تواصل معنا

دراسات

جولة في مراكز البحث الصهيونية، تموز 2020

نشر

في

 

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والصهيوني

 

في الكيان تنشغل المراكز البحثية بالتحديات الداخلية والخارجية، إلى جانب نقاش القضايا ذات الصلة بيهود الخارج، اللذين يعيشون تحديداً في الولايات المتحدة وأوروبا.

شهد الشهر الأخير تركيزاً من قبل المراكز البحثية على جائحة كورونا، وكذلك الحديث عن الضم الصهيوني لمناطق في الضفة الغربية، إلى جانب مواضيع متنوعة أخرى. اخترنا أربعة مراكز بحثية لنتناول أهم ما أصدرته.

  1. مركز الاستراتيجية الصهيونية.

تناول المركز قضيتين محوريتين، الأولى، ارتفاع العداء لليهود في ثلاث دول أوروبية، بريطانيا، فرنسا وألمانيا، حيث أشارت المُعطيات البحثية إلى ارتفاع الاعتداءات التي يتعرض لها اليهود في تلك الدول، حيث تصل في فرنسا إلى 500 اعتداء سنوياً. لكن البحث خالف النظرة السائدة بأنّ ارتفاع الاعتداءات مرتبط بارتفاع أسهم اليمين المتطرف، فيما أشار إلى أنّ ارتفاع العداء لليهود في بريطانيا، كان مع اقتراب خروجها من الاتحاد الأوروبي.

قضية ارتفاع العداء لليهود تحديداً في أوروبا والولايات المتحدة، باتت تشغل حيّزاً واسعاً من النقاش الصهيوني الداخلي، خاصة في ظل كذلك اتساع الفجوة بين “إسرائيل” ويهود الخارج بسبب الخلاف بين التيارين على طبيعة الحكم في الدولة.

ووفق المُعطيات الصهيونية فإنّ ارتفاع حالات الاعتداء على يهود الولايات المتحدة، ترافق مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم في البيت الأبيض، فيما كانت المؤشرات الأخرى تُشير إلى أنّ اليمين في أوروبا هو مُسبب آخر في ارتفاع كراهية اليهود، إلى أنّ البحث الصادر هنا، ينفي هذا التوجه، ويُشير إلى أنّ الظاهرة في سياقها الطبيعي التاريخي، المبني على كراهية الغرب لليهود، وربما هذا ما يُفسر حجم المجازر التاريخية التي ارتكبها الغرب بحق اليهود.

وفي بحث آخر، أشار المركز إلى أنّ العام الأخير شهد مقتل 92 فلسطيني في الداخل، بما نسبته 62% ممن قُتلوا في المشاكل الداخلية وفلتان السلاح، علماً أنّ نسبة الفلسطينيين فقط 20%، والغريب أنّ البحث حمّل المسؤولية للفلسطينيين، وسوء تعاطيهم مع الشرطة الصهيونية، ولطبيعة الثقافة الداخلية العربية، مُعفياً الشرطة والحكومة الصهيونية من المسؤولية، في ظل اهمالهم المتعمّد للوسط الفلسطيني.

وهذا يتناقض تماماً مع السلوك الصهيوني الداخلي تجاه الفلسطينيين، حيث ساهمت الحكومة الصهيونية بانتشار السلاح في الوسط الفلسطيني ليُستخدم في اتجاه الجريمة الداخلية، ونشر المخدرات والسلوكيات المدمرة للمجتمعات، إلى جانب التقصير المتعمد في حل المشاكل، وتأخر الشرطة في الوصول لمكان الجرائم، ودفن الملفات المختلفة، والسماح للمجرمين بالبقاء خارج السجون بحرية تامة، رغم وضع يد الشرطة على الكثير من الملفات التي تُدينهم، وهذا ما يؤكده ممثلو القائمة العربية المشتركة، في سياق تحميلهم للحكومة الصهيونية، ارتفاع نسبة الجريمة في الوسط الفلسطيني في الداخل المحتل.

  1. مركز بيجن-سادات للدراسات الاستراتيجية.

قضية الضم ساهمت بزيادة حدّة التقاطب الداخلي في “إسرائيل”، هذا ما ورد في قراءة الباحث اللواء جرشون هكوهين، حيث أشار إلى أنّ المساحة التي تفصل بين التيارين الداعم والمعارض لضم المناطق في الضفة الغربية، أخذت حيّزاً أكبر، وساهمت بالمزيد من الشدّ بين الاتجاهين.

يُذكر أنّ قضية الضم كشفت أنّ التوجه العام منقسم نحوها، لكنّ هذا الانقسام أظهر شرخاً في المجتمع الصهيوني، حيث أنّ غالبية من أرادوا الضم كانوا من المستوطنين، والمتدينين الصهاينة، وغالبية من عارضوه علمانيون ليبراليون عير متدينين، ليُضاف هذا الشرخ إلى مساحات أخرى من عدم قبول الآخر في المجتمع الصهيوني، ولينسحب هذا الشرخ على نفس الفئات في المجتمع، والتي تتناحر بينها في الكثير من القضايا.

  1. معهد دراسات الأمن القومي.

الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي، اودي ديكل ونوعا شوسترمان، تناولا قضية الضم، وقاما بمحاكاة ماذا كان سيحدث لو أعلن نتنياهو الضم في الأول من تموز، حيث توقع الباحثان السيناريو التالي، أن يُعلن الرئيس الفلسطيني أبو مازن عن دولة فلسطينية، اشتباكات عنيفة في مناطق الضفة الغربية، صواريخ تنهمر من قطاع غزة باتجاه “إسرائيل”، توتر كبير في العلاقات مع الأردن، وادانات قوّية من المجتمع الدولي.

وأضاف الباحثان، أنّ “إسرائيل” لربما نجحت في تحويل الرأي العام العلمي عن القضية الفلسطينية، لكنّ مسألة الضم أعادت لها البريق، وأظهرت “إسرائيل” على أنّها دولة معزولة في هذا السياق وتتلقى فقط دعم أمريكي، قد يتحوّل في حال تغيّر الحاكم في البيت الأبيض.

من جانبه جال بينكل، تناول قضية الجيش البري في دولة الاحتلال، حيث أشار بينكل أنّه في ظل الأزمة المالية والحديث عن تقليصات من الميزانيات، هناك إشارات إلى تقليص الاهتمام بسلاح البر، لصالح الاهتمام بالجانب التكنولوجي، وتطوير الوسائل الأكثر فتكاً.

وتأتي هذه القضية في ظل البيانات التي تُشير الى تراجع حافزية التجنيد لدى الشباب الصهيوني، حيث أنّ سلاح البرّ والمدرعات يُعاني من عزوف الشباب عن الانضمام بهما، ويُضيف بينكل أنّ اهمال سلاح البرّ في ظل التحديات الكبيرة على الجبهة الجنوبية مع حماس، والجبهة الشمالية مع حزب الله، يدق ناقوس الخطر، في ظل تقديرات الجيش، بأنّ المرحلة القادمة ربما تشهد اقتحام حماس أو حزب الله للحدود “الإسرائيلية”. منوهاً أنّ عدم الاهتمام الكافي بسلاح البر، سيؤدي إلى إطالة عُمر أي حرب قادمة.

  1. مركز الدمقراطية الإسرائيلي.

تناول المركز قضيتان اساسيتان، الأولى مرتبطة بالاقتصاد في ظل الكورونا، حيث تطرقت دفنا نيتسان للحديث عن الأزمة الاقتصادية ما بعد كورونا، من بين 950 ألف عاطل عن العمل بسبب الكورونا، أشارت دفنا أنّ نصفهم بين الأعمار 30 الى 54 عاماً، وهي الفئة العمرية التي تُعتبر قلب الاقتصاد في أي دولة.

وفق دفنا فإنّ الأزمة وإن كانت قد تبدو مؤقتة، لكنّها باتت تنعكس سلباً على فئات اجتماعية واسعة، حيث يدور الحديث عن 25% من اليد العاملة وجدت نفسها ولو مؤقتاً من دون عمل، بمعنى أن مصدر دخلهم تأثر سلباً، الأمر الذي أفقدهم القدرة على اعالة عائلاتهم، كون ما تدفعه الحكومة لهم لا يُغطي سوى جزء من الاحتياجات الأساسية.

من جانبه الدكتور شوقي فريدمان، تناول قضية دولة تل ابيب، في إشارة إلى النظام الخاص الذي تعيشه تل ابيب، حيث يقطن المدينة غالبية عُظمى من العلمانيين، حيث وفق فردمان أقدمت بلدية تل ابيب على تأسيس سجل مدني للأزواج مثليي الجنس، الأمر الذي يُشير إلى أزمة العلاقة ما بين الدولة والدين، في ظل اشتداد التوتر على خلفية شكل الدولة المرغوب.

سلوك دولة تل ابيب وفق فريدمان، يُشير إلى تجاهلها الوضع القائم والي يُنظم العلاقة ما بين الدين والدولة، تل ابيب تتجه نحو إقرار المواصلات العامة يوم السبت، وافتتاح الأسواق التجارية في السبت كذلك، وهي مما لا شك فيه ستمد يدها لبقية المناطق لتحذو حذوها.

تل ابيب، أو تكساس “إسرائيل” كما يحلو للكثيرين تسميتها، باتت دولة داخل الدولة، حيث الانتقال داخل حدودها يُشعرك بأنّك انتقلت إلى مكان بعيد وليس ملاصقٍ لبيقة المناطق في “إسرائيل”، تل ابيب هي مثال الدولة داخل الدولة، وهي بالتأكيد ردّة فعل على دول أخرى باتت تظهر، فالمستوطنون دولة، والمتدينون بفكرهم دولة خاصة، وجمع هذا الشتات لا زال على أسس ضعيفة، وليست مؤسسة على دستور يُنظم الحياة، أو قوانين صلبة تضمن الاستمرارية.

 

 

 

 

 

دراسات

عدم الاستقرار في الساحة السياسية الصهيونية، وانعكاسه على القضية الفلسطينية

نشر

في

بواسطة

ورقة تحليلية:

عدم الاستقرار في الساحة السياسية الصهيونية، وانعكاسه على القضية الفلسطينية

عماد أبو عوّاد\ محلل الشؤون “الإسرائيلية” في مركز القدس

 

مقدمة

بالرغم من تشكيل حكومة صهيونية، بعد الانتخابات الثالثة والتي جرت في آذار 2020، وجمعت حزب الليكود وتحالفه من الحريديم مع حزب “أزرق أبيض” وحليفيه العمل و”طريق البلاد”، كان واضحًا بأنّ هذه الحكومة لن تعمّر طويلاً، وأنّ هدف نتنياهو منها الانتقال إلى خوض انتخابات رابعة في وضعية مريحة أكثر.

تشكيل الحكومة كان على حساب بعثرة التحالفات الداخلية من جديد، فبعد أن مثّل حزب “أزرق أبيض”، (الذي حمل صفة المركز وتحالف مع اليسار كحزبي ميرتس والعمل)، بديلاً عن التوجهات اليمينية لنتنياهو وتحالفه.. جاءت خطوة جانتس غير المفاجئة، بإعلانه الانضمام لحكومة نتنياهو، ضربة قاصمة لوضوح الاصطفافات الداخلية، الأمر الذي أعاد الشرذمة الداخلية، إلى واقعِ يفوق سوءًا الذي سبقه.

فمع بقاء المظهر الخارجي للتكتلات تحت مظلتين، الأولى “لا نريد نتنياهو”، والثانية “نتنياهو بأي ثمن”، فإنّ الانقسام الجديد انزاح إلى اليمين أكثر بشكل كبير، بين يمين متطرف ومعتدل، وكذلك يمين براجماتي، الأمر الذي حوّل اتجاه الصراع إلى صراعٍ يميني داخلي؛ ستكون له انعكاسات كبيرة داخليًّا، وكذلك في التعاطي مع الملف الفلسطيني تحديدًا.

 

منحنيات التغيير في الساحة الصهيونية

الناظر إلى الساحة الصهيونية، يلاحظ التغيرات المتسارعة في السنوات الثلاث الأخيرة، لتشتد أكثر في العام 2020، من حيث الترتيبات الداخلية للاصطفافات المُختلفة، واندثار أيديولوجيات تاريخية، وظهور أخرى. ورغم أنّ ظاهر هذه التغييرات والمُنحنيات بغالبيتها داخلي، فإنّ تلك المُتغيرات على عناوينها المُختلفة سيكون لها انعكاسات كبيرة على الساحة الفلسطينية.

 

  1. انزياح كبير نحو اليمين

اعتادت الساحة الصهيونية ومنذ تأسيس الكيان على وجود تيارين أساسيين، (اليمين واليسار)، وإن كان أصل التسمية يعود إلى الخلافات الاقتصادية بينهما، لكن مع مرور الوقت تبنى كلّ طرف رؤى خاصة فيما يتعلق بطريقة الحكم، والنظرة إلى المؤسسات القائمة، كمحكمة العدل العليا، أو علاقة الدين بالدولة.

خلال الأعوام الأخيرة ومع سيطرة اليمين الصهيوني بزعامة نتنياهو على المشهد، وتآكل حزب العمل التاريخي المُمثل أو الحامل لتسمية اليسار، بات التقسيم الأكثر شيوعًا في الساحة الداخلية الصهيونية ما بين يمين، ومركز- يسار، فقد عُدّت الأحزاب، الليكود وأحزاب الحريديم والصهيونية الدينية، وكذلك حزب “إسرائيل بيتنا” بزعامة ليبرمان على أنّها يمين، فيما عُدّ حزب “أزرق أبيض”، وحلفاؤه، على أنّها أحزاب مركز، لتبقى ميرتس وحدها مُمثلاً لليسار التاريخي.

هذه التقسيمة استمرت وصمدت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لتشهد تغيّرًا كبيرًا خلال العام 2020، وتحديدًا مع نهاية هذا العام، لتُصبح أحزاب اليمين هي السمة الأبرز والأكثر تأثيرًا، وباتت المُفاضلة بينها داخلية، فقد تحول الصراع بوضوح إلى يمين- يمين، في انزياح كبير، وانعطافة جعلت من الساحة السياسية تحمل تقسيمًا جديدًا، بين تيارات يمينية مختلفة، في ظل وجود بواقي يسارية متمثلة بحزب ميرتس، وانسحاق لحزب العمل، وتآكل للمركز.

وفق الحُصص الانتخابية، ووفق استطلاعات الرأي، نجد أنّ أحزاب اليمين المُختلفة، تحصل على ما يزيد على 80 مقعدًا، في أي انتخابات قادمة،  وذلك على النحو التالي: الليكود 30 مقعدًا، و”أمل جديد” بزعامة ساعر 18 مقعدًا، والحريديم بحزبيهم شاس ويهدوت هتورا 16 مقعدًا، وحزب يمينا بزعامة نفتالي بنت 12 مقعدًا، وحزب ليبرمان “إسرائيل بيتنا” 6 مقاعد[1].

وهذا يعني (إذا ما استُثنيت القائمة العربية التي تحصل على 11 مقعدًا)، أنّه وللمرة الأولى في التاريخ، سيُسيطر اليمين على ما يزيد على 75% من مقاعد الكنيست، الأمر الذي سيزيد من التنافس اليميني الداخلي، ويُثبت البرامج ما بين يمينية وأكثر يمينية، في انتظار صراعات داخلية في ملفات، وربما حسم ملفات أخرى.

  1. التجاذبات الداخلية تزداد، والكراهية قاسم مشترك

أهم المُتغيرات على الساحة الصهيونية هي تلك التي ارتبطت بتعمّق الفجوات الداخلية، وكذلك ازدياد حجم الكراهية الداخلي، فمنذ تأسيسها؛ كانت “إسرائيل” في مواجهة تحديات الاختلافات الداخلية، التي قادت مع الزمن (إلى جانب الانقسام القومي ما بين يهود وعرب)، إلى ظهور فجوات اليمين واليسار، المتدين والعلماني، الشرقي والغربي، وغيرها من الفجوات.

اليوم يعيش المجتمع الصهيوني ذروة التناقض بين هذه المكونات، الأمر الذي دفعها نحو الانكماش نحو الداخل ومهاجمة الآخر، ورغم وجود تكتلين في المرحلة الحالية، “تكتل نتنياهو” و”تكتل لا لنتنياهو”، فإنّ داخل كلّ تكتل من التناقضات والفجوات ما يجعل الالتقاء بين تلك المكونات، أمرًا أقرب إلى الاستحالة، ومؤقتًا، في حال حصوله.

يصف موشيه جورلي ما يحدث في “إسرائيل” اليوم على أنّه الأكثر فرادة من نوعه، فلم يكن في تاريخها رئيس وزراء بهذا الشكل، استطاع أن يُقسم المجتمع “الإسرائيلي” إلى جمهورين، جمهور داعم له، وجمهور آخر يحمل له كلّ الكراهية، واصفًا نتنياهو بأنّه يُشكل ذروة الانقسام في المجتمع، بعد أن جعل كافة المؤسسات بما في ذلك القضائية محط خلاف[2].

وبالنظر إلى منظومتها الداخلية فإنّ “إسرائيل” باتت تعيش حالة الانقسام الأكبر حيال القضايا الأساسية، الدين والقضاء، ومن هو صاحب السيادة. ففي الوقت الذي باتت فيه الأحزاب الحريدية مركز ابتزاز لمن يريد الحكم، بفعل كونها بيضة القبان واستطاعتها تمرير الكثير من القوانين التي تخدم الدين، فإنّ ذلك ساهم بوجود ردّة فعل رافضة للوضع الذي كان قائمًا فيما يخص العلاقة بين الدولة والحريديم.

ما زاد من حدّة الانقسام الحاصل، وضعية بنيامين نتنياهو الذي يعاني من وجود ثلاث لوائح اتهام، وفعليًّا ستبدأ محاكمته قريبًا، وأمام رغبته الجامحة بالاستمرار والتملّص من المحاكمة، فقد تنازل للحريديم بشكل كبير، الأمر الذي زاد من حدّة التناقض بينهم وبين العلمانيين، الأمر الذي دفع إفيجدور ليبرمان للمطالبة بإزاحة نتنياهو والحريديم، بعد أن كان ليبرمان حليفًا لهم في عدة حكومات.

يُضاف إلى ذلك رغبة اليمين الأيديولوجي في القضاء على دور المحكمة العليا، والتي مثلت عبر عقود طويلة بيضة القبان ما بين السلطة التنفيذية والتشريعية، خاصة في ظل غياب دستور ينظم الحياة في “إسرائيل”، فقد رفع اليمين شعار الشعب هو الحكم، وهو يريد بذلك تمرير الرؤى الخاصة به فيما يتعلق بالنظام الداخلي، الأمر الذي سيعني التصادم مع مكونات المركز واليسار، وفرض نمط حياة ديني، خاصة أنّ المتدينين هم بيضة القبان في الحكومة.

وربما يُمكن فهم سياق الاختلاف والتنافر بين مكونات المجتمع الصهيوني حول قضية هوية الدولة، ما بين يهودية وديمقراطية، في الوقت الذي تُشير المُعطيات إلى ارتفاع التوجه نحو العنف بين مكوناته، فقد كشف استطلاع لجامعة بار إيلان وكيرن منومدين، عن المُعطيات التالية[3]:

  1. 14% من اليمينيين مستعدون لاستخدام العنف ضد المنتمين لليسار.
  2. 43% من أتباع اليمين لا يرون ضرورة لمنح من ينتمي لليسار، كامل حقوقه في المواطنة.
  3. كما أنّ 57% منهم، غير مستعد لمنح حرية تعبير كاملة للإعلام الذي ينتمي لليسار.
  4. 33% من المنتمين لليسار غير مستعدين كذلك، لمنح اليمينيين حرية كاملة في الوسائل الإعلامية.
  5. 32% من العلمانيين يُطالبون بإيقاف تأثير منظومة الدين على النقاش العام، و50% من “الإسرائيليين”، تراجع تقديرهم للحريديم خاصة بعد أزمة الكورونا.
  6. فيما رأى 41% من المُستطلعين أنّ أزمة الكورونا، ساهمت بانقسام أكبر من الموجود في الساحة “الإسرائيلية”.

قد يكون الاختلاف في التوجه الفكري ونمط الحياة، أمرًا طبيعيًّا  في أي منظومة أو دولة، لكنّه وصل في الحالة “الإسرائيلية” إلى مرحلة التنافر وإنكار الآخر، حتى وصلت “إسرائيل” من الناحية الجغرافية، إلى ما يُعرف بالدول الثلاث، “إسرائيل” الدولة، دولة تل ابيب التي تقطنها غالبية تنتمي للمركز واليسار، ودولة المستوطنين التي يغلب على سكانها الانتماء للتيار الديني الأرثودوكسي[4]، بنسبة تزيد على 67%[5].

 

  1. الحريديم يحسمون أمرهم بتبني برامج اليمين

دأب الحريديم منذ تأسيس أحزابهم، شاس في العام 1984، ويهدوت هتوراة في العام 1992، على جعل هدف التعاطي مع المنظومة السياسية هو تحقيق المكاسب الخاصة بالحريديم، دون إبداء توجهات سياسية معينة، بل ارتكز اهتمامهم على تطبيق رؤيتهم الدينية فيما يتعلق بالمعاملات الاجتماعية، وإرغام الدولة على إقرار قوانين مرتبطة بإعفاء شبابهم من المشاركة في التجنيد الإجباري المفروض في “إسرائيل”.

فحزب شاس على سبيل المثال والذي دعم اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين من خلال امتناعه عن التصويت، يُصنف أبناؤه اليوم على أنّهم الأكثر يمينية، وباتت قياداته تُعبّر عن توجهات سياسية ذات صلة بالصراع، مؤكدة رؤيتها اليمينية، وقد تجلى ذلك بوضوح عندما طالبت شاس في غير مرة بضرورة فرض السيادة الصهيونية على المستوطنات في الضفة الغربية[6]، في ما يُعرف بعملية الضم، قبل مغادرة ترامب للبيت الأيض.

دخول الحريديم وتحديدًا شاس الحلبة السياسية بمنطلقات يمينية أيديولوجية، ستكون له انعكاسات بجعل المُحددات السياسية في “إسرائيل”، ليست محط خلاف بين غالبية الجمهور وكذلك الشرائح السياسية، فالتركيز سيكون على الاختلافات والخلافات الداخلية، فيما يتعلق بالاقتصاد، والدين والدولة.

  1. الفجوات الاجتماعية تزداد في “إسرائيل”

كان لجائحة الكورونا انعكاسات اقتصادية واجتماعية، الأمر الذي قاد إلى إحداث تغييرات طبقية، رفعت فئات اجتماعية دون أخرى، وزادت مساحة الفقر والطبقات المتضررة، جراء الإغلاقات المتكررة، مما سيكون له انعكاسات كبيرة على التوجهات السياسية الداخلية والخارجية.

وفق استطلاع رأي موجه، كشف 42% من “الإسرائيليين” أنّ وضعهم الاقتصادي ازداد سوءًا خلال أزمة الكورونا، و47% اعتقدوا بأنّهم لن يستطيعوا تغطية مصاريفهم، و15% أشاروا إلى قيامهم بتقليص مصروفاتهم على المأكولات، و12% استعانوا بعامل خارجي من أجل مساعدتهم في تغطية مصروفاتهم[7].

هذا يُضاف إلى ارتفاع نسبة البطالة في “إسرائيل”، فبعد أن كانت لا تتجاوز حدود 4%، وهي من أقل النسب في العالم، ارتفعت بسبب الكورونا إلى نحو 25%[8]، واتضح أنّ النسب الأعلى من بين طالبي العمل هي في المناطق الحريدية، وكذلك قُرب الفلسطينيين في الداخل المُحتل.

 

انعكاسات تلك التغييرات على القضية الفلسطينية

للوهلة الأولى، وفي ظل أنّ غالبية تلك المُتغيّرات مرتبطة بالساحة الداخلية الصهيونية، قد لا يبدو لذلك الكثير من الانعكاسات على الواقع الفلسطيني، لكن بنظرة معمّقة فإنّ تلك الانقسامات ستنعكس بشكل كبير على الفلسطينيين، في ظل الارتباط الكبير لكلّ متغير على الواقع المُعاش هنا، وكذلك التأثير العكسي للمتغيرات في الساحة الفلسطينية على “إسرائيل”.

  1. إجماع “إسرائيلي” على إلغاء حلّ الدولتين

الخلافات الداخلية الصهيونية، همشت حضور القضية الفلسطينية في برامج الأحزاب الصهيونية، التي بات خطابها يتراوح ما بين تجاهل الموضوع الفلسطيني برمّته، أو جعله في ذيل برامجها الانتخابية، وربما يأتي ذلك تماشيًا مع توجهات الجمهور الصهيوني، الذي يعطي الأولوية للواقع الاقتصادي والفجوات الداخلية[9].

حتى أنّ بيني جانتس الذي عوّلت السلطة على أنّ مجيئه سيُعيد لعملية السلام بريقها، أكدّ بأنّ حل الدولتين بنسخته المعهودة غير وارد، وبأنّ المستوطنات جزء لا يتجزأ من “إسرائيل”، وهذا ما تبعه عليه خولدائي مؤسس حزب “إسرائيليون”، المحسوب على يسار المركز الصهيوني.

الواقع الداخلي أزاح عين المستوطن الصهيوني عن التفكير كثيرًا بالأبعاد السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية لصالح مشاكله المرتبطة بالأمن، والاقتصاد والديمقراطية، وهذا يعني خلال الفترة المقبلة على الأقل، استحالة وجود تيار “إسرائيلي” مُستعد للعودة إلى تفاهمات دولته مع الفلسطينيين، الأمر الذي سيعني بالضرورة الانزلاق نحو التسليم بالأمر الواقع، والمزيد من استنزاف الوقت، وتثبيت ركائز الاستيطان في الضفة.

 

 

  1. تكثيف الاستيطان في الضفة الغربية

في ظل احتدام الصراع الداخلي الصهيوني على قضايا الدين والدولة، وفي ظل حقيقة أنّ رؤية اليمين السياسية هي ذات الثقل الأكبر، بحصولها على ما يزيد على ثلثي مقاعد الكنيست، فإنّ ذلك سيؤسس لمرحلة استيطانية جديدة، تضمن إجماعاً صهيونيًّا ليس فقط على مجرد بناء وحدات استيطانية جديدة أو على الدعم الموجه للمستوطنين من أجل مصادرة أراضي الفلسطينيين، وتثبيت بؤرٍ استيطانية عليها، بل وعلى الذهاب في اتجاه شرعنة تلك المستوطنات، وتحويل البؤر الاستيطانية إلى مستوطنات قانونية وفق رؤية اليمين.

حُلم تشريع البؤر الاستيطانية لا زال يراود أتباع الصهيونية الدينية، وأطياف واسعة من الليكود، حتى أنّ عوفر شليخ في تصريحٍ له بعد انشقاقه عن حزب “يوجد مستقبل” بزعامة يائير لبيد، أشار إلى أنّ الأخير فكّر بدعم الضم، لولا أنّه (أي شليخ) كبح جماحه، وهذا يؤكد بأنّ الاستيطان لم يعد محلّ خلاف، وقد يكون نتنياهو هو آخر من يكبح جماح التوجه السريع لليمين الأيديولوجي بهذا الاتجاه.

ويُمكن فهم معادلة التوجه اليميني من خلال قراءة الأرقام ذات الصلة بالبناء في المستوطنات، فمع أنّ مسيرة بناء الوحدات الاستيطانية في الضفة، بقيت حتى العام 2019 ضمن ذات السياق الذي يتراوح بين 1800 إلى 2000 وحدة استيطانية سنويًّا[10]، فإنّ هذا المعدل شهد قفزة في العام 2020، ليس من خلال زيادة عدد التراخيص لبناء الوحدات الاستيطانية، بل من خلال توزيعها.

تبين أنّ أكثر من 11 ألف وحدة استيطانيه بواقع 91.2%، أقرّ بناؤها في المستوطنات العشوائية[11]!، وليس في المستوطنات الكُبرى التي جرى التفاهم في جنيف على إمكانية بقائها في أي اتفاق سياسي، (وهو ما قد تقبل به السلطة الفلسطينية استنادًا لمبدأ تبادل الأراضي وفق صيغة مفاوضات عباس- أولمرت)، مما يؤكد، وبحسب الواقع على الأرض، أنّ رؤية اليمين باتت حقيقة ثابتة على الأرض، بعد أن استولت “إسرائيل” على غالبية المناطق الفارغة في الضفة الغربية، ونشرت على رؤوس جبالها بؤرًا استيطانية، سرعان ما ستتحول إلى مستوطنات.

 

  1. العمل على إلغاء الطابع السياسي للسلطة الفلسطينية

الناظر إلى تعامل الاحتلال مع منظمة التحرير، وتحديدًا حركة فتح منذ ثمانينيات القرن الماضي، يرى بأنّ “إسرائيل” قطعت ثلاث مراحل في تطويعها للمسار السياسي الفلسطيني، الأول بعد أن تخلصت من المُعارضين لمسيرة المفاوضات، بحملة اغتيالات طالت قيادات كبيرة من فتح كخليل الوزير، ما لبث، بعدها، الرئيس الراحل ياسر عرفات إلّا أن وصل إلى مدريد، معلنًا قبول منظمة التحرير بمبدأ التفاوض لتحقيق الدولة الفلسطينية.

المرحلة الثانية، كانت من خلال التخلص من عرفات نفسه، فلم تكن “إسرائيل” تريد أن يكون على رأس السلطة شخص يؤمن باستخدام أدوات خشنة لتحقيق أهداف سياسية، فيما المرحلة الثالثة التي نعيشها، والتي حيّدت الأدوات الخشنة وفككت كلّ سبل المقاومة، لكنّها لا زالت تحمل طابعًا سياسيًّا، الأمر الذي لا يروق للاحتلال، رغم تدني سقف السلطة الفلسطينية.

المرحلتان الرابعة والخامسة، مرتبطتان جزئيًّا ببعضهما البعض، إذ تُريد “إسرائيل” تحويل السلطة إلى كيان إداري فقط، وإلغاء طابعها السياسي، وتعوّل “إسرائيل” على وجود من يقبل بذلك، في مرحلة ما بعد الرئيس عباس، ليجري بعدها الوصول إلى نهاية المطاف من خلال تقسيم الضفة الغربية، إلى مناطق إدارية مُنفصلة، تُعنى كل منطقة منها، بشؤونها، من غير ارتباط بنظيراتها.

وهذا ما ظهر من خلال اتفاق التطبيع بين الإمارات و”إسرائيل”، فقد عدّت الأخيرة أنّ السلام الاقتصادي يؤتي ثماره، ويُمكن الاكتفاء بذلك تجاه الفلسطينيين، بمعنى أنّ العلاقة مع الفلسطينيين لا يجب أن تتجاوز حدود الأمور الحياتية، خاصة في ظل وجود ما يزيد عن 200 ألف عامل فلسطيني في “إسرائيل”، وفي ظل تحكمها بأموال الفلسطينيين، وقد ظهر ذلك جليًّا في ملف المقاصة.

وربما في ظل علاقة المال والسلطة، ووجود شخصيات متنفذة ذات ثقل مالي كبير، فإنّ حماية المصالح المالية ستكون أولوية مقدّمة على التفكير بأي أبعاد سياسية، حتى أنّ “إسرائيل” لم تعد تولي أي اهتمام لمجرد التفاوض مع السلطة على أي قضية سياسية، وبات ترتيب العلاقات يجري عبر الإدارة المدنية، التي تهدف إلى ربط الفلسطينيين بها بشكل مباشر، وتسيير الكثير من الملفات من خلال العلاقة التنسيقية مع الشؤون المدنية في السلطة، على ألا تتجاوز تلك العلاقات سقف ترتيب الأمور الإدارية.

العمل الإسرائيلي على نسف أي صبغة سياسية لأي كيان فلسطيني، بات يُؤتي أكله، وربما التراجع الكبير للسلطة الفلسطينية، في الكثير من الملفات مؤخرًا، خاصة تلك المرتبطة بالعلاقة مع الإمارات والبحرين، أظهر أنّ السلطة نفسها باتت تتحاشى أي خطاب سياسي مستفز، من وجهة النظر الإسرائيلية. حتى على مستوى الإدانات والشجب والاستنكار، لم نعد نرى نفسًا قويًّا للسلطة، في إشارة إلى أنّ الضغط “الإسرائيلي”، بات يؤسس لمرحلة قبول السلطة، بالدور الإداري لا السياسي، ليس فقط من ناحية العمل، بل أيضًا من ناحية القبول الضمني.

 

خاتمة

الانعكاسات السلبية على القضية الفلسطينية، جرّاء التغيّرات الكبيرة في الساحة الصهيونية، جاءت، أيضًا، نتيجة للتسليم الفلسطيني، فباتت السلطة تخشى على مكتسباتها الاقتصادية، الأمر الذي منح الاحتلال المزيد من مساحة الضغط، وهذا ما يظهر في الخطاب اليميني الداخلي، المرتكز في الأساس على أنّ الهمّ الفلسطيني مرتبط بلقمة العيش وليس له أبعاد سياسية، الأمر الذي زاد من جمهور المقتنعين بأنّ لا حاجة لحلول تُفضي إلى انسحاب “إسرائيلي” من أي شبرِ من الضفة الغربية.

والحقيقة المرّة المترسخة بشكل أكبر، هي أنّ الجمهور الفلسطيني في ظل الأداء السلبي للسلطة الفلسطينية، بات هو الآخر يبتعد عن البعد السياسي للقضية، ويظهر ذلك جليًّا من خلال الأداء الفلسطيني المُقاوم في الضفة، والذي بات فرديًّا وضيقًا، دون وجود حشود جماهيرية حتى للتعبير عن رفضها، ولو بشكل سلمي.

وربما الذهاب باتجاه مطالبة السلطة بإنهاء الانقسام، والعمل على توحيد الجهد الفلسطيني بات أمرًا مستنزفًا، فالمؤشرات خلال ما يزيد ععلى عقد من الزمن، تؤكد رغبة السلطة في التخلص من غزة، وبناء مشروعها في الضفة الغربية، يُضاف إلى ذلك، حقيقة وجود مُعيقات “إسرائيلية” وإقليمية ودولية تمنع الوصول إلى تفاهمات فلسطينية داخلية.

من هنا فإنّ أكثر ما يُمكن أن تقوم به السلطة، إن أرادت ذلك، هو العمل على صياغة برنامج سياسي يستخدم أدوات خشنة بالحد الأدنى، يسبقه بالتأكيد تجسير الفجوة الكبيرة مع الجمهور في الضفة الغربية، من خلال تحسين أدائها الإداري والاقتصادي، والحد من الفساد المُستشري بشكل فاضحٍ في الكثير من المؤسسات، وخلاف ذلك، يعني قريبًا إعلان إلغاء الصبغة السياسية لمؤسسة السلطة.

 

 

 

 

 

[1]  خدشوت سيروجيم، 8.1.2021، استطلاع: بنت وساعر قريبون من نتنياهو، خولدائي ينهار، خدشوت سيروجيم، https://www.srugim.co.il/524975-%D7%A1%D7%A7%D7%A8-%D7%91%D7%A0%D7%98-%D7%95%D7%A1%D7%A2%D7%A8-%D7%A0%D7%93%D7%91%D7%A7%D7%99%D7%9D-%D7%9C%D7%A0%D7%AA%D7%A0%D7%99%D7%94%D7%95-%D7%97%D7%95%D7%9C%D7%93%D7%90%D7%99-%D7%9E%D7%AA%D7%A8

[2]  موشيه جورلي، 26.07.2020، تقسيم، تشظية وافساد، واضعاف للمؤسسات. كلكلست https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3841699,00.html

[3]  يوبال باجنو، 12.05.2020. الاستقطاب على الحائط، إلى أي حد عميق التجاذب في المجتمع الإسرائيلي. معاريف. https://www.maariv.co.il/news/israel/Article-764838

[4]  يضم هذا التيار المتدينين بشقيهم، الحريديم وكذلك المُنتمين للصهيونية الدينية.

[5]  خدشوت سيروجيم، 8.01.2019. معطيات رسمية، كم من اليهود موجودون في الضفة الغربية. سيروجيم. https://www.srugim.co.il/303929-%D7%A0%D7%AA%D7%95%D7%A0%D7%99%D7%9D-%D7%A8%D7%A9%D7%9E%D7%99%D7%99%D7%9D-%D7%9B%D7%9E%D7%94-%D7%99%D7%94%D7%95%D7%93%D7%99%D7%9D-%D7%99%D7%A9-%D7%91%D7%99%D7%94%D7%95%D7%93%D7%94-%D7%95%D7%A9%D7%95

[6]  آنا برسكي، 22.01.2020. درعي: شاس ستدعم فرض السيادة على المستوطنات في الضفة الغربية وعلى غور الأردن. https://www.maariv.co.il/breaking-news/Article-742613

[7]  دورون بروتمان، 19.11.2020. هكذا زادت الكورونا من الفجوات الاجتماعية في “إسرائيل”. كلكلست. https://www.calcalist.co.il/local/articles/0,7340,L-3873930,00.html

[8]  نفس المرجع السابق.

[9]  شموئيل فازنا، 19.08.2020، إسرائيل ليست منقسمة بين يمين ويسار، بل بين سادة وخدّام. ذ ماركر. https://www.themarker.com/opinion/1.9085735

[10]  جلوبس، 10.09.2020. هل ازدهر الاستيطان منذ أن ترك ليبرمان الحكومة. جلوبس. https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001342208

[11]  شلوم غخشاف، 18.10.2020، العام 2020 هو ذروة البناء الاستيطاني. السلام الآن. https://peacenow.org.il/%D9%8Cplans-record-2020

أكمل القراءة

دراسات

الاقتصاد المقدسيَّ مِن الازدهار إلى الانهيار (2)

نشر

في

بواسطة

(اقتصاد القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ 1918-1948)

 

امتنان الطحان

 

اِسْتِهْلال:

 

تُركز هذه الدِّراسة بِأجزائها الأربعة بذات العنوان، المُتعلقة بمدينة القُدس، على الجوانب الاقتصاديَّة الَّتي تعيشها المدينة وسُكانها. مُنذُ الحُكم العثمانيَّ مرورًا بِالاحتلال البريطانيَّ والحُكم الأُردنيَّ، إلى أن قامت إسرائيل بِاحتلالِ المدينة، وعملت جاهدة على تهويد القُدس، لكي ترى فيها “عاصمة موحدة أبديَّة لها”. الَّتي ترمي إلى هدمِ حياة المقدسيين اقتصاديًّا، بهدف تهويدها وترحيل الفلسطينيين عنها.

 

مِن خلال إلقاء الأضواء على الجوانب الاقتصاديَّة في مدينة القُدس على مر التَّاريخ حتَّى يتسنى للقارئين معرفة بدايات الضعف الاقتصاديَّ لِلمدينة، الَّتي بدأت أواخر الحُكم العثمانيَّ في القُدس، وزادت رُقعتها مُنذُ الاحتلال الصُّهيونيَّ لشرق القُدس عام 1967، عن طريق الإجراءات الصُّهيونيَّة المُعطلة للتطوير وما اتخذتها ميدانيًّا لِعزلها عن بيئتها وحاضنتها الفلسطينيَّة، وغير الإجراءات التعسفيَّة المُختلفة الَّتي استخدمتها لِبسط سيطرتها على المقدرات والمرافق الاقتصاديَّة لِلقُدس، مما عانت المدينة الكثيرمِن العقبات الَّتي حالت دون تحقيق التنميَّة في المدينة.

 

بِالتالي لم تحظَ مدينة القُدس بِالاهتمام الفعليَّ مُنذ وقوعها تحت الاحتلال عام 1967. فَرغم البرامج والمؤتمرات والندوات والاجتماعات الَّتي شُكلت داخل فلسطين وخارجها، مِن أجلِ النهوض بِأوضاعِها الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والصحيَّة لتكريسها كعاصمة لدولة فلسطين، إلَّا أن النتائج المُحققة على أرضِ الواقع لم يشهدها المقدسيّون!

 

وإنَّ الواقع الاقتصاديَّ في القُدس وما تُعانيه مِن تشويه السمات والخصائص المميزة لها في محاولة اجتثاث تاريخ المدينة المُقدسة، وطمس الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة بشتى الطُرق وأساليب السيطرة والتهويد لخلق واقع جديدة على أرضِ المدينة مِن خلال التغيّرات الديموغرافيّة، بغرض تسهيل ضمها إلى إسرائيل لاحقًا، وذلك بِأقلِ قدر مِن السُكان وبِأقلِ درجة احتجاج عربيَّة وإقليميَّة ودوليَّة ممكنة مستندة إلى التغيّرات الَّتي أحدثتها مُنذ احتلالها لِلمدينة، على مُختلف مرافق البُنية التحتيَّة لها. لقد استغلت إسرائيل ضعف -وأحيانًا كثيرة- عدم وجود مرافق البُنية التحتية في مُحافظة القُدس بعد احتلالها عام 1967، لتقوم بمد وبناء شبكة حديثة مِن خطوط المياه والمجاريَّ والهواتف وشق الطُرق وتعبيدها، بما يخدم عمليَّة الضم ومصادرة الأراضيَّ ويسهل مِن انسياب حركة المُغتصبين وتدفقهم نحو شرق القُدس، ويصعّب فصلها ثانيَّة عن غرب القُدس مِن جهة، وإلى خلق وقائع جديدة على أرض المدينة المُقدسة لِتُكرس حالة الفقر شرق القُدس مِن جهة أُخرى، مُتمثلة في إيجاد سوق العمالة المعزول والمحاصر عن حاضنته وبيئته الفلسطينيَّة، وفرض ضرائب كثيرة ومتنوعة على التُجار ومحلاتهم التجاريَّة، واتّباع الطرق والوسائل العسكريَّة الغليظة في تحصيل المُستحقات بما فيها مصادرة المُعدات والتجهيزات، وإغلاق الشوارع واعتقال أصحاب المحلات،عدا عن السياسات التشغيليَّة الَّتي تفرضها سُلطات الاحتلال على المقدسيين حيثُ تُركز على العمالة غير المُدربة وغير الماهرة، بِالإضافةِ إلى التمييز في الأجور بِهدف تحقيق غايات “مبدأ العمل العبريَّ”.

 

لم تقتصر تلك السياسات على المقدسيين فقط، بل كان هُناك  رصيد كافيَّ مِن سياسة الاحتلال تفرضها على المقدسيَّاتِ مِن خلالِ صُعوبة الانخراط في سوق العمل لِتعارضه مع الثقافة السائدة في شرق القُدس.[1]

 

لا بُدّ مِن دراسة الوضع الاقتصاديَّ لِلقُدس بمراحلها التَّاريخيَّة لكي نضع خُطة علاجيَّة اقتصاديَّة تُسعف المدينة، وتحميها مِن التهويد.

 

فَيهدف الجزء الثَّاني مِن الدِّراسة بِعنوان ” اقتصاد القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ (1918_1948)”، إلى تسليط الضوء على الحالة الاقتصاديَّة في القُدس إبان الاحتلال البريطانيَّ، مِن خلال رصد الثابت والمتحول في المجالات الاقتصاديَّة المُتنوعة مُنذُ نهايَّة الحُكم العثمانيَّ وحتَّى أواخر الاحتلال البريطانيَّ سنة 1948.

 

المُقدمة:  

 

لعبت المكانة الدينيَّة لِمدينة القُدس دورًا هامًا في عمليَّة الجذب الاقتصاديَّ مما قامت على ازدهار المدينة اقتصاديًّا في بدايَّة الحُكم العُثمانيَّ، وبعدها بدأت معالم الضعف تظهر في نهايَّة الحُكم بفعل التدخل الأجنبيَّ في المدينة. كما تبحث هذه الدِّراسة في بعضِ القضايا الَّتي نتجت عن العمل في المجالات الصناعيَّة، والتجاريَّة والبناء في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ للقُدس مِن عام 1918 إلى 1948،وما نتج مِن تعاونٍ اقتصاديَّ بين سُلطة الانتداب البريطانيَّة والصُّهيونيَّة الَّتي ساهمت في تكوين العلاقات الاقتصاديَّة بين الحركة الصُّهيونيَّة والاحتلال البريطانيَّ.

 

كما يمكن أن تعزو الأسباب في هذا التغيِّر والانتقال إلى المُساعدة الَّتي تلقاها اليهود مِن الحركة الصُّهيونيَّة، والإدارة البريطانيَّة في المدينة. الأمر الَّذي سهل على الفئات اليهوديَّة المُختلفة، التحكم في اقتصاد مدينة القُدس لِأسباب كثيرة إضافيَّة أُخرى مِن بينها حجم رأس المال اليهوديَّ والخبرات الفنيَّة والتقنيَّة العاليَّة، والدعم الخارجيَّ لهذا الاقتصاد. في حين ظل العرب دون مساعدة أو إرشاد لِتطوير منتجاتهم الاقتصاديَّة. بل على العكس عملت الإدارة البريطانيَّة والحركة الصُّهيونيَّة على طمسِ المعالم الاقتصاديَّة العربيَّة، وإبراز اليهوديَّة إلى السطح كما فعلت في شتى المجالات الأُخرى. [2]

 

في الجزء الثَّاني مِن الدِّراسة ” الاقتصاد المقدسيَّ مِن الازدهار إلى الانهيار”، تحت عنوان ( اقتصاد القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ 1918_1948)،سيتناول محورين تدور في صلب هذا الموضوع:

 

  • المحور الأوَّل: الاحتلال البريطانيَّ لِمدينة القُدس.
  • المحور الثَّانيَّ: دور بريطانيا في دعم مقومات الصناعة الصُّهيونيَّ.

 

المحور الأوَّل: الاحتلال البريطانيَّ لِمدينة القُدس:

 

كانت الحرب العالميَّة الأوَّلى عمليَّة مفصليَّة في رسم وجه العالم،حيثُ بدأ الاحتلال البريطانيَّ لِلقُدس في إطار هذه الحرب وذلك في 9/12/1917، واستمر هذا الاحتلال حتَّى 15/5/1948.

 

وفي آخر حرب بين العُثمانيين والبريطانيين والَّتي حسمت أمر القُدس هي معركة غزَّة، حيثُ استطاع الجيش البريطانيَّ أن يتقدم نحو القُدس عبر بوابتها يافا، وقد وصلها الجيش البريطانيَّ وهي مستسلمة، وبدوره سلم حسين سليم أفنديّ الحسينيّ رئيس بلديَّة القُدس القائد البريطانيَّ واطسون وثيقة التسليم، حيثُ كان القرار مِن مُتصرف المدينة بعد مشاورة الأعيان في القُدس بِالتسليم حرصًا على سلامة الأماكن المُقدسة فيها، ممّا يجدر الذكر هُنا أن الجيش العُثمانيَّ خسر ألف جندي في معاركة على تخوم القُدس فضلًا عن 12 ألف أسير.[3]

 

القُدس في ظلِّ الاحتلال البريطانيَّ ووحدة الضفتين 1918_1967

 

سياسة الاحتلال البريطانيَّ في مدينة القُدس:

  1. تقديم دعم اقتصاديَّ واجتماعيَّ وسياسيَّ لليهود.
  2. تسهيل عمليَّة شراء الأراضيَّ وبناء المُغتصبات في القُدس المُحتلة.
  3. إنشاء مؤسسة يهوديَّة لِلتعليم العاليَّ في أواخر القرن التَّاسع عشر قبل ولادة الحركة الصُّهيونيَّة. وفي 24 تموز عام 1918، قبل أن تضع الحرب العالميَّة الأوَّلى أوزارها بِبضعة أشهر، منح الاحتلال البريطانيَّ للحركة الصُّهيونيَّة فُرصة لِوضع حجر الأساس لِأوَّلِ مؤسسة تعليميَّة ، وهي الجامعة العبريَّة في القُدس ، وأقرّت في وضع اثني عشر حجرًا نسبةً لعدد أسباط بني إسرائيل.
  4. تمَّ اعتماد سياسة المُباغتة بهدفِ زرع الفتن والخلافات بين الفلسطينيين.
  5. الوقوف بجانب اليهود في كُلِّ الأحداث والمناسبات، وقمع الشعب الفلسطينيَّ والحركة الوطنيَّة.
  6. فتح أبواب الهجرة أمام اليهود بهدفِ تهويد المدينة المُقدسة، وكان عدد اليهود في أيَّام جمال باشا 10000 مُغتصب، وفي عام 1922 أصبح أعدادهم ما يُقارب 33 ألف مُغتصب.[4]

 

المحور الثَّاني: دور بريطانيا في دعم مقومات الصناعة الصُّهيونيَّ:

 

لم تشهد القُدس مُنذُ الاحتلال البريطانيَّ لها، وجود قطاع اقتصاديَّ بالمفهوم والمقاييس العصريَّة الحديثة، وحتَّى لم تتلقَ أيّ دعم مِن الدول العربيَّة لِتعزيز صمود المقدسيين في القُدس وتثبيتهم. في حين الحركة الصُّهيونيَّة حظيت على دعمٍ مِن قبل الاحتلال البريطانيَّ اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.

 

كان الانتعاش الاقتصاديَّ في القُدس، خلال الحرب العالميَّة الثَّانيَّة، انتعاشًا آنيًّا، وفي جُعبته تشوهات كبيرة في البُنية الاقتصاديَّة الفلسطينيَّة، بينما هذه التشوهات تعد حافزًا للقطاع اليهوديَّ للنمو على أُسس مدروسة سمحت بِالتنوعِ وبالتكاملِ، وتأسيس بُنية ساعدت الحركة الصُّهيونيَّة في تشكيل دولتها بعد انسحاب الاحتلال البريطانيَّ مِن فلسطين عام 1948.

 

تعتبر مدينة القُدس، مدينة استهلاكيَّة أكثر مِنها إنتاجيَّة، حيثُ أنها تستهلك الكثير مِن الصِناعات الاستهلاكيَّة المستورد مِن البلاد الأُخرى بِكثرة. وفي المقابل حصلت المدينة على مكانة دينيَّة وسياحيَّة ممَّا تقوم في جمع الأمم خلال المُناسبات الدينيَّة الإسلاميَّة والمسيحيَّة ما ساعدها أن تزدهرًا في صناعة المُنتجات السياحيَّة والحاجيات خلال موسم الأعياد والعبادات. غير أنها تعُج بِالمؤسسات الدينيَّة والثقافيَّة، والاجتماعيَّة.

 

أسهم القطاع السياحيَّ المُتناميَّ في الإنفاق الحكوميَّ المُباشَر،وقام على تعزيز القطاع الخدماتيَّ فيها، بعد اتخاذ الإدارة البريطانيَّة القُدس مركزًا إداريًّا لها. وغير أن المدينة المُقدسة وضواحيها لم تنتج الكثير مِن المُنتجات لِتصديرها إلى الخارج، ولم يتعد وزن منتجاتها سنويًّا أكثر مِن 6 آلاف الَّتي  تُشحن وتنقل إلى الخارج عبر السكة الحديديَّة.

 

لم ترمُق المدينة المُقدسة عند مطلع الحُكم البريطانيَّ أيّ وجود قطاع صناعيَّ عصريَّ حديث. فقد اتسمت المدينة صناعيًّا بِمجموعة بسيطة مِن الصناعات الخفيفة الحرفيَّة العائليَّة الَّتي نشأت في ظلِّ حاجات المجتمع. ويقول سعيد حمادة” إنّ الصناعةَ في القُدس، والتصريف التجاريَّ أقل تنظيمًا مِن الصناعة والتصريف في المدن الساحليَّة، ومع ذلك فالقُدس هامة مِن حيث أنها مركزًا إداريًّا.فأهميَّة القُدس اقتصاديًّا هي أنها سوق لاستهلاك البضائع”.

 

ارتبط التطور الصناعيَّ في القُدس بشكلٍ خاصّ بِحجمِ الموارد الطبيعيَّة والموارد البشريَّة الَّتي توفرت للاقتصاد الفلسطينيَّ، ونوعيتها. وقد تميزت الموارد الطبيعيّة المُتعلقة بِالنشاطِ الصناعيَّ بِضعفها العامّ على مستوى مصادر الطاقة والموارد الخام اللازمة لِلصناعةِ.

 

وقد وجود في المدينة العديد مِن المُنتجات التقليديَّة الَّتي كانت سائدة قبل الاحتلال البريطانيَّ:

 

  • صناعة النسيج: تمَّ دعم هذه الصناعة مِن قبل جمعيَّة الصليب الأحمر الأمريكيَّة، وعندما غادرت الجمعيَّة المدينة، تولت جمعيَّة مُحبي القُدس إدارة هذه الصناعة بدلًا مِن جمعيَّة الصليب الأحمر.

 

  • صناعة الخشب: تتمَّ هذه الصناعة بالحفرِ والنقش على خشب الزيتون، ويصنع منها أدوات مكتبيَّة دقيقة وأثاث ، وألعاب للأطفال. واشتهرت بها المدينة المُقدسة بهذه الصناعة.

 

  • تطريز البيض: اشتهرت هذه الصناعة في القُدس خاصَّة في أعياد المسيحيين قديمًا، ونشطت أكثر في عهد الاحتلال البريطانيَّ . حيثُ يقوموا في تفريغ البيض مِن محتوياتها، ومِن ثُمَّ تلوينها أو التطريز عليها، أو برسم عليها رسوم وزهور، ومِن ثُمَّ توضع في أقفاص مصنوعة مِن سعف النَّخيل.

 

  • صناعة القاشلنيَّ: ساعدت جمعيَّة مُحبي القُدس مصلحة المعارف على إحياء هذه الصناعة وتشجيعها. إذ تعتبر مِن الصناعات القديمة في القُدس.
  • صناعة الزجاج والخزف والبلاط: تمَّ إنعاش تلك الصناعة بواسطة جمعيَّة مُحبي القُدس عام 1921،وغير أنها تلقت دعمًا مِن الوقف الإسلاميَّ.

 

  • صناعة الشَّمع: تُباع هذه الصناعة في القُدس في مواسم الأعياد ، والمُناسبات الدينيَّة بِكثرة، وعرفت باسمِ ” الشمع المقدسيَّ”، الَّتي تحتوي على تعاريج وصور، ورسم الزهور على الشَّمع.

 

اشتهرت المدينة في صناعة استخراج الزيوت مثل زيت الزيتون قبل الاحتلال البريطانيَّ وأثناءهُ، ويوجد ما يُقارب أربعمائة معمل لاستخراج الزيوت في المدن الفلسطينيَّة وفي القُدس. وكذلك اشتهرت في صناعة مواد البناء مثل الحجارة القرميد، الحجارة الكلسيَّة (الجير)، وعدا عن الصناعات الكيماويَّة والورق، والجلود والطباعة، والمواد العطريَّة والزينة، والمعدنيَّة مثل الأنابيب.

 

لعبت الإدارة البريطانيَّة دورًا بارزًا في دعمِ المؤسسات اليهوديَّة مثل؛ الوكالة اليهوديَّة مِن خلال استغلالها المادة الحاديَّة عشرة مِن صك الانتداب البريطانيَّ على فلسطين” أن تتخذ الإدارة الإجراءات اللازمة فيما يتعلق بِتنميَّة البلاد مع تخويلها السلطة التامة في إصدار ما يلزم مِن التشريعات لتملك أيَّ مِن موارد البلاد الطبيعيَّة، والمنافع العموميَّة بها”. هذه المادة خولت سُلطات الاحتلال البريطانيَّ الحقَّ في الاتفاق مع الوكالة اليهوديَّة على قيام الوكالة بِإنشاء أو تسيير الأشغال العامَّة، ما دامت تلك السُلطات تمتلك إدارة البلاد بشكلٍ مُباشَر. وينحصر تفسير هذه المادة بِأن سُلطات الاحتلال البريطانيَّ تقوم في استهداف خيرات فلسطين، وتسخير الموارد الطبيعيَّة في فلسطين للاستثمارات اليهوديَّة الَّتي تسيرها الوكالة اليهوديَّة حتَّى تتمكن مِن إحكام السيطرة على اقتصاد البلاد.

 

اشتدت مُنافسة الصناعات اليهوديَّة المتطورة لِلصناعات العربيَّة، واعتمدت الصناعة اليهوديَّة على رؤوس الأموال الضخمة، والخبرة التقنيَّة العاليَّة الَّتي تعتبر مِن العوامل الهامَّة تفتقر إليها الصناعات العربيَّة ممَّا ضُعفت وتراجعت أمام الصناعات اليهوديَّة. وغير تشكل هُناك طبقات عربيَّة برجوازيَّة زادت مِن نقمتها، ولم يعُد هُناك مجالًا حتَّى تستعيد الصناعات العربيَّة عافيتها. عدا عن العوامل الَّتي ساعدت في تقدم الصناعة اليهوديَّة في القُدس، وغيرها مِن المدن الفلسطينيَّة ، وهي: ازياد الهجرة اليهوديَّة إلى فلسطين مما ترتيب عليها مِن نتائج، عدا عن تدفق الأموال اليهوديَّة إلى فلسطين . هذا إلى جانب حوالي 48% مِن المُهاجرين اليهود إلى فلسطين بين عام 1922- 1945، هُم مِن أصحاب الحرف والمهن، حيثُ أفادوا بِخبراتهم الاقتصاديَّة، الاقتصاد اليهوديَّ في القُدس، وعموم فلسطين. كما أن زيادة أعداد المُهاجرين وكفاءتهم الصناعيَّة نشطت الحركة الصناعيَّة في القُدس وفلسطين.

 

لعبت سُلطات الاحتلال البريطانيَّ دورًا هامًا في تطوير الصناعة اليهوديَّة خاصَّة في مدينة القُدس، عن طريق إصدار قوانين وتشريعات الَّتي سهلت عمل هذه الصناعات، كتخفيض الضرائب مثلًا، وفي المقابل ترفع الضرائب على الفلسطينيين، بهدف تزويد السُلطات بالمعدات العسكريَّة عن طريق هذه الصناعات، وأثناء الحرب العالميَّة الثَّانية زادت حاجتها إلى تلك المصانع الَّتي تصنع المعدات العسكريَّة، حيثُ يعود نشأتها إلى عام 1933، حين وجدت ورشة صغيرة في محطة المياه في أحد الأحياء اليهوديَّة في القُدس،وكان يعمل فيها عامل يهوديَّ واحد فقط ،وهو في الجيش البريطانيَّ .

 

في ذلك الحين بدأت ظاهرة التبعيَّة، وربط الاقتصاد الفلسطينيَّ بالاقتصاد الاستعماريَّ العالميَّ مِن خلال تأسيس شركات صناعيَّة يهوديَّة صغيرة جديدة، وبدأت رؤوس الأموال تتدفق مع المهاجرين اليهود بكميات هائلة جدًّا مما أدى إلى ميل الوزن النسبيَّ الفلسطينيَّ إلى الجانب اليهوديَّ مِن عدد الوحدات الصناعيَّة، وحجم هذه الصناعات، وعدد العُمال داخل هذه المنشأت الصناعيَّة. وقد أصبحت أبواب الاقتصاد الفلسطينيَّ في المدن الكُبرى تتسع لِدخل وتغلغل المؤسسات الاحتكاريَّة البريطانيَّة في الاستثمارات إلى جانب الرأسمال اليهوديَّ .

 

غير تدفق رؤوس الأموال مِن الولايات المُتحدة الأمريكيَّة والدول الغربيَّة على فلسطين لاستثمارها في مشاريع إقامة الوطن القوميَّ لليهود، وحصلت القُدس على نصيب وافير مِنها. وضرب الاحتلال البريطانيَّ الاقتصاد الفلسطينيَّ عن طريق رفع سعر المواد الأوليَّة الَّتي تحتاجها الصناعات العربيَّة، وفيما عمدت على تخفيض أسعار المواد العربيَّة المُنتجة.

 

احتكرت المؤسسات الصُّهيونيَّة، والشركات الصناعيَّة اليهوديَّة بدعمِ سُلطات الاحتلال البريطانيَّ والأمريكيَّ الاقتصاد والأسواق العربيَّة بجانب تأسيس أسواق يهوديَّة، مما أدى إلى زيادة وطأة الحضور الصناعيَّ اليهوديَّ في الأسواق الفلسطينيَّة، والمنافسة القويَّة للصناعات العربيَّة الناشئة، على إثرِ ذلك تمَّ تشكيل لجنة عربيَّة لِمُقاطعة التجارة والبضائع اليهوديَّ في القُدس وامتدت هذه اللجنة جميع أنحاء فلسطين.

 

لعبت المؤسسات الصُّهيونيَّة دورًا كبيرًا في توفير الدعم للصناعة اليهوديَّة في القُدس، ولاسيما في مجال التمويل فزادت الاستثمارات اليهوديَّة في فلسطين. وفي عام 1924 تلقت الصناعة اليهوديَّة دعمًا مِن قبل المؤسسات الصُّهيونيَّة لتنشيطها في كُلِّ المجالات، مُتمثلة في الصناعات الخفيفة، صناعة المعكرونة، ملح الطعام، الصودا، والماء والسجاد، وغير المقاهي. وبعد عامٍ انتشرت تلك الصناعات في معظم أرجاء القُدس. [5]

 

بالتالي تعرضت الصناعة العربيَّة إلى هجمة شرسة شنتها الإدارة البريطانيَّ والمؤسسات الصُّهيونيَّة عليها، وأضعفت الاقتصاد المقدسيَّ خاصَّةً، والاقتصاد الفلسطينيَّ عامَّةً. لذلك ينبغي علينا أن ندرس تاريخ الاقتصاد المقدسيَّ حتَّى يسهل علينا أن نضع حلول وخطط لتطوير الاقتصاد وتقويته، ولفت أنظار العالم العربيَّ والإسلاميَّ إلى المدينة المُقدسة وحماية قطاعاتها الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والصحيَّة، وتقديم الدعم الاقتصاديَّ للقُدس حتَّى تبقى صامدة في وجه الاحتلال الصُّهيونيَّ الغاشم.

 

 

[1] الوضع الاقتصاديَّ الصعب في مدينة القُدس، محمّد خضر قرش ، مركز الأبحاث منظمة التحربر الفلسطينيَّة، كانون الأوَّل (ديسمبر)،2015

[2] تاريخ القُدس عبر العصور( اقتصاد القُدس في ظلِّ الانتداب البريطانيَّ 1917-1948)،صالح علي الشورة،الجامعة الإسلاميَّة-غزَّة،2011 .

[3] القُدس مِن الاحتلال البريطانيَّ حتَّى الآن،جامعة القُدس ،2016.

[4] نفس المرجع.

[5]تاريخ القُدس عبر العصور (اقتصاد القُدس في ظلِّ الانتداب البريطانيَّ 1917_1948)، الجامعة الإسلاميَّة _غزَّة، صالح علي الشورة،2011.

أكمل القراءة

دراسات

الاقتصاد المقدسيّ مِن الازدهار إلى الانهيار

نشر

في

بواسطة

اعداد: امتنان الطحان- مركز القدس

 

“الاقتصاد المقدسيّ مِن الازدهار إلى الانهيار في الفترة حتى انهيار الدولة العثمانية”

المُقدمة:

تُعتبر مدينة القُدس مِن أشهر المُدن السياحيَّة، وهي محط أنظار سُكان العالم أجمع، يؤمّها السُياح لزيارةِ الأماكن المُقدسة، ولهذا كانت السياحة تدُر أرباحاً وفيرة على سكان القُدس قبل عام 1967، وتساهم بقسط وافر مِن الإيرادات السياحيَّة للأردن، وبعد الاحتلال أصبحت مورداً هاماً للاقتصاد الصُّهيونيّ، أمّا على الصعيد الصناعيّ فَيوجد في القُدس العربيَّة صناعات خفيفة كَطحنِ الحبوب، وعصر الزيتون، وصناعة النسيج والخزف والحلويات والسجائر والصناعات التقليديَّة السياحيَّة وأُخرى حديثة مثل صناعة الأدويَّة، والأجهزة الكهربائيَّة والإلكترونيَّة والأسلاك والبرادات والغسالات وأفران الغاز وصنع البطاريات وصقل الماس وغيرها مِن الصناعات الهامَّة . أمّا الحركة التجاريَّة فَهي مُزدهرة بسبب موقع المدينة السياحيّ والتّاريخيّ والدِّينيّ.

 

أمّا جانب الكهرباء فقد ضمت سُلطات الاحتلال الصُّهيونيَّة شركة كهرباء القُدس إليها، واعتدت على اِمتياز الشركة العربيَّة، وشرعت شركة الكهرباء الصُّهيونيَّة بإنشاء محطات فرعيَّة داخل المدينة وأصدرت قراراً بالحجزِ على أموال الشركة.

 

فَشهدت المدينة المُحتلة حالة غير مسبوقة على مدار العقود الخمسة الماضيَّة في اقتصادها، حتّى وصلَ فيها المَطاف مِن مرحلة الازدهار إلى مرحلة الانهيار في السنوات الأخيرة، بفعل سياسة الاحتلال الصُّهيونيَّة الّتي طبقتها على المقدسيين لِخنقهم حتّى يدفعهم إلى الرحيل. كَإحدى السياسات التهويديّة لِمدينة القُدس.

 

لم تسلم مدينة القُدس مِن تهويد مُقدساتها، بل أصبحت المدينة تتعرض إلى حملة شرسة تفترسُ اقتصادها بشكل مُباشر، وذلك باعتبارها ضمن المُخططات التهويديَّة مِنْ خلال مُضاعفة الضرائب على أهلِ المدينةِ، وملاحقة التُجار ومنع إصدار تصاريح البناء، وقتل الحركة السياحيَّة، وغير مصادرة الأراضي وتحويلها لِمناطق خضراء تمهيداً لِاحتلالها وتسليمها للمُغتصبين، وعزلها عن محيطها مِنْ الأراضيّ الفلسطينيَّة المُحتلة عام 1967.

 

مُنذ إندلاع الانتفاضة الأوّلى عام 1987، بدأ اقتصاد المدينة بِالتكعكُع، وزادت وتيرتها مع الانتفاضة الثَّانيَّة عام 2000، ثُمّ جاء الجدار الفصل العُنصري عام 2004، الّذي حرمَ نحو أربعة ملايين مِن الضفة الغربيَّة وقطاع غزَّة مِن دخول المدينة إلّا بوجود تصاريح. كَعملية لِتضرب الاقتصاد المقدسيّ، وإفقار التُجار المقدسيين، بِهدف شل حركة شراء الغير مقدسيين.

 

السياسات الصُّهيونيَّة الغاصبة المُتلاحقة على أهالي المدينة المُقدسة وتُجارها، خلقت بيئة اقتصاديَّة ضعيفة العصب قابلة لِروماتيزم المفصل الاقتصاديّ، كما تتحدث الإحصاءات عن أن نسبة بطالة بين الفلسطينيين بالقُدس تصل إلى 25%، أما معدل الدخل فيبلغ للفلسطينيّ نحو ألف دولار، وهو أقل مِن نصف تكلفة المعيشة بالمدينة[1]، وتشير إحصاءات إسرائيليَّة رسميَّة إلى أن 75% مِن الفلسطينيين شرق القُدس فقراء، في حين تصل نسبة الأطفال العرب الفقراء إلى 82%.[2]  مِن السكان المقدسيين، في أرقام صادمة تكشف خطورة ما تتعرض له المدينة.

 

وجه الكيان الصُّهيونيّ ضربة قاضيَّة للاقتصاد المقدسيّ الّذي أذاق كُلّ المقدسيين مرارة السياسات الظالمة الاحتلالية القائمة على إغلاق كُلّ المحلات التجاريَّة تحت حُجة ” الدواعي الأمنيَّة “، وإيقاف العمليَّة التجاريَّة بِكُلِّ مكوناتها الحيويَّة، عدا عن فرض الضرائب الباهظة والمخالفات اليوميَّة، وحملات التفتيش والاعتقالات المُتكررة بحقِّ التُجار المقدسيين، ومصادرة الأملاك والبيوت، وصولاً إلى حدِّ قطع الكهرباء والماء عنهم!

 

إضافة إلى هذه السياسات تعمّد الاحتلال قتل السياحة الداخليَّة بفعل الإجراءات التعسُفيَّة والصارمة الّتي يفرضها الكيان الصُّهيونيّ قبل الوصول إلى مدينة القُدس، ومنع السُياح والزوار مِن دخول البلدة القديمة خاصّةً. سياسة لِتوجيه ضربة قاتلة للحياة الاقتصاديَّة، لِتبلُغ الإغلاقات للمحال التجاريَّة 50%، ما رغمت في تهجير التُجار إلى الأسواق الخارجيَّة. لِتُصبح البلدة القديمة كَمدينةِ أشباح لا يوجد فيها أيّ حركة تجاريَّة بعد أن كانت تعُج بالزوار والمشترين، مدينة معزولة تماماً، تئُن مِنْ شلل أصاب اقتصاد المدينة.

 

فَالاحتلال الصُّهيونيّ دمر اقتصاد المدينة المقدسة بشكلٍ كامل، لِتُساهم هذه السياسات التهويديَّة بحقِّ المقدسيين في تكفين الاقتصاد المقدسيّ ووضعهُ في تابوت الاحتلال ودفنهُ في تراب عدم التطوير، بعد أن رفع الجميع يدهُ عن تقديم الدعم الإقليميّ والدّوليّ للمدينة. فَأخذت نسبة المُشتريات على كُلِّ المُنتجات في القُدس المُحتلة بالانكماش، لِتصل إلى 80%.

 

فَتدنت مبيعات الألبسة بِنسبةِ 70%، والأحذيَّة 78%، والمواد الغذائيَّة 60%، وهذا يعني أن في الأيَّام القادمة سَتكون أكثر خطورة عما سلف على أهل المدينة المقدسة في حال إذا لم يوضع برامج وخطط اقتصاديَّة استراتيجية عاجلة لإنقاذ العملية الاقتصاديَّة مِنْ هذا المرض الّذي شلَ حركتها، وتعزيز صمود المقدسيين، ومجابهة ما يتم تخطيطهُ على أيدي الاحتلال لِتهجير التُجار المقدسيين.

 

تتطرق هذه الدراسة في المحور الأوَّل تحت عنوان ” أسواق البلدة القديمة في القُدس ” ، يُقدم هذا المحور لمحة تاريخيَّة وتفصيليّة عن أسواق البلدة القديمة في القُدس الَّتي تعُد بمثابة عصب الاقتصاد المقدسيّ ، وحيويته معقوداً بأسواقِه الَّتي طالما تُعتبر أسواق القُدس مِن أبرز معالم المدينة المقدسة وتمثل جزءاً أصيّلاً مِن هويتها وتعد العمود الفقريّ لاقتصاد المدينة، وترتبط هذه الأسواق بشبكة كبيرة مِن الطرق والعقبات والأحواش.

 

وتشكل الحالة الاقتصاديَّة للقُدس حالة فريدة مِن نوعها فهي مُنذ عهود مبكرة تفتقر لمقومات المدينة الاقتصاديَّة لأسباب عدة منها نُدرة مصادر المياه فيها إلَّا مِن نبع واحد وحيد يقع في الطرف الجنوبيّ فيها (أسفل تل الضهور-في منطقة سلوان اليوم) كذلك نُدرة الأمطار وطبيعتها الطبوغرافيَّة الجبليَّة الَّتي حدت مِن وجود مساحات زراعيَّة، وكذلك خلوها مِن مناطق صناعيَّة إلَّا فيما نُدر.

 

ولم يبقَ ما يساعد المدينة في اقتصاداتها إلَّا احتوائها على جُملةٍ متنوعة مِن الآثار مِن مُختلف العهود بالإضافة إلى وجود أماكن مقدسة يُشد إليها الرَّحال مثل المسجد الأقصى ويحج إليها مثل كنيسة القيامة. مما غلّب عامل مقوم للاقتصاد يندر حدوثه في مدن أُخرى وهُو عامل اقتصاد الحج السياحيّ والدِّينيّ، لذلك كانت الحاجة مُلحة وضروريَّة لإقامة أسواق اقتصاديَّة تلبي حاجة الساكن المحلي وكذلك حاجة الوافد الحاج والمقدس للأماكن الدِّينيَّة .[3]

 

المحور الثَّانيّ بِعنوان ” اقتصاد القُدس خلال الحُقبة التَّاريخيَّة العثمانيَّة ( 1516- 1917)، تمكنت الـدّولة العثمانيَّة مِن السيطرة على بـلادِ الشام، وشرعت في تقسيمِ بلاد الشام إلى ولايات متعددة وتمّ تقسيم كُلّ ولاية إلى مقاطعاتِ إثر معـركة مـرج دابق922هـ/1516م، وبعد أن وصل السُلطان سليم الأوَّل دمشق أرسل عشرة آلاف جندي لِفتحِ القُدس، ودخولها في العامّ ذاته، ثَمَّ نُصِّب أوَّل حاكم لِإمارة القُدس مِن العثمانيين وهو إسكندر بن أرنوس ، بعد ذلك زارها السلطان قبل أن يتوجه لِفتحِ مصر حيثُ دخلها دون قتال.

 

وكانت أعمال السُلطان سليم عند وصولِهِ إلى مشارفِ القُدس خرج أهل القُدس مِن الأعيان والعلماء والوجهاء لِاستقبالِهِ، والترحيب به وسلموه مفاتيح المسجد الأقصى المُبارك ، وقُبَّة الصَّخرة، ثُمَّ سجد السُلطان شاكراً لله تعالى على هذه النعمة ، وبعدها بدأ بِزيارةِ الأماكن المقدسة ثُمَّ اطلع على شؤونها ، وأمر ولاته بتنظيم أحوالها ، فَقام بإكرام أهلها والتودد إليهم ومنحهم الأعطيات والهدايا المجزية.

 

تمّ بناء جهاز إداريّ للنظام الاقتصاديّ في القُدس عُرف (بالطوائف الحرفيَّة) كما شهدت أعداد السكان تذبذباً خلال العصر العثمانيّ وذلك لِأسباب طبيعيَّة بشريَّة.[4]

 

تكمن أهميَّة الدراسة في توضيح الوضع الاقتصاديَّ لِمدينة القُدس على غرارِ تنفيذ إسرائيل سياستها ومخططاتها لِعزلِ القُدس عن بقيَّةِ أجزاء الضفة الغربيَّة على كافةِ المستويات، حيثُ شملت الأرض والسُكان والاقتصاد والمؤسسات. كما قامت -ولا تزال تقوم- بِضربِ البُنيَّة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والمؤسساتيَّة والإداريَّة لهذه المدينة، باعتبارِها المركز والمحور والقلب النابض للشعبِ الفلسطينيَّ .

 

ونتيجة للسياساتِ والإجراءات الإسرائيليَّة ضدّ المدينة وسُكانها، بدأ دور المدينة ومكانتها الاقتصاديَّة يتراجعان بشكلٍ مستمر، فدخلت القطاعات الاقتصاديَّة المُختلفة -السياحيَّة والصناعيَّة والتجاريَّة والخدماتيَّة- في أزماتِ متواصلة، حيثُ ساهم الحصار والإغلاق المتواصلان للمدينة والمفروضان عليها مُنذ عشرات السنوات، بركود تجاريَّ واقتصاديَّ فيها وإفلاس العديد مِن المنشآتِ، وإغلاق مئات المحال التجاريَّة، وهجرة الكثير مِن المؤسساتِ والمنشآت الاقتصاديَّة والتجاريَّة إلى خارجِ حدودها، وتحديداً إلى مدينتي رام الله وبيت لحم والضواحي.

 

المدينة المُقدسة، في قسمِها الشرقيَّ، تُعاني مِن عمليات حصار اقتصاديَّ واجتماعيَّ ومعيشيَّ خانق ممنهج، تسهم فيه الهجمة الاستيطانيَّة المُتسارعة الَّتي تزداد شراسة وتغولا يوماً بعد يوم، مسنودة إلى ما يوفره جدار العزل العنصريَّ مِن أسبابِ تُفاقم مِن حدّةِ الأزمات المُفضيَّة إلى اغتيالِ المدينة.

 

لا تقف هذه المعاناة أيضاً عند مصادرة مساحات مِن الأراضيَّ المقدسيَّة مِن أصحابها الشرعيين وضمها إلى المساحاتِ المهيأة لتوسيع العمليَّات الاستيطانيَّة الشرهة، أو عند الإجراءات القمعيَّة اليوميَّة بأشكالها المختلفة والَّتي يتمَّ ارتكابها أمام العالم تحت ذريعة المتطلبات الأمنيَّة؛ ولكنها تمتد أيضاً إلى الاستيلاءِ على العقاراتِ الفلسطينيَّة في القُدسِ القديمة لتوسيع الرقعة الاستيطانيَّة المتفشيَّة في تلك المساحة الَّتي لا تتجاوز الكيلومتر المربع الواحد، دون أن تتوقف في الوقت نفسه عن مصادرة هويَّات المقدسيين بهدف دفعهم للهجرةِ مِن مدينتهم إلى مناطق أُخرى، ضمن الحرب الديموغرافيَّة والاقتصاديَّة ومعركة الوجود المستعرة في المدينةِ بين سلطة الاحتلال وأصحاب المدينة الشرعيين.

 

ويتعدى الأمر ذلك إلى ممارسة آليات مختلفة مِن القمعِ والتضييق والحصار الاقتصاديَّ لمواطني القُدس مِن الفلسطينيين المتشبثين بالبقاءِ في مدينتهم المُقدسة، مصرين على خوض معركة التشبث الوطنيَّ بالمدينة.

 

وتطال عمليَّات التخريب الاقتصاديَّ لعاصمة الدّولة الفلسطينيَّة المستقبليَّة كافة مقومات الاقتصاد الوطنيَّ الفلسطينيَّ في المدينةِ، وجميع مفرداته، مِن زراعيَّة وتجاريَّة وصناعات حرفيَّة وسياحة.. إلخ، مع الحرصِ على شلِّ إمكانيَّة تناميها ومقومات وأسباب انتعاشها.[5]

وتهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء عمّا يحدث في المدينة المُقدسة مِن الناحيَّة الاقتصاديَّة الَّتي كان بدايَّة ضعفها واضحت المعالم مُنذ العهد العثمانيَّ ، ومع مر التَّاريخ زاد الوضع سواءً ؛ بهدفِ قتل هذه المنطقة الحيويَّة على جميع الأصعدة ، والَّتي تُعد مركز فلسطين الاقتصاديّ والدِّينيَّ ، والتَّاريخيَّ والمؤسساتيَّ . واضعين سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة تضامنيَّة لِإنقاذ الاقتصاد المقدسيَّ ، وحمايَّة المدينة مِن مد السيطرة عليها مِن قبل الاحتلال الصُّهيونيّ.

 

تكمن إشكاليَّة الدراسة في محاولة فهم البدايات الاقتصاديَّة لِمدينة القُدس ، وكيف بدأت مزدهرة وبعدها إلى الانهيار. مما يترافق مع ذلك العمل الإسرائيليَّ الدؤوب لرفعِ مستوى البطالة لدى المواطنين العرب الفلسطينيين، ودفع غول الغلاء ليصول في المدينةِ العربيَّة ويبطش بأهلها، إلى جانبِ الضرائب الباهظة الظالمة الَّتي تفرضها سلطات الاحتلال، فتُثقل بها كاهل المواطن المقدسيَّ، مما يسهم في رفعِ معدلات خط الفقر إلى مستوياتِ غير مُسبوقة، ويقود بالتَّالي إلى تدني مستوى دخل المواطن الفلسطينيَّ هُناك، وتراجع مستوى قدراته الشرائيَّة، مما يسبب خللاً في الدورة الاقتصاديَّة للمدينة [6]، ودفعه إلى الرحيلِ مِن المدينة رغم ذلك يتمَّ تعزيز الصُّمود فِي البلدة القديمة مهما كانت السياسات المُجحفة، والَّتي تعزم على دفع المقدسيَّ إلى الهجرةِ .

 

كما تنطلق الدراسة مِن سؤالٍ رئيس يبحث في هل سياسات الإهمال المعتمدة مِن قبل الاحتلال الصُّهيونيَّ في إحداث فجوة في الاقتصاد المقدسيَّ بجانبِ الخدمات مثل: جهاز التعليم ، وخدمات البُنيَّة التحتيّة ، وإدارة النفايَّات ، وأنظمة الصَّرف الصَّحيَّ ، وبالإضافةِ إلى قوانين الَّتي تحظر التَّطور الاقتصاديَّ وتدمير الإزدهار في الأحياء والقُرى والمخيمات العربيَّة في القُدس سَيقتل حيويَّة المدينة وبعدها تهويدها؟

 

وعليه تفترض الدراسة ما دام لم يتمَّ وضع سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة تضامنيَّة لحمايَّة الاقتصاد المقدسيَّ مِن الانهيار، والتكعكع سيؤدي إلى ضياع المدينة المُقدسة مِن خلال إحكام السيطرة على المحلات التَّجاريَّة مِن قبل المستوطنين ، وبالتَّالي سَيتغيَّر معالم المدينة المُقدسة،  وهويَّتها العربيَّة والإسلاميَّة؛ لِأن الاحتلال يسعى إلى إيجاد موطئ قدم حتَّى يُحقق حُلمه الشرس في قيام هيكله الثالث المزعوم مكان المسجد الأقصى المُبارك ، والقضاء على المعالم الإسلاميَّة والمسيحيَّة في المدينةِ.

 

تستند الدراسة في إعدادها على المنهج الوصفيَّ التَّاريخيَّ التحليليَّ ، لِدراسة وضع القُدس في ضوءِ التَّاريخ وبناءً على دراسة التَّاريخ سنقوم في تحليل الوضع الاقتصاديَّ المقدسيَّ لِوضع إستراتيجيّات علاجيَّة لِإنقاذ القُدس ، وحمايَّة الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة مِن الضياعِ والتهويد الصُّهيونيَّ.

 

 

المحور الأوَّل: أسواق البلدة القديمة في القُدس:

 

ما أن تدخل أعتاب البلدة القديمة في القُدس حتَّى تمتلئ عيناك بالمحال التجاريَّة والباعة المتجولين والبسطات, فأسواق القُدس قديمة قدم المدينة، وتتنوع محلات القُدس بتنوع المنتج، فمنها ما خصص لبيع اللحوم فقط وسمي بسوق اللحامين، ومنها للعطارة كسوق العطارين وهكذا, فابن القُدس يأخذ حاجته مِن جميع ما يطلب ولا يضطر للذهاب مسافات طويلة لشراء حاجياته، فأسواق القُدس لها منافذ عديدة يستطيع الوصول إليها دون اللجوء لأيِّ وسيلة تنقل .

 

ولأسواق القُدس بالبلدة القديمة، حيثُ الروائح العطرة والمناظر الخلابة لشتى أنواع البضائع، التَّي تزين واجهات المحال التجاريَّة.

 

سوق باب خان الزيت:

وهُو مِن الأسواق العامرة فهو وجه المدينة وأوَّل أسواقها، ويُعتبر المدخل الرئيسيّ لأسواق البلدة القديمة في القُدس، وفيه كثير مِن المحلات القديمة.

 

وعُرف بهذا الاسم نسبة إلى وجود خان أثري يعرف باسم “خان الزيت”، و يمتد هذا السوق مِن أوَّل درجات باب العامود، إلى نهايَّة طريق كنيسة القيامة وهُو امتداد لسوق العطارين.

 

وفي وسط السوق يوجد المرحلة السادسة لطريق الآلآم عند النَّصارى، وكذلك كنيسة الأحباش، ويوجد أيضاً مُصلَّى سيدنا أبا بكر الصديق – رضي الله عنَّه .

 

سوق العطارين:

وهُو مِن الأسواق الجميلة في مدينة القُدس، و يشتهر ببيع جميع أنواع العطارة والأعشاب والزعتر، فما أن تقترب لسوق العطارين حتَّى تبدأ بشم الروائح العطرة والمشهيَّة، وتأخذك إلى عالم مِن السحر والجمال .

 

سوق اللحامين:

عُرف بهذا الاسم لوجود محلات خصصت لبيع اللحوم الطازجة والأسماك ، وهُو موازي لسوق العطارين .

 

سوق الدباغة:

كان هذا السوق يمتاز عن غيره مِن الأسواق في القُدس القديمة، لوجود كثير مِن الحرفيين الَّذين كانوا يعملون في مجال دباغة وتصنيع الجلود، وكان هذا في العهد العثمانيَّ ،أمَّا اليوم فالسوق يمتاز بمحلات لبيع البضائع التقليديَّة والتراثيَّة للأجانب.

 

ويقع هذا السوق قرب كنيسة القيامة، ويوجد في وسطه آثار وتماثيل جميلة تعود لعصور سابقة .

 

سوق الحصر:

سُمي بهذا الاسم لكثرة بائعي الحصر و السجاد، حيثُ كان مرتعاً لتُجار الحصر و السجاد ، ويقع هذا السوق مقابل سوق البازار .

 

سوق البازار:

كان السوق مِن جُملة أوقاف المدرستين الأفضليَّة والكريميَّة، ثُمَّ أصبحت مرافقه مِن جُملة أوقاف عائلتي الحسينيَّ وجار الله ،وهُو الآن يختص ببيع السلع السياحيَّة، و كان في الماضي سوقاً للخُضار، يأتي إليه القرويون مِن ضواحي القُدس لبيع بضائعهم .

 

سوق الباشورة:

وهُو مِن الأسواق القديمة التَّي يعود تاريخها للعصر الرومانيّ، وقد كشفت الحفريات عن السوق الرومانيّ الَّذي هو امتداد لسوق الباشورة، حيثُ الأعمدة الرُّخاميَّة التَّي تزيد السوق جمالاً ورونقاً، وقد قام الاحتلال الإسرائيليّ بتهويد هذا السوق وسماه سوق الكارد، وهُو الآن مهدد مِن قبل اليهود.

 

سوق باب السلسلة:

سُمي بهذا الاسم نسبة إلى باب السلسلة أحد أبواب المسجد الأقصى المُبارك، وهُو امتداد لهذا الباب ويوجد بهذا السوق بعض مِن الآثار الإسلاميَّة القديمة مثل: المكتبة الخالديَّة، وبعض قبور الصَّالحين، وسبيل باب السلسلة، ويمتاز اليوم بمحاله الجميلة التَّي تقوم ببيع التحف التقليديَّة للسواح الأجانب.

 

سويقة علون:

وهي مِن الأسواق المزدهرة بالسُياح الأجانب، حيثُ أنَّها تقع في حيّ النَّصارى قُرب باب الخليل، وهي الطَّريق المؤديَّة إلى كنيسة القيامة والمسجد الأقصى المُبارك وحائط البراق، ويمتاز هذا السوق ببيع التحف والآثار القديمة الَّتي تظهر عُروبة المدينة المقدسة.

 

سوق الخواجات:

وهُو مِن الأسواق القديمة التَّي تمتاز ببيع الحرائر والأقمشة، وهو موازي لسوق العطارين.

 

سوق حارة الواد:

وهُو الطَّريق الرئيسيّ للمسجد الأقصى المُبارك ويبدأ مِن جنوب باب العامود، وينتهي عند حائط البراق، وفيه بعض المعالم المهمة لدى المسيحين مثل طريق الآلام.

 

سوق حارة النَّصارى:

ويقع في قلب الحيّ المسيحيّ في البلدة القديمة وبه كثير مِن الأديرة والكنائس المسيحيَّة، وكذلك جامع سيدنا عُمر بن الخطاب -رضي الله عنَّه-  في الموقع الَّذي صلّى به عند زيارة كنيسة القيامة.

 

وتمتاز محلات هذا السوق ببيع البخور للكنائس، وكذلك الشمع المقدس، وكثير مِن التحف السياحيَّة.

 

سوق القطانين:

سُمي بهذا الاسم نسبة لباب القطانين أحد أبواب المسجد الأقصى المُبارك، ويعود تاريخ هذا السوق إلى العصر الفاطميّ، حيثُ تجد العمارة الفاطميَّة تضفي جمالاً ورونقاً له، ويوجد به حمامات قديمة يعود تاريخها للعصر المملوكيّ.

 

وتمتاز محالّه ببيع الهدايا والروائح لزوار المسجد الأقصى المُبارك، حيثُ تنبعث منه الروائح العطريَّة.

 

فكما هُو حال المدينة المقدسة مهدد بالتهويد والخطر، كذلك هي أسواق البلدة القديمة بالقُدس مهددة بالخطر والهدم مِن قبل الاحتلال، فيعاني اليوم أصحاب المحال التجاريَّة بالقُدس، التهديد اليوميّ مِن قبل سلطات الاحتلال الإسرائيليّ، وذلك برفع أسعار ضريبة الأرنونا، ومنعهم مِن إدخال البضائع والتضييق عليهم بتسكير وإغلاق محالهم التجاريَّة.[7]

 

المحور الثَّانيّ: اقتصاد القُدس خلال الحُقبة التَّاريخيَّة العثمانيَّة(1516-1917):

 

تعد الصناعة على قدر عالٍ مِن الأهميَّة، كونها تلبي احتياجات أساسيَّة للسكان، فكانت الصناعات الغذائيَّة والنسيجيَّة والمعدنيَّة والجلديَّة…إلخ، وقد تمّ بناء جهاز إداريّ للنظام الاقتصاديّ في القُدس عُرف بالطوائفِ الحرفيَّة، وهي أن يتمَّ تنصيب شيخ لِكُلِّ طائفة يعمل على تصريف أمورها وينظم علاقاتها، ومِن المهن الَّتي درجت في هذه الطوائف الحلوانيَّة والدباغة والنساجون، والصاغة.

 

ومِن أبرز الصناعات الَّتي كانت مُنتشرة في القُدس صناعة الصابون، وصناعة المنسوجات، حيثُ كان لها رواجاً كبيراً حتَّى أنها كانت تُصدر إلى البلادِ المجاورة لا سيما مِصر وقُبرص.

 

الأسواق والخانات:

 

السُوق: عبارة عن مجموعة مِن الدكاكين تصطف على جانبي بعض الشوارع داخل المدينة معقودة سقوفها ويتخللها فتحات لِدخول الضوء، لِلرفق بِالمتجولين فيها صيفاً وشتاءً، وكان لِكُلِّ سوق مدخلان يُغلقان ليلاً، أما أسواق القُدس في هذا العصر فَهي:

سُوق التُجار، سُوق الجوخ، سُوق الخضر، سُوق الصرف، سُوق. الطباخين، سُوق العطارين، سُوق الفخر، السُوق الكبير.

 

الخان: عبارة عن مبنىٍ كبير يتكون مِن عدد مِن العناصر المعماريَّة كُلّ واحد مِنها له وظيفة معماريَّة وإنشائيَّة، ومِنها: خان الزيت، خان الغادريَّة، خان العمارة العامرة، خان الفحم، خان الوكالة.[8]

 

ظل اقتصاد فلسطين زراعيَّاً، في الأساسِ حتَّى أواخر العهد العثمانيَّ؛ إذ بقيت الزراعة هي النَّشاط الاقتصاديَّ الرئيسيَّ لِلسكان، وكانت تعتمد على مياه الأمطار إلى حدٍّ كبير؛ وتتأثر بالتالي بغزارة أو بِقلة الأمطار. وظلت الزراعات المُنتشرة في فلسطين هي نفسها تقريباً بِاستثناء التطوّر الكبير الَّذي طرأ على زراعة الحمضيّات، والَّتي صارت تحتل المكانة الثَّانيَّة، مِن حيثُ الأهميَّة، بعد القمح في قائمة المواد المصدّرة مِن فلسطين في ثمانينيات القرن التَّاسع عشر، ثُمَّ قفزت إلى المكانةِ الأوَّلى سنة 1904م.

 

بقيت الصناعة في فلسطين ذات طابع حرفيَّ وتقليديَّ عموماً، ومن أبرز الصناعات الَّتي عرفتها فلسطين صناعة الصابون، الَّتي كان مركزها الرئيسيَّ مدينة نابلس؛ كما ازدهرت صناعة الأدوات التذكاريَّة مِن خشب الزيتون، وصناعة الصدف، ومعاصر الزيتون ومطاحن الحبوب.، واشتهرت مدينة القُدس بصناعة الأحذيَّة؛ بينما اشتهرت مدينة الخليل بصنع الأساور مِن الزجاج، ودبغ الجلود وصنع الخزف ، ووجد في بلدة المجدل ما يزيد عن مائة نول لحياكة الكتان، وانتشرت في غزَّة صناعة العباءات، ومارس المسيحيون فيها صناعة البناء، الَّتي انتشرت كذلك في القُدس وبيت لحم وبيت جالا ، وفي أبو ديس شرق القُدس، وبيت دجن، انتشرت صناعة الحصر والقفف والأطباق.

 

بيد أن الظاهرة الَّتي تعمقت في تلك الفترة هي زيادة تدفق المنتوجات الأجنبيَّة إلى الأسواق الفلسطينيَّة؛ فقد أدّى تعمق ارتباط الاقتصاد الفلسطينيَّ بالاقتصاد العالميَّ، والتغيّر الَّذي طرأ على أوضاع المجتمع، وارتفاع مستوى معيشة السُكان، إلى إقبال السُكان على المنتوجات الأجنبيَّة الَّتي غمرت الأسواق، ونافست الصناعات التقليديَّة المحليَّة، نتيجة ضعف الحمايَّة الجُمركيَّة لها، ذلك أن الرسوم الجُمركيَّة كانت ضئيلة جداً، بدأت بـ 3 في المئةِ، وانتهت بـ 11 في المئةِ مِن قيمة البضائع المُستوردة.

 

وبقيت المحاصيل الزراعيَّة تُشكّل أهم صادرات فلسطين، وكان حجمها مرتبطاً بطبيعة المواسم الزراعيَّة، فمثلاً: ساءت الأحوال الاقتصاديَّة في عام 1879؛ نتيجة قلة الأمطار، وضعف المحصول الزراعيَّ وارتفاع الأسعار؛ الأمر الَّذي أدّى إلى شلل في الحركةِ التجاريَّة.

 

وظلت فلسطين تُصدّر القمح إلى أوروبا، حيثُ كان ثلثا القمح المصدّر مِن عكا يأتي مِن سهل حوران؛ والثلث الآخر مِن شمالي فلسطين (مِن مناطق عكا والناصرة وطبريَّة)؛ كما ظلت موانئ فلسطين (يافا، وحيفا، وعكا) تصدّر الشعير والذرة والسمسم وزيت الزيتون والصابون وصوف الغنم، وتوسعت فلسطين، في تلك الفترة في تصدير البرتقال، وبِخاصَّة مِن ميناء يافا.

 

وكان التَّصدير المُنتظم لِلبرتقال قد بدأ بعد حرب القرم (1856)؛ ثُمَّ شهد تطوّراً ملحوظاً في السنوات اللاحقة؛ حيثُ كانت قد أُنشئت، في سنة 1873، في الضواحي المحيطة بِيافا 420 بيارة برتقال بلغ محصولها السنوي 3، 33 مليون حبّة؛ وكان سُدس هذا المحصول يغطي حاجة السُوق الداخليَّة؛ بينما كان الباقيَّ يشحن بحراً على “ناقلات الفواكه” اليونانيَّة إلى مِصرٍ وآسيا الصُغرى؛ وصار مُنذ سنة 1875، يُصدّر إلى أوروبا أيضاً ،وفي سنة 1880، بلغت غلة محصول البرتقال 36 مليون حبّة ، وقدّرت القُنصليَّة الأمريكيَّة البرتقال الموجود حول يافا، في تلك الفترة بحوالي 500 بستان، كُلّ بستان كانت تتراوح مساحته بين فدانين وستة فدادين؛ وفيها حوالي 800000 شجرة.[9]

 

النقود والمسكوكات في العهدِ العثماني:

 

يظهر أن النقود الَّتي كانت، في بدايَّة الحُكم العثمانيّ، رائجة بين سُكان بيت المقدس هي الَّتي سكت على عهد المماليك، وأن قيمة هذه المسكوكات قد هبط إلى الحضيض مع زوال حكم المماليك. الأمر الَّذي حدا بالسُلطان القانونيَّ إلى سك فلوس جديدة سميت باسمه.

 

ويظهر أيضاً أن النَّاس في بادئ الأمر أقبلوا على التعامل بالفلوس الجديدة وأهملوا القديمة لهبوط قيمتها الأمر الَّذي أحدث ارتباكاً في الأسواق فراحت جماعة مِن المُسلمين إلى نائب القُدس تشكوا أمرها قائلة إنَّها تضررت مِن قلة الفلوس الجديدة وتقرر أن تكون الفلوس القديمة المسكوكة كُلّ أربعة بربع، وذلك برضا جماعة السوقة وأحمد بن أبي بكر محتسب القُدس الشريف.

 

وبيان بعض النقود المسكوكات الَّتي سمعنا بها في ذلك العهد: ” أن أوَّل عُملة ضربت في العهد العثمانيَّ كانت تسمى: أقجة وهي كلمة مغوليَّة الأصل ومعناها: القطعة البيضاء ضربها علاء الدِّين باشا أخو السلطان أورخان، وقد اتخذت يومئذ راتباً يوماً للواحد مِن الجنود كانت في البدء تساوي ثلث درهم مِن الفضة، وفي القول إنها عبارة عن أربعين بارة”.

 

الدَّرهم: كانت المعاملة في أوائل العهد العثمانيَّ بالدَّرهم وهُو مِن الفضة وكانوا يسمونه 954 هـ – 1547 م، الدَّرهم العثمانيَّ وجمعه دراهم وكثيراً ما وردت هذه في الصكوك باسم (الدَّراهم الفضيَّة العثمانيَّة) وهي مِن القطع السليمانيَّة، وأن كُلّ أربعة دراهم مِن الفضة كانت تساوي قرشاً واحداً.

 

الدينار: هُو نوع من النقد يعادل السكة السلطانيَّة مصنوعة مِن الذَّهب والدينار عبارة عن أربعين قطعة مِن الفضة السليمانيَّة. والدينار الذَّهب كانوا يسمونه البندقيَّ، وقيمته 48 قطعة مصريَّة، والقرش الصَّحيح كان في الأصلِ عبارة عن 32 قطعة مصريَّة.

 

ولقد ذكرت (الدنانير الناصريَّة)، ويظهر أنها سكت قبل عهد الأتراك بارة قطعة مِن النقد العثمانيَّ صغيرة القيمة لا بل أنها أصغر مِن نقد آخر أصل الكلمة بارة، وهي فراسيَّة ومعناها شقفة أو قطعة أو جزء، وجمعها: بارات والبارة: عبارة عن واحد مِن أربعين مِن القرش أو أن القرش عبارة عن أربعين بارة. والبارة كانت متداولة في البلاد العثمانيَّة ولا سيما مِصر، ولذلك يقال لها أيضاً مصريَّة ومِن هُنا جاء قولهم (معك مصاري) أيّ دراهم للإنفاق.

 

(القطعة المصريَّة تعد قطعتين شاميتين أو قطعتين عثمانيتين أيضاً، والقرش الأسديّ: عبارة عن ثلاثين قطعة مصريَّة ويظهر أنه كان هُناك قرش غير القرش الأسدي. وهذا القرش كانوا يسمونه بالقرش الصَّحيح وقيمته 32 قطعة مصريَّة).

 

لقد جاء في البستان أنه لمّا كانت البارة عُملة في البلاد العثمانيَّة ولا سيما في مصر. فقد سُميت أيضاً مصرية، إذاً يجوز القول أنّ المقصود مِن القطعة المصريَّة هو البارة.

 

القطعة الشاميَّة: نصف القطعة المصريَّة أيّ أن كُلّ قطعة مصريَّة تعادل قطعتين شاميتين ، ولمّا كان القرش الأسديّ يُعادل ثلاثين قطعة مصريَّة وبالتالي ستين قطعة شاميَّة، وتكون القطعة الشاميَّة عبارة عن جزء مِن ستين مِن القرش الأسديّ.ويظهر أن القطعة الشاميَّة والعثمانيَّة واحدة ، أيّ أن كُلّ قطعتين عثمانيتين تعادلان قطعة مصريَّة.

 

السُلطانيَّ؛ مِن النقود السليمانيَّة الواحد مِنه يُعادل 40 قطعة مصريَّة ولقد قدر القاضيَّ قيمة شيء مِن الأشياء بثلاثين سلطانيّاً قال عنها في قراره أنها تُعادل 1200 قطعة مصريَّة ، ولمّا كان القرش الأسديّ يُعادل ثلاثين قطعة مصريَّة فَيكون السُلطاني مُعادلاً لقرش وثلث القرش مِن القروش الأسديّة.

 

السكة أو السكة السلطانيَّة نوع مِن العُملة ورد ذكرها في المعاملات المدونة في سجلات المحكمة الشرعيَّة خلال القرن العاشر للهجرة (973 هـ – 1565م) ، ويعتقد أنها مِن النقود الَّتي سكت في زمن السُلطان سُليمان القانونيَّ. مِنها ما سك مِن الذَّهب ويسمونه الذَّهب السُلطانيَّ أو الدينار ومِنها ما سك مِن الفضةِ ويسمونها الفضة السُليمانيَّة أو القطع السُليمانيَّة.

 

ويظهر أن الدينار أو السكة السُلطانيَّة المصنوعة مِن الذَّهب كانت تُعادل أربعين قطعة مِن الفضة السُليمانيَّة أو مائة بارة. وأن السكة كانت عبارة عن خمس بارات ، وقد تكون هذه هي المصنوعة مِن معادن أُخرى.

 

القرش الأسديّ؛مِن النقود الَّتي سكها السلاجقة في برِّ الأناضول، وانتقلت معهم إلى هذه البلاد عندما اكتسحوها قيمة أربعون بارة ،وقد سُمي كذلك لأن صُورة الأسد كانت في البدء مطبوعة عليه.

 

وعلى قول أنه كانت عليه صُورة الأسد والشمس معاً ، واستعمله الفرس على هذا الشكل كشعار خاصَّ لمملكتهم وظل يسمى القرش الأسديّ رغم أن صُورة الأسد رفعت عنه مع الزمن.

 

استعمل فيما مضى أساساً للمعاملات التجاريَّة ولصرف النقود، ثُمّ انحصر استعماله في بيع الأشياء بالمزاد العلنيّ فقط ، وظل رائجاً في هذه البلاد حتَّى أواخر القرن التاسع عشر ،وهُناك مِن يقول أن أوَّل مِن استعمله هُم الأتراك العثمانيون، وأن هؤلاء أخذوه عن العُملة الأسديَّة الهولانديَّة الَّتي كانت آنئذ رائجة لديهم في الممالك العثمانيَّة. وكانت تضرب بقيمة ثمانيَّة دراهم ونصف وبعد أن استعمله الأتراك العثمانيون صار يسمى القرش التركيَّ ويقال له أيضاً القرش العثمانيَّ والقرش السُلطانيَّ.

 

والقرش الأسديَّ: كان خلال القرن السابع عشر الميلاديّ يعدل ثلاثين قطعة مصريَّة وقد يساوي ثلاثة فرنكات وفي قول أن القرش السُلطانيَّ يساوي 40 قطعة فضيَّة والقرش الأسديَّ وهُو نصفه يساوي 20 قطعة فضيَّة.

 

ومِن هذا يفهم أن كلمة القرش سواء كانت مِن اختراع الأتراك السلوجوقيين أو الأتراك العثمانيين فإنَّها كلمة تركيَّة أصلها غرش ومِن أسمائها باللُّغة التركيَّة أيضاً: آفجة.

 

وعلى قول أنها لاتينية الأصل أو ألمانيَّة جروش ومهما كان أصلها فإنَّ العرب أخذوها عن الأتراك فعربوها وقالوا قرشاً والأتراك ضربوا هذا النوع مِن النقد في بلادِهم لِأوَّل مرَّة على عهد السُلطان سليمان الثَّانيّ 1099 – 1102 هـ ( 1687 – 1691 م) ، وهُو جزء مِن المائة مِن الليرة التركيَّة.

 

كانت زنة القطعة الواحدة ستة دراهم فضيَّة وقد استعمل القرش مُنذ قرن ونصف تقريباً كوحدة للمعاملات الماليَّة والنقديَّة بقيمة أربعين بارة.

ظلت النقود السليمانيَّة المتقدم ذكرها رائجة في أسواق بيت المقدس حتَّى زمن السُلطان سليم الثالث بن مصطفى الثَّالث الَّذي تولى العرش سنة 1203 هـ- 1788 م ، فقد صدرت الإرادة السنيَّة على عهده بطلب الأوانيَّ وجمعها ممن عندهم وإرسالها إلى الضربخانة على أن يعوض صاحبها عن كُلِّ مثقال مِن الذَّهب بستة قروش ونصف وعن كُلِّ أربعة مِن الفضة بِقرشٍ واحد.

 

ومِن النقود الَّتي اشتهرت في ذلك العهد، ولا سيما خلال القرن الثَّامن عشر للميلاد الزلطة وهي بولونيَّة الأصل فالصداق كان 500 زلطة والدار الكائنة باب حطة بيعت بِسبعِ عشرة زلطة والزلطة عبارة عن ثلاثين بارة فضيَّة أيَّ أنها ثلاثة أرباع القرش الأسديَّ أو خمس ذهبة فندقيَّة.

 

الناحيَّة الاقتصاديَّة في العهد العثمانيّ:

 

الناحيَّة الاقتصاديَّة في العهد العثمانيّ 1517 – 1917م ، فإنَّ علينا أن نرجع إلى السجلات القديمة المحفوظة في المحكمة الشرعيَّة والَّتي تحدثنا بما فيه مِن قضايا وعقود وأوامر عن أخبار ذلك العهد أصدق الحديث ومتى رجعنا إلى تلك السجلات وجدنا أن نفقات المعيشة كانت رخيصة في ذلك العهد ،ويتبين مبلغ رخصها إذا ما قيست بنفقات العيش في الأعوام الَّتي تلتها.

 

كان قاضيّ المسلمين بالقُدس هُو الَّذي يعين أسعار الحاجبات ونقرأ في أحد السجلات أن القاضيَّ حسام الدِّين بحضور المحتسبين مُحمَّد بن داود وعلي بن مُحمَّد بن أبي جاموس قرر أن تكُن أسعار

الحاجيات التالية كما يلي:

الزيت الطيب 48 بارة، السمن العنانيّ 65، الدبس البلدي 15 الجبن 24 ، اللبن 3 ، الصابون العاديّ 40 ، الصابون المشمع 30 ،الصابون الأصفر 24 ، اللحم الضانيّ 15، لحم الماعز 13 ، اللحم البقريّ 8 ، وفي نفس الأمر حديث عن أسعار الزيت، والسكر النبات، والسكر الحمويّ ، والعرق سوس، والفولاذ والحديد والشمع، والسيرج والطحين والخل والمشمش والنشا واللوز والقطين والبرقوق والفقوس والخيار والباذنجان والليمون والخبز والكماج حتَّى وملح الطعام.

 

وأيضاً في السجل نفسه وفي السنة الَّتي تلتها أن مولانا الأفندي نور الله، بعد استشارة المُحتسب موسى بن داود قرر أن يكون سعر الكنافة المخروطة 4 بارات ، والقطايف 4 ،والكنافة الصينيَّة 5 ،والسميد 6 ، والدقاق 6 ، والطحين ،5 وجرة الطحينيَّة مِن المعصرة 34 بارة، ومِن السوق 39 ، وقنطار العنب بوزن القُدس الشريف ماية قطعة فضة سُليمانيَّة.

 

وعندما توفى المدعو جريس بن موسى الراهب الشاميَّ البيطار مِن سُكان القُدس في 16 صفر سنة 971هـ – 1563م ، حصرت تركته بمعرفة القاضيَّ.

 

وقد قدرت دار الميت الكائنة في حارة النَّصارى ب 20 سكة. ويظهر أن السكة كانت عبارة عن 100 بارة ،وفي 6 شوال 973 هـ 1565م، عين ثمن المد مِن الشعير ب6 بارات.

 

وإنا إذا ما انتقلنا إلى الجيل الَّذي تلا ذلك الجيل وجدنا أن قنطار العنب الجندلي حددت قيمته بثلاثة غروش 15 رجب 1020هـ –1211م ، ومد الذُّرة بِغرشٍ واحد 12 شعبان 1042 هـ – 1632 م ،ومد الحنطة بست قطع مصريَّة شوال 1066 هـ – 1655م ،وقنطار الزيت بأربعين غرشاً ذي الحجة 1066 هـ – 1655م.

 

وأمَّا أثمان الغنم فقد كانت كما يأتي:

 

ثمن الرأس الواحد مِن الماعز أو الضأن كان قرشاً أسديَّاً ونصف القرش فقد ابتاع رجل مِن رجل آخر 190 رأساً مِن الماعز والضأن ب125 قرشاً أسديَّاً ،وابتاع آخر 1330 رأساً منها بألفي قرش أسديَّ.

 

وبيعت فرس حمراء عاليَّة كبيشة بثمن جملته مِن الذَّهب السُلطانيَّ ثمانون سلطانيّاً ذهباً، وقطعتان مِن الفضة السُليمانيَّة.

 

وأمَّا أثمان الأراضيّ والعقارات في ذلك العهد فقد حدثتنا عنها سجلات المتقدم ذكرها فقالت: ” إنَّ الخواجا شرف الدِّين بن المرحوم الخواجا مُحمَّد شرف الدَّين قد اشترى مِن فخر المحصنات صفيَّة خاتون حصتها وهي السُدس أيَّ ستة قراريط مِن أربعة وعشرين قيراطاً في جميع غراس الزيتون والتين والسفر جل الإسلاميَّ، وعدة أصوله تسعة عشر أصلاً الكائن في أرض السمار بظاهر القُدس بثمن قدره خمسون غرشاً مِن الغروش الفضيَّة الرائجة في يومنا هذا”.

 

ولقد بيعت نصف الدار الكائنة بالنبي داود والمؤلفة مِن طبقتين مع منافعها بثمن جملته تسع وعشرون سلطانيَّاً ، وبيعت دار كائنة بِحارة بني زيد بالقُربِ مِن رأس القصيلة وهي مشتملة على بيتين سفليين وإيوان ومطبخ ومرتفق وساحة سماويَّة بِثمن جملته خمسة عشر سلطانيَّاً ذهباً قبض البائع منها خمسة سلطانيَّة والباقيَّ مؤجلة إلى سلخ سنة مِن تاريخِهِ.

 

وبيع نصف الدار الكائنة في حارة الواد المشتملة على بيتين سفليين وإيوان ودهليز وصهريج ، وبيت منهدم وشجرتي رمان ولوز بِجميعِ حقوق ذلك وطرقه وجدره ومرافقه ومنافعه بثمن قدره عشرون غرشاً مقبوضة بِيد البائع وحكم القاضيَّ بصحة البيع.

 

وبيع ربع الدار الكائنة بِمحلِه النَّصارى المشتملة على أربعة بيوت سفليَّة وسلحة سمايوة وصهريج بِثمن قدره عشرون غرشاً أسديَّاً. وبيعت في نفس التَّاريخ دار بِباب العمود مؤلفة مِن طبقتين بثمن قدره ثلاثون غرشاً فضيَّاً أسديَّاً.

 

وبيعت دار بباب حِطة وهي تشتمل على غرفتين وإيوان وصهريج ونافع مختلفة بخمسةِ وسبعين غرشاً ،وكان ذلك جمادى الأوَّلى سنة 1140 هـ 1727م.

 

واشترى غطاس وحنا ولدا بشارة بن عظيم الرأيّ الرّومي الحاضر معهما بالمجلس الشرعيَّ جميع الحصة الشائعة وقدرها نصف قيراط مِن أصلِ كامل في جميع الدار القائمة البناء بالقُدس الشريف بِمحلِهِ النَّصارى المشتملة على علو.

 

الأوضاع الاقتصاديَّة خلال القرن الثَّامن عشر:

 

كان سُكان مدينة القُدس خلال القرن الثَّامن عشر يعتمدون على موارد خاصَّة ومميزة بمدينتهم لوضعها القدسيَّ المميز، ومِن أهم هذه الموارد:

 

أ – إيرادات الأوقاف:

 

على الرغم مِن أن إيرادات الأوقاف كانت تُعتبر أهم مورد اقتصاديَّ لِلمدينةِ وأهلها، إلَّا أن أهم ما تُميَّز به القرن الثَّامن عشر هُو تسارع عمليَّة انقراض الأوقاف في المدينةِ على الرغم مِن فرضيَّة دوام الأوقاف أبد الدَّهر.

 

أمَّا سب انقراضها فَهُو يرجع إمَّا لاِنعدام الصيانة لمباني الأوقاف، أو بِفعلِ عوامل الفساد واللجوء إلى أساليب قانونيَّة مُختلفة أدت إلى تجزئة الأوقاف أو انتقال ملكيتها إلى الآخرين وذلك إمَّا عن طريق الإجارة الطويلة لِعقارات أو استبدال هذه العقارات بِالمالِ النقديّ أو بيعها.

 

وكانت أكثر التدابير شيوعاً لإنشاء حقوق خاصَّة في أموالِ الوقف هُو الإجراء المعروف بالخلوِ الَّذي يسمح بموجبه للمستأجر أن يعمر الوقف ليصبح ما أنفقه عليه حقاً مكتسباً له تجاه هذا الوقف. كما كانت عمليَّة الإجارة الطويلة للأوقاف تؤدي في الواقعِ إلى اغتصابها أو انتقالها إلى غير المُسلمين.

 

وقد أعرب الشيخ مُحمَّد الخليليّ في وقفيته المؤرخة سنة 1726 عن صدمته وألمه لِانتقال أموال الأوقاف إلى الغُرباءِ، مؤكداً ما يحمله هذا الانتقال مِن علامات الخطر لمدينة القُدس.

 

ب – المنح الحكوميَّة والخاصَّة:

 

نظراً لِقداسةِ المدينة اعتمد سُكانها في معيشتهم بالإضافة إلى واردات الأوقاف على الإيرادات الَّتي تولدها الدوافع الدِّينيَّة إلى حدِّ كبير، فَقد كان أهل القُدس يتلقون منحاً ماليَّة مِن جهاتِ مختلفة.

 

فَالحكومتان العثمانيَّة والمصريَّة كانتا ترسلان منحاً سنويَّة تعرف باسم ( الصرة ) ليتمَّ توزيعها وفق قوائم خاصَّة على عدد كبير مِن الفقراءِ وغيرهم.

 

أمَّا بالنسبة للاجئين اليهود وقد ازدادت أعدادهم في القُدس خلال القرن الثَّامن عشر خاصَّة بعد وصول بضع مئات مِن اليهود الحسيديم القادمين مِن بولونيا سنة 1777م، الأمر الَّذي دفع بالجاليَّاتِ اليهوديَّة في أوروبا ومِصر وغيرهما إلى جمع وإرسال المساعدات الخيريَّة إلى القُدسِ وكذلك أرسل ملوك أوروبا وخاصَّة ملك أسبانيا مبالغ كبيرة مِن الأموالِ إلى الفرنسيسكان في القُدسِ.

 

ج – الدَّخل مِن الحُجاج :

 

وكان هذا المصدر هاماً وآخر لِدخلِ أهل المدينة، فَقد كان مِن عادةِ الحُجاج المسيحيين أن يمكثوا في مدينة القُدس خمسة أو ستة أشهر كُلَّ عامَّ، وبالتَّالي كانوا ينفقون مبالغ كبيرة في المدينةِ، ومع أن عدد الحُجاج الأوروبيين تناقص بشكلٍ كبير في القرن الثَّامن عشر ويرجع السبب في ذلك إلى ازدياد أنصار العلمانيَّة في أوروبا، إلَّا أن الأمر كان مختلفاً بالنسبة للمسيحيين الشرقيين الَّذين بلغ عددهم سنة 1784 ألفي حاج.

 

د – الدخل الوارد مِن صناعةِ أدوات التعبد وتصديرها :

 

اشتهر أهل القُدس بِصناعةِ أدوات التعبد مِن المسابح والصلبان وغيرهما مِن الأدوات، فَكان لهذا المصدر مِن الدخل أهمية كبيرة للمسلمين والمسيحيين على حدِّ سواء، كما كان يصدر مِن هذه الأدوات كَالمسابحِ والصلبان وذخائر القديسيين 300 صندوق سنويَّاً إلى تركيا وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا بشكلٍ خاصّ.

 

القُدس في عهد السُلطان عبد العزيز:

 

بعد وفاة السُلطان عبد المجيد عامّ 1861 ، تولى حُكم السلطنة العثمانيَّة مِن بعدهِ أخيه السُلطان عبد العزيز، الَّذي تابع الحركة الإصلاحيَّة في البلادِ والَّتي كانت تتحرك خلال فترة التنظيمات الثَّانيَّة على الأصعدةِ الإداريَّة والماليَّة والعسكريَّة، فانبثق عنها تحسن الأمن العامَّ في أرجاءِ الدّولة، وتوسع إمكانيات الاتصالات والازدهار الاقتصاديّ، غير أنَّه لم تكُن هُناك سياسات حقيقيَّة في الدّولةِ العثمانيَّة بشأنِ التحتيَّة أو الشؤون الاجتماعيَّة أو الاقتصاد أو التعليم.

 

التطور الاقتصاديّ:

بعد انتهاء حرب القرم سنة 1856، انهالت الأموال بِكثرةٍ ساحقة مِن أوروبا على المدينةِ المُقدسة، مما أفاد السُكان المحليين مِن تزايد الإنفاق وخاصَّة فيما يتعلق بِأعمالِ البناء والتعمير كَأثمان لِلمواد والأجور، فَكان لِلازدهار العمرانيَّ الَّذي شهدته مدينة القُدس مورد اقتصاديَّ هامَّ للمدينةِ وأهلها، كما أدى كذلك إلى انتفاع القُرى والمدن المجاورة لها.

 

فقد راجت أعمال الكلاسين (صناع الجير) ودقاقين الحجارة رواجاً شديداً، وفي كُلِّ يوم كانت تتحرك قوافل كاملة مِن الجمال المحملة بالجيرِ والأحجار والخشب إلى مدينةِ القُدس. وكان الأمر في البدايَّةِ يقضي بِجلب المعماريين ودقاقين الحجارة مِن خارج فلسطين كما حدث عند بناء كنيسة المسيح، حيثُ جلب هؤلاء مِن مالطا، لكنَّ ما أن بدأت أعمال البناء والتعمير بالرواجِ في أعوامِ الستينيات حتَّى أصبحت تتوفر هذه المهارات محليَّاً وخصوصاً مِن مدينتي بيت لحم وبيت جالا القريبتين مِن القُدسِ. فَقد نشأ فيها تخصص حرفيَّ لتلبيةِ متطلبات مهنة البناء خاصَّة وأن العاملين في تلك المهنة كانوا يتقاضون أجوراً جيدة.

 

وفيما عدا النشاط العمرانيَّ للمدينةِ وما صحبه مِن إنفاقِ، فإنَّ المدينةَ عاشت في معظمها على الموارد الدِّينيَّة سواء مِن إنفاقِ المؤسسات التبشيريَّة، أو مِن قدومِ الحُجاج وزيارتهم للمدينةِ وما صحبه مِن تأمين للخدماتِ والسلع المختلفة.

 

تطور الاتصالات:

شهدت مدينة القُدس في أعوام الستينيات مِن القرن التَّاسع عشر تقدماً وتطوراً واضحين في وسائلِ الاتصال مِن تلغراف وإنشاء وتعبيد لِطرق جديدة تصل المدينة المُقدسة بباقي المدن الفلسطينيَّة.

 

فَفي شهر آب مِن عامَّ 1864 ، وصل خط التلغراف إلى مدينةِ يافا ومنه وصل الخط إلى مدينةِ القُدس في شهر حزيران مِن عامِّ

1865م، وهكذا أصبحت مدينة القُدس مربوطة بالتلغرافِ مع كُلِّ مِن القسطنطينيَّةِ والقاهرة، ومِن خلالِهم إلى العواصمِ الأوروبيَّة المُختلفة، هذا الاتصال بالعالمِ الخارجيَّ مِن خلال التلغراف كان له أهميَّة كبرى للمدينةِ خاصَّة بعد انفصالها عن دمشق عام 1874 واتخاذها صفة الاستقلاليَّة، واتصالها مباشرة بالقسطنطينيَّة.

 

أمَّا عن إنشاء وتعبيد الطُرق الواصلة للمدينةِ، فَفي عامّ 1867 ، بدأت السُلطات العثمانيَّة بإنشاءِ وتعبيد أوَّل طريق بين يافا والقُدس عن طريقِ أعمال السخرة وتحت إشراف المهندس الإيطاليَّ بيروتي PIEROTTI ، وتمَّ فتح الطَّريق للسيرِ عليه سنة 1867م.

 

وفي عام 1870م ، تمَّ تعبيد الطَّريق الواصل بين القُدسِ ونابلس إلَّا أن تعبيد الطَّريق الواصل بين يافا والقُدس لم يكُن بالعاملِ المؤثر في ازدياد التبادل التجاريَّ مع المركز التجاريَّ لمدينةِ القُدس، وإنَّما كان عاملاً مُساعداً في تسهيل عمليات السفر والانتقال مِن وإلى المدينةِ.

 

في بادئ الأمر عمل رئيس بلديَّة القُدس آنذاك يُوسُف الخالديّ على تشغيل عربات نقل عاديَّة للخدمةِ على الشارعِ الجديد، لكنَّ في عامِّ 1875 ، تمكن فرسان المعبد مِن تأسيس أوَّل شركة نقل لتسيير رحلات يوميَّة منتظمة بين يافا والقُدس. وفي عامِّ 1879 ، تمكنوا مِن الحصولِ على امتيازٍ حكوميَّ لعملهم هذا فقدوا منافسة العرب واليهود لهم.

 

وفي العامِّ 1876م ، أطاح السُلطان مراد الخامس بن عبد المجيد بعمِه السُلطان عبد العزيز ليقوم مقامه، لكنَّه لم يلبث على عرشِ السلطنة أكثر مِن بضعةِ أيَّام لكونه مصاباً بمرضِ الصرع، وبتاريخ 31 آب 1876م ، نودي بِأخيهِ الأصغر مِنه عبد الحميد الثَّانيَّ بن عبد المجيد سُلطاناً على البلادِ.

 

عند تولي السُلطان عبد الحميد الثَّانيّ حُكم السلطنة وجد البلاد تعاني مِن ضائقة ماليَّة شديدة، والخزانة العامَّة خاويَّة أدت إلى إشهارِ إفلاسها سنة 1875م ، وانعكس ذلك على وضعِها العسكريَّ مما هدد كيانها ووجودها، في حينِ كانت روسيا تهدد بِالحربِ وأوروبا تظهر العداء والعنت الصريحين للعثمانيين.

 

كُلَّ ذلك دفع العثمانيين إلى زيادةِ الاهتمام بالولايات السوريَّة ومِن جملتها فلسطين لزيادةِ فاعليَّة وضعهم الماليَّ والعسكريَّ عن طريق فرض الضرائب العاديَّة مِنها وغير العاديَّة، وكانت عمليَّات جمع الضرائب هي المحك لِكفاءةِ وقدرة الحاكم، ولم يكُن يقبل أيَّ عذر لِأيِّ فشل أو إهمال في هذا الشأن، كما كان يترتب على سُكان السناجق تقديم كميات مِن المؤنِ (الذَّخائر) إلى الوالي وجنده، وكان عدم الامتثال لذلك يواجه بعقوبات قاسيَّة جدّاً، هذا إضافة إلى تكثيف عمليَّات التجنيد الإجباريَّ الَّتي كانت تتمَّ في المناطقِ دون هوادة، مما دفع البلاد إلى مزيدٍ مِن الفوضى والفساد وتنامي روح الثورة ضدَّ الجور والظلم.[10]

 

 

التنافس الأجنبيَّ في القُدس :

 

يظهر في أواخر العهد العثمانيَّ أن وتيرة التغلغل الأجنبيَّ بدأت مُتسارعة بِصورةٍ لافتة لِلنظر حيثُ تمثل ذلك بدايَّة فتح القُنصليَّات الأجنبيَّة في القُدس ،وكان أوَّلها القُنصليَّة البريطانيَّة 1838م، بعد أن سمح لهُم مُحمَّد علي باشا بذلك، الَّذي كان في حينِهِ مُسيطراً على بلاد الشام جميعها، ومِن ثُمَّ تقاطرت دول أُخرى على فتح قُنصليَّات لها ومِن بينها روسيا، وقد تمحورت أنشطة هذه القُنصليَّات في رعايَّة مصالح بلادها في القُدس، والحصول على المعلومات الاستخباراتيَّة عن هذه البلاد فضلاً عن مراقبة أنشطة الدّول الأُخرى.

 

موقف الدّولة العثمانيَّة مِن النشاط الأجنبيَّ في القُدس:

 

قامت الدّولة العثمانيَّة بدايَّة بمسايرة الضغوط السياسيَّة الَّتي كان يُمارسها سفراء الدّول الأجنبيَّة ومهادنة حشوداتها العسكريَّة، وفضلاً عن ذلك كانت المشاكل الاقتصاديَّة سبباً في تأخر الدّولة العثمانيَّة في إصدار موقفها مِن السياساتِ الأجنبيَّة، لكنَّها قامت في المماطلة أو حتَّى منع اصدار افتتاح قُنصليَّات والأذونات لشراء الأراضيَّ لبناء القُنصليَّات، كما ساندت السكان نشاطهم في مواجهة سياسات الدّول الأجنبيَّة.

كانت الحرب العالميَّة الأوَّلى فُرصة لِلعثمانيين في منعِ نشاط التغلغل الأجنبيَّ في القُدسِ على ضوءِ تحالفها مع ألمانيا، فَجمدت النَّشاط القُنصليَّ بِاستثناء قُنصليَّة أمريكا وألمانيَّة الحليفة لها.

 

نهايَّة الحُكم العثمانيَّ لمدينة القُدس:

 

ما أن انقضت بِضعِ سنوات على تولي السُلطان مُحمَّد رشاد الخامس حكم السلطنة العثمانيَّة في عامِّ 1909 ، حتَّى أعلنت الحرب العالميَّة الأوَّلى سنة 1914، وحارب الأتراك العثمانيون إلى جانبِ ألمانيا ضدّ الحلفاء الإنكليز والفرنسيين والروس في خمس جبهات هي القفقاس- الدردنيل – العراق –رومانيا – فلسطين، ولكنهم خسروا جميعها أمام الحلفاء مما أرغم حكومة الأستانة في نهايَّةِ الحرب على عقد معاهدة سيفر SEVRES ،  والَّتي أجبرت فيها على التنازل عن جميعِ ممتلكاتها في أفريقيا وآسيا وأوروبا ما عدا أراضيَّ الأناضول والأستانة، ووضعت الأستانة تحت الرقابة الدّوليَّة.

 

أمَّا على الجبهةِ الفلسطينيَّة وعندما خسر الأتراك مواقعهم الحصينة في جنوبها أدركوا أن القُدس لا بُدّ وأن تسقط في أيدي قوات الإنكليز، فبدءوا بالتراجعِ مِن مساءِ يوم الثَّامن مِن شهر كانون الأوَّل/ديسمبر، كما أيقن مُتصرف القُدس عزت بك أنه لا أمل يرجى مِن المقاومةِ فأرسل في تلك الليلة أيضاً يطلب مُفتي القُدس كامل الحسينيَّ ورئيس بلديتها السيد حسين سليم الحسينيَّ للاجتماعِ إليه في داره وهناك خاطبهما قائلاً:

( ها قد أحاط الجنود الإنكليز بالقُدسِ، ولا بُدّ أن تسقط عما قريب بأيديهم، ولقد اعتزمت مغادرة المدينة بعد نصف ساعة، وأود أن ألقي بين أيديكم هذا الحمل الأدبيَّ العظيم ألا وهُو تسليم المدينة). ثُمّ ناول رئيس البلدية وثيقة التسليم ليسلمها للإنكليز.

 

فيما يلي الترجمة الحرفيَّة لنصِ وثيقة التسليم كما أوردها عارف العارف في كتابِه.

( إلى القيادة الإنكليزيَّة: مُنذ يومين والقنابل تتساقط على القُدسِ المُقدسة لدى كُلّ ملة ، فالحكومة العثمانيَّة رغبة منها في المحافظةِ على الأماكنِ الدِّينيَّة مِن الخرابِ ، قد سحبت القوَّة العسكريَّة مِن المدينةِ، وأقامت موظفين للمحافظةِ على الأماكن الدِّينيَّة كالقيامةِ والمسجد الأقصى ، وعلى أمل أن تكون المُعاملة مِن قبلكم على هذا الوجه فإنَّي أبعث بهذه الورقة مع وكيل رئيس بلديَّة القُدس حسين بك الحسينيَّ).

 

8/12/1917م- 1333هـ

متصرف القُدس المستقل / عزت

 

وفي صبيحةِ يوم الأحد الموافق 9/12/1917، وفي نحوِ السَّاعة التَّاسعة صباحاً كانت القوات التركيَّة قد أنهت انسحابها الكامل مِن المدينةِ، وتمَّ تسليم وثيقة التسليم مِن قبلِ رئيس البلديَّة ومجموعة مِن الشُبان المقدسيين إلى قائدِ الفرقة الستين للجيشِ الإنكليزيَّ الجنرال شي GENERAL SHEA ، وكان دخول الجيش الإنكليزيَّ إلى المدينةِ المُقدسة في تمامِ السَّاعة العاشرة والنصف مِن ذاتِ اليوم.

 

وبدخول الإنكليز إلى المدينةِ المُقدسة بدأ عهد التحول الجذريَّ في مصير المدينة المُقدسة حيثُ انتهى الحُكم العثمانيَّ الإسلاميَّ لها بعد أن دام ما يقارب الأربعمائة عامَّ امتدت منذ عامّ( 1517 حتَّى 1917 ) ، وبدأ عهد جديد مِن المستعمرين الجدد.[11]

 

وفي غضون ذلك، بات الاقتصاد المقدسيّ يُعاني من سياسات التَّدخل على مر الزَّمان مِن الحُكم العثمانيّ إلى يومنا هذا، موضحةً لها في الأجزاء القادمة عن اقتصاد المدينة مُتناولة الحُقبات التَّاريخيَّة تاركة المجال لِلتوضيح لِمعرفة بدايات الضعف الاقتصاديّ في المدينة الَّذي أصبح ينفصل عن بقيَّة الاقتصاد الفلسطينيَّ رغم الموقع التَّاريخيَّ لهذه المدينة باعتبارها مركز التجارة والنقل والسياحة، فضلاً عن كوﻧﻬا المركز الثقافيّ والرُّوحيَّ للفلسطينيين في شتى أنحاء الأرض الفلسطينيَّة المحتلة.

 

 

[1]فقراء القدس.. تخلى عنهم العرب واحتضنهم فلسطينو 48 ، 2019، الجزيرة.

[2] المرجع السابق .

[3] أسواق القدس القديمة: معالم بارزة تروي تاريخ المدينة ، جريدة القُدس ، 2016.

[4] جامعة القدس المفتوحة ، تاريخ القدس، فلسطين، 2016م.

[5] الركود الاقتصادي في القدس،الجزيرة،2018.

[6] المرجع السابق

[7] أسواق القدس في البلدة القديمة … تاريخ وحضارة ، منال الجعبة، 2012 .

[8] جامعة القدس المفتوحة ، تاريخ القدس، فلسطين، 2016م.

[9] شولش، تحولات جذرية في فلسطين، ص 102 وص 212.

[10] القدس في عهد الخلافة العثمانية ، نعمة القصاص،2016.

[11] لقدس في عهد الخلافة العثمانية ، نعمة القصاص،2016.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 5 أيام

ارتفاع نسبة جرائم القتل في فلسطين.. والأسئلة الأكثر إلحاحًا

لم تكد تجف دماء ضحايا جريمة كفر عقب التي قُتل فيها أربعة شبان من عائلة الرجبي في شجار عائلي بين...

مقالاتمنذ 6 أيام

المقاومة الفلسطينية.. جدل الدعم والشكر

           إسلام أبو عون يستند كثير من النقاش، في وسائل التواصل الاجتماعي خاصة، إلى الاحتكام للأفكار الشعبوية، بعيدًا عن...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل تحل الانتخابات معضلة الانقسام الفلسطيني؟

    اسلام أبو عون تبادلت حركتا حماس وفتح الاتهامات حول المتسبب بفشل الجولة الأخيرة من المفاوضات الداخلية الفلسطينية لانهاء...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

أهالي القدس ينقذون أمانة صلاح الدين الأيوبي، في مقام النبي موسى

  كتب: جودت صيصان   لقد أفاق أهل فلسطين عامة وأهل القدس خاصة على مشاهد صادمة استفزت مشاعرهم وأثارت غضبهم...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

نظام التعليم عن بُعد يحرم نحو 650 ألف طالب فلسطيني من التعليم … فما الحل ؟

    جودت صيصان مع إعلان رئيس الوزراء محمد اشتية عن إغلاق جميع المدارس الحكومية والأهلية والخاصة مع التحول إلى...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

وقفات في ذكرى انطلاقة حماس

       كتب:     اسلام أبو عون تحتفل حركة المقاومة الاسلامية حماس في الرابع عشر من ديسمبر من كل...

مقالاتمنذ شهر واحد

بين حق الراتب وحُلم التحرر.. حكاية وطن

  كتب: جودت صيصان ” الحمد لله رجعوا التنسيق والرواتب بدهم ينزلوها ” كانت هذه رسالة صادمة وصلت أحد الموظفين...

مقالاتمنذ شهر واحد

الاديب الفلسطيني فرج عبد الحسيب.. فارس فذّ من فرسان أدب المقاومة

    وليد الهودلي ” لا يكفي مقال واحد للحديث عن هذا الفارس الفذّ من فرسان أدب المقاومة، فقط خصّصت...

مقالاتمنذ شهر واحد

        لماذا لم تنجز المصالحة الفلسطينية حتى الآن

    كتب: اسلام أبو عون   تتزايد الإشارات التي تنعى الجولة الاخيرة من جولات المصالحة الفلسطينية والتي بدت للوهلة...

مقالاتمنذ شهرين

آثار فوز بايدن فلسطينياً.. بين التوقعات والواقع

            كتب:  إسلام أبو عون يختلف الاهتمام العالمي بأي انتخابات عامة تبعا لأهمية الحكومة المنبثقة...

الأكثر تفاعلا