هو الشخصية الأهم في اتخاذ القرار العسكري، وحتى بغض النظر عن امتلاكه خلفية عسكرية، أم لا، فإنّه يمتلك حرية عمل واسعة، وسيطرة كبيرة، احياناً بمساعدة مستشارين غير رسميين، لتحديد السياسة العامة، والتي أدت في أحيان كثيرة، وفق الكثير من الباحثين، إلى اضرار كبيرة على الأمن العام، بسبب تمسكه بتوجهاته الشخصية، وافكاره التي يتبناها (فدهستور، 2012).

 

العيوب التي تعتري طبيعة العلاقة بين المستويين في “إسرائيل”:

كثيرة هي العيوب التي تعتري العلاقة ما بين المستويين السياسي والعسكري في “إسرائيل”، ويكاد هناك شبه اجماع إسرائيلي داخلي، على أنّ عيوب كثيرة تعتري طبيعة العلاقة ما بين المستويين العسكري والسياسي في “إسرائيل”، الأمر الذي ينعكس بطبيعة الحال على اتخاذ القرار، وعلى النتائج في كثير من الأحيان.

حيث وفق الباحثين الإسرائيليين، ووفق العديد من لجان التحقيق التي عُقدت في “إسرائيل”، لبحث بعض الإخفاقات العسكرية، اتضح أنّ “إسرائيل” تُعاني من عدم وجود وضوح في صلاحيات كلٍّ من المستوى السياسي والعسكري في اتخاذ القرار (ميخال و ايبن، 2016)، حيث وفق القانون بشكل عملي، لا يوجد تعريف لطبيعة المسؤولية السياسية على المستوى العسكري.

حيث بالنظر للقانون، فإنّ مسؤولية الجيش، تعود للحكومة، بمعنى أنّ رئيس هيئة الأركان يتبع لوزير الجيش، وكذلك للحكومة، وعليه أن يتلقى التعليمات من كلا الطرفين، لكن على الأرض، ومن خلال التطبيق، فإنّ رئيس هيئة الأركان يتلقى تعليماته من وزير الجيش، وغير مطلع على ما يحدث في أروقة الحكم، الأمر الذي قد يوّلد توجه مخالف للحكومة (ميخال و ايبن، 2016)، يسلُكُه، كلٍّ من وزير الجيش ورئيس هيئة اركانه.

أمر آخر، فإنّ هناك فجوة كبيرة، بين الأهداف السياسية، وبين ما يقوم به الجيش على الأرض، حيث خلال الحرب، أو العمليات العسكرية، يتحول وزير الجيش، ورئيس الوزراء الى قيادات عسكرية منفصلة عن الحكومة، قد تذهب أبعد من الأهداف المحددة لها أو أقل من ذلك، في ظل وجود فجوة واضحة من التواصل، بين المستوى السياسي والعسكري، بسبب فقدان جسم واضح، يربط بين كلا الجانبين (يعلون، 2011).

حيث بالنظر إلى ما قام به ارئيل شارون، وزير الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح لبنان عام 1982، من اعطاءه أوامر لقائد الجبهة الشمالية بالاقتراب من القوّات السورية، خلافاً للتوجه السياسي العام الذي حذّر من ذلك (ارليخ، 2006)، يوّضح أنّ الحرب تشهد وجود جسمين مختلفين، سياسي وعسكري، للجانب العسكري فيه عملياً، نفوذ وسيطرة، تًساهم بشكل كبير، إلى تعقيد صورة صلاحيات كل مؤسسة من المؤسستين السياسية والعسكرية.

إلى جانب ذلك، فإنّ تمتع رئيس هيئة الأركان بقوّة كبيرة، وشعبية واسعة، تدفعه احياناً لتجاهل المطالب والتوجهات السياسية، فعلى سبيل المثال، تجاهل رئيس هيئة اركان الجيش الإسرائيلي، شاؤول موفاز، خلال بداية الانتفاضة الثانية، مطالب المستوى السياسي، بإخلاء مناطق في الخليل مُصنفة على أنّها مناطق “أ” (ميخال و ايبن، 2016) أي تتبع للسلطة الفلسطينية، ورغم تجاهل موفاز لتلك المطالب، لم تكن هناك ردود فعل، تُشير إلى استنكار هذا السلوك، من موفاز الذي أصبح وزيرا للجيش فيما بعد.

والأهم من ذلك، هو عيب العلاقة الذي يتمحور، حول عدم وجود تعليمات واضحة من القيادات السياسية للعسكرية (يدلين، 2013)، ويرتبط ذلك في كثير من الأحيان بفقدان الخبرة العسكرية للقيادة السياسية، وقد تجلّى ذلك بوضوح في تقرير مراقب الدولة عن الحرب الأخيرة على غزة، والذي كشف عدم وجود تعليمات واضحة من القيادة السياسية للجيش (مراقب الدولة، 2017)، الأمر الذي أثار حرباً داخل المجلس الوزاري المصغر، بتبادل اتهامات وصلت الى حدود، تحميل رئيس الوزراء ووزير جيشه، مسؤولية عدم اطلاع المجلس على سير المعركة، واتهامات أخرى بالتضليل، واتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من قبل أعضاء حكومته، بالعمل لصالح حزبه وسياسته خلال الحرب، وعدم الجرأة على اتخاذ القرار، وتهرب من تنفيذ السياسات المتفق عليها (بلومنتال، 2017).

إلى جانب ذلك، فقد باتت تشهد السنوات الأخيرة، ظهور الخلاف بين المستويين بشكل علني أمام الجمهور، الأمر الذي انعكس على الثقة بهما، ويُحال ذلك في كثير من الأحيان، إلى رفض الجيش للتوجه السياسي، كونه أكثر خبرة في الجال الأمني، ويُمكن فهم ذلك، من خلال رفض الجيش اعداد خطة لمهاجمة المفاعل النووي الإيراني في العام 2010، حيث اعتبر جابي اشكنازي رئيس هيئة الأركان أنّ ذلك من الممكن أن يؤدي إلى حرب (ميخال و ايبن، 2016)، هذا الموقف أثار عاصفة داخلية، دفعت وزير الجيش آنذاك ايهود باراك، إلى التأكيد بشدة على أنّ دور الجيش اعداد الخطة والتنفيذ، وليس تحديد السياسات.

 

اقتراحات ترتيب العلاقة من جديد:

من أجل التغلّب على العيوب التي تعتري طبيعة العلاقة بين الطرفين، تم تقديم العديد من الاقتراحات، والتي تُقر بضرورة إيجاد حلول تحول من إمكانية الوقوع في أخطاء استراتيجية، قد تؤدي إلى المساس بالأمن القومي.

من بين تلك الاقتراحات هو تفعيل مجلس الأمن القومي، بحيث يكون هذا الجسم الموجود، فعّال عملياً، من خلال القيام بدوره، بصياغة استراتيجية أمنية واضحة، وتكون الجسر الرابط بين المستويين العسكري والسياسي (فدهستور، 2012)، ويستطيع أن يجسر الخلافات التي تسبق في الغالب كل عملية عسكرية، كون المجلس، الذي يتبع لرئاسة الوزراء، خارج نطاق المؤسستين من الناحية العملية، وستكون موازناته أمنية وسياسية، تعمل للصالح العام، وتُشتت المصالح الشخصية أو الحزبية في اتخاذ القرار.

إلى جانب ذلك، فقد تم تقديم اقتراح، يقضي باعتبار رئيس هيئة الأركان المسؤول الأول عن المستوى العسكري، تخضع له كافة القيادات العسكرية بشكل مباشر، دون إمكانية الالتفاف من قبل القيادة السياسية (ميخال و ايبن، 2016)، والتواصل مع تلك القيادات بمعزل عنه، الأمر الذي يخلق نوع من وجود تشتيت، وتشويش في الاشراف على سير العمليات وفي اتخاذ القرار.

وفي ظل الإقرار، أنّ أعضاء المجلس الوزاري المصغر، يعانون من نقص في الخبرة الأمنية، فقد تقدم بعضهم بمقترح قانون، يقضي بضرورة تعيين مستشار عسكري لكلٍّ عضو في المجلس المسؤول عن إدارة الحرب، إلى جانب إلزام كل عضو، بدراسة المواضيع الأمنية المقدمة بنوع من التفصيل (ازولاي، 2017)، وقد ظهر هذا المقترح، بفعل اثبات تقارير مراقب الدولة، فقدان غالبية أعضاء المجلس، الخبرة الأمنية، خاصة أنّ غالبيتهم ليسوا من خلفيات عسكرية، بمن في ذلك وزير الجيش الحالي، افيجدور ليبرمان.

والأهم من ذلك، هو الطرح المُقدم، والذي يطالب بضرورة تحديد صلاحيات كلّ طرف بكل واضح ووفق القانون، وعدم ترك بعض الجوانب فيه، تحتمل الكثير من التفسيرات (ميخال و ايبن، 2016)، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان، إلى تصادم ونزاع صلاحيات، وسيطرة طرف على حساب الآخر، بناءً على قوّته الكاريزمية وشعبيته في الشارع، الأمر الذي يؤثر في سير اتخاذ القرار، وسير العملية العسكرية، بناءً على توجهات ضيقة، إمّا لرئيس الوزراء، أو قيادات عسكرية ذات ثقل كبير، كما تم التطرق اليه في بعض الأمثلة أعلاه.

خاتمة

“إسرائيل” من الدول التي تعيش ظروف أمنية معقدة، حيث وبعد سبعة قرون على تأسيسها لا زالت تُعاني مت وجد مخاطر أمنية، من الطبيعي أن تلاحقها في ظل الحقيقة التي تتبناها الأغلبية على أنّ دولة الاحتلال هذه، كيان غريب، قائم على الاستيطان في المنطقة.

مع بداية التأسيس ارتبطت قوّة الدولة بوجود شخصيات كاريزمية من العيار الثقيل كديفيد بن جوريون، الأمر الذي جعل الكثير من القرارات والصلاحيات مرتبطة بالشخص وليس القانون، وهذا ما يُفسر عدم وجود قوانين واضحة رتبت العلاقة بين المؤسستين العسكرية والأمنية.

والأهم من ذلك، أنّ الكثير من رؤساء الوزراء في “إسرائيل”، خاصة مع بداية تأسيس الدولة، كانت بالأصل قيادات عسكرية، وسبق لها أن شغلت منصب القائد الأعلى للجيش، الأمر الذي كان يُعطي اريحية في التعامل ما بين المؤسستين.

العقد الأخير وتحديداً الحكومات الأخيرة، باتت تشهد غياب الشخصيات العسكرية عن رئاسة الوزراء، وربما وزارة الجيش كما هو الوضع الحالي، في ظل اعتبار بعض الأحزاب أنّ تكليف أحد أعضاءها بشغل منصب وزارة الجيش، يُساهم برفع أسهم الحزب، الأمر الذي ساهم بوجود نوع من الفجوة، ونزاع صلاحيات، وتضارب في كثير من الأحيان بين المستويين، الأمر الذي دفع الكثير من المراكز البحثية، والتقارير الصادرة عن مراقب الدولة، للمطالبة بضرورة ترتيب العلاقة بين المؤسستين بوضوح.

المؤسستان العسكرية والأمنية في “إسرائيل”، تُعانيان في الفترة الأخيرة من وجود نقد ممنهج، مبني على الإخفاقات الكثيرة التي باتت تعتري كليهما، وربما الغموض في طبيعة الصلاحيات، يجعل من الأمر مريح من جانب القاء كلٍّ منهما المسؤولية على عاتق الجانب الآخر، وإن كان حجم تحميل المسؤولية للمستوى السياسي أكبر، فإنّ الأخير مرتاح لطبيعة العلاقة حالياً، ولن يقوم بالتغيير، الذي قد يفقده حرية واسعة من العمل، في تحديد هيكلية الجيش وطبيعة عمله.

 

References

Bender, J. (2014, Apr 23). The 11 Most Powerful Militaries In The World. Retrieved from Business Insider: http://www.businessinsider.com/11-most-powerful-militaries-in-the-world-2014-4/

أخبار الثانية. (28 تشرين أول, 2010). تساهل: هتسابا هخزاك بمزراح هتيخون ( جيش الدفاع الاسرائيلي: الجيش الاقوى في الشرق الاوسط ). تم الاسترداد من القناة الثانية: http://www.mako.co.il/news-military/security-q4_2014/Article-42e03b12e165941004.htm

ارشيف الدولة. (حزيران, 2017). مسماخيم شونيم بعنياني ملحمات ششات هيميم ( وثائق متنوعة في حرب حزيران 1967 ). تم الاسترداد من ارشيف الدولة: http://www.archives.gov.il/archives/#/Archive/0b0717068031bdef/File/0b07170680b2733a

الشرطة الاسرائيلية. (2016). همبنيه هأرجوني لشمترا (البناء التنظيمي للشرطة الاسرائيلية). تم الاسترداد من الشرطة الاسرائيلية: http://www.police.gov.il/portal.aspx?pid=56&mid=17

المعهد الاسرائيلي للدمقراطية. (كانون اول, 2006). مسراد هبنيم فسار هبيتخون ( وزارة الامن الداخلي ووزير الدفاع ). تم الاسترداد من المعهد الاسرائيلي للدمقراطية: http://www.idi.org.il/%D7%A1%D7%A4%D7%A8%D7%99%D7%9D-%D7%95%D7%9E%D7%90%D7%9E%D7%A8%D7%99%D7%9D/%D7%A4%D7%A8%D7%9C%D7%9E%D7%A0%D7%98/%D7%92%D7%99%D7%9C%D7%99%D7%95%D7%9F-52/

الول. (26 كانون ثاني, 2009). تحومي اخريوت مسراد هبنيم ( نطاقات مسؤولية وزارة الأمن الداخلي ). تم الاسترداد من الول: http://www.elulbm.org.il/?p=6

ايتر هيخيدا. (2014). مبنيه تساهل ( هيكلية الجيش ). تم الاسترداد من ايتر هيخيدا: http://www.yehida.co.il/index.php?option=com_content&view=article&id=98&Itemid=72

ايتي بلومنتال. (24 كانون ثاني, 2017). بنت: دوخ تسوك ايتان رعيدات ادما ( بنت: تقرير مراقب الدولة زلزال ). تم الاسترداد من يديعوت احرونوت: https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4911943,00.html

بناحس يحزكيلي. (2011). يحسي هجوملين بين هديرج هازرحي مديني فبين هديرج هتسبائي ( العلاقات المتبادلة بين المستوى المدني والعسكري ). القدس: الجامعة العبرية.

جاد شمرون. (1996). هموساد فهميتوس ( الموساد والاسطورة ). القدس: كيتر سفريم.

جرشون هكوهين. (2014). ما لؤومي ببيتخون هلؤومي ( ما هو القومي في الأمن القومي ). تل ابيب: وزارة الأمن.

رامي ارز. (2006). يحسي هديرج هازرحي فهديرج هتسبئي بيسرائيل ( علاقة المستوى المدني والعسكري في اسرائيل ). مركز يافا للابحاث الاستراتيجية، صفحة 16.

رؤوبن ارليخ. (2006). مكوما شل سوريا بملحيمت لبنون هريشونا ( مكان سوريا في حرب لبنان الاولى ). نتانيا: مركز معلومات ماشير عميت.

رؤوبن فدهستور. (2012). هبيتخون هلؤومي بيسرائيل مي محليت فكيتساد ( الامن القومي في اسرائيل من يقرر وكيف ). تأليف رؤوبن فدهستور، بيتخون لؤومي مبات بيكورتي ( الامن القومي، نظرة نقدية ) (الصفحات 20-26). تل ايبب: مركز دانيال ابراهمز للدراسات.

شموؤل ايبن. (2015). ههتنتسحوت عل تكتسيب هبيتخون بيسرائيل ( الخلاف حول ميزانية الدفاع في اسرائيل ). تم الاسترداد من المعهد لدراسات الامن القومي: http://www.inss.org.il/uploadImages/systemFiles/%D7%90%D7%91%D7%9F%20-%20%D7%AA%D7%A7%D7%A6%D7%99%D7%91%20%D7%94%D7%91%D7%99%D7%98%D7%97%D7%95%D7%9F.pdf

شموئيل ايبين. (19 آب, 2015). استراتيجيات تساهل فاحريوت هديرج همديني ( استراتيجية الجيش، ومسؤولية المستوى السياسي ). معهد دراسات الأمن القومي.

عاموس يدلين. (2013). تسابا فاستراتيجيا ( الجيش والاستراتيجية ). تل ابيب: معهد دراسات الأمن القومي.

كوبي ميخال، و شموئيل ايبن. (تموز, 2016). عكرونوت هسيخ بين هديرج همديني فهتسبائي بيسرائيل ( اسس النقاش بين المستويين السياسي والعسكري في اسرائيل ). معهد دراسات الأمن القومي ، الصفحات 12-13.

مراقب الدولة. (اذار, 2017). برسوم دوخ عل مبتساع تسوك ايتان ( نشر تقرير عن حرب غزة 2014 ). تم الاسترداد من مراقب الدولة: http://www.mevaker.gov.il/(X(1)S(cjafr0dfht3enldnm4u4xdcd))/he/publication/Articles/Pages/2017.02.28-Tzuk-Eitan.aspx?AspxAutoDetectCookieSupport=1

مصلحة السجون. (2016). همبنه هأرجوني لشاباس (البناء التنظيمي لمصلحة السجون). Retrieved from مصلحة السجون: http://ips.gov.il/Web/He/About/Structre/Default.aspx

موران ازولاي. (10 حزيران, 2017). فعدات هسريم لحكيكا تسبيع عل حوك هكابينت ( لجنة الوزراء ستصوت على قانون المجلس الوزاري ). تم الاسترداد من يديعوت احرونوت : https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4973923,00.html

موشيه يعلون. (كانون اول, 2011). هكنات هكوخ لعيموت موجبال ( تجهيز القوّة للمواجهة المحدودة ). معرخوت، الصفحات 24-29.

ميخال دانييل. (20 حزيران, 2011). مبنه تساهل: همدريخ همليه ( هيكلية الجيش: المرشد الكامل ). تم الاسترداد من ماكو: http://www.mako.co.il/pzm-recruits/guides/Article-fe4c56dfa9ca031006.htm

نعمي راييش. (آذار, 2007). تسابا شل مدينا او مدينا شل تسابا ( جيش الدولة ام دولة الجيش ). المعهد الإسرائيلي للدمقراطية.

واللا. (28 تشرين أول, 2014). ديرج: تساهل هخزاك بيوتير بمزراخ هتيخون ( ترتيب: جيش الدفاع الاقوى في الشرق الاوسط ). تم الاسترداد من واللا: http://news.walla.co.il/item/2796682

يديعوت احرونوت. (7 ايلول, 2011). تسابا تركيا نيجد تساهل: مي جدول يوتر ( جيش تركيا ضد اسرائيل : من الاكبر أكثر ). تم الاسترداد من يديعوت احرونوت: http://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-4118811,00.html

يسي ملمان، و دان ربيب. (2012). ملحموت هتسلليم هموساد فكهيلات هموديعين ( حرب الظلال، الموساد وطائفة المخابرات ). تل ابيب: مشكال ( يديعوت سفريم ).

يوتام هكوهين. (19 آب, 2014). مكبلات هخلتوت للميدا ( من اتخذا القرار للدراسة ). تم الاسترداد من بلوج دوالوج: https://doalogue.co.il/blog/%D7%9C%D7%9E%D7%99%D7%93%D7%94-%D7%94%D7%99%D7%90-%D7%9C%D7%90-%D7%9E%D7%99%D7%9C%D7%94-%D7%92%D7%A1%D7%94-%D7%94%D7%A8%D7%94%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%9D-%D7%A2%D7%9C-%D7%A4%D7%95%D7%9C%D7%9E%D7%95/

يوسي ملمن. (18 شباط, 2005). هموساد همبتسعي شل مائير داجان ( الموساد التنفيذي التابع لمائير داجان ). تم الاسترداد من واللا: http://news.walla.co.il/item/673121

يوسي ميلمان. (23 أيار, 2004). هشاباكدراش شفيون، آز هو دراش ( الشاباك طلب مساواة، اذا هو طلب ). تم الاسترداد من هآرتس: http://www.haaretz.co.il/news/health/1.968955

 

 

 

 

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دراسات

في ندوته الأولى.. مركز القدس: الانتخابات الإسرائيلية تُشير أنّ القادم أسوأ للقضية الفلسطينية ولا حلّ إلّا بإنهاء الانقسام

نشر

في

بواسطة

عقد مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني وبالتعاون مع بيت المقدس للأدب أمس الاثنين، ندوة حوارية، في رام الله، بعنوان “الانتخابات الإسرائيلية والقضية الفلسطينية”.

وقدّم الندوة الدكتور أحمد رفيق عوض، واشتملت على مداخلات من مدير مركز القدس الأستاذ عماد أبو عوّاد، والقيادي في حركة فتح محمد الحوراني، والمختص في الشأن الصهيوني عصمت منصور.

وجاءت الندوة مع قرب الانتخابات الإسرائيلية، وانعكاساتها على القضية الفلسطينية على اعتبارها تعكس الرؤية اليمينية المهيمنة على سدة الحكم في دولة الاحتلال، مع التأكيد على أن فهم العدوّ هو جزء من مشروع التحرر.

وفي مداخلته أكد الحوراني على أن الاحتلال يتمتع بقوة ونفوذ في العالم على عدة مستويات، نتيجة لهذا التحالف المتين تزداد قوته بشكل ملحوظ، الأمر الذي أتاح للاحتلال أن يشرع قانون “يهودية الدولية”.

وأضاف أن الجيل الإسرائيلي الجديد هو جيل يؤمن بيهودية الدولة، الأمر الأيديولوجي الديني غير القابل للنقاش، بالتالي يزيد الأمر صعوبة وتعقيدات على الفلسطينيين في مواجهة هذا الاحتلال.

وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم هدايا شخصية لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في فترة الانتخابات الاسرائيلية المنصرمة، أهمها الاعتراف بالقدس والجولان السوري تحت السيادة الإسرائيلية. عدا عن ارتفاع مستوى التطبيع العربي مع دولة الاحتلال على حساب القضية الفلسطينية الأمر الذي يحوّل “إسرائيل” على كائن طبيعي في الشرق الأوسط.

وحمل الانقسام الفلسطيني  والفكر الفصائلي الذي يسيطر على الشعب الفلسطيني جزءاً من الصعوبات التي تحول دون التحرر وتخطي عقبة الاحتلال.

واعتبر الانتخابات الإسرائيلية مناسبة مهمة لنرى ما يفيض بالعقل الاسرائيلي الباطني المحمل بكل أسباب القوة ضد الفلسطينيين. والاطلاع على ماذا يطرأ على اللغة الاسرائيلية والمقولات الايديولوجية. نعتبراً أننا في معادلة دقيقة جداً، صمود الناس هو أقرب الى العبادة بالمعنى الوطني والديني والانساني.

وكان دور مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني عماد أبو عواد الحديث عن الأحزب الإسرائيلية والمتنافسة في الانتخابات القادمة.

وأضاف أن أولويات الإسرائيليين اليوم مقارنة بمثيلتها قبل نحو 20 عاماً اختلفت، بات الاقتصاد واغلاق الفجوات الاجتماعية ذات أهمية كبيرة.

وحول شخص نتنياهو، أضاف أبو عواد أن ما يقارب نصف الإسرائيليين يقرّون بفساد نتنياهو، ولكنه يرونه الوحيد القادر على إدارة الحكومة في الفترة الحالية، على اعتباره استطاع تحقيق الكثير من الانجازات لهم، سواء على مستوى العلاقات الخارجية والتطبيع العربي وأهمية اسرائيل في الشرق الأوسط،وكذلك استطاع نتنياهو القفز فيها بشكل كبير في عدة مستويات.

وعن الأحزاب الإسرائيلية أوضح أن تكتل اليمين وعلى رأسه “الليكود”، لديه نقاط قوة كبيرة، تتمثل في تلبيته تطلعات اليمين بشكل عام ووجود شخصية كاريزمية كنتنياهو على رأسه. إلى جانب وجود أحزاب الصهيونية الدينية التي تضمن وجود نسبة تصويت جيدة لليمين، حيث تؤمن هذه الأحزاب بضرورة ضم الضفة الغربية.

بينما يفتقد حزب العمل الذي أسس الدولة للدعم الكبير له، لفقدانه الشخصية المؤثرة عدا عن كون برنامجه الاقتصادي غير واقعي. رغم أن الفوارق بين الحزبين المذكورين أعلاه ليست كبيرة في الأيديولوجيا.

وكذلك حزب أبيض أزرق، الذي تأسس هذا العام، تعتبر اغلب شخصياته يمينية التفكير، رغم تقديم نفسه على أنّه حزب مركز، حيث لا يؤمن بفكرة الانسحاب احادي الجانب من الضفة الغربية المحتلة، ويريد مؤتمر للسلام مع الفلسطينيين لكن أن يضمن أن تبقى المستوطنات الاستيطانية الكبرى تحت سيطرة اسرائيل، وضمان وجود أمن اسرائيلي على الحدود مع الاردن بشكل مستمر. بمعنى أنّه قريب جداّ من فكر اليمين الإسرائيلي، وتأسيسه جاء فقط للإطاحة بنتنياهو وليس لطرح بديل حقيقي.

وأشار أبو عواد أن تكتل الحريديم، المتمثل بيهدوت هتوراة وشاس، لديهم برنامج ديني واضح يضمن عدم المشاركة في الجيش وعدم تدنيس السبت المقدس، مدللاً على أن هذه الأحزاب كانت ترفض الصهيونية قديماً، بينما باتت اليوم تقترب منها خاصة عند الحديث عن حزب شاس.

وأما عن التكتل الثالث، فهو صغير ويسمى باليسار، “ميرتس” لديه قناعات بأمور داخلية والاعتقاد بأنه يجب أن يكون هناك سلام مع الفلسطينيين، تحالف مع بارك السفاح الذي كان أكثر يمنية مع الفلسطينيين مقارنة بنتنياهو.

وكانت مداخلة الأسير المحررعصمت منصور الحديث عن مشاركة القائمة المشتركة في انتخابات الكنيست وجدوى ذلك، واعتبر أن الانتخابات الاسرائيلية تشير الى موت اليسار الإسرائيلي والتوجه نحو اليمين الإسرائيلي.

وعن ماهية وجدوى وجود العرب داخل الكنيست والمشاركة فيه، بعد أن سمح الكنيست للقائمة المشتركة –المكونة من 4 أحزاب عربية في الداخل- ، أشار منصور الى أن الأحزاب الأربعة في القائمة استنفذت دورها وما عادت الجماهير العربية تثق بها بصورة كبيرة ولو نزلت الانتخابات بشكل مستقل لما استطاعت النجاح.

وأشار الى ان الوجود العربي في الكنيست بدأ منذ عام 1966 بعد سقوط الحكم العسكري الاسرائيلي، وعام 1993، كان وجودهم انعكاس على تعبير وجودهم في الداخل وتحدي الاحتلال كجزء من النضال لصالح القضية الفلسطينية، ولكن بعد هذا العام الذي شهد أوسلو أصبح دورهم يضعف.

بينما اليوم أصبح الوجود العربي في الكنيست من أجل الحقوق الخاصة للفلسطينيين في الداخل والمساواة مع الاحتلال.

وشدد منصور على أن اليمين الإسرائيلي يسعى للسيطرة على مفاصل الدولة الإسرائيلية بكل مجالاتها، وترك سؤال جدوى مشاركة العرب في الكنيست في ظل هذه الظروف مفتوحاً.

وأجمل أحمد رفيق عوض أطروحات الندوة مؤكداً على أن التطرف الإسرائيلي لا يغطى بغربال، مطالباً بضرورة اتمام الوحدة الوطنية وانهاء الانقسام كأحد أهم وسائل التحرر من الاستعمار الإسرائيلي، وأن الانتخابات الإسرائيلية تشير الى أن القادم أسوأ بكثير مما عليه نحن الآن.

 

 

 

أكمل القراءة

دراسات

تراجع ثقة الجمهور الإسرائيلي بديمقراطيته وبشعوره بالأمان

نشر

في

بواسطة

 

إعداد وتحليل: فريق مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

في تقريره الشهري، والذي يحمل عنوان : مقياس السلام، أظهر استطلاع رأي مركز الديمقراطية الإسرائيلي، أنّ هناك تراجعاً ملحوظاً في ثقة الجمهور الإسرائيلي بديموقراطيته، وفي شعوره بالأمن، إلى جانب شعوره أنّ الحوار السياسي في الكيان بات أكثر عُنفاً (هيرمان و عنبي، 2019)، وفيما يلي أبرز ما ورد في الاستطلاع.

  1. تراجع التفاؤل بالديمقراطية والأمن.

أظهر الاستطلاع أنّ 47% فقط متفائلين بمستقبل الديمقراطية في دولتهم، علماً أنّ النسبة كانت 54% في شهر نيسان الماضي، وحيال الأمن أظهر فقط 50% تفاؤلهم بواقع دولتهم الأمني، فيما كانت النسبة قد وصلت إلى 59% خلال شهر نيسان الماضي.

تراجع ثقة الجمهور الإسرائيلي بديمقراطيته، مرده إلى العديد من الأمور والقضايا، منها أنّ عدم قُدرة الأحزاب المُنتخبة على تشكيل حكومة بعد الانتخابات الأخيرة، وضيق مطالب الأحزاب، وتركيزها على المصالح الداخلية، ساهم بشعور المواطن الصهيوني، أنّ الهم الأول لسياسييه المصلحة الخاصة، وتجلى ذلك بوضوح حين حاولت ولا زالت مجموعة من أحزاب اليمين، تسيير القانون الإسرائيلي باتجاه حماية رئيس وزراء فاسد، يضمن للنخبة في محيطه استمرارهم في الحكم في ظل أنّه صمّام الأمان للنخبة الحاكمة لما يحظى به من شعبية.

أمّا تراجع شعور المواطن الصهيوني بالأمن، ما بعد شهر نيسان المنصرم، بحدود 9%، فهذا ارتبط بشكل كبير بالفشل الكبير في التصعيد الأخير مع قطاع غزة في بداية أيّار، اذ كان لموجة التصعيد، دوراً مهمّاً في ترسيخ مفهوم تآكل الردع الإسرائيلي، وأنّ المقاومة الفلسطينية باتت اللاعب الأهم في تحديد مسار الاشتباك مع الاحتلال، وهذا تجلى بانتهاء الجولة بتسجيل المقاومة نقاط ضد الاحتلال، انعكست انتقاداً واسعاً، بعدم قدرته التعامل مع مقاومة غزة، واقراره الضمني بأنّ الحرب خيار غير وارد على الطاولة، في ظل استحالة حسم المواجهة، وتكلفتها العالية إسرائيلياً.

  1. الحوار السياسي في الدولة عنيف.

74% من الجمهور الصهيوني، اليمين، الوسط وكذلك اليسار، يعتقدون أنّ الحوار السياسي في الدولة أكثر عنفاً من الماضي، وقد عبر كبار السن عن هذا الشعور بنسبة أكبر، وهذا مرتبط أنّ الأجيال الأكبر عاصرت أوضاعاً أفضل من هذه في الدولة العبرية، وقد أشار 72% من الجمهور أنّ المواضيع التي يتم نقاشها قليلة الأهمية، وغير مرتبطة بالحقائق.

تحول الخطاب الداخلي في الكيان إلى شكل أكثر عنفاً، يُمكن فهمه في سياق توسع الفجوات الداخلية، وزيادة التعصب للانتماء الفكري، تحديداً بين اليمين الديني، والتيارات العلمانية، هذا إلى جانب ارتفاع منسوب العنصرية تجاه الأقليات الأكثر ضعفاً، وتحويل مفهوم الدولة العبرية، من ديمقراطية تحترم الدين، إلى دولة يهودية في الدرجة الأولى وبعد ذلك ديمقراطية.

هذا التحول ساهم بجعل أجندة التيار الديني اليميني، الذي يُعتبر بيضة القبان في الحكومات الأخيرة، إلى الأجندة الأكثر تحقيقاً لأهدافها، الأمر الذي بات يجعل من المجتمع الصهيوني، مجتمعاً أكثر انقساماً وحقداً على المكونات المُخالفة له، خاصةً إذا ما ارتبط الأمر بقضايا الدين والدولة، وشعور شريحة كبيرة، أنّ هناك شرائح كالحريديم، تقتات من الدولة، دون أن تُقدم لها شيئاً، بسبب رفضهم التجنيد في الجيش على سبيل المثال، وهذا ما يدفع مؤخراً شرائح وازنة غير دينية، للمطالبة بالمساواة في تحمل الأعباء.

  1. لا أمل بنجاح صفقة السلام.

أشار 70% من المستطلعين أنّ لا فرصة لنجاح خطة ترامب، حيث عبرت الغالبية العظمى عن قناعتها بعدم إمكانية تحقيق السلام بين الطرفين الفلسطيني والصهيوني، فيما أشار 58.5% من اليهود أنّ السلام الاقتصادي من الممكن أن يتحقق، حيث أشاروا أنّ تحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية، أكثر جدوى لتحقيق السلام من الانسحاب من المناطق المحتلة!.

شعور الغالبية الإسرائيلية بأن لا أمل بنجاح خطة ترامب، مرده إلى القناعة الداخلية للمجتمع الاسرائيلي، أنّ دولة الاحتلال لا يُمكن أن تُقدم على افراغ المستوطنات، أو إيقاف البناء بها، وبأنّ الشعب الفلسطيني، أو على الأقل الشريحة التي آمنت بالسلام وفق أوسلو، لن تقبل بالأمر الواقع الذي باتت تفرضه “إسرائيل”. والرقم هذا ذاته يؤكد أنّ غالبية المجتمع الصهيوني لم تعد تؤمن بالسلام، 70% يحملون هذه القناعة، ليس بالضرورة لقناعتهم بفشل ترامب وخطته، بل انعكاس قناعتهم الداخلية، بأنّه يجب افشال أي خطة سلام، تُحاول الحد من التوغل الإسرائيلي في الضفة، وليس بالضرورة أن تشتمل خطة ترامب على ذلك، لكن الفكرة أنّ موضوع سلام سياسي، قائم على منح الفلسطيني جزء من أرضه، هو أمر مرفوض اسرائيلياً.

والمُلاحظ أنّ نسبة من يؤمنون بالسلام الاقتصادي في ارتفاع، هذا السلام المبني وفق رؤية اليمين على منح الفلسطينيين مزايا اقتصادية، فرص عمل، وافتتاح مشاريع مرتبطة بالاحتلال، على قاعدة أنّ الاقتصاد وتحسين واقع الفلسطيني، سيدفعه لعدم التفكير بالاتجاه السياسي والمقاومة لاسترداد ارضه، بحيث يتم تحويل هذه المزايا، إلى جوهرة يخشى الفلسطيني فقدانها، وفق التصور الإسرائيلي، وبالمناسبة فإنّ اليمين بشكل عام يؤمن بهذه النظرية، ولو نظرنا إلى 58.5% لوجدنا أنّها نسبة من يُصنفون أنفسهم على أنّهم يمينيين في المجتمع الصهيوني.

  1. نتنياهو المرشح الأوفر حظاً لرئاسة الوزراء.

وحول الشخصية الأفضل لتركيب الحكومة الإسرائيلية القادمة، أشار 39% أنّ نتنياهو هو الشخصية الأوفر حظاً، فيما نال جانتس 24%، ايهود باراك 9%.

استمرار تربع نتنياهو على عرش الأفضل لقيادة دولة الاحتلال، يؤكد عدم قدرة الدولة العبرية على تفريخ قيادات في السنوات الأخيرة، تحظى بكاريزمية عالية، فنتنياهو الفاسد، المرتبك أمنياً، بات الخيار الأفضل للغالبية، التي باتت تؤمن بضرورة تحصينه من القضاء، من أجل أن يستمر في قيادتهم.

ولعلّ تكاتف كافة القيادات الأخرى ضد نتنياهو، وتحويل دعايتهم الانتخابية ضده ولإسقاطه فقط، قد منحه المزيد من الحياة، ودفع شريحة كبيرة للدفاع عنه والايمان به، في ظل شعورهم أنّه الشخصية الأكثر حنكةً. وهذا يؤكد التوجه العام في الدولة، بأنّ الفساد ليس بالضرورة أن يكون عاملاً في اسقاط السياسي، بل يُمكن أن يوفر له محيطاً مدافعاً ومستصغراً تلك التُهم، تحت عنوان، المصلحة العامة تقتضي بقاء نتنياهو، الذي أظهر قُدرة أكبر من غيره ليس في إدارة الملفات، بل بتوجيه خطاب عاطفي للجمهور، التركيز على الإنجازات الدبلوماسية الخارجية، النجاح في الملف الإيراني، وعدم نزوله لمستوى قيادات دولة الاحتلال الأخرى في الخطاب.

 

أكمل القراءة

دراسات

سيناريوهات التعامل الإسرائيلي بعد انسحاب ترامب من سورية

نشر

في

بواسطة

 

إعداد: عماد أبو عوّاد

 

الملخص

  • السياسة الأمريكية منذ قدوم ترامب إلى البيت الأبيض، لاقت استحساناً كبيراً من الدولة العبرية، خاصة بعد انسحابها من الاتفاق النووي، وفرضها قواعد جديدة في علاقات الدولة العبرية مع الدول العربية، ومسيرة التطبيع المدفوعة من الولايات المتحدة.
  • قرار الانسحاب الأمريكي من سورية، شكل صدمة على المستوى السياسي والأمني الإسرائيلي، خاصة أنّه جاء في ظروف خاصة، ودون التشاور مع “إسرائيل” التي تعتبر نفسها ربيب الولايات المتحدة في المنطقة.
  • مخاوف “إسرائيل” من هذا القرار، تتمحور حول قدرة إيران على مركزة قوّتها في سورية، وبناء قواعد عسكرية، إلى جانب أنّ ذلك سيقود إلى تحكم روسيا في المنطقة دون اللجوء للاستجابة للمصالح الإسرائيلية كشرط مسبق.
  • وضع الانسحاب الأمريكي، علامات استفهام حول اخلاص الولايات المتحدة في علاقاتها مع “إسرائيل”، وحول استمرار قدرة الولايات المتحدة على فرض قواعد معينة، تخدم المصالح الإسرائيلية خاصة ما يتعلق بالتطبيع مع العرب، وضمان عدم تقاربهم مع إيران.
  • ليس أمام “إسرائيل” الكثير للمناورة فيه، سوى محاولتها العمل إلى جانب روسيا وكسب ودها، في سبيل استجابة الأخيرة للطموح الإسرائيلي.

 

مقدمة

شكل قرار ترامب بانسحاب القوّات الأمريكية من سورية وأفغانستان، ردود فعل مختلفة في الساحة الإسرائيلية، حيث تعتبر “إسرائيل” نفسها ليست الدولة الربيبة للولايات المتحدة، بل شريك في مثل هذه القرارات الاستراتيجية، المرتبطة بأمنها في المنطقة.

حيث تدرك تل أبيب، أنّها دون وجود معادلات للدول الكبرى، تُساهم بالحفاظ على أمنها في المنطقة، فإنّها بالتأكيد ستواجه مخاطر حقيقية، رغم امتلاكها ترسانة سلاح ضخمة، تقف من وراءها تكنولوجيا متطورة، إلى أنّ حقيقة كونها دولة احتلال، تجد نفسها مضطرة لمواجهات على ساحات متعددة، يُبقيها ملزمة بالبقاء في حضن قوى عظمى، تسعى للحفاظ على أمنها.

يناقش هذا البحث ردود الفعل الإسرائيلية المختلفة، حيال اعلان ترامب نية بلاده سحب قوّاتها من سورية وأفغانستان، وكيف سيؤثر هذا القرار على تل ابيب، وما هي السيناريوهات المحتملة التي ستتعامل بها “إسرائيل” للتغلب على هذا الفراغ إن حدث.

 

 

“إسرائيل” وسياسة ترامب في الشرق الأوسط بشكل عام.

منذ وصوله إلى كرسي رئاسة البيت الأبيض، جلب دونالد ترامب ردود فعل مختلفة في الساحة الإسرائيلية، وإن كانت بغالبيتها داعمة للرجل وتوجهاته، فهناك بالمقابل من اعتبر أنّ سياسة الوافد الجديد، وما تحملها من مباشرة ولا دبلوماسية، ربما تنعكس بشكل سلبي على الدولة العبرية، وتقود إلى ردود فعل لا تُسهم بترسيخ علاقات إسرائيلية – إقليمية على أساس الخوف والرغبة في إرضاء الولايات المتحدة وليس من حيث المنطلقات والدوافع المبدئية.

 

من ناحية اليمين الإسرائيلي الحاكم، أُعتبر وصول ترامب للبيت الأبيض، وبدء الإعلان عن سياساته المتلاحقة، معجزة الهية يجب استغلالها للحد الأقصى، فقد اعتبرها زعيم المتدينين القوميين، نفتالي بنت أنّها الفرصة الأعظم للقضاء على القضية الفلسطينية، ووأد حلم الدولة الفلسطينية، موضحاً أنّ ترامب بسياسته هو الصديق الأقرب للدولة العبرية (القناة 20، 2018)، وهذا كان التوجه العام لدى اليمين الحاكم، وحتى أحزاب الوسط واليسار، فقد رأت بترامب ربما فرصة لتحقيق سلام شامل، لكن ليس على أساس دولة فلسطينية كما وردت في اتفاق أوسلو، بل باتفاقية جديدة تحفظ ل”إسرائيل” التجمعات الاستيطانية الكُبرى.

على الصعيد الإقليمي، فقد لقيت سياسة ترامب ترحاباً كبيراً، انطلاقاً من إعلان البيت الأبيض أنّ “إسرائيل” ليست المشكلة في الشرق الأوسط، بل إنّ إيران إلى جانب الحركات الجهادية، هي المعضلة الأمنية التي تُعطل مسيرة السلم والأمان في المنطقة ككل (دبار ريشون، 2017)، الأمر الذي بات ترى فيه “إسرائيل” مقدمة مهمّة لأنّ تفرض الولايات المتحدة هذه الرؤية على الدول العربية ككل.

وربما لم تبتعد “إسرائيل” كثيراً في أحلامها، عندما رأت في ترامب فرصة مهمّة لإلغاء الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بين الدول الغربية وإيران، حيث عملت على ذلك كثيراً، من خلال الضغط الرسمي والإعلامي، واستخدام الجالية اليهودية في الولايات المتحدة لتحقيق ذلك، وكان إعلان ترامب إلغاء الاتفاق النووي اسرائيلياً، بمثابة تعديل للمسيرة السياسية المتعبة والمقيتة التي مارسها البيت الأبيض برئاسة اوباما (كونتينتي، 2018).

 

من ناحية سياسته الإقليمية الأخرى، والتي تمثلت باستخدام البيت الأبيض، للوجه المهيمن صاحب الأمر والنهي، والذي تمثل بفرض مبالغ خيالية على دول الخليج وتحديداً السعودية، فقد اعتبرت “إسرائيل” ذلك بمثابة سياسة مرحب بها، ستُساهم في خلق فرص للتعاون الإقليمي وللتطبيع العلني مع تلك الأنظمة، خاصةً بعد إعلان نظام ترامب، أنّ السعودية دولة حيوية للمصلحة الإسرائيلية، إلى جانب اعتبار أنّ السعودية في طور تقوية علاقاتها بشكل متين مع الدولة العبرية (شفايزر، 2018)، وهذا ما بات يتبلور خلال الأشهر الأخيرة، في ظل الغزل الإعلامي الكبير بين تل ابيب والرياض، والحديث عن زيارات على مستوى سياسي رفيع بشكل سري.

 

في الملف السوري تحديداً، كانت “إسرائيل” راضية عن أداء البيت الأبيض، فما قبل إعلان الولايات المتحدة نيتها الانسحاب من سورية، رأت “إسرائيل” في سلوك البيت الأبيض، داعماً للمصلحة الإسرائيلية، وكسراً للسلوك الذي انتهجه الرئيس السابق باراك أوباما، والذي امتنع عن التدخل المباشر، حيث قام نظام ترامب باستهداف جوي لبعض المواقع السورية، الأمر الذي رأت فيه “إسرائيل” باعث اطمئنان (ربيب، 2017)، وكسراً مهماً للقواعد التي باتت تتشكل بعيداً عن الرغبة الإسرائيلية الكاملة.

من هنا فإنّ استحسان تل أبيب للسياسة الأمريكية الترامبية في الشرق الأوسط، يتمركز حول جني تل أبيب ثمار ذلك في أربعة اتجاهات، الأول في القضاء على القضية الفلسطينية بمفهوم اتفاق أوسلو، ثانيها، إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، فيما ثالثها، الضغط الأمريكي على الدول العربية في اتجاه التطبيع العلني مع “إسرائيل”، والأخير جاء بفعل الثقل الأمريكي في الملف السوري، ما قبل إعلان سحب القوّات الأمريكية.

 

قرار ترامب الانسحاب من سورية وأفغانستان، وانعكاس ذلك اسرائيلياً.

شكل قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من سورية صدمة كبيرة في أوساط “إسرائيلية” كثيرة، حيث اعتبرت أنّ هذا القرار سيكون له انعكاسات كبيرة على تل أبيب، وفي ظل ابداءها سخطاً على القرار، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي مهدئا الأوضاع ومؤكداً أنّه تواصل مع ترامب حيال الموضوع، مضيفاً أنّ “إسرائيل” ستعمل على حفظ أمنها (امير، 2018)، في الوقت الذي بدا عليه أنّ القرار كان مفاجئا بالنسبة له أيضاً.

قرار الانسحاب الأمريكي أو تخفيف الوجود الأمريكي على الأقل، ترى فيه “إسرائيل” ذا أبعاد قد تكون خطيرة على المستوى التكتيكي والاستراتيجي بالنسبة للدولة العبرية، والتي لطالما اعتمدت على الولايات المتحدة كسند أمني حقيقي، وداعم للسلوك الإسرائيلي الأمني في المنطقة، وترى “إسرائيل” في هذا القرار الانعكاسات التالية.

 

  1. فرصة حقيقة لتركيز الوجود الإيراني في سوريا.

ترى “إسرائيل” أنّ القرار الأمريكي سيعزز من الوجود الإيراني في سورية، حيث في الوقت الذي شكل قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي، فرصة إسرائيلية لرؤية ذلك بمثابة استجابة للطموح الإسرائيلي، جاء القرار ليُعطي إيران فرصة السيطرة على المناطق التي ستنسحب منها الولايات المتحدة الأمريكية.

حيث اعتبر الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي، كوبي ميخال والداد شبيت، أنّ بوسع إيران الآن التمدد في مناطق إضافية، والبدء ببناء قواعد عسكرية في سورية (ميخال و شبيت، 2018)، الأمر الذي يعطي إيران فرصة مواجهة “إسرائيل” عسكرياً من الأراضي السورية، هذا إلى جانب أنّ ذلك سيمنح توفير فرصة دعم كبيرة لحزب الله اللبناني، الذي ترى فيه “إسرائيل” خطراً استراتيجياً على الجبهة الشمالية.

 

 

  1. اخلاء الساحة للسيطرة الروسية وحلفاءها.

من الناحية الثانية، فإنّ انسحاب الولايات المتحدة، سيُشكل فرصة عظيمة لزيادة التحكم الروسي المنفرد في المنطقة، وهذا يعني بالتأكيد استعادة النظام الورس زمام المبادرة، وفسح المجال له لاستعادة السيطرة شبه الكاملة على سورية، وهذا ليس بالضرورة انعكاس سلبي على الأمن الإسرائيلي، لكنّ الدولة العبرية ترى بتفتيت سوريا، زيادة في فرصتها لضم الجولان بشكل رسمي، إلى جانب أنّ ذلك قد يمهد لوجود دولة كردية مستقلة، فسورية مجزئة بالنسبة ل”إسرائيل” فرصة لبقاء الصراعات العربية داخلياً، دون التفكير بمواجهة “إسرائيل” عسكرياً.

روسيا الآن وفق الرؤية الإسرائيلية، ستكون أكثر سيطرة على الإقليم، وأكثر لربما حزماً في التعامل مع “إسرائيل” (بنكل، 2019)، وهذا سيجعل من الإقليم أكثر خطورة وتعقيداً، وفقداناً للتوازن الذي كان بفعل الوجود الأمريكي، بمعنى أنّ المحور الروسي سيكون أكثر سيطرة وتأثيراً، وإن كلن ذلك لن يعني مباشرة الضغط على “إسرائيل”، لكنّه قد يُمهد لذلك في المستقبل، في ظل أنّ “إسرائيل” ستضطر لتكون أكثر التزاماً في الرؤية الروسية، والتي تعتبر “إسرائيل” صديقاً فيما إيران حليفاً.

 

 

  1. تقليص مساحة العمل الإسرائيلي في الساحة السورية.

مساحة الخوف الأكبر، وهو ما بدى يتجلى في الآونة الأخيرة، هو أن يترك هذا القرار انعكاس على حرية العمل الإسرائيلي في الساحة السورية، حيث دأبت “إسرائيل” وتحت ذرائع مختلفة، إلى استمرار استهداف المواقع الإيرانية في سورية، إلى جانب قوافل السلاح التي تصل إلى حزب الله وفق ما اعترفت به “إسرائيل” (جولدبريج، 2018).

حيث وفق ميخال وشبيت، فإنّ روسيا ستمنع من “إسرائيل” بشكل تدريجي الحرية التي كانت تتمتع بها في طلعاتها الجوية (ميخال و شبيت، 2018)، حيث أنّ “إسرائيل” باتت الآن في المعركة وحدها، وعليها التسليم بأنّ سيد المنطقة هي روسيا، وبالتالي إمّا التسليم بهذا الوضع، وتقبل السياسية الروسية التي ترى ضرورة استقرار سوريا بما في ذلك التمركز الإيراني، أو أخذ زمام المبادرة ومواجهة هذا التحدي منفردة، الأمر الذي لن تستطيع “إسرائيل” وحدها توقع نتائجه، في ظل احاطتها بمجموعة من التحديات الأمنية، على شاكلة تنظيمات شبه دولة كحماس وحزب الله، إلى جانب وجود تحدي دولة حقيقي، المتمثل بإيران.

فلن يضمن أحد ل”إسرائيل” بعد انسحاب القوّات الأمريكية، ألّا تُقدم إيران بشكل مباشر أو من خلال حلفاءها على الرد على الخروقات الإسرائيلية، خاصة أنّ هناك قناعة باتت تترسخ اسرائيلياً، بأنّ روسيا ضاقت ذرعاً بطبيعة السلوك الإسرائيلي (هآرتس، 2019)، ف”إسرائيل” الآن إمّا أن تُخفف من هجماتها وصولاً إلى انهاءها، والتسليم بما يحدث على الساحة السورية، وإمّا أخذ زمام المبادرة وتحمل نتائج ربما تكون كارثية.

 

 

  1. التأثير على مسيرة التطبيع مع الدول العربية.

اعتمدت “إسرائيل” في تسريع عجلة التطبيع مع الدول العربية على أمرين اثنين، بشكل أساسي، الأول ارتبط بالدعم الأمريكي الكبير، والثاني تمركز حيال تخويف العرب من الوجود الإيراني والتحدب الإيراني، فتحت شعار العمل مع الدول “السنية المعتدلة” وفق التعبير الإسرائيلي، استطاعت تل أبيب فتح مساحة واسعة من العلاقات العلنية مع تلك الدول.

زيادة مساحة العمل الروسي وتراجع الأمريكي، ربما تدفع تلك الدول إلى تعديل سياساتها ومحاولة موازنتها لإرضاء الدب الروسي، ولعلّ ذلك تجلى ببدء هرولتها لتحسين علاقاتها بنظام الأسد (بنعات، 2019)، وهذا سيعني بالتأكيد ضياع فرصة ازدياد الشرذمة العربية من جانب، ومن جانب آخر تخفيف حدّة التوتر العربي-الإيراني، خاصة في ظل قدرة إيران على نسج علاقات قوية مع الدولة السنية الأهم في المنطقة وهي تركيا، بمعنى أنّ ذلك قد يؤدي إلى تراجع انحدار الدول العربية إلى التطبيع بالشكل الفاضح الواضح، الذي تسعى إليه “إسرائيل”.

 

 

  1. تراجع الثقة الإسرائيلية بالدور الأمريكي.

ارتبطت “إسرائيل” بعد تأسيسها بسنوات بالولايات المتحدة، كحليف استراتيجي في المنطقة، حيث ظهرت قوّة “إسرائيل” كطرف مؤثر من خلال علاقاتها بالبيت الأبيض، وشكل ازدياد التأثير الأمريكي العالمي، نقطة قوّة لصالح “إسرائيل”، وهذا بحد ذاته شكل مأزق “إسرائيلي” حيث ظهرت بأنّها لا تستطيع الاعتماد على ذاتها للاستمرار والبقاء.

الخطوة الأمريكية فتحت باباً اسرائيلياً للتساؤل حول اخلاص الولايات المتحدة لحلفها مع “إسرائيل”، حيث أشار اللواء السابق جرشون هكوهين، وهو أحد أبرز باحثي مركز بيجن-سادات للدراسات، إلى أنّ قرار ترامب يؤكد ضرورة اعتماد “إسرائيل” على نفسها، وبأنّ جيش الولايات المتحدة لن يكون جاهزاً للمشاركة في الدفاع عنها (هكوهين، 2018)، مُشيراً أنّ المصلحة الأمريكية قد تشهد المزيد من التعارض مع المصلحة العبرية مستقبلاً، ما يؤكد أنّ الحلف القائم، يحتاج ربما إلى مراجعات حقيقية.

 

سيناريوهات التعامل الإسرائيلي

تجد نفسها تل أبيب مضطرة للتعامل مع الملف لربما بالاعتماد بشكل أكبر على ذاتها وقدراتها، وإن كانت لا زالت تملك مساحة من العمل، في ظل التأثير الأمريكي العالمي، وسعي روسيا إلى عدم التورط في توتير أكبر للعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، لكنّها بلا شك تُدرك أنّ فراغاً ما بدا يتجلى في المنطقة، لصالح خصوم “إسرائيل”.

من الناحية الأولى، ستعمل “إسرائيل” على محاولة تثبيت وجود أمريكي ولو بالحد الأدنى في سوريا، وتأخير خروج القوّات الأمريكية منها إلى فترة زمنية مريحة ومناسبة للدولة العبرية، وهذا ما أعلنت عنه تل أبيب على لسان رئيس وزراءها، والذي أكد أنّ “إسرائيل” توجهت بهذه المطالب للولايات المتحدة (ايخانار، 2018)، والتي بدورها أكدت ألّا جدول زمني للانسحاب، الذي لاقى ردود فعل غاضبة حتى من أوساط أمريكية.

إلى جانب استمرار العمل الإسرائيلي على إبقاء التأثير الأمريكي في المنطقة، حيث تُدرك “إسرائيل” أنّ الخطوات التي بدأها أوباما والتي اعتبرتها “إسرائيل” بمثابة تراجع للدور الأمريكي في المنطقة، لم تتغير تلك السياسة كثيراً رغم الشعارات الرنانة التي جاء بها ترامب.

على الجانب الآخر وهو الأهم من الناحية الإسرائيلية، فستعمل “إسرائيل” على تقوية أواصر علاقاتها مع روسيا، وقد تبدى ذلك بوضوح من خلال العمل الإسرائيلي الدؤوب على تحسين العلاقات، والذي شمل زيارات مكوكية لرئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس الدولة لموسكو، زيارات كانت بالمجمل تحت عنوان، نقاش إسرائيلي-روسي للتطورات على الساحة السورية (بوخبوت، 2019).

وينصب العمل الإسرائيلي الآن، في إطار، أولاً، تجاوز حادثة اسقاط الطائرة الروسية مؤخراً فوق الأجواء السورية، إلى جانب التركيز على ضرورة اخراج إيران من الساحة السورية، الأمر الذي أكد نتنياهو تفهم الروس له، وبأنّ موسكو ترى بضرورة خروج إيران من الأراضي السورية (بوخبوت، 2019)، ولعلّ العمل الإسرائيلي المتواصل في استهداف الوجود الإيراني هناك، يأتي للضغط على موسكو لتحجيم إيران، مقابل إيقاف “إسرائيل” لطلعاتها الجوية.

حيث تراهن “إسرائيل” أنّه وفي ظل التناقضات، وصداقة روسيا مع “إسرائيل” وحلفها مع إيران، فإنّ روسيا لمنع الصدام في ظل سعيها لاستقرار الأوضاع في سورية، فإنّها قد تلجأ للاستجابة للمطالب الإسرائيلية (ليفي، 2018)، التي ليس من الشرط أن تشمل انسحاب إيراني كامل من سورية، بل يُمكن أن تقتصر على إبعاد إيران للحدود الشمالية الشرقية البعيدة عن “إسرائيل”، إلى جانب ضمان عمل “إسرائيل” في الساحة السورية، المحيطة بالجولان المحتل.

السيناريو الثالث للتعامل الإسرائيلي، هو استمرار “إسرائيل” بذات السياسة التي تنتهجها، من حيث أخذ زمام المبادرة في الساحة السورية، واستمرار استهدافها لكل التغيرات التي قد ترى بها خطراً استراتيجياً عليها.

وقد رأى اللواء هكوهين، أنّ “إسرائيل” ما بعد انسحاب الولايات المتحدة، ستجد نفسها أمام فرصة ذهبية، من خلال زيادة اعتمادها على نفسها، والتخلص من التبعية للولايات المتحدة، وصياغة سياسة منفردة تُخلصها حتى من تفاهماتها مع الولايات المتحدة بخصوص الفلسطينيين (هكوهين، 2018)، الأمر الذي سينعكس بالإيجاب على قدرات الجيش الإسرائيلي، وقرارات السياسي كذلك.

 

خاتمة

مكنت الولايات المتحدة ل”إسرائيل” القدرة على استمرار الوجود في الأراضي المحتلة، لمدة تجاوزت الآن سبعين عاماً، إلّا أنّها ومنذ سبعة عقود لم تجد “إسرائيل” نفسها دون تحديات أمنية تُذكرها بشكل مستمر بأنّها دولة احتلال، وبأنّ شرعيتها لا زالت مفقودة على مستوى الشعوب على الأقل حتى وإن نالت ذلك على مستوى الأنظمة.

إنّ السياسة الإسرائيلية، لا زالت تتمحور حول التكتيك وردود الفعل، لا الاستراتيجية الواضحة، الأمر الذي يجعلها أكثر تعلقاً بالتغيرات أكثر من غيرها، ويدفعها دائما للبحث للارتماء في أحضان الدولة الأقوى، وهي لا زالت تُراهن على قدرتها على جعل روسيا كصديق لتل أبيب، تتفهم المطالب الإسرائيلية بضرورة تسوية الأوضاع بما يتلاءم مع المصالح الإسرائيلية.

ويبقى السؤال الأهم، إن كانت الولايات المتحدة لا زالت داعم رئيس ل”إسرائيل”، كيف سيكون حال “إسرائيل” إن تحققت الرؤيا بأنّ أمريكا، تتجه نحو سياسة انعزال جديدة، ربما بدأت معالمها، لكنّها قد تتجسد خلال العقود القادمة. ربما أول رئيس وزراء للاحتلال، ديفيد بن جوريون قد وضع من ضمن استراتيجية البقاء للدولة العبرية، حفاظها على دعم غربي كبير، لكنّ التغيرات لا تضمن تطابق أهواء القوى الغربية، مع الدولة العبرية.

 

مراجع

الحنن شفايزر. (28 تشرين ثاني, 2018). سعودية حيونيت ليتسيبوت هازور ( السعودية ضرورية لاستقرار المنطقة ). تم الاسترداد من مكور ريشون: https://www.makorrishon.co.il/international/95519/

القناة 20. (31 تشرين اول, 2018). بنت يوتسي لهجنات ترامب، حبير يكار ليسرائل ( بنت يدافع عن ترامي، صديق عزيز لاسرائيل ). تم الاسترداد من القناة 20: https://www.20il.co.il/%D7%91%D7%A0%D7%98-%D7%99%D7%95%D7%A6%D7%90-%D7%9C%D7%94%D7%92%D7%A0%D7%AA-%D7%98%D7%A8%D7%90%D7%9E%D7%A4-%D7%98%D7%A8%D7%90%D7%9E%D7%A4-%D7%94%D7%95%D7%90-%D7%97%D7%91%D7%A8-%D7%99%D7%A7%D7%A8/

امير بوخبوت. (27 شباط, 2019). نتنياهو بموسكبا: هوتئات هايرانيم مسوريا- ياعد موتسهار شل روسيا ( نتنياهو في موسكو: اخراج ايران من سوريا، هدف روسي معلن ). تم الاسترداد من ويلا: https://news.walla.co.il/item/3221533

اوري جولدبريج. (30 كانون اول, 2018). يسرائيل توعا كشهي توكيفت بسوريا ( اسرائيل تخطئ عندما تستهدف سوريا ). يديعوت احرونوت، الصفحات https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5435625,00.html.

اوريال ليفي. (11 أيار, 2018). همزراح هتيخون شل بوتين ( شرق اوسط بوتين ). تم الاسترداد من دبار ريشون: https://www.davar1.co.il/125921/

ايتامار ايخانار. (31 كانون أول, 2018). نتنياهو بيكش مترامب لسيجت مسوريا بهدرجا ( نتنياهو طلب من ترامب الخروج من سوريا بالتدريج ). يديعوت احرونوت، الصفحات https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5438449,00.html.

ايرز ربيب. (11 ابريل, 2017). هئم يش دوكترينات ترامب ( هل يوجد رؤية لترامب ). تم الاسترداد من دبار ريشون: https://www.davar1.co.il/63039/

جال بنكل. (16 شباط, 2019). ترامب عوزيف ات سوريا بلي لهتيعيتس فههشلخوت لعزازيل ( ترامب يترك سوريا دون ان يستشير والانعكاسات للجحيم ). دبار ريشون، صفحة https://www.davar1.co.il/174120/.

جرشون هكوهين. (30 كانون اول, 2018). نسيجات ارتسوت هبريت مسوريا كهزدمنوت استراتيجيت ( انسحاب الولايات المتحدة من سوريا كفرصة استراتيجية ). مركز بيجن – سادات للدراسات ).

دبار ريشون. (18 كانون أول, 2017). دوكترينات ترامب ( رؤية ترامب ). تم الاسترداد من دبار ريشون: https://www.davar1.co.il/100265/

كوبي ميخال، و الداد شبيت. (12 كانون اول, 2018). هحلتات ارتسوت هبريت لهسيج كوحوتيها مسورية، هشلخوت ليسرائيل ( قرار الولايات المتحدة سحب قواتها من سورية، معاني ذلك اسرائيلياً ). معهد دراسات الأمن القومي.

ماتيو كونتينتي. (12 أيار, 2018). ترامب سام كيتس لحزيون هتعتوعيم شل اوباما ( ترامب وضع حد للرؤية الجنونية للرئيس اوباما ). تم الاسترداد من ميدا: https://mida.org.il/2018/05/12/%D7%98%D7%A8%D7%90%D7%9E%D7%A4-%D7%A9%D7%9D-%D7%A7%D7%A5-%D7%9C%D7%97%D7%96%D7%99%D7%95%D7%9F-%D7%94%D7%AA%D7%A2%D7%AA%D7%95%D7%A2%D7%99%D7%9D-%D7%A9%D7%9C-%D7%90%D7%95%D7%91%D7%9E%D7%94/

ناعم بنعات. (3 كانون ثاني, 2019). هتخمموت مخوديشت، مدينوت عراب مفشيروت ات هيخسيم عم اسد ( حرارة متجددة: الدول العربية تحسن علاقاتها مع نظام الأسد ). ميدا، الصفحات https://mida.org.il/2019/01/03/%D7%94%D7%AA%D7%97%D7%9E%D7%9E%D7%95%D7%AA-%D7%9E%D7%97%D7%95%D7%93%D7%A9%D7%AA-%D7%94%D7%A2%D7%95%D7%9C%D7%9D-%D7%94%D7%A2%D7%A8%D7%91%D7%99-%D7%9E%D7%A4%D7%A9%D7%99%D7%A8-%D7%90%D7%AA-%D7%94%D7%99/.

نوعام امير. (19 كانون اول, 2018). نتنياهو عل كفنات ترامب لسيجت مسوريا، نلماد ات ههخلتا ( نتنياهو على قرار نتنياهو الانسحاب من سورية، سندرس القرار ). تم الاسترداد من القناة 20: https://www.20il.co.il/%D7%9B%D7%AA%D7%91%D7%94-%D7%A0%D7%AA%D7%A0%D7%99%D7%94%D7%95-%D7%A2%D7%9C-%D7%94%D7%97%D7%9C%D7%98%D7%AA-%D7%98%D7%A8%D7%90%D7%9E%D7%A4-%D7%9C%D7%A1%D7%92%D7%AA-%D7%9E%D7%A1%D7%95%D7%A8%D7%99%D7%94/?fbclid=IwAR3YfEBO9biSdbOT3S5abYh

هآرتس. (8 شباط, 2019). روسيا: عل يسرائيل لهفسيك ات تكيفوتا بسوريا ( روسيا: على اسرائيل ايقاف هجماتها بسورية ). هآرتس، صفحة https://www.haaretz.co.il/news/politics/1.6916834.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

علاء الريماوي .. الصوفي النقيّ، المناضل العنيد، الفلسطيني الحرّ  

كتب: وليد الهودلي وهو ليس بحاجة لشهادتي ولا شهادة غيري ولكن أحيانا لا بدّ من اثبات المثبت وتأكيد المؤكد ....

مقالاتمنذ أسبوعين

المقاومة في غزة تتقن مصارعة الثيران

كتب: وليد الهودلي ما بين تبجح دولة الاحتلال بحربه على ثلاث دول عربية ومواجهته لثلاث جيوش مرة واحدة وانتصاره الساحق...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حكاية صواريخ صُنعت بأيدي طاهرة !!

كتب: وليد الهودلي يُحكى أن في زمن قريب من هذه الايام كانت هناك دولة هي الدولة الاعظم تسلحا والاكثر تطورا...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

آيزنكوت ونظرية الأمن الجديدة للكيان

فريق تحليل مركز القدس مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني رئيس هيئة الأركان جادي آيزنكوت، واللواء الباحث في معهد دراسات...

مقالاتمنذ شهر واحد

ما بين النكبة واليوم وقابلية الهزيمة من جديد

كتب: وليد الهودلي كانت قابلية الهزيمة قد أصابتنا نحن الفلسطينيين ما قبل هزيمة ثمانية واربعين حتى النخاع ، كل عوامل...

مقالاتمنذ شهر واحد

الضفة وغزة.. ما بين المفقود والمرغوب

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني ما بين أزمات الضفة وغزة، مسيرة من الألم يحيياها...

مقالاتمنذ شهر واحد

حجر يتسهار الأوحد وحجارتها العديدة

كتب: معتصم سمارة أن تسمع عن إصابة أحد بالحجارة قرب مستوطنة يتسهار فالامر ليس بالمستغرب، فقد اعتاد من يسمون “بشبيبة...

مقالاتمنذ شهرين

المعتقلة المضربة هبة اللبدي في زنزانة بأربع كاميرات

كتب: الأستاذ وليد الهودلي لم تكن الاربع كاميرات بيد هبة لتصور مشاهد العنف والتنكيل والقهر البشع الذي تتعرض له ،...

مقالاتمنذ شهرين

شركة كهرباء محافظة القدس.. بين مطرقة الاعداء وسندان الواقع المرّ ؟!

كتب: الأستاذ وليد الهودلي على أثر تهديد الاسرائيليين بقطع الكهرباء عن مناطق في الضفة والقدس والازمة الخانقة التي تمر بها...

مقالاتمنذ شهرين

تنظيم الشعبيه في رام الله شباب متحرك ومرن

كاتب: علاء الريماوي على الرغم من التراجع الكبير لليسار الفلسطيني على صعيد البنية الجماهيرية وقوة تنظيماته، و الفشل المتكرر في...

الأكثر تفاعلا