تواصل معنا

دراسات

تفكيك ذكرى النكبة- إقرارُ بالهزيمة

نشر

في

أحمد أشقر
(1)
“أَنَا يُوسُفٌ يَا أَبِي. يَا أَبِي، إِخْوَتِي لَا يُحِبُّونَنِي، لاَ يُريدُونَنِي بَيْنَهُم أَبِي. يَعتدُونَ عَلَيَّ وَيرْمُونَنِي بِالحَصَى وَالكَلَامِ يُرِيدُونَنِي أَنْ أَمُوتَ لِكَيْ يَمْدَحُونِي. وَهُمْ أَوْصَدُوا بَابَ بَيْتِك دُونِي. وَهُمْ طرَدُونِي مِنَ الحَقْلِ”.
و:
“علّق سلاحك فوق نخلتنا يا غريب، لأزرع حنطتي/ في حقل كنعان المقدس.. خذ نبيذًاً من جراري.. وقسطًاً من طعام.. خذ/ صلوات كنعانيّة في عيد كرمتها…[…]/ الشعر سلّمنا إلى قمر تعلقه أنات [عنات]/ على حديقتها، كإمرأة لعشاق بلا أمل،[…].
(محمد درويش).
(2)
تسعى الجماعات المختلفة، من طبقات وشعوب وأمم، للاحتفاظ بذاكرة جمعيّة تخصّها. فنشوؤها محصلة للوجود، وتطورها والاحتفاظ بها ليس بالأمر السهل أو الهيّن، كما أنه ليس بالمستحيل، ومع ذلك فهو بالغ التعقيد، لأن هذه العمليّة رهن الأوضاع السياسيّة التي تعايشها هذه المجموعات؛ لذا تصبح الذاكرة الجمعيّة رهينة أو أسيرة ومحصلة صراعات وخلافات الممارسات السياسية العدوة منها والوطنيّة. كما أن الوعي الذي تتحرك فيه محكوم بوعي قيادة هذا العمل ومعارضيه والنخب التي تسبح في فضائها وتنتجها. وهنا تكمن الأهمية والخطورة في آن واحد، لأن بإمكان القيادة أن تعمل واعية على بنائها واستنهاضها في مشروع وطني أو قومي وحدوي، كما يمكن للقيادة أن تعبث بها وتشتتها لتتحوّل إلى شظايا ومطية لمصالحها في الداخل المحليّ والسياسة الإقليمية والدولية. والذاكرة التي تحتوي على كل معطيات الماضي تُعبّر عن نفسها بواسطة الجماعة التي تحملها من خلال الطقوس والاحتفالات والممارسات الجمعيّة الأخرى، والحفاظ على لغة قومية سليمة وآداب وفنون بصرية راقية، لا يمكنها أن تنتمي إلى الماضي وحده، بل يمكن اعتبارها المحطة الراهنة والمحرك الذي هو الهوية التي تقوم بتحويل كل المعطيات الماضية والراهنة إلى فعل وممارسة نحو المُستقبل.
تنشغل المجموعات التي تعيش واقعاً مأساويّاً بالذاكرة الجمعية (كحال الشعب العربي في فلسطين)، أكثر من بقية المجموعات التي حققت أهدافها أو تلك التي تسير بثبات نحو تحقيقها بالتعبير عنها. لذا تحتل الذاكرة الجمعيّة حيّزاً كبيراً في خطابها. وعندما يزداد واقعها مأساوية فإنها تبالغ في الحديث عن الذاكرة إلى أن تنفجر تحت ضغط الهزائم المتكررة وقصف الأعداء الخارجيين والداخليين. وتتحول إلى مجموعة من ذكريات تبدو متواصلة ومتماسكة لكنها في الواقع تعاني من القطع والتقطيع والتضخيم والتقزيم، وتتجمد بوصلتها في مكانها ولا يمكنها الإشارة والسير قدماً في مشروعها خاصة عندما يضع العدو فكفكتها هدفاً مركزيّاً له.
(3)
مثل الهوية، بدأت تتحدد معالم الذاكرة الفلسطينية الجمعيّة في مواجهة المشروع اليهودي تحديداً. وعلية أصبحت رهينة محددات وحدود ونتائج هذا الصراع. فارتهنت إلى قوانين وقواعد وألاعيب العمل السياسي- مقتلها الفعلي. وخضعت لعملية التفكيك وإعادة البناء بناءً على رغبات القوى السياسية الفاعلة فيها وعليها.
تفترش الذاكرة الجمعية أرض فلسطين من الميّ للميّ، ومن رفح للناقورة، ميداناً لها. وتشكل محاولة استعادة الوطن من ركام المدن والقرى المُحتلة- المهدومة، وشخيب دماء المقتولين، ونحيب المطرودين من هذه الأرض على أيدي اليهود. إنها المفارقة الجدلية الأبدية المُتمثلة بالنهوض من بين الأنقاض. لذا استعار السياسيون الفلسطينيون طائر أجدادهم الأسطوري: عنقاء الرماد، واستبطن كثيرون حكاية طائر الفينيق. وبما أن استبناء الذاكرة الجمعية واستنهاضها هو في حدود المشاريع السياسية التي تزداد هزالة وغموضاً كلما ابتعدنا عن نقطة الأساس- الذروة سنة 1948- باتت هذه الذاكرة هزيلة مثل كلّ الأحياء التي تضعف مع الزمن.
يمكن القول إن تحديد الذاكرة القوميّة لعرب فلسطين في المواجهة مع الاستعمار اليهودي ونأيها عن التحول إلى جزء من وحدة الذاكرة الجمعية للأمة العربيّة (“أنا يوسف يا أبي”)، وعدم ربطها بعمقها التاريخي الطويل الكنعاني- الفرعوني- السومري.. والبابلي (“كإمرأة لعشاق بلا أمل”)؛ حكم عليها بالضعف البنيوي، مثلاً حتى الآن لا يزال غالبية الفلسطينيين لا يربطون بين اليهود الذين احتلوا أرض كنعان قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة بيهود اليوم علماً أنهم هم من يؤكدون على وحدة الاحتلاليْن، كما أنهم يرفضون النظر للاحتلاليْن، كاحتلال واحد استملاكي- استعماري. كما أن هذه الذاكرة نشأت ضمن البنية الكولونيالية وتماشت مع استحقاقات البرجوزاية العربية، تحديداً الفلسطينية، التي كانت ولا تزال تابعاً، كما سنرى لاحقاً.
(4)
حطمت النكبة الشعب الفلسطيني ورمته في صحارى المجاهيل همّه أن يجد ما يسّد رمق جوعه ويجد مأوى يقيه حرّ الصيف وبرد الشتاء له ولأفراد عائلته. مع ذلك استمر يمارس ذاكرته وهويته من خلال أحلامه التي عمل اليهود والمتواطئون معهم من العربان على تشظيها قبل النكبة. وبات مشدوداً إلى الماضي في الطقوس والممارسات المختلفة التي ورثها من جثث المقتولين من قراه ومدنه أثناء عدوان النكبة، لأن المكان- فلسطين وروحها تتجسد بهم كافةً. في هذه الفترة بدأ الفلسطينيون نضالاً هشّاً ضعيفاَ غير مدروس لذا ازدادت فظائع نتائج النكبة، نتائج هذا النضال بتقديم آلاف الشهداء والجري في محاولات غير مدروسة للعودة إلى الوطن أو في معارك محدودة يفتعلها اليهود لوأد أية محاولة عسكرية للعودة. عندها بات الفلسطينيون أسرى البكاء على الأطلال، إعداد الشهداء وزيارة مقابرهم إنها حالة “نيكروفيلية (حبّ الموتى)” كما وصفها الأديب الأردني غالب هلسا (1932- 1989). وإذا اسمترينا باستعارة “النيكورفيلية” لقلنا إن الشعب الفلسطيني “نيكروفيلي” لأنه لا يزال يمنح الشرعية لمؤسسات تمثيلية مثل (م. ت. ف) والسلطة الفلسطينية، والكنيست، ووجهاء ووجيهات الجمعيات المختلفة ومئات أخرى من الأطر التمثيلية، ليس لأنه لم ينتخبها، بل لأنها يجب أن تكون في عداد الموتى في وعيه نحو الاستقلال والحريّة.
(5)
عبّر صدور موسوعة ‏كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948 وأسماء شهدائها‏ سنة 1997 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، عن العناوين الدقيقة لبناء الذاكرة الجمعية الفلسطينية وأدوات وحوامل استنهاضها وتفعيلها. لكن مع أهميتها وأهمية ما تلاها وتبعها من موسوعات وكتب ودراسات لم تتمكن مجتمعة من السعي قدماً لبناء ذاكرة جمعية لسبب بسيط جداً: لأن الحركة الوطنية الفلسطينية ونخب الشعب الفلسطيني كافة التي كانت تحمل المشروع الوطني وتقوده قد انخرطت في النظام العالمي الرأسمالي الليبرالي وتبنت مفاهيمه وقيمه (التوازن الدولي، العقلانية، التسوية ومشتقاتها) وباتت على هامش هامشه متوهمة أنها تؤثر فيه على أمل أن يقبل اليهود بتسوية ما معها يَسمَح لها بإقامة كياناً سياسيّاً “على أيّ شِبْرٍ من فلسطين” ليس لإيجاد تسوية للصراع، بل من أجل التعبير عن نفسها كنظام وطبقة تابعة ليس أكثر. فالتفكير في تغيير وضع ما يتطلب من حوامله أن تغيّر تصورها عنه، إلا أن قيادة الحركة الوطنية والنخب الفلسطينية عجزت عن اجتراح تصور قومي مقاوم يخصّها وبقيت عند تصورها المنبثق من قرى فقيرة ومدن لم يكتمل تطورها قبل النكبة ومخيمات تعاني من كل أنواع البؤس الاجتماعي، والأهم من كل هذا- الهزيمة وعارها، الذي يخاف الفلسطيني إلى يومنا الراهن الحديث عما أحدثه هذا العار من إنكسار وشرخ في الذاكرة والنفسية الجمعية الفلسطينية.
(6)
شكلّت اتفاقية أوسلو لسنة 1994 وما تلاها من اتفاقيات إعلاناً عن هزيمة القيادة والنخب واستسلامها. ويمكن القول إن أقسى ما حدث على المُستوى المعنوي هو رفض اليهود منح قيام (م. ت. ف) “حقّ” توقيع وثيقة هزيمتهم واستسلامهم على أرض وطنهم بل جرّوهم إلى أمريكا التي أبادت السكان الأصليين وأقصتهم عن الأرض والتاريخ (هل يوجد أكثر بلاغة من هذه الرمزية؟) بعدها انتشرت بين الفلسطينيين في الوطن والشتات محاولات مكثفة من الانشغال- وليس الاشتغال أو العمل- بالذكرى والذاكرة. فقام أبناء قرى منكوبة بتشكيل لجان عودة- ليس من أجل العودة- كما أقاموا أطراً مختلفة من اتحادات عودة وذاكرة وذكرى والحفاظ على الذاكرة وما إلى ذلك من الانشغال في الماضي- مرّة أخرى، ليس الاشتغال أو العمل به. إنها حالات من الحنين إلى المفقودين تشبه حال العجوز الذي يشتهي امرأة فاتنة لكنه إضافة لإصابته بكل أمراض الشيخوخة نسي أنه وُلد بعاهة خلقيّة: عِنّين، مع هذا فإنه يجيد تصوير السيلفي واستخدام الواتس آب باحترافية متناهية! في تلك الأثناء تمكن اليهود من السيطرة على الأرض ومصادر الثروات الأخرى من مياه ووعي. وإلى جانبهم سيطر “المانحون والداعمون” من دول ومؤسسات ومصارف وأفراد على فضاء الحياة السياسية والثقافية الفلسطينية لضبطها بما يكفل أمن وسلامة دولة اليهود. فأغرقوا هذه الجمعيات والمؤسسات واستحوذوا عليها ليس بالمال فقط بل بالأجندات التي “شقفتها تشقيف” فحوّلوا التاريخ “الوقائع” عند (إريك هوبسباوم/ 1917- 2012) إلى سرديات شبيهة بوجهة النظر. كما أنهم خصخصوها إلى قطاعات جندرية وجنسانية ومِثْلية وبقية الصَرْعات التي تَحُول دون وحدة أي مشروع وطني أو قومي. تم وضع هذه الشظايا تحت مسمى: التمكين، الذي يحول حتماً ضدّ أية وحدة. وتحول التاريخ والتراث الفلسطينييّن إلى خردوات في سوق سلع الليبرالية الجديدة، فتحولت الأغاني التراثية إلى شيء مُبتذل (تحوّلت الدحيّة إلى تعواية كلاب محششة وسكرانة تطلق الرصاص من أسلحة الاحتلال)، كما تحولت الملابس والمطرزات الفلسطينية إلى اكسسوارات تباع وتلبسها كل من تشاء، لأنها انفلتت عن سياقها الأصلي (بعض المُطرزات التشيليّة تباع على أنها فلسطينية). كما ابتدعت بعض النسويات فكرة ضرورة تعويض اللاجئات من النساء مبالغ من المال أكثر من الرجال، لأن اضطهاد النساء “مضاعف”، بناء على قراءة التاريخ والنكبة على خلفيّة “نسوية”. وابتدع المثليون خطة قراءة النكبة الفلسطينية على خلفية “مِثلية”. وقامت بعض الجمعيات النسوية في المثلث تحديداً على تنظيم لقاءات مع نسويات يهوديات جمعت نساء ناجيات من المحرقة مع نساء من النكبة للحديث عن تجاربهن. كما قامت مجموعات أخرى بتنظيم لقاءات بين مجرمي نكبة 1948 اليهود والعرب المطرودين من مدنهم وقراهم للحديث عن “تلك الأحداث” لتطهير ضمائرهم الملطخة بدمائنا وعار الإنسانية. كل هذا يتم بواسطة أشخاص باتوا يعتاشون على النكبة وينّم الواحد على زميله في نفس “الدكانة”. كما وفتحت لهن (هآرتس)، صحيفة النخب اليهودية، “ساحة” خاصّة بهن على ما يبدو لإعداد بعضهن كمرشحات وعضوات في الـ(كنيست) من مستوى رديء. والبعض منهم، رجالاً ونساءً، أصبح من أصحاب الملايين؛ هذا التواطؤ لم يكن ليحدث لولا “القابلية للاستعمار” عند الشعوب التي تدين بالإسلام كما يشرحها مالك بن نبي (1905- 1973).
في المقابل، باتت “إسرائيل” في السنوات الأخيرة تسمح للاجئين الفلسطينيين الذي يعيشون في أوروبا من زيارة فلسطين وقراهم المنكوبة. وفعلاُ زارها الآلاف لكن بعضهم بدل أن يزور قريته، طيرة حيفا، حطت به السيارة في طيرة المثلث. وبعضهم اعتقد أن حيفا بجوار رام الله. هؤلاء كانوا يعيشون في سوريا على بعد ضربة حجر من فلسطين (…) لكن عندما حققوا حلمهم بالتحوّل إلى لاجئين في أوروبا تكشف حلمهم الأوحد: زيارة “الأقصى الشريف” والصلاة فيه. فإسرائيل التي سطت على أملاك أهاليهم تواصل اليوم السطو على ما يدخرونه من مخصصات الإعاشة الأوروبية بالسماح لهم بزيارة مقابرهم وصرف مدخراتهم فيها. كما وتواصل دوائر المحفوظات والأرشيفات اليهودية عدوانها على وجدان الفلسطينيين والتنكيل بهم من خلال كشف ونشر وثائقها التي تؤكد على أن جريمتها ضدّ عرب فلسطين كانت مبيتة ومخططة سلفاً. والأمر المُفزع من الناحية النفسية هو احتفال قطاع واسع من المنشغلين بالتاريخ والذاكرة وإعلان سعادتهم بهذا الكشف ولسان حالهم يقول إن هذا إثبات أننا على حقّ علماً أن حقوق الشعوب والأمم لا تحفظها الوثائق والأوراق بل النضال والعمل الواعي نحو التحرير والاستقلال. وإذا عدنا إلى استعارة “النيكروفيلية” من غالب هلسا، هل نعتبر ما يقوم به قطاع واسع من الفلسطينيين هو تشييع النكبة إلى القبر، لكن قطعة، قطعة؟
بناءً على ما تقدم أعتقد أن سكران أحمد حسين (إبراهيم) في “تغييرات في الصلاة الإبراهيميّة” يظلّ أكثر وعياً من الحركة الوطنية الفلسطينية ومعظم نخبها.

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

يجب أن تكون <a href=“%s”>مسجل الدخول</a> لإضافة تعليق. تسجيل الدخول

اترك تعليقا

دراسات

قراءة في كتاب مؤشر الدمقراطية “الإسرائيلي”

نشر

في

بواسطة

قراءة في كتاب مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي

عماد أبو عوّاد

محلل الشؤون الإسرائيلية في مركز القدس

 

مقدمة

يُقدّم “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” مع نهاية كلّ عام، كتابًا إلى رئيس دولة الاحتلال يحمل عنوان “مؤشّر الدمقراطية الإسرائيلي”[1]، والذي يعتمد في الأساس على مجموعة من استطلاعات الرأي التي توضح التوجه العام للمواطنين، وتكشف عن أهم الفجوات والمخاوف التي تعتريهم؛ تحديدًا في قضايا الأمن والديمقراطية.

الكتاب الذي يمتد على 220 صفحة، تناول هذا العام زوايا مهمّة؛ أبرزها الوضع العام للدولة، والواقع الديمقراطي، وإلى أي مدى يشعر المواطن الصهيوني بتفاؤل إزاء مستقبلها، كما تناول رضى الجمهور عن المؤسسات المختلفة، بدءًا من الجيش وصولاً إلى الأحزاب الصهيونية المختلفة. والجديد الذي لم يكن بالإمكان تجاوزه هذا العام، هو أزمة كورونا وتأثيراتها على النطاقات المختلفة من حياة الجمهور.

ورغم أنّ الكتاب يتسلمه الرئيس الإسرائيلي تشجيعًا على قراءته ولإظهار أهميته، وهذا سلوك رؤوبن ريبلين[2] ومن سبقه، وهو ما ينسحب على بقية إصدارات المراكز، فإنّ الجدل يبقى قائمًا حيال مدى تعاطي السياسي الصهيوني مع مثل هذه الإصدارات، لكن مقارنة سلوك الساسة مع ما يرد في تلك الإسهامات البحثية، يكشف أنّ الفجوة عميقة، تحديدًا خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ العام 2009 والذي بدأ فيه بنيامين نتنياهو[3] فترة حكمه الثانية.

 

أولاً: تراجع كبير في النظرة لواقع الدولة

وفق المؤشر فقد شهد العام 2020 نزولاً كبيرًا في نسبة من يعتبرون أنّ الواقع العام للدولة جيد، فنسبة الذين قدروا أنّ واقع “إسرائيل” جيد كان 37.5% مقابل 50% العام 2019، وعند تحليل عينة الاستطلاع تبين أنّ 52.5% من المُنتمين لليمين يُقدرون أنّ واقع “إسرائيل” جيد، مقابل 26% من المركز وفقط 13% من اليسار.

النزول أيضًا شمل تقييم المواطن لواقعه، فبعد أنّ قيم 80% من المواطنين عام 2019 أوضاعهم أنّها جيدة، نزل الرقم إلى 61% عام 2020، وعند سؤال المواطن الفلسطيني في الداخل: “هل تشعر بأنّك جزء من إسرائيل”، أشار 44% فقط بالإيجاب.

بتحليل الأرقام أعلاه، لا يُمكن فصل هذا التراجع عن موضوع جائحة كورونا، والتي ترافقت في “إسرائيل” مع مجموعة من المُتغيرات التي وصلت ذروتها مع مطلع العام 2020 وصولاً إلى حلّ الكنيست مع نهايته، فقد كان لعدم الاستقرار السياسي والانتخابات المتكررة الدور الأكبر في تجسيد الكراهية الداخلية، وتعميق الفجوات الآخذة في الازدياد.

ويُشير إلى ذلك تحليل العينة الاستطلاعية أعلاه، فغالبية المُنتمين لليمين عبّروا عن رضاهم عن واقعهم وواقع الدولة، وهذا مرتبط بوجودهم في الحكم تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بمعنى أنّ لعدم الرضى عند اليسار والمركز ارتباطًا جذريًّا بمسألة ابتعادهم عن الحكم لما يزيد عن اثني عشر عامًا متواصلاً، والتي جذّر فيها اليمين انقسامًا ليس من السهل ردمه.

من هُنا يُمكن الربط بين الرضى وطبيعة النظام الحاكم، بمعنى أنّ واقع الدولة بات يُطوّع وفق أهواء من هم في السلطة، لذلك نجد أنّ الرضى مرتفع عند فئة اليمين ، الأمر الذي سيلقى انعكاسًا في النسب في حال وصل المركز واليسار إلى الحكم، لتؤكد هذه العينة أنّ التكتلين المنبثقين في الساحة الصهيونية، ورغم الاختلافات الداخلية في كلّ تكتل، باتا يقتربان إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بإمكانية الالتقاء على قاسم مشترك، وهذا على الأقل في ظل حُكم بنيامين نتنياهو.

ثانيًا: الديمقراطية الإسرائيلية في خطر كبير

مستقبل الديمقراطية الإسرائيلي في خطر شديد، كما يرى 54%، وهي ذات النسبة تقريبًا منذ العام 2019 مع زيادة بسيطة، والمؤشر يزداد خطورةً كلّما قُسّمت العينة إلى المعسكرات المختلفة، فقد اعتبر 85% من اليسار أنّ ديمقراطية بلادهم تواجه خطرًا  شديدًا مقابل 63% من المركز، و35% فقط من اليمين.

ولم تُغفل دراسة عينة الاستطلاع التطرق للقضية الأهم في هذا السياق، وهي سؤال “من المركبات التالية أقوى”، المركب اليهودي أم المركب الديمقراطي في الدولة العبرية، فقد رأى 50% أنّ المركب اليهودي طاغٍ على المركب الديمقراطي، وبتحليل العينة تبين أنّ الجمهور الديني 72% من الحريديم و50% من المتدينين القوميين، رأوا بأنّ المركب الديمقراطي هو الطاغي وليس اليهودي.

وهنا يكمن جوهر الصراع الداخلي حول شكل الدولة، فكل طرف بات يعتبر أنّ شكل الدولة لا يزال على خلاف ما يريد، فالمتدينون الذين هم جزء من اليمين الحاكم يرون ضرورة كبح جماح المركب الديمقراطي لصالح الديني، فيما التيار العلماني الذي هو جزء من المركز واليسار، يرى بأنّ الجانب الديني طاغ ويجب كبح جماحه.

باتت هذه التجاذبات تؤدي إلى تمرير قوانين وشطب أخرى، كسرت ما تأسست عليه الدولة من موازنة بين المركبين، وفتحت باب الصراع بينهما، فقد بات يسعى من في سدّة الحكم إلى تثبيت رؤيته فيما يتعلق بشكل الدولة.

وفي الوقت الذي رأى فيه 58% من اليهود بأنّ قيادتهم السياسية فاسدة، وغارقة في مخالفات جنائية، يتضح من تحليل العينة ذات الانقسام، أنّ من يعتقدون ذلك هم 87.5% ممن ينتمون لليسار، و74% ممن ينتمون للمركز، وفقط 43% ممن ينتمون لليمين، في مؤشر أنّ البقاء في الحكم أهم من القيم التي نشأت عليها “إسرائيل”، ففي مقابل رابين الذي استقال في سبعينيات القرن الماضي لشبهة حول زوجته تبين براءتها فيما بعد، نجدّ أنّ نتنياهو، وهو الملاحق بثلاث لوائح اتهام، يحصل على مليون وأربعمائة ألف صوت في الانتخابات، بمعنى أنّ الفساد لم يعد معيارًا للخلاص من الحاكم، بل بات يُقلل من قيمته في سبيل بقاء الحاكم الذي سيحمي محيطه، رغم تأسيسه لمنظومة تسعى للدفاع عن مصالحه ومنع محاكمته.

وما يوضح الصورة أكثر هو الثقة في المحكمة العليا، والتي تُعتبر بيضة القبان ما بين السلطة التشريعية والتنفيذية بغياب دستور إسرائيلي، فقد فقدت المحكمة خلال 9 سنوات 20% من الثقة فيها، لتتراجع في العام 2020 إلى حدود 50%، فيما يحصل المستشار القضائي للحكومة على ثقة لا تتجاوز 42%، وهذا مرتبط بشكل كبير بأمرين، الأول رفض اليمين لهيمنة المحكمة واتهامها بأنّها التي تحكم وليس السلطة التنفيذية برفضها للكثير من القوانين ذات الطابع الديني، والثاني مرتبط بمحاكمة نتنياهو، فقد رأى اليمينيون أنّ المستشار القضائي للحكومة أفيخاي مندلبليت، لفق تُهمًا لبنيامين نتنياهو.

 

ثالثًا: الواقع الصحي جيد

الرضى عن منظومة الصحة في “إسرائيل” كان جيدًا جدًّا، فـ 50% من “الإسرائيليين” أعطوها تقييمًا فوق الجيد، و36% قيموها على أنّها متوسطة، وفقط 15% اعتبروا أداءها سيئًا، وقد عبر 86% عن مطالبتهم بزيادة ميزانية الصحة على حساب الوزارات الأخرى.

الرضى الإسرائيلي عن أداء المنظومة الصحية مرتبط بشكل كبير بأدائها خلال جائحة كورونا، فقد استطاعت المنظومة الصحية أن توّفر عناية جيدة ومتابعة حثيثة للمرضى، باعتمادها على الصناعات المحلية المتطورة في رفد مستشفياتها ومراكزها الصحية بالتجهيزات ذات الجودة العالية، رغم أنّ “إسرائيل” تُعتبر من الدول التي سجلت عدد وفيات مرتفع بالكورونا مقارنة بعدد السكان، فقد بلغ المتوسط العالمي 261 لكل مليون، بينما في “إسرائيل” 434.

والغريب رغم الرضى الجيد عن أداء المنظومة الصحية، فقد احتلت المرتبة الثانية من حيث الحاجة لتحسينها من بين أولويات الإسرائيليين الاجتماعية- الاقتصادية، بعد العمل على تخفيض غلاء المعيشة، وربما هذا مؤشر نوعًا ما على الراحة الاقتصادية بالمجمل العام للفئة الأكبر من الجمهور الإسرائيلي، رغم الغلاء الكبير للمعيشة، فالبحث في إطار التحسين وليس الحاجة الملحة، بمعنى أنّ الجمهور هناك يبحث عن المزيد من الخدمات التي تُشعره بزيادة مستوى الرفاهية، ولا يبحث في إطار الحاجة الملحة.

 

رابعًا: الشرطة تحصل على تقدير سيء

فقط 27% أشاروا إلى أنّ الشرطة تؤدي دورها بشكل جيد، ونفس النسبة أشارت بأنّ أداء الشرطة سيء جدًّا، فيما بقية المُشاركين رأوا أداءها ما بين السيء والمقبول، وأشار 82% من الفلسطينيين في الداخل المحتل و67% من اليهود، بأنّ الشرطة تتعامل مع الجريمة في الوسط اليهودي بشكل قوي وصارم، وتتجاهل ذلك في الوسط الفلسطيني.

كما أنّ 62.5% من المُستطلعين اليهود و56.5% من الفلسطينيين أشاروا إلى ذات الشيء فيما يتعلق بالطائفة الأثيوبية، وأشار غالبية المُستطلعين أنّ الشرطة تتشدد في الدرجة الأولى مع الفلسطينيين، وكذلك مع اليهود من أصول شرقية، و70% أجمعوا على أنّ الشرطة الإسرائيلية لا تكترث ولا تولي أي أهمية للنقد الموجه ضدها.

تتعاطى الشرطة الإسرائيلية مع الملفات المُختلفة وفق الفئة المُستهدفة، ففي الوقت الذي يُشكل فيه الفلسطينيون في الداخل المحتل فقط 21%، فإنّ معدل القتلى من بينهم بسبب الجريمة الداخلية يتجاوز نسبة الـ 50% من المجموع العام، والأغرب من ذلك أنّ عدد الملفات المفتوحة لدى الشرطة في جرائم القتل اليهودية 5 أضعاف تلك التي عند الفلسطينيين، وهذا ما يؤكده الاستطلاع أعلاه، من وجهة نظر اليهود أيضًا، حينما عبر أكثر من ثلثيهم عن قناعتهم بأنّ الشرطة تتجاهل الجريمة في الأوساط الفلسطينية.

إنّ طبيعة تقسيم المناصب في “إسرائيل”، جعلت من اليهودي الغربي المسيطر على غالبية المناصب الحساسة، فمثلاً رغم أنّ الشرقيين يصل تعدادهم إلى 50% من مجموع السكان، لم يصل منهم إلى اليوم أي شخص لرئاسة الوزراء، أو الموساد والشاباك، وكثير من المناصب الحساسة الأخرى كرئاسة المحكمة العليا.

ربما تفسر هذه الحقيقة، حالة العنصرية الموجهة في المجتمع الصهيوني، والتي بطبيعة الحال انعكست كذلك على الشرطة التي تتعامل مع اليهودي الغربي بطريقة تختلف تمامًا عن الفلسطينيين، ومن ثم الأثيوبيين وكذلك الشرقيين اليهود.

 

خاتمة

نصف المُستطلعين اليهود أشاروا بأنّ التضامن بين الإسرائيليين في أدنى مستوياته، فالشعور بالمصير الجمعي وضرورة أن يكون هناك لُحمة حقيقية، بات يفقد الكثير من التوجهات الداعمة له، مع ازدياد التقوقع الداخلي في كلّ طائفة دينية، وتيار فكري في الدولة العبرية.

التضامن الداخلي في “إسرائيل” ارتبط بشكل جوهري في السنوات الأخيرة بحكم اليمين المستمر منذ أحد عشر عامًا، فقد أفرزت الحكومات المتعاقبة شرخًا متسعًا كلّما مرّ الوقت من خلال أسلوب الحكم المتبع، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى رفض شرائح كاملة مجرد القبول بالجلوس مع أخرى تحت قبّة حكم واحدة.

ربما ظهرت أزمة التضامن الداخلي ظهرت بشكل أكبر خلال جائحة كورونا، فقد رفض الحريديم، على سبيل المثال، الانصياع لأوامر السلطات، رغم أنّهم جزء من الحكومة، مما يُشير إلى عُمق التفكير المنفرد لكل شريحة وطائفة، بمعنى أنّ الأمن الخاص بات مُقدّمًا على العام، ولهذا سينعكس انعكاس الأمن الإسرائيلي بشكل عام، على الأُسس التي تأسست عليها الدولة، وبما بما يمسّ بقوانين الأساس التي تُنظم الحياة العامة.

الأمن بالمجمل مرتبط بالثقة، ثقة باتت في تراجع مستمر في الساحة الصهيونية، وزادت من مساحة الاختلاف والرفض، وربما استمرار نتنياهو على رأس المؤسسة الإسرائيلية سيكون له المزيد من التفتيت والتشظي، فالرجل الذي يبحث عن الإفلات من المحاكمة، يقود “إسرائيل” تحت شعار أنا ومن بعدي الطوفان، والغريب أنّه استطاع تثبيت انقسام جديد النوع في “إسرائيل”، وذلك بالانقسام على شخصه، “بيبستيم” (داعم، نتنياهو تحت أي ظرف) و”انتي بيبستيم” (معارضوه تحت أي ظرف)، وهذا ما جعل التأييد والمعارضة على أساس الموقف من نتنياهو، وليس المصلحة العامة، وهنا تتجذر الأزمة وتكمن معالم الضياع والانهيار الداخلي.

 

 

 

[1]  أور عنبي، ايليت شخبيت، وآخرون. 2020. مؤشر الدمقراطية الإسرائيلي 2020. معهد دراسات الدمقراطية. https://www.idi.org.il/media/15539/the-israeli-democracy-index-2020.pdf

[2]  الرئيس الإسرائيلي الحالي.

[3]  رئيس وزراء الاحتلال.

أكمل القراءة

دراسات

ورقة تحليلية: التعليم عن بعد في الجامعات الفلسطينية.. عن التحدي ومجابهته.. جامعة بيرزيت نموذجًا

نشر

في

بواسطة

ورقة تحليلية:

التعليم عن بعد في الجامعات الفلسطينية.. عن التحدي ومجابهته

 جامعة بيرزيت نموذجًا

تقى فارس

المقدمة

 

التعليم عن بعد

أصدرت وزارة التربية والتعليم العالي قرارًا يوصي باعتماد التقنيات الإلكترونية في الجامعات الفلسطينية لدوام الفصل الدراسي الثاني لعام 2020-2021، بحيث يُستخدم التعليم المدمج لطلبة السنة الأولى، والتعليم الإلكتروني لطلبة السنة الثانية فما فوق، وتحقيق الحد الأدنى من التدريب الوجاهي لطلبة المساقات العملية، وترك القرار لمؤسسات التعليم العالي فيما يتعلق بطلبة الدراسات العليا، وذلك في حدود المحافظة على إجراءت الوقاية، ومراعاة شروط السلامة العامة[1].

تعرض هذه الورقة لمسار التعليم عن بعد الذي اتبعته الجامعات الفلسطينية في ظل جائحة كورونا، متخذةً من جامعة بيرزيت نموذجًا، بالبحث في الإجراءات التي اتخذتها إدارة الجامعة منذ بداية الأزمة وحتى الآن في التعامل مع النظام التعليمي الإلكتروني، وتتطرق إلى آليات التنفيذ مسلطةً الضوء على تفاعل مكونات الجامعة إيجابيًا وسلبًا معها، وما آلت إليه هذه التجربة من نتائج أولية.

التعليم عن بعد.. هل هي التجربة الأولى؟

أحدث ظهور فايروس كورونا (كوفيد-19) أواخر عام 2019 وتفشيه في العالم تغيّرًا في نمط الحياة المتّبع في أغلب الدول، وقد تأثّر النظام التعليمي ومؤسساته بهذه التغيّر، ونظرًا لأنَّ الجامعات كانت بؤرًا محتملة لتفشي الفايروس، فقد قامت إداراتها بإغلاقها أمام الطلبة وانتهاج سبل أخرى لضمان استمرار المسيرة التعليمية.

سبقت مبادرات التعليم عن بعد في فلسطين ظهور الفايروس، فقد سعت بعض الجامعات الفلسطينية إلى تطوير أساليب التعليم ومواكبة الأنماط الحديثة التي تتجه لاعتماد التكنولوجيا أساسًا في العملية التعليمية[2]، وقد عملت جامعة بيرزيت على تطوير اعتمادها على الحلول التقنية والإلكترونية، وأخذت هذه المساعي مناحي متعددة، مثل استخدام تقنية المحاضرات المسجلة لعدد من المساقات الأساسية على منصة موودل Moodle، بما يتيح للطلبة الرجوع لها في أي وقت وحضور المحاضرات، وإدخال نظام الواجبات الإلكترونية شرطًا في اجتياز مساقات إجبارية للطلبة، كذلك بعض حلول المشاكل التقنية عبر منصة رتاج Ritaj البوابة الأكاديمية والإدارية لجامعة بيرزيت، وتغيير كلمة السر إلكترونيًّا دون الحاجة الى مراجعة مباني الجامعة، لكن هذه المساعي جاءت في سياق ثانوي، وبقيت تحقق حدًّا دون المطلوب من الاعتمادية على الوسائل الإلكترونية.

كيف تعاملت إدارة الجامعة مع الحالة الوبائية؟

استهلت إدارة جامعة بيرزيت[3]، خطواتها الوقائية من فايروس كورونا (كوفيد-19) بإلغائها الأيام الإرشادية لطلبة الثانوية العامة وذلك في الثاني من آذار/ مارس 2020، تلا ذلك عقد محاضرة توعوية بشأن الفايروس، ونشر توصيات تنصح أعضاء الهيئة الإدارية والأكاديمية بعدم السفر خارج البلاد في المرحلة الحالية، تبع ذلك إصدار قرار رسمي يشمل إلغاء الحجوزات المتعلقة بتمثيل الجامعة في الخارج، ووقف كامل الأنشطة التي تشهد تجمهرًا طلابيًّا، وتكوين خلية أزمة برئاسة رئيس الجامعة، ولجنة برئاسة مساعد الرئيس للبحث في مسألة التعليم الإلكتروني، ولجنة برئاسة نائب الرئيس للشؤون الإدارية والمالية للوقوف على مسائل العملية الإدارية في الجامعة[4].

علّقت الجامعة دوامها التزمًا بحالة الطوارئ في السابع من آذار/ مارس 2020، الى أن قرر مجلس الجامعة اعتماد العمل الأكاديمي والإداري عن بعد، والتعليم الإلكتروني لاستكمال الفصل الثاني من العام الدراسي 2019-2020، وذلك في جلسته الطارئة في التاسع من آذار/ مارس 2020[5]، وأسرعت الجامعة في تعزيز استثماراتها لمواكبة التطورات، فقامت بإطلاق مبادرة للتعليم والتعلم الإلكتروني باعتماد المنصات المتوفرة للتعليم الإلكتروني كمووديل Moodle وزوم  Zoom وبي بي بي BBB، وتقديم تدريبات للهيئة الأكاديمية تشمل طرق استخدامها، ثم إدخال التعديلات على البوابة الإلكترونية للجامعة رتاج Ritaj بربطها بأرقام هواتف الطلبة لتسريع استقبالهم للرسائل الأكاديمية، وتشغيل ربع مليون دولار لتطوير قدراتها التكنولوجية.

ارتأت الجامعة، كذلك، وضع نظام تقييمي مغاير، أبرز ما فيه اعتماد نظام (ناجح أو غير مكتمل) لتقييم طلبة درجتي البكالوريوس والماجستير للفصل الثاني من العام الدراسي 2019-2020[6]، واستؤنفت المساقات العلمية التي كان من المفترض إتمامها خلال الفصل الثاني، وذلك من خلال دوام مكثف وقصير[7].

زامن ذلك صدور قرار بعقد دورتين صيفيتين لكل من طلبة البكالوريوس بحد أقصى 7 ساعات في كل دورة، والماجستير بحد أقصى 6 ساعات في كل دورة، وتخصيص الدورة الأولى للمساقات النظرية، وإفساح المجال للمساقات العملية خلال الثانية[8]، تلا ذلك إصدار قرار يقضي باستمرار اعتماد نظام التعليم عن بعد، مع دراسة إمكانية عودة طلبة السنة الدراسية الأولى ودرجة الماجستير وذلك خلال الفصل الأول للعام الدراسي 2020-2021.[9]

ضمت قرارات الجامعة أيضًا محاولات للتقليل من الحضور في الحرم الجامعي[10]، وإيجاد طرق أخرى للتواصل مع مرافق الجامعة، فقد فتح باب التواصل مع دائرتي التسجيل والمالية عن بعد[11]، وقدّمت المكتبة الرئيسة والمكتبات الأخرى في الجامعة خدمات إضافية تتناسب مع مجريات التعليم عن بعد[12].

ماذا عن التطبيق؟

بذلت الجامعة جهودًا لإكمال سير العملية التعليمية، لكنها واجهت معضلات حقيقية أمام إتمامها، فالتمكن من الاستخدام الصحيح والدقيق للمنصات الإلكترونية استنزف وقتًا من الكادر التعليمي، الذي كان يعتمد بدرجة عالية على نظام التعليم الوجاهي، كما شهدت العملية التقييمية، التي كانت تعتمد في الغالب على الامتحانات الأولى والثانية (امتحانات منتصف الفصل)، وامتحانات نهاية الفصل.. تغيرات جذرية خصوصًا بعد محاولات التخلي عن الامتحانات بشكل جزئي، واعتماد الاختبارات الإلكترونية أو التقارير والمشاريع.

إلى جانب ذلك فإن مشكلة ضعف شكبة الإنترنت بشكل عام، وحالات قطع التيار الكهربائي التي تتكرر في بعض المناطق، وما يفرضه الاحتلال الصهيوني على شبكات الاتصال الفلسطينية من قيود تمنعها من تطوير قدراتها في تقديم الخدمات الحديثة[13] شكلّت عبئًا إضافيًا، وقد تعرّضت خدمات الجامعة الإلكترونية (سيرفراتها) خلال الفصل الدراسي الأول لهجوم إلكتروني مما أدى الى تعطّلها عن العمل جزئيًا وكليًا، حتى استطاعت الجامعة بالتعاون مع المزوديين المحليين والدوليين وشركة الاتصالات الفلسطينية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، واستغرقهم هذا ما يقارب أسبوعًا.

هذه الظروف كان لها تأثيرها المباشر على الطلبة الذين لاقوا صعوبات في التأقلم مع الوضع الجديد، فالعائلة الفلسطينية التي ترتفع فيها نسبة أفرادها الطلبة، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.. فإن نسبة الأسر التي لديها جهاز حاسوب (مكتبي، محمول، لوحي) تبلغ 33.2 وذلك عام 2019[14]، وهذا بالتأكيد ينعكس على الطلبة الذين أصبحت الظروف غير مهيأة أمامهم للتركيز في الدراسة.

إلى جانب ذلك فإن عملية استيعاب المحاضرات التي تحتاج إلى بذل جهد تطبيقي خلال المحاضرة نفسها بدأت تتشتت، كما أن الطلبة أصبحوا بحاجة إلى استخدام برامج وتقنيات جديدة لحل واجباتهم التي أخذت طابع التقارير والأبحاث والمشاريع مع انخفاض نسبة الامتحانات.

أما المشكلة المذكورة آنفًا المتعلقة بضعف الشبكة وعدم تحملها هذا الكم الهائل من الطلبة، فقد ترجمت واقعًا أثناء تقديم عدد من الطلبة امتحاناتهم نصف الفصلية إلكترونيًا ليتفاجؤوا بأن النظام تعطَّل بسبب الضغط، وقد أدى هذا إلى تأجيل العديد من الامتحانات وخلق أجواء تعليمية متوترة، فضلاً عن أساليب الامتحانات التي لم تتمكن من منع عملية الغش المحتملة إلا عن طريق تقليص وقت الامتحانات وحرمان الطالب من التنقل بين الأسئلة.

إلى جانب ذلك فإن ظاهرة عقد المحاضرات والامتحانات بعد انتهاء الدوام الرسمي قد زادت من استياء الطلبة، وهناك مشاكل أخرى خرجت عن حيز جودة التعليم إلى عملية دفع القسط ومبدأ التقسيط للطلبة الذين لا يستطيعون دفع القسط كاملًا، وحجمه الذي بقي ثابتًا على الرغم من عدم استخدام الطلبة العديد من مرافق الجامعة التي يشمل القسط مبالغ على استخدامها، وانقطاع منحة مرتبة الشرف (الأنر) خلال الفصل الدراسي الثاني، تزامن ذلك مع الوضع الاقتصادي الفلسطيني الذي تأثر بشكل كبير بالجائحة.

تداعيات فايروس كورونا على الحركة المطلبية

تميّزت جامعة بيرزيت على مدار السنين بجسمين نقابيين مؤثرين هما: الحركة الطلابية، ونقابة العاملين والموظفين، وقد شكلت جائحة كورونا تحديًا لهما واختبارًا في قدرتهما على استحداث أشكالٍ جديدة للاحتجاج تتناسب والوضع القائم.

بدأت نقابة العاملين بعدة خطوات تصعيدية تدريجية تتعلق بمطالب سابقة على انتشار الوباء منها الأمن الوظيفي والتأمين الصحي، وتجاوز إدارة الجامعة للقوانين واللوائح خلال فترة الجائحة[15].

على صعيد آخر لاقى التعليم الإلكتروني احتجاجات واسعة من جانب الطلبة، وأثر ذلك على الحركة الطلابية التي واجهت صعوبات في استئناف عملها النقابي في بداية الجائحة، خصوصًا مع تأجيل عقد انتخابات مجلس الطلبة التي تقام خلال الفصل الدراسي الثاني الأمر الذي عطَّل أعمال مجلس الطلبة، مقابل استمرار أعمال اللجان التحضيرية للكتل الطلابية بدلاً عنه.

هذا الأداء نتج عنه اهتزاز بثقة الطلبة بالحركة التي تمثلهم وقد أفرز ذلك مجموعات طلابية جديدة صغيرة العدد وغير حزبية مثل: صوت طلاب بيرزيت (كل دينار بفرق) التي حاولت طرح قضايا متعلقة بالأقساط إضافة إلى ظروف التعليم، ونظّمت وقفة احتجاجية لكنها لم تجد التفافًا حولها وذلك في الثاني من أيلول/ ديسمبر 2020، بالإضافة إلى مجموعة (التجمع الطلابي لحل مشكلة التعليم الإلكتروني) والتي لم تتجاوز كونها مجموعة على الفيسبوك ولم تتمكن أيضًا من تنظيم الطلبة.

هذه التحركات وإن لم تحقق أي إنجازات إلا أنها ضغطت على الحركة الطلابية لأخذ زمام الأمور، فعملت على إتمام سير عملية الدفع والتقسيط للفصلين الصيفيين للعام الدراسي 2019-2020، والفصل الدراسي الأول 2020-2021، لكن المشكلات التي بدأت تتعمق دون التوصل لحلول مع إدارة الجامعة دفعتها لإعلان تعليق للدوام يشمل المحاضرات الإلكترونية والعملية وكافة الامتحانات والمشاريع بين الأول والرابع من نوفمر عام 2020.

شكّل ذلك تحديًا أمام الطلبة الذين باتوا بين قرارين: الالتزام بالإضراب الطلابي بإرادتهم ودون إخلاء كما يحدث أثناء الدوام الاعتيادي، أو الاستجابة لضغوطات العديد من الكادر الأكاديمي الذين أصروا على استكمال الدوام الاعتيادي.

في نهاية الأسبوع جرى التوصل إلى حلّ يضمن تحقيق حدٍ مقبول من المطالب التي ينادي بها الطلبة، خصوصًا التي تتعلق بطلبة السنة الدراسية الأولى، وبنود أخرى بشأن المحاضرات والامتحانات، وتطوير المنصة التعليمية ITC وذلك عبر بيان صدر عن الحركة الطلابية[16].

لكن الأمور لم تسر على هذا النحو، وكانت المفارقة في تنصّل الإدارة وهيئتها التعليمية من الالتزام بما اتفق عليه، وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن عدة مواضيع عالقة منذ التعليق الأول، لتقوم الحركة الطلابية بإعلان الإضراب المفتوح حتى التوصل إلى حل.

رُفِع سقف المطالب لتشمل أمورًا تتعلق إلى جانب التعليم الإلكتروني بمرافق الجامعة وسياساتها المالية، واستمر الإضراب، الذي شهد التزامًا طلابيًا بين السابع والخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ليخرج بنتائج جيدة، أبرزها ما يضمن احتساب ست ساعات بنظام (ناجح وغير مكتمل)، والامتناع عن عقد امتحانات بعد ساعات الدوام الرسمي، واعتماد نمط المجموعات فيها، ولتشمل أيضًا تعبيد المدخلين الشرقي والغربي، وإيجاد مكان لحفظ الأمانات، ورفع قيمة المساعدات المالية وخفض أسعار الأوراق الثبوتية، وجعل البرنامج الذي تتبناه الجامعة (مساري) اختياريًّا.

لكن هذه النتائج والتطبيق الفعلي لها لاقى أصداءًا مختلفة من الطلبة، فقد رأت شريحة كبيرة منهم بأن الإضراب لم يحقق ما هو مطلوب ولم تستطع الحركة الطلابية مرة أخرى إلزام الجامعة بتطبيق ما هو متفق عليه، فبدا عند كثيرين منهم أن سياسة الإضراب لم تعد مجدية كما السابق، وأن قيادة الحركة الطلابية لم تعد على قدر كافٍ من المسؤولية أمام المطالب الحقيقية التي يطمح بنيلها الطلبة، وأمام إدارة الجامعة.

التعليم عن بعد.. ماذا أخذ.. وماذا أعطى!

شكل التعليم عن بعد تحديًا حقيقيًا للجامعة بإداراتها وكادرها الأكاديمي وطلبتها، ورغم أن الجامعة لم تتمكن من التغلب على التحدي تمامًا إلا أنَّها تمكنت من تحقيق استجابة معقولة ساهمت في إدارة الأزمة والاستمرار دون تعطيل الفصول الدراسية.

واجه الطلبة صعوبات كثيرة خلال الفترة السابقة، فطلبة السنة الأولى الذين انتقلوا لنظام تعليمي مغاير شكلًا ومضمونًا لما هو متبع في المدارس، لا زالوا حتى الآن يواجهون مشاكل في التعامل مع مضامين المساقات وأساليب التدريس خصوصًا مع المماطلات التي وقفت طيلة الفصل أمام دوامهم في الجامعة، أما بقية الطلبة فإنهم ما زالوا يعانون من مشاكل متعلقة بعدم التزام عدد من الكوادر التعليمية بالدوام الرسمي للمحاضرات والامتحانات، والضغط النفسي الناجم عن التقليل من شأن الصعوبات التي تواجه الطلبة، والخلل الذي ما زال يعاني منه نظام الجامعة الإلكتروني بين الفينة والأخرى.

لكن على الصعيد الآخر فإن الجائحة رغم قسوتها سرّعت في أخذ الجامعات وعلى رأسها جامعة بيرزيت إلى نمط تعليمي جديد، قد يشكل في المستقبل عمودًا أساسيًا يبنى عليه النظام الأكاديمي والإداري فيها، كما حاول الكادر التعليمي استحداث طرق جديدة في التدريس والتقييم، وقد كان يطمح للوصول إليها منذ زمن لكنه لم يجد الفرصة المواتية.

وقد شجّعت سهولة استخدام المنصات الإلكترونية؛ الجامعة لعقد مؤتمرات وندوات عبر الفضاء الإلكتروني، تجاوز ذلك إلى الكليات الجامعية التي بدأت تتسابق هيآتها التدريسية على إقامة ندوات إلكترونية، واستضاف بعضها ضيوفًا من خارج فلسطين، وكل هذا ساعد في فتح آفاق تعليمية جديدة.

 

 

 

[1] جامعة بيرزيت، “إعلان بخصوص تعليمات الداوم خلال الفصل الثاني للعام الأكاديمي 2020-2021”.

http://bit.ly/3oqLt0j

[2] أدخلت جامعة القدس المفتوحة بفروعها المختلفة في فلسطين نظام التعليم المدمج منذ سنوات طويلة، وكانت الرائدة في هذا المجال.

[3] يُنظر: يبلغ عدد طلبة جامعة بيرزيت 15144؛ جامعة بيرزيت. “حقائق وأرقام”.

http://bit.ly/2XqEpoG

[4]  قرار مجلس الجامعة في الجلسة (19) 2019/2020 بتاريخ 4/3/2020.

[5] قرار مجلس الجامعة في الجلسة الطارئة بناريخ 9/3/2020.

[6] يُنظر: تعليمات أكاديمية خاصة بطلبة البكالوريوس في ظل الظروف الاستثنائية؛ تعليمات أكاديمية خاصة بطلبة الماجستير في ظل الظروف الاستثنائية. http://bit.ly/399dZgC http://bit.ly/39g1fVE

[7]  جامعة بيرزيت. “تأجيل استكمال المساقات العلمية المؤجلة من الفصل الثاني”.

http://bit.ly/39dGYzI

[8] جامعة بيرزيت.” فتح باب التسجيل للدورتين الصيفيتين 2019-2020″.

https://bit.ly/3oq3WtT

[9] جامعة بيرزيت. “قرار (1) طرائق وآليات التدريس للفصل الأول 2021/2020”.

http://bit.ly/38rszB7

[10] جامعة بيرزيت. “قرار بخصوص تقليل التواجد في الحرم الجامعي  والعمل عن بعد”.

https://bit.ly/3rZMVJc

[11]  تم إرفاق أرقام للتواصل مع الجامعة عبر منصة رتاج.

[12]  جامعة بيرزيت. “خدمات المكتبة الرئيسية عن بعد في فترة الطوارئ “كورونا”.

http://bit.ly/3hT1BFC

[13]  الجزيرة نت. “احتلال الأرض والجو.. هكذا تنفذ إسرائيل خطة الضم عبر الاتصالات”.

[14] الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني. “المؤشرات الرئيسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في فلسطين 2017-2019”.

https://bit.ly/3slosOX

[15] وطن. “شد حيلك يا وطن سامح عواد”.

https://bit.ly/2MBeDvA

[16]  بيان صادر عن الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت بتاريخ 4/11/2020.

أكمل القراءة

دراسات

عدم الاستقرار في الساحة السياسية الصهيونية، وانعكاسه على القضية الفلسطينية

نشر

في

بواسطة

ورقة تحليلية:

عدم الاستقرار في الساحة السياسية الصهيونية، وانعكاسه على القضية الفلسطينية

عماد أبو عوّاد\ محلل الشؤون “الإسرائيلية” في مركز القدس

 

مقدمة

بالرغم من تشكيل حكومة صهيونية، بعد الانتخابات الثالثة والتي جرت في آذار 2020، وجمعت حزب الليكود وتحالفه من الحريديم مع حزب “أزرق أبيض” وحليفيه العمل و”طريق البلاد”، كان واضحًا بأنّ هذه الحكومة لن تعمّر طويلاً، وأنّ هدف نتنياهو منها الانتقال إلى خوض انتخابات رابعة في وضعية مريحة أكثر.

تشكيل الحكومة كان على حساب بعثرة التحالفات الداخلية من جديد، فبعد أن مثّل حزب “أزرق أبيض”، (الذي حمل صفة المركز وتحالف مع اليسار كحزبي ميرتس والعمل)، بديلاً عن التوجهات اليمينية لنتنياهو وتحالفه.. جاءت خطوة جانتس غير المفاجئة، بإعلانه الانضمام لحكومة نتنياهو، ضربة قاصمة لوضوح الاصطفافات الداخلية، الأمر الذي أعاد الشرذمة الداخلية، إلى واقعِ يفوق سوءًا الذي سبقه.

فمع بقاء المظهر الخارجي للتكتلات تحت مظلتين، الأولى “لا نريد نتنياهو”، والثانية “نتنياهو بأي ثمن”، فإنّ الانقسام الجديد انزاح إلى اليمين أكثر بشكل كبير، بين يمين متطرف ومعتدل، وكذلك يمين براجماتي، الأمر الذي حوّل اتجاه الصراع إلى صراعٍ يميني داخلي؛ ستكون له انعكاسات كبيرة داخليًّا، وكذلك في التعاطي مع الملف الفلسطيني تحديدًا.

 

منحنيات التغيير في الساحة الصهيونية

الناظر إلى الساحة الصهيونية، يلاحظ التغيرات المتسارعة في السنوات الثلاث الأخيرة، لتشتد أكثر في العام 2020، من حيث الترتيبات الداخلية للاصطفافات المُختلفة، واندثار أيديولوجيات تاريخية، وظهور أخرى. ورغم أنّ ظاهر هذه التغييرات والمُنحنيات بغالبيتها داخلي، فإنّ تلك المُتغيرات على عناوينها المُختلفة سيكون لها انعكاسات كبيرة على الساحة الفلسطينية.

 

  1. انزياح كبير نحو اليمين

اعتادت الساحة الصهيونية ومنذ تأسيس الكيان على وجود تيارين أساسيين، (اليمين واليسار)، وإن كان أصل التسمية يعود إلى الخلافات الاقتصادية بينهما، لكن مع مرور الوقت تبنى كلّ طرف رؤى خاصة فيما يتعلق بطريقة الحكم، والنظرة إلى المؤسسات القائمة، كمحكمة العدل العليا، أو علاقة الدين بالدولة.

خلال الأعوام الأخيرة ومع سيطرة اليمين الصهيوني بزعامة نتنياهو على المشهد، وتآكل حزب العمل التاريخي المُمثل أو الحامل لتسمية اليسار، بات التقسيم الأكثر شيوعًا في الساحة الداخلية الصهيونية ما بين يمين، ومركز- يسار، فقد عُدّت الأحزاب، الليكود وأحزاب الحريديم والصهيونية الدينية، وكذلك حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة ليبرمان على أنّها يمين، فيما عُدّ حزب “أزرق أبيض”، وحلفاؤه، على أنّها أحزاب مركز، لتبقى ميرتس وحدها مُمثلاً لليسار التاريخي.

هذه التقسيمة استمرت وصمدت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لتشهد تغيّرًا كبيرًا خلال العام 2020، وتحديدًا مع نهاية هذا العام، لتُصبح أحزاب اليمين هي السمة الأبرز والأكثر تأثيرًا، وباتت المُفاضلة بينها داخلية، فقد تحول الصراع بوضوح إلى يمين- يمين، في انزياح كبير، وانعطافة جعلت من الساحة السياسية تحمل تقسيمًا جديدًا، بين تيارات يمينية مختلفة، في ظل وجود بواقي يسارية متمثلة بحزب ميرتس، وانسحاق لحزب العمل، وتآكل للمركز.

وفق الحُصص الانتخابية، ووفق استطلاعات الرأي، نجد أنّ أحزاب اليمين المُختلفة، تحصل على ما يزيد على 80 مقعدًا، في أي انتخابات قادمة،  وذلك على النحو التالي: الليكود 30 مقعدًا، و”أمل جديد” بزعامة ساعر 18 مقعدًا، والحريديم بحزبيهم شاس ويهدوت هتورا 16 مقعدًا، وحزب يمينا بزعامة نفتالي بنت 12 مقعدًا، وحزب ليبرمان “إسرائيل بيتنا” 6 مقاعد[1].

وهذا يعني (إذا ما استُثنيت القائمة العربية التي تحصل على 11 مقعدًا)، أنّه وللمرة الأولى في التاريخ، سيُسيطر اليمين على ما يزيد على 75% من مقاعد الكنيست، الأمر الذي سيزيد من التنافس اليميني الداخلي، ويُثبت البرامج ما بين يمينية وأكثر يمينية، في انتظار صراعات داخلية في ملفات، وربما حسم ملفات أخرى.

  1. التجاذبات الداخلية تزداد، والكراهية قاسم مشترك

أهم المُتغيرات على الساحة الصهيونية هي تلك التي ارتبطت بتعمّق الفجوات الداخلية، وكذلك ازدياد حجم الكراهية الداخلي، فمنذ تأسيسها؛ كانت “إسرائيل” في مواجهة تحديات الاختلافات الداخلية، التي قادت مع الزمن (إلى جانب الانقسام القومي ما بين يهود وعرب)، إلى ظهور فجوات اليمين واليسار، المتدين والعلماني، الشرقي والغربي، وغيرها من الفجوات.

اليوم يعيش المجتمع الصهيوني ذروة التناقض بين هذه المكونات، الأمر الذي دفعها نحو الانكماش نحو الداخل ومهاجمة الآخر، ورغم وجود تكتلين في المرحلة الحالية، “تكتل نتنياهو” و”تكتل لا لنتنياهو”، فإنّ داخل كلّ تكتل من التناقضات والفجوات ما يجعل الالتقاء بين تلك المكونات، أمرًا أقرب إلى الاستحالة، ومؤقتًا، في حال حصوله.

يصف موشيه جورلي ما يحدث في “إسرائيل” اليوم على أنّه الأكثر فرادة من نوعه، فلم يكن في تاريخها رئيس وزراء بهذا الشكل، استطاع أن يُقسم المجتمع “الإسرائيلي” إلى جمهورين، جمهور داعم له، وجمهور آخر يحمل له كلّ الكراهية، واصفًا نتنياهو بأنّه يُشكل ذروة الانقسام في المجتمع، بعد أن جعل كافة المؤسسات بما في ذلك القضائية محط خلاف[2].

وبالنظر إلى منظومتها الداخلية فإنّ “إسرائيل” باتت تعيش حالة الانقسام الأكبر حيال القضايا الأساسية، الدين والقضاء، ومن هو صاحب السيادة. ففي الوقت الذي باتت فيه الأحزاب الحريدية مركز ابتزاز لمن يريد الحكم، بفعل كونها بيضة القبان واستطاعتها تمرير الكثير من القوانين التي تخدم الدين، فإنّ ذلك ساهم بوجود ردّة فعل رافضة للوضع الذي كان قائمًا فيما يخص العلاقة بين الدولة والحريديم.

ما زاد من حدّة الانقسام الحاصل، وضعية بنيامين نتنياهو الذي يعاني من وجود ثلاث لوائح اتهام، وفعليًّا ستبدأ محاكمته قريبًا، وأمام رغبته الجامحة بالاستمرار والتملّص من المحاكمة، فقد تنازل للحريديم بشكل كبير، الأمر الذي زاد من حدّة التناقض بينهم وبين العلمانيين، الأمر الذي دفع إفيجدور ليبرمان للمطالبة بإزاحة نتنياهو والحريديم، بعد أن كان ليبرمان حليفًا لهم في عدة حكومات.

يُضاف إلى ذلك رغبة اليمين الأيديولوجي في القضاء على دور المحكمة العليا، والتي مثلت عبر عقود طويلة بيضة القبان ما بين السلطة التنفيذية والتشريعية، خاصة في ظل غياب دستور ينظم الحياة في “إسرائيل”، فقد رفع اليمين شعار الشعب هو الحكم، وهو يريد بذلك تمرير الرؤى الخاصة به فيما يتعلق بالنظام الداخلي، الأمر الذي سيعني التصادم مع مكونات المركز واليسار، وفرض نمط حياة ديني، خاصة أنّ المتدينين هم بيضة القبان في الحكومة.

وربما يُمكن فهم سياق الاختلاف والتنافر بين مكونات المجتمع الصهيوني حول قضية هوية الدولة، ما بين يهودية وديمقراطية، في الوقت الذي تُشير المُعطيات إلى ارتفاع التوجه نحو العنف بين مكوناته، فقد كشف استطلاع لجامعة بار إيلان وكيرن منومدين، عن المُعطيات التالية[3]:

  1. 14% من اليمينيين مستعدون لاستخدام العنف ضد المنتمين لليسار.
  2. 43% من أتباع اليمين لا يرون ضرورة لمنح من ينتمي لليسار، كامل حقوقه في المواطنة.
  3. كما أنّ 57% منهم، غير مستعد لمنح حرية تعبير كاملة للإعلام الذي ينتمي لليسار.
  4. 33% من المنتمين لليسار غير مستعدين كذلك، لمنح اليمينيين حرية كاملة في الوسائل الإعلامية.
  5. 32% من العلمانيين يُطالبون بإيقاف تأثير منظومة الدين على النقاش العام، و50% من “الإسرائيليين”، تراجع تقديرهم للحريديم خاصة بعد أزمة الكورونا.
  6. فيما رأى 41% من المُستطلعين أنّ أزمة الكورونا، ساهمت بانقسام أكبر من الموجود في الساحة “الإسرائيلية”.

قد يكون الاختلاف في التوجه الفكري ونمط الحياة، أمرًا طبيعيًّا  في أي منظومة أو دولة، لكنّه وصل في الحالة “الإسرائيلية” إلى مرحلة التنافر وإنكار الآخر، حتى وصلت “إسرائيل” من الناحية الجغرافية، إلى ما يُعرف بالدول الثلاث، “إسرائيل” الدولة، دولة تل ابيب التي تقطنها غالبية تنتمي للمركز واليسار، ودولة المستوطنين التي يغلب على سكانها الانتماء للتيار الديني الأرثودوكسي[4]، بنسبة تزيد على 67%[5].

 

  1. الحريديم يحسمون أمرهم بتبني برامج اليمين

دأب الحريديم منذ تأسيس أحزابهم، شاس في العام 1984، ويهدوت هتوراة في العام 1992، على جعل هدف التعاطي مع المنظومة السياسية هو تحقيق المكاسب الخاصة بالحريديم، دون إبداء توجهات سياسية معينة، بل ارتكز اهتمامهم على تطبيق رؤيتهم الدينية فيما يتعلق بالمعاملات الاجتماعية، وإرغام الدولة على إقرار قوانين مرتبطة بإعفاء شبابهم من المشاركة في التجنيد الإجباري المفروض في “إسرائيل”.

فحزب شاس على سبيل المثال والذي دعم اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين من خلال امتناعه عن التصويت، يُصنف أبناؤه اليوم على أنّهم الأكثر يمينية، وباتت قياداته تُعبّر عن توجهات سياسية ذات صلة بالصراع، مؤكدة رؤيتها اليمينية، وقد تجلى ذلك بوضوح عندما طالبت شاس في غير مرة بضرورة فرض السيادة الصهيونية على المستوطنات في الضفة الغربية[6]، في ما يُعرف بعملية الضم، قبل مغادرة ترامب للبيت الأيض.

دخول الحريديم وتحديدًا شاس الحلبة السياسية بمنطلقات يمينية أيديولوجية، ستكون له انعكاسات بجعل المُحددات السياسية في “إسرائيل”، ليست محط خلاف بين غالبية الجمهور وكذلك الشرائح السياسية، فالتركيز سيكون على الاختلافات والخلافات الداخلية، فيما يتعلق بالاقتصاد، والدين والدولة.

  1. الفجوات الاجتماعية تزداد في “إسرائيل”

كان لجائحة الكورونا انعكاسات اقتصادية واجتماعية، الأمر الذي قاد إلى إحداث تغييرات طبقية، رفعت فئات اجتماعية دون أخرى، وزادت مساحة الفقر والطبقات المتضررة، جراء الإغلاقات المتكررة، مما سيكون له انعكاسات كبيرة على التوجهات السياسية الداخلية والخارجية.

وفق استطلاع رأي موجه، كشف 42% من “الإسرائيليين” أنّ وضعهم الاقتصادي ازداد سوءًا خلال أزمة الكورونا، و47% اعتقدوا بأنّهم لن يستطيعوا تغطية مصاريفهم، و15% أشاروا إلى قيامهم بتقليص مصروفاتهم على المأكولات، و12% استعانوا بعامل خارجي من أجل مساعدتهم في تغطية مصروفاتهم[7].

هذا يُضاف إلى ارتفاع نسبة البطالة في “إسرائيل”، فبعد أن كانت لا تتجاوز حدود 4%، وهي من أقل النسب في العالم، ارتفعت بسبب الكورونا إلى نحو 25%[8]، واتضح أنّ النسب الأعلى من بين طالبي العمل هي في المناطق الحريدية، وكذلك قُرب الفلسطينيين في الداخل المُحتل.

 

انعكاسات تلك التغييرات على القضية الفلسطينية

للوهلة الأولى، وفي ظل أنّ غالبية تلك المُتغيّرات مرتبطة بالساحة الداخلية الصهيونية، قد لا يبدو لذلك الكثير من الانعكاسات على الواقع الفلسطيني، لكن بنظرة معمّقة فإنّ تلك الانقسامات ستنعكس بشكل كبير على الفلسطينيين، في ظل الارتباط الكبير لكلّ متغير على الواقع المُعاش هنا، وكذلك التأثير العكسي للمتغيرات في الساحة الفلسطينية على “إسرائيل”.

  1. إجماع “إسرائيلي” على إلغاء حلّ الدولتين

الخلافات الداخلية الصهيونية، همشت حضور القضية الفلسطينية في برامج الأحزاب الصهيونية، التي بات خطابها يتراوح ما بين تجاهل الموضوع الفلسطيني برمّته، أو جعله في ذيل برامجها الانتخابية، وربما يأتي ذلك تماشيًا مع توجهات الجمهور الصهيوني، الذي يعطي الأولوية للواقع الاقتصادي والفجوات الداخلية[9].

حتى أنّ بيني جانتس الذي عوّلت السلطة على أنّ مجيئه سيُعيد لعملية السلام بريقها، أكدّ بأنّ حل الدولتين بنسخته المعهودة غير وارد، وبأنّ المستوطنات جزء لا يتجزأ من “إسرائيل”، وهذا ما تبعه عليه خولدائي مؤسس حزب “إسرائيليون”، المحسوب على يسار المركز الصهيوني.

الواقع الداخلي أزاح عين المستوطن الصهيوني عن التفكير كثيرًا بالأبعاد السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية لصالح مشاكله المرتبطة بالأمن، والاقتصاد والديمقراطية، وهذا يعني خلال الفترة المقبلة على الأقل، استحالة وجود تيار “إسرائيلي” مُستعد للعودة إلى تفاهمات دولته مع الفلسطينيين، الأمر الذي سيعني بالضرورة الانزلاق نحو التسليم بالأمر الواقع، والمزيد من استنزاف الوقت، وتثبيت ركائز الاستيطان في الضفة.

 

 

  1. تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية

في ظل احتدام الصراع الداخلي الصهيوني على قضايا الدين والدولة، وفي ظل حقيقة أنّ رؤية اليمين السياسية هي ذات الثقل الأكبر، بحصولها على ما يزيد على ثلثي مقاعد الكنيست، فإنّ ذلك سيؤسس لمرحلة استيطانية جديدة، تضمن إجماعاً صهيونيًّا ليس فقط على مجرد بناء وحدات استيطانية جديدة أو على الدعم الموجه للمستوطنين من أجل مصادرة أراضي الفلسطينيين، وتثبيت بؤرٍ استيطانية عليها، بل وعلى الذهاب في اتجاه شرعنة تلك المستوطنات، وتحويل البؤر الاستيطانية إلى مستوطنات قانونية وفق رؤية اليمين.

حُلم تشريع البؤر الاستيطانية لا زال يراود أتباع الصهيونية الدينية، وأطياف واسعة من الليكود، حتى أنّ عوفر شليخ في تصريحٍ له بعد انشقاقه عن حزب “يوجد مستقبل” بزعامة يائير لبيد، أشار إلى أنّ الأخير فكّر بدعم الضم، لولا أنّه (أي شليخ) كبح جماحه، وهذا يؤكد بأنّ الاستيطان لم يعد محلّ خلاف، وقد يكون نتنياهو هو آخر من يكبح جماح التوجه السريع لليمين الأيديولوجي بهذا الاتجاه.

ويُمكن فهم معادلة التوجه اليميني من خلال قراءة الأرقام ذات الصلة بالبناء في المستوطنات، فمع أنّ مسيرة بناء الوحدات الاستيطانية في الضفة، بقيت حتى العام 2019 ضمن ذات السياق الذي يتراوح بين 1800 إلى 2000 وحدة استيطانية سنويًّا[10]، فإنّ هذا المعدل شهد قفزة في العام 2020، ليس من خلال زيادة عدد التراخيص لبناء الوحدات الاستيطانية، بل من خلال توزيعها.

تبين أنّ أكثر من 11 ألف وحدة استيطانيه بواقع 91.2%، أقرّ بناؤها في المستوطنات العشوائية[11]!، وليس في المستوطنات الكُبرى التي جرى التفاهم في جنيف على إمكانية بقائها في أي اتفاق سياسي، (وهو ما قد تقبل به السلطة الفلسطينية استنادًا لمبدأ تبادل الأراضي وفق صيغة مفاوضات عباس- أولمرت)، مما يؤكد، وبحسب الواقع على الأرض، أنّ رؤية اليمين باتت حقيقة ثابتة على الأرض، بعد أن استولت “إسرائيل” على غالبية المناطق الفارغة في الضفة الغربية، ونشرت على رؤوس جبالها بؤرًا استيطانية، سرعان ما ستتحول إلى مستوطنات.

 

  1. العمل على إلغاء الطابع السياسي للسلطة الفلسطينية

الناظر إلى تعامل الاحتلال مع منظمة التحرير، وتحديدًا حركة فتح منذ ثمانينيات القرن الماضي، يرى بأنّ “إسرائيل” قطعت ثلاث مراحل في تطويعها للمسار السياسي الفلسطيني، الأول بعد أن تخلصت من المُعارضين لمسيرة المفاوضات، بحملة اغتيالات طالت قيادات كبيرة من فتح كخليل الوزير، ما لبث، بعدها، الرئيس الراحل ياسر عرفات إلّا أن وصل إلى مدريد، معلنًا قبول منظمة التحرير بمبدأ التفاوض لتحقيق الدولة الفلسطينية.

المرحلة الثانية، كانت من خلال التخلص من عرفات نفسه، فلم تكن “إسرائيل” تريد أن يكون على رأس السلطة شخص يؤمن باستخدام أدوات خشنة لتحقيق أهداف سياسية، فيما المرحلة الثالثة التي نعيشها، والتي حيّدت الأدوات الخشنة وفككت كلّ سبل المقاومة، لكنّها لا زالت تحمل طابعًا سياسيًّا، الأمر الذي لا يروق للاحتلال، رغم تدني سقف السلطة الفلسطينية.

المرحلتان الرابعة والخامسة، مرتبطتان جزئيًّا ببعضهما البعض، إذ تُريد “إسرائيل” تحويل السلطة إلى كيان إداري فقط، وإلغاء طابعها السياسي، وتعوّل “إسرائيل” على وجود من يقبل بذلك، في مرحلة ما بعد الرئيس عباس، ليجري بعدها الوصول إلى نهاية المطاف من خلال تقسيم الضفة الغربية، إلى مناطق إدارية مُنفصلة، تُعنى كل منطقة منها، بشؤونها، من غير ارتباط بنظيراتها.

وهذا ما ظهر من خلال اتفاق التطبيع بين الإمارات و”إسرائيل”، فقد عدّت الأخيرة أنّ السلام الاقتصادي يؤتي ثماره، ويُمكن الاكتفاء بذلك تجاه الفلسطينيين، بمعنى أنّ العلاقة مع الفلسطينيين لا يجب أن تتجاوز حدود الأمور الحياتية، خاصة في ظل وجود ما يزيد عن 200 ألف عامل فلسطيني في “إسرائيل”، وفي ظل تحكمها بأموال الفلسطينيين، وقد ظهر ذلك جليًّا في ملف المقاصة.

وربما في ظل علاقة المال والسلطة، ووجود شخصيات متنفذة ذات ثقل مالي كبير، فإنّ حماية المصالح المالية ستكون أولوية مقدّمة على التفكير بأي أبعاد سياسية، حتى أنّ “إسرائيل” لم تعد تولي أي اهتمام لمجرد التفاوض مع السلطة على أي قضية سياسية، وبات ترتيب العلاقات يجري عبر الإدارة المدنية، التي تهدف إلى ربط الفلسطينيين بها بشكل مباشر، وتسيير الكثير من الملفات من خلال العلاقة التنسيقية مع الشؤون المدنية في السلطة، على ألا تتجاوز تلك العلاقات سقف ترتيب الأمور الإدارية.

العمل الإسرائيلي على نسف أي صبغة سياسية لأي كيان فلسطيني، بات يُؤتي أكله، وربما التراجع الكبير للسلطة الفلسطينية، في الكثير من الملفات مؤخرًا، خاصة تلك المرتبطة بالعلاقة مع الإمارات والبحرين، أظهر أنّ السلطة نفسها باتت تتحاشى أي خطاب سياسي مستفز، من وجهة النظر الإسرائيلية. حتى على مستوى الإدانات والشجب والاستنكار، لم نعد نرى نفسًا قويًّا للسلطة، في إشارة إلى أنّ الضغط “الإسرائيلي”، بات يؤسس لمرحلة قبول السلطة، بالدور الإداري لا السياسي، ليس فقط من ناحية العمل، بل أيضًا من ناحية القبول الضمني.

 

خاتمة

الانعكاسات السلبية على القضية الفلسطينية، جرّاء التغيّرات الكبيرة في الساحة الصهيونية، جاءت، أيضًا، نتيجة للتسليم الفلسطيني، فباتت السلطة تخشى على مكتسباتها الاقتصادية، الأمر الذي منح الاحتلال المزيد من مساحة الضغط، وهذا ما يظهر في الخطاب اليميني الداخلي، المرتكز في الأساس على أنّ الهمّ الفلسطيني مرتبط بلقمة العيش وليس له أبعاد سياسية، الأمر الذي زاد من جمهور المقتنعين بأنّ لا حاجة لحلول تُفضي إلى انسحاب “إسرائيلي” من أي شبرِ من الضفة الغربية.

والحقيقة المرّة المترسخة بشكل أكبر، هي أنّ الجمهور الفلسطيني في ظل الأداء السلبي للسلطة الفلسطينية، بات هو الآخر يبتعد عن البعد السياسي للقضية، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الأداء الفلسطيني المُقاوم في الضفة، والذي بات فرديًّا وضيقًا، دون وجود حشود جماهيرية حتى للتعبير عن رفضها، ولو بشكل سلمي.

وربما الذهاب باتجاه مطالبة السلطة بإنهاء الانقسام، والعمل على توحيد الجهد الفلسطيني بات أمرًا مستنزفًا، فالمؤشرات خلال ما يزيد ععلى عقد من الزمن، تؤكد رغبة السلطة في التخلص من غزة، وبناء مشروعها في الضفة الغربية، يُضاف إلى ذلك، حقيقة وجود مُعيقات “إسرائيلية” وإقليمية ودولية تمنع الوصول إلى تفاهمات فلسطينية داخلية.

من هنا فإنّ أكثر ما يُمكن أن تقوم به السلطة، إن أرادت ذلك، هو العمل على صياغة برنامج سياسي يستخدم أدوات خشنة بالحد الأدنى، يسبقه بالتأكيد تجسير الفجوة الكبيرة مع الجمهور في الضفة الغربية، من خلال تحسين أدائها الإداري والاقتصادي، والحد من الفساد المُستشري بشكل فاضحٍ في الكثير من المؤسسات، وخلاف ذلك، يعني قريبًا إعلان إلغاء الصبغة السياسية لمؤسسة السلطة.

 

 

 

 

 

[1]  خدشوت سيروجيم، 8.1.2021، استطلاع: بنت وساعر قريبون من نتنياهو، خولدائي ينهار، خدشوت سيروجيم، https://www.srugim.co.il/524975-%D7%A1%D7%A7%D7%A8-%D7%91%D7%A0%D7%98-%D7%95%D7%A1%D7%A2%D7%A8-%D7%A0%D7%93%D7%91%D7%A7%D7%99%D7%9D-%D7%9C%D7%A0%D7%AA%D7%A0%D7%99%D7%94%D7%95-%D7%97%D7%95%D7%9C%D7%93%D7%90%D7%99-%D7%9E%D7%AA%D7%A8

[2]  موشيه جورلي، 26.07.2020، تقسيم، تشظية وافساد، واضعاف للمؤسسات. كلكلست https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3841699,00.html

[3]  يوبال باجنو، 12.05.2020. الاستقطاب على الحائط، إلى أي حد عميق التجاذب في المجتمع الإسرائيلي. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-764838

[4]  يضم هذا التيار المتدينين بشقيهم، الحريديم وكذلك المُنتمين للصهيونية الدينية.

[5]  خدشوت سيروجيم، 8.01.2019. معطيات رسمية، كم من اليهود موجودون في الضفة الغربية. سيروجيم. https://www.srugim.co.il/303929-%D7%A0%D7%AA%D7%95%D7%A0%D7%99%D7%9D-%D7%A8%D7%A9%D7%9E%D7%99%D7%99%D7%9D-%D7%9B%D7%9E%D7%94-%D7%99%D7%94%D7%95%D7%93%D7%99%D7%9D-%D7%99%D7%A9-%D7%91%D7%99%D7%94%D7%95%D7%93%D7%94-%D7%95%D7%A9%D7%95

[6]  آنا برسكي، 22.01.2020. درعي: شاس ستدعم فرض السيادة على المستوطنات في الضفة الغربية وعلى غور الأردن. https://www.maariv.co.il/breaking-news/Article-742613

[7]  دورون بروتمان، 19.11.2020. هكذا زادت الكورونا من الفجوات الاجتماعية في “إسرائيل”. كلكلست. https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3873930,00.html

[8]  نفس المرجع السابق.

[9]  شموئيل فازنا، 19.08.2020، إسرائيل ليست منقسمة بين يمين ويسار، بل بين سادة وخدّام. ذ ماركر. https://www.themarker.com/opinion/1.9085735

[10]  جلوبس، 10.09.2020. هل ازدهر الاستيطان منذ أن ترك ليبرمان الحكومة. جلوبس. https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001342208

[11]  شلوم غخشاف، 18.10.2020، العام 2020 هو ذروة البناء الاستيطاني. السلام الآن. https://peacenow.org.il/%D9%8Cplans-record-2020

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ يومين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ يومين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ 3 أيام

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

وعادت حليمة الفلسطينية لعادتها القديمة!!

  جودت صيصان عجبًا لأمر بعض المسؤولين الفلسطينين الذين ينتظرون تلميحًا أو تصريحًا، ولو كان من أصغر موظف في إدارة...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة جودت صيصان منذ حوالي عقدين من الزمان والقيادة الفلسطينية تعلن بأن القضية الفلسطينية...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية              إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرابع من كانون الثاني/ يناير المراسيم الخاصة...

مقالاتمنذ شهر واحد

أسئلة على هامش إعلان الانتخابات

  كتبت: رولا حسنين في خضم الحديث عن تصريحات الرئيس محمود عباس حول إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الفترة القليلة...

مقالاتمنذ شهر واحد

تغيير المناهج التعليمية… خطوة خطيرة لدول التحالف العربي التطبيعي

كتب: جودت صيصان  يبدو أن الكثير منا كان يظن أن دول التحالف العربي التطبيعي قد أُجبرت على التطبيع مع العدو...

مقالاتمنذ شهر واحد

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الجمعة السابق المراسيم الانتخابية التي حددت المواعيد...

الأكثر تفاعلا