تواصل معنا

دراسات

من زاوية أخرى: حرب لبنان الأولى 1982 في العين الصهيونية

نشر

في

 

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس

تُطلق “اسرائيل” على هذه الحرب اسم، عملية سلام الجليل، والتي جاءت على خلفية استمرار العمليات الفلسطينية من الساحة اللبنانية، خلال سنوات السبعينات أوائل الثمانينات، ولكن وفقها فإنّ السبب المباشر للحرب، عندما 1982 حاولت جماعة “إرهابية” بقيادة ابو نضال في حزيران يونيو 1982 اغتيال سفير “اسرائيل” لدى بريطانيا شْلومو أرْغوف والذي أصيب بجروح، وردًا على ذلك شن جيش الدفاع “الإسرائيلي” هجومًا آخر على لبنان وتمكّن من تحقيق هدفه الأصلي أي القضاء على قواعد المخربين في جنوب لبنان. وتم لاحقًا توسيع رقعة العملية لتشمل احتلال بيروت مما شكّل نقطة تحول العملية إلى حرب طويلة مستمرّة. وأخفقت الحرب في تحقيق هدفها الرئيسي. وتمّ توقيع معاهدة سلام مع لبنان ولكنّه لم يتم إقرارها بسبب ضعف الحكومة اللبنانية وقتها[1].

وقد شاركت سوريا في الحرب لفترة قصيرة (11-7 من حزيران يونيو 1982)، ليس في هضبة الجولان حيث تم التقيد باتفاقية فصل القوات بحذافيرها، وإنما في لبنان نفسه حيث كان لسوريا تواجد عسكري ملحوظ. ولم تتقدم المعارك البرية ضد القوات السورية بشكل جيّد بالنسبة لجيش الدفاع الذي دفع ثمنًا باهظًا في مساعيه لشلّ القوات السورية وقطع الطريق السريع بين بيروت ودمشق. وخلافًا لذلك، تم في المعارك الجوية تدمير 14 بطارية صواريخ من طراز sam 2,3,6 روسية الصنع من أصل 19 بطارية كان السوريون قد نصبوها في لبنان، ولحقت أضرار بأربع بطاريات أخرى. وفقد سلاح الجو السوري والذي تم قطع الدعم البرّي عنه، 29 طائرة مقاتلة من طراز ميغ خلال يوم واحد. وكان هذا أعنف قتال دار بين الجانبين حتى ذلك الحين إذ شاركت فيه مئتا طائرة لكلا الجانبين كانت تقاتل في مجال جوي محدود جدًا. وكان سلاح الجو يدير هذا القتال بناء على العبر التي استُخلِصت من حرب يوم الغفران من خلال الدمج بين التدريب والتزويد بالعتاد العسكري ومبادئ التخطيط والسيطرة والمفاجأة والإبداعية. واستخدمت “اسرائيل” في القتال وسائل إلكترونية سرية ولذلك يمكن القول إنّ الحرب كانت حربًا إلكترونية[2].

العملية “الاسرائيلية” سارت بسرعة كبيرة في البداية، حيث في اليوم الأول قطع الجيش مسافة 27 كيلو متر في الأراضي اللبنانية، وفي الثامن من حزيران كان هناك مواجهات قوّية بين الفلسطينيين و”اسرائيل” في مدينتي صور وصيدون، كما شارك في اليوم التالي 150 طائرة في مساندة القوّات البرية، اسقطت الطائرات “الاسرائيلية” خلالها 47 طائرة سورية[3].

معركة السلطان يعقوب، كانت من أهم المعارك في العين الإسرائيلية، حيث خسرت فيها “اسرائيل” 20 جندياً في معركة استمرت ثمانية ساعات مقابل القوّات السورية، وفقدت ستة آخرين[4]. في الثالث عشر من حزيران وصل الجيش إلى بيروت، التي خضعت لحصاره، بعد أن فقد 368 جندياً وقتل ألفاُ من المقاومة الفلسطينية، وأسر 6000 آخرين[5].

وقد استمر قصف بيروت وحصارها طويلاً، وفي 10 آب/أغسطس وافقت “اسرائيل” على مشروع للموفد الأميركي فيليب حبيب لإخراج الفدائيين والسوريين من بيروت وكل لبنان وطالبت بأن تسلم رسمياً قائمة أسماء الدول التي ستستقبلهم وأعداد الفدائيين المغادرين وجثث 9 جنود إسرائيليين دفنوا في بيروت خلال حرب 1978.

ولما عجزت الولايات المتحدة عن وقف القصف “الإسرائيلي” للبنان، حذر الرئيس الأمريكي “اسرائيل” بأن الولايات المتحدة ستنفض يدها من المفاوضات إذا واصلت غاراتها على بيروت. وأعلنت “اسرائيل” قبولها بوقف إطلاق النار[6]

وفي 20 آب/ أغسطس انسحبت “اسرائيل” من مرفأ بيروت ومحيطه وتسلمها الجيش اللبناني، وأعلن الرئيس الأمريكي ريغان موافقته على إرسال قوة اميركية إلى لبنان للمشاركة في إطار القوة المتعددة الجنسيات في الإشراف على خروج الفدائيين الفلسطينيين من بيروت، لكنّ “اسرائيل” اعادت اجتياح بيروت الغربية بعد مقتل بشير الجميل، الذي كان يرى فيه شارون بأنّه بوابة السلام مع لبنان[7].

مجزرة صبرا وشاتيلا كانت مفترق الطرق وفق “إسرائيل”، فإنّ مقتل بشير الجميل، دفعها لمنح اذن للكتائب اللبنانية المسيحية لتنفيذ مجزرة صبرا وشاتيلا، الأمر الذي أثار غضب دولي انتهى بانسحاب “اسرائيل” من بيروت، وتشكيل لجنة حكومية “إسرائيلية” ألزمت ارئيل شارون وزير الدفاع حينها بالاستقالة[8]. خسرت “اسرائيل” بعدها الكثير من الجنود قتلى في لبنان، وأدت الحرب إلى خلخلة سياسية كبيرة في “إسرائيل”.

حيث أنّ عجز عملية سلامة الجليل عن تحقيق هدفها دفع بحكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها في 1984 إلى الانسحاب من لبنان. وبقيت في لبنان قوة رمزية بهدف مساعدة سكان الجنوب اللبناني في مراقبة المنطقة الأمنية، وهي شريط حدودي ضيق بمحاذاة الحدود مع “اسرائيل” كان حيويًا لتوفير الأمن للتجمعات السكنية في “اسرائيل” والتي يقع بعضها بالقرب من الحدود[9].

ووفق المؤرخين الإسرائيليين، فإنّ لحرب لبنان الأولى نتائج في الغالب كانت سلبية ويُمكن حصرها في النقاط التالية[10]:

  1. ساهمت الحرب بالقضاء على المقاومة الفلسطينية في لبنان وتوجيه ضربة قوّية لسورية.
  2. ساهمت الحرب في اضعاف الحزب الشيعي المعتدل أمل، وظهر بمكانه قوّة جديدة، حزب الله، الذي تمكن من خوض معارك ضارية ضد إسرائيل.
  3. الحرب التي قتل فيها 1216 حتى العام 2000، شهدت لأول مرة رفض فرقة إسرائيلية بقيادة ايلي جيبع تنفيذ أوامر قياداتها، ما عرف باسم التمرد.
  4. تراجع الثقة في القيادة السياسية والعسكرية “الاسرائيلية” وصل إلى ذروته.
  5. الحرب مثلت انكسار في الثقافة الجماهيرية “الاسرائيلية” حتى اليوم.

 

[1]  وزارة الخارجية. (2019). عملية سلامة الجليل (1982). موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي.

[2]  نفس المرجع السابق.

[3]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[4]  نفس المرجع الأسبق.

[5]  لترون. (2019). سلاح المدرعات في حرب لبنان الأولى. بارك لترون. https://yadlashiryon.com/armor_wars/the-war-on-the-galil/

[6]  نفس المرجع السابق.

[7]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

[8]  عوفير ادرات. (21.09.2012). 30 عام على مجزرة صبرا وشاتيلا، لا زالت المعطيات مخفية عن الجمهور. هآرتس. https://www.haaretz.co.il/hblocked?returnTo=https%3A%2F%2Fwww.haaretz.co.il%2Fnews%2Fpolitics%2F1.1825136

[9]  وزارة الخارجية. مرجع سابق.

[10]  يريب بيلج. (2013). حرب سلام الجليل، مرحلة تلو الأخرى. ماكو. https://www.mako.co.il/pzm-israel-wars/1982-lebanon-war/Article-64253fbf362e041006.htm?sCh=e9dcc4ee677cf310&pId=1600098652

دراسات

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939 ودور الشيخ عز الدين القسام في إشعالها (القساميون وثورة الـ 36)

نشر

في

بواسطة

إعداد: كمال جهاد الجعبري

مركز القدس للدراسات

المقدمة

شهدت الفترة الواقعة بين عامي 1917 و1948، أيّ فترة الاحتلال البريطاني لفلسطين، العديد من الثورات والهبّات الفلسطينية، منها ما كان عابرًا استمر لعدة أيّام، ومنها ما استمرّ لسنين عدّة، ومنها ما أخذ شكل الانتفاضات الشعبية والمظاهرات السلمية، ومنها ما أخذ طابعًا عسكريًّا، ومنها ما جمع بين هذين الأمرين.

من بين تلك الثورات: الثورة الفلسطينية الكبرى التي وقعت في الفترة بين عامي 1936 و1939، وتُعدّ من أطول الثورات الفلسطينية مدّة، وفي هذا الورقة يستعرض الباحث، دور الشيخ عز الدين القسام في إشعال الثورة على مستويين: الأول دور الشيخ عز الدين القسام بصفته، شخصية دعوية في غرس روح الجهاد والمقاومة في عموم طبقات الشعب الفلسطيني، والثاني دور حراكه الثوري و تنظيمه المسمى بـ (الجهادية) في إشعال الثورة، ومن ثم قيادة مجرياتها وأحداثها.  

الظروف التي أدت إلى قيام الثورة و ما سبقها من أحداث

بعد إخماد ثورة البراق 1929، وقد كان لتدخل السلطات البريطانية الأثر الأكبر في إخمادها، بدأت تتوجه أنظار القوى الشعبية الفلسطينية إلى عدوّ جديد هو الداعم الرئيس للمشروع الصهيوني والحركة الصهيونية المتمثل في سلطات الاحتلال البريطاني، و بدأت بالفعل الحراكات الثورية والحزبية تتجه نحو مقاومة فكرة الانتداب البريطاني.

و كان من أبرز الأحداث التي وقعت في الفترة بين عامي 1929 و1936، وأسهمت في اندلاع الثورة:

  • ظهور عصابة الكف الأخضر المسلحة، وهي تنظيم عسكري مسلح أسسه المجاهد أحمد طافش، و كان الهدف منها محاربة الوجود اليهودي في مناطق صفد والشمال، وانضمّ إليها عدد من المناضلين من الدول المجاورة من شرق الأردن وسوريا، وكان لها عمليات قتل واختطاف بحق السماسرة الذي كانوا يقومون بعمليات بيع الأراضي في طبريا وصفد للحركة الصهيونية، إلا أن هذا التنظيم لم يدم طويلاً، فلم يمتد أكثر من سنة بفعل الحملات العسكرية البريطانية التي أدّت إلى مقتل واعتقال جلّ كوادره .
  • تعيين الجنرال أرثر واكهوب مندوبًا ساميًا لفلسطين في العام 1930، حيث بدأ هذا المندوب -الذي ظن العرب في بداية الأمر أنه بعيد عن الضغوط اليهودية- بتوطيد دعائم المشروع الصهيوني، ففي عهده اكتشفت شحنات من السلاح المهربة للعصابات الصهيونية في ميناء حيفا، وارتفعت الهجرة اليهودية في عهده من ما لا يزيد عن 170 ألف يهودي لتصل إلى ما يقارب 234 ألف يهودي، وتم في عهده كذلك الاستيلاء على مستنقعات الحولة في شمالي فلسطين، حيث قامت القوات البريطانية بالقوة بمصادرة 15 ألف دونم من الأراضي الزراعية و تسليمها لليهود.
  • المؤتمر الإسلامي: كان لعقد المؤتمر الإسلامي في القدس دورٌ أساسيٌ في تنمية الوعي الثوري والإسلامي تجاه قضية المسجد الأقصى ومخاطر التهويد التي كانت تحيق به، فقد جاء انعقاد هذا المؤتمر في سياق تحركٍ شعبيٍ إسلاميٍ واسع النطاق جراء التهديد الخطير الذي تعرض له المسجد الأقصى على يد الحركة الصهيونية أثناء أحداث ثورة البراق، وكان الشخصان اللذان شكّلا الحراك الفعال الذي أدى إلى عقد هذا المؤتمر مفتى القدس الحاج أمين الحسيني و الزعيم الإسلامي مولانا شوكت علي لولب اللبناني الأصل رحمهما الله تعالى ، وحضر هذا المؤتمر 22 مندوبًا من مختلف الأقطار الإسلامية، و كان من ضمنهم شخصيات إاسلامية بارزة من أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والشاعر محمد اقبال وغيرهم، وخرج المؤتمر بعدةِ قرارات وتوصيات، منها إنشاء جامعة إسلامية، وإنشاء لجان لمنع بيع الأراضي لليهود، إلا أنّ وقوع العديد من الأقطار التي ينمتي إليها المؤتمرون حال دون تطبيق هذه القرارات و التوصيات.
  • إنشاء الأحزاب الوطنية وانتفاضة 1933: تعد فترة ما بين عامي 1933 و1935 مفصلية في تكوين وإشعال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، فقد أدت سياسة سلطات الانتداب ذات الأذن المفتوحة للحركة الصهيونية والأُذن المغلقة عن العرب ومطالبهم إلى تصاعد فكرة التوجه للمواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب، إلّا أنّ  هذه المواجهة بدأت في بداية الأمر تأخذ طابعًا سلميًّا عن طريق إنشاء الأحزاب ورفع العرائض والمذكرات، وكان من أبرز تلك الأحزاب التي أُنشئت “حزب الاستقلال” في عام 1932، و”الحزب العربي الفلسطيني” الذي حظي بدعم المفتي الحاج أمين الحسيني، وتشكلت في تلك الفترة، أو وُضعت نواة تشكيل جماعات جهادية مسلحة من أمثال “جماعة الجهاد المقدس” بقيادة عبد القادر الحسيني و”تنظيم الجهادية” بزعامة الشيخ السوري المجاهد عز الدين القسام، إلّا أنّ الحدث الأبرز كان في شهر 10 من العام 1933، حيث دعت القوى الشعبية والحزبية الفلسطينية إلى إضراب في عموم فلسطين بسبب عدم تجاوب سلطات الانتداب مع مطالب الأحزاب، وخرجت المظاهرات في عدة مدن فلسطينية، وكان أبرزها تلك التي خرجت من المسجد الأقصى بقيادة الزعيم الوطني موسى الحسيني الذي تعرض للضرب، وذكر أنه توفي من أثره بعد عدة سنوات، واستخدمت السلطات البريطانية القمع والرصاص الحي، و قُتل خلال هذه الأحداث 35 فلسطينيًّا و جُرح 255 آخرين، و شكلت أحداث هذه الانتفاضة منعطفًا مهمًا خلال تاريخ النضال الفلسطيني، حيث بدأ خيار المقاومة المسلحة يلوح في الأفق، وبدا حلاً أنجع لمقاومة الانتداب البريطاني ودعمه للسياسات التهويدية .

دور الشيخ عز الدين القسام و ثورته في إشعال الثورة الفلسطينية الكبرى 1936

أولاًالتعريف بالشيخ عز الدين القسام: هو الشيخ عز الدين عبد القادر مصطفى القسام، ولد في عام 1871، في قرية جبلة في اللاذقية في سوريا. نشأ نشأة إسلامية محافظة على تعاليم الإسلام وأدابه، وغادر إلى الأزهر، ودرس فيه، ثم أكمل دراسته في تركيا ليتعلم العقيدة وأصولها . 

كان للشيخ عز الدين القسام جهود دعوية خاصة في قرية جبلة ومدينة اللاذقية لأنه كان يؤمن أن دور الداعية ليس محصورًا في المساجد، بل يجب أن يتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته، ولذلك، وعندما غزا الطليان ليبيا في عام 1911، حشد الشيخ بضعة مئات من المتطوعين للذهاب إلى ليبيا إلى الجهاد، إلا أن الوالي العثماني شكرهم ونصحهم بعدم الذهاب .

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية واحتلت القوات الفرنسية منطقة شمالي بلاد الشام التي باتت تعرف بسورية، قاد الشيخ عز الدين القسام حركة الجهاد واستطاع تجنيد العديد من القرويين للجهاد، وقاموا بثورة مسلحة في جبل صهيون وذلك في عام 1919، وكان من أبرز مساعديه الشيخ عمر البيطار، إلا أن السلطات الفرنسية قمعت الثورة وأخمدتها، واضطر الشيخ القسام للمغادرة إلى فلسطين . 

ثانيًاقدومه إلى فلسطين: قدم القسام إلى فلسطين في الفترة بين شهر 8 و12 من العام 1920، و ذكر أنّه قدم من جسر الشغور إلى بيروت سيرًا على الأقدام برفقة ستة من أصحابه، منهم الشيخ محمد حنفي، حيث انتقلوا من هناك إلى صيدا ثم عكا ثم حيفا ، وبعد أشهر من قدوم القسام إلى مدينة حيفا عمل في التدريس، فقد درّس في كل من مدرسة الإناث الإسلامية ومدرسة البرج الإسلامية، اللتين تشرف عليهما الجمعية الإسلامية في حيفا، وشاركه في التدريس عدد من الهاربين أو المبعدين من الثوار السوريين، وعمل كذلك إمامًا وخطيبًا لمسجد الاستقلال في حيفا منذ بنائه عام 1925 ، ومأذونًا شرعيًّا لدى المحكمة الشرعية في حيفا وذلك في عام 1930 .

أسهمت طبيعة هذه المهن الثلاث في تسهيل احتكاك الشيخ بعموم الناس في حيفا وشمالي فلسطين، وعمل الشيخ من خلال هذا الاحتكاك على تنمية حب الجهاد والاستشهاد والتضحية في نفوس الناس.

إن تواصل الشيخ، لم يكن مقتصرًا على فئة المتدينين من الناس، بل إن طبيعة عمله، مأذونًا شرعيًّا، سمحت له بمخالطة فئات أخرى من الناس من خلال مشاركته في أفراحهم ومختلف مناسباتهم الاجتماعية . 

ثالثًاالقسام والأعمال الدعوية والتطوعية: تبين لنا أن القسام لم يكن مجرد إمام أو خطيب مسجد بل كان صاحب مشروع، فانخرط في أكثر من عمل تطوعي وجمعية خيرية، كجمعية الشبان المسلمين في حيفا، وذلك منذ تأسيسها في عام 1927 ، و قد حافظ الشيخ القسام على إعطاء دروس دعوية أسبوعية مساء كل جمعة في مقر الجمعية، و كان يرتب بالإضافة إلى ذلك زيارات دعوية أسبوعية بصحبة عدد من أعضاء الجمعية إلى القرى المجاورة لمدينة حيفا بهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسهم أيضًا في تأسيس العديد من الفروع في قرى الشمال الفلسطيني، ومنها قرية صفورية التي أخرجت لاحقًا العديد من الكوادر الجهادية في تنظيم القسام العسكري، وعمل الشيخ القسام كذلك على الاتصال بالقيادات الفلسطينية المؤثرة في القرى، والذين صار العديد منهم لاحقًا أعضاء في تنظيم القسام العسكري، منهم عبد الله أبو حمام، وأسهم الشيخ عز الدين القسام في إخراج العديد من شبان القرى المجاورة لحيفا من دائرة الانحراف إلى دائرة العمل الدؤوب الجاد لمجتمعهم ووطنهم  . 

رابعًاعلاقة الشيخ عز الدين القسام بالمفتي أمين الحسيني: يأتي الحديث عن هذه العلاقة لعدة أسباب، منها التشابه في شخصيتهما، من جهة اشتغالهما الديني واهتمامهما بالقضية الفلسطينية، كما كان يجمع بينهما الذكاء العقلي والذكاء الاجتماعي اللذان أهلاهما ليكونا شخصيتين قياديتين على مستوى الشعب الفلسطيني كله، بل إن شعبيتهما قد تكون فاقت الكثير من الشخصيات المؤطرة حزبيًّا.

وأما من جهة الاختلاف في شخصيتيهما، فقد أشار الدكتور محسن صالح في كتابه التيار الإسلامي في فلسطين 1917-1948 ودوره في حركة الجهاد، إلى فرق يراه بين شخصية الحاج أمين الحسيني والشيخ عز الدين القسام، فالشيخ القسام كان ينظر للإسلام بنظرة شمولية على نحو أثّر في تكوين شخصيته ومنظومته الفكرية، فكان فكره، ومن ثم تنظيمه، قائمًا على سحق المشروع الصهيوني والانتداب البريطاني، ومن بعد ذلك بناء الشخصية المسلمة التي تكون المجتمع المسلم، وسعى من خلال هذا الهدف إلى بناء قاعدة إسلامية جهادية واعية.

وأما الحاج أمين الحسيني فبالرغم من وجود الإسلام والطرح الإسلامي مكونًا رئيسًا في طرحه، إلا أنه لم يكن حريصًا على بناء قاعدة إسلامية مجاهدة بقدر ما كان حريصًا على بناء قاعدة تحمل الروح الوطنية النضالية التي تسعى لقتال المستعمر وإفشال المشروع الصهيوني.

أما عن طبيعة العلاقة بين الحاج أمين الحسيني و الشيخ عز الدين القسام فقد تضاربت آراء المؤرخين حول وجود علاقة أو عدمه بينهما، مما لا يحتمل المقام تفصيله في هذه الورقة.

خامسًاجهاد الشيخ عز الدين القسام و تنظيمه الجهادي: إن طبيعة الشيخ عز الدين القسام وشخصيته التي كانت ترفض أن يحصر العالم المسلم دوره في الجانب الدعوي والأخلاقي فحسب، بل أنّ دوره يجب أن يتعدى ليشمل قضايا دينه وأمته.. جعلت الشيخ عز الدين القسام طرفًا في الأحداث التي كانت تجري على أرض فلسطين.

رأى الشيخ القسام أنّ الثورات السابقة التي حدثت على أرض فلسطين لم تكن أكثر من موجات عابرة لا تلبث أن تخمد، وشعر كذلك بضعف أداء الزعامات الفلسطينية الموجودة وعدم كفاءتها لقيادة المعركة مع الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية ، ومن هنا قرر الشيخ عز الدين القسام تأسيس حركة جهادية تستمد منهجها من الإسلام، وترى الجهاد طريقًا وحيدًا لتحرير فلسطين، ومن هنا بدأ القسام ببناء تنظيم سري يمكن عدّه أول تنظيم جهادي عربي إسلامي جاد على أرض فلسطين بعد حلول الانتداب البريطاني.

اختلف المؤرخون والمتخصصون في اسم تنظيم الشيخ عز الدين القسام، فقد اصطلحوا على أن الأسماء التي أطلقت على تنظيم القسام كانت مرتبطة باسم الشيخ القسام، مثل “جماعة القسام” أو “القساميون”، إلا أنّ الدكتورة بيان نويهض ترى أنّ الشيخ عز الدين القسام لم يسمّ تنظيمه باسم معين، و إنما سُمي أتباعه ومن كان معه في عمله الجهادي، بعد استشهاده باسم القساميين، ومن كان معه فعلاً في تنظيمه الجهادي يتفاخر ويعتز بهذا الاسم  . 

أما عن نشأة التنظيم القسامي وبدئه بالعمل، فقد اتفق أكثر من باحث بأن ولادة التنظيم كانت في عام 1925، دون أن ينفذ أي عمل عسكري إلا بعد أربع سنوات أي في عام 1929 ، واعتمد الشيخ القسام في اختيار عناصر تنظيمه على ذكائه وفراسته في مراقبة المصلين أثناء خطبته الجمعة في جامع الاستقلال في حيفا، فكان يدعو من يتوسم فيه الخير من المصلين إلى زيارته، و من ثم تتوالى الزيارات، ويدعو الشيخ القسام بعد ذلك الشخص هذا إلى الانضمام لمجموعته التي بدأت بخمسة أشخاص ثم زاد العدد ليصل إلى 9  . 

أمّا منهج تنظيم الشيخ عز الدين القسام وفكره، فقد تشابه في أيدلوجيته مع الحركة السنوسية في ليبيا والحركة المهدية في السودان، حيث كانتا تستمدان منهجهما من الإسلام، وتؤمنان بالجهاد سبيلاً وحيدًا لتحرير البلاد من العدو الكافر الأجنبي .

حرص الشيخ عز الدين القسام على إطفاء الشرعية الدينية على تنظيمه وجهاده فقام باستفتاء قاضي دمشق الشرعي الشيخ بدر الدين الحسني، فأفتاه بوجوب جهاد الإنجليز واليهود لمنع إقامة وطن لليهود في فلسطين ، وفيما يخص المنهج التربوي لأعضاء تنظيم القسام حرص القسام على تعليم الأعضاء وتحفيظهم آيات الجهاد في القرآن الكريم، وحرص كذلك على تدريسهم قصص الفتوحات الإسلامية المختلفة، بالإضافة إلى الإعداد العسكري الذي كان يتولاه جنرال سابق في الجيش العثماني .

خامسًاانطلاق عمليات تنظيم القسام: يرى الدكتور محسن صالح أن تنظيم القسام قام بالعديد من العمليات العسكرية التي استهدفت المصالح اليهودية في فلسطين، إلا أن العديد منها عُدّ من الاعمال الفردية، وأن تلك العمليات جاءت لسببين هما، كسر حاجز الخوف لدى أعضاء التنظيم، وتنفيس الغضب لدى أفراد التنظيم مما كانوا يرونه من بطش السلطات البريطانية وتمادي المستوطنين اليهود.

من ضمن الشواهد على قيام أعضاء تنظيم القسام بعمليات فردية قبل حلول عام 1935، ما ذكره الشيخ أحمد ذيب الغلاييني، وكان يتولى قسم الأسلحة والمتفجرات في تنظيم القسام، فقد ذكر أنّه هو ورفاقه خططوا لضرب العصابات اليهودية، وبالفعل قام الشيخ أحمد الغلاييني بقتل اثنين من اليهود في عام 1929، واعتقل 33 يومًا على ذمة التحقيق، إلا أنه لم يثبت عليه أي تهمة و أفرج عنه .

وفي الفترة الواقعة بين عام 1931-1932 قامت جماعة القسام بالعديد من العمليات الجريئة ، وكانت أول تلك العمليات عملية مستوطنة ياجور في ليلة 5/4/1931، قرب حيفا، وقتل فيها ثلاثة من اليهود وعاد أفراد المجموعة سالمين، وفي يوم 7/4/1931، أصاب المجاهدون يهوديًّا بجراح بالقرب من مستوطنة نهلال، وفي 16/1/1932 قتل المجاهدون يوسف بورنيشان في مستوطنة بلفوريا، لكن العملية الجريئة التي أفقدت السلطات البريطانية صوابها هي عملية نهلال الثانية في ليلة 22/10/1932 فقد أخذ صالح أحمد طه ومصطفى علي الأحمد، قنابل صنعها لهما أحمد الغلاييني، وزرعاها في غرفة حراس المستوطنة وفجراها مما أدى إلى مقتل يهوديين وجرح اثنين آخرين ،  واستمرت العمليات على هذا المنوال حتى حلول عام 1935.

سادسًااشتعال ثورة القسام واستشهاده: في شهر 11 من العام 1935 اتخذ الشيخ عز الدين القسام وجماعته قرارًا مفصليًّا في تاريخ الكفاح والثورة الفلسطينية بشكل عام، فقد أعلن عن انطلاق أول ثورة مسلحة منظمة منذ حلول الانتداب البريطاني على فلسطين في عام 1917،  وكان هذا القرار بمثابة إعلان رفض، أو اختلاف مع المسار النضالي السابق الذي كان يقوم على المظاهرات والاحتجاجات ورفع العرائض .

جاء قرار الشيخ عز الدين نتيجة لعدة أسباب أخرى، منها ارتفاع أعداد المهاجرين اليهود بشكل غير مسبوق، فقد هاجر إلى فلسطين في سنة 1935 ما يقارب 61854 يهوديًّا، واشتروا 72905 دونومات من الأراضي.

ومن الأحداث التي أججت تلك الثورة اكتشاف تهريب 1650 برميلاً من السلاح، وهي كمية كبيرة . وجد الشيخ عز الدين القسام في هذه الحادثة جوًّا مناسبًا لإعلان ثورته، خاصة وأن تنظيمه قد اكتملت أركانه.

لم تكن فكرة القسام الإعلان عن مواجهة عسكرية شاملة، بل عن قيام تنظيم عسكري مسلح ينتهج أسلوب حرب العصابات، وخرج مع القسام رفاقه بعد أن باع بعضهم حلي، وأرسلت بعض القيادات الفلسطينية، مثل الحاج أمين الحسيني، مبالغ من المال دعمًا لتنظيم القسام، وخطب الشيخ عز الدين القسام خطبة أخيرة في مسجد الاستقلال في حيفا أنهاها بقوله “الجهاد يا مسلمون.. الجهاد يا مسلمون”، و خرج من المسجد وجموع المصلين قد أجهشت بالبكاء.

غادر القسام بصحبة 16 من رفاقه إلى قرية يعبد من قرى جنين والتي كانت محطة ثورتهم ورباطهم . مكث القسام ومجموعته ليلتين في بيت الشيخ سعيد الحسان؛ وهم يقرؤون القرآن و يذكرون الله.

في تلك الفترة كانت سلطات الانتداب وأعوانها تبحث عن الشيخ القسام وجماعته ، وفي صبيحة يوم 20 /11/1935 حاصرت قوات الانتداب البريطاني قرية يعبد والمنطقة التي كان فيها الشيخ عز الدين القسام ورفاقه.

بلغت قواته البريطانيين 400 جندي معظمهم من الإنجليز، بينهم قلة من العرب من البوليس العربي ،  ورغم عدم التكافؤ في القوة العددية بين الطرفين، وعرض القوات المحاصِرة الاستسلام على الشيخ عز الدين القسام، إلا أنه رفض ذلك والتفت إلى رفاقه و قال لهم “موتوا شهداء” .

أمر القسام رفاقه بأن تكون حركتهم أثناء المعركة متنقلة، وذلك لكي يعيقوا حصار قوات الانتداب لهم ، ولقد التحم الجانبان في معركة استمرت ست ساعات حتى حلول العصر، وقد ذكر بعض الباحثين أن الانجليز خسروا 15 جنديًا ، وهو رقم كبير بالنسبة لما يراه باحثون ومؤرخون آخرون، إذ يذهب بعضهم إلى أن خسائر الإنجليز لم تتجاوز إلا قتيلاً واحدًا وجريحًا واحدًا، ويعلّل المؤرخ سميح حمودة ذلك، بأنّ القسام ورفاقه كانوا يتحاشون إطلاق النار على المجندين العرب مع الإنجليز.

استشهد في المعركة الشيخ عز الدين القسام وأحمد ابن الشيخ سعيد الحسان الذي استضاف القسام ورفاقه، وكان عمره 15 سنة، ويوسف الزيباوي ومحمد حنفي المصري وهو من مصر، وجرح نمر السعدي و أسعد المفلح، واعتقل كل من عربي بدوي ومحمد يوسف وأحمد جابر و حسن الباير . 

كان لاستشهاد الشيخ عز الدين القسام أثر عميق جدًا لدى الشعب الفلسطيني، تجلى في جنازة الشيخ عز الدين القسام، فقد انطلقت الجماهير بعد الصلاة عليه بمظاهرة مهيبة هتفت ضد الانتداب واليهود، وهاجمت الجماهير الغاضبة مركزَ البوليس البريطاني في حيفا، أما الزعامات السياسية والحزبية الفلسطينية فلم تشارك في جنازة الشيخ عزالدين القسام، واكتفت بإرسال برقيات فاترة لإدارة الانتداب البريطاني  . 

ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939 

تتناول الفقرات التالية ظروف الثورة الفلسطينية الكبرى وأسبابها، ودور جماعة القسام وأثرها في اشتعال هذه الثورة.

ظروف الثورة وأسبابها

مع نهاية عام 1935 وبداية عام 1936، بدأت المشاريع الصهيونية والقمع البريطاني بالتصاعد، وقد أخذت نسب العاطلين عن العمل في الازدياد، مما فاقم من الأزمات الاقتصادية للفلسطينيين، ومع كل ما سبق كان أداء الزعامات والأحزاب العربية لا يتجاوز حدود العرائض التي ترفع إلى المندوب السامي، فبدأت جماهير الشعب الفلسطيني تجنح إلى الجهاد المسلح والثورات الشعبية لمواجهة بطش الانتداب البريطاني وإيقاف المشروع الصهيوني، وشكلت تجربة القسام -بالرغم من إحباطها في بداياتها- نموذجًا جهاديًّا أصبح يستهوي الجميع من أبناء الشعب الفلسطيني . 

اندلاع الثورة وأحداثها

يذكر عدد من المؤرخين والباحثين أن جماعة القسام لم تترك السلاح بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام واعتقال رفاقه، ذلك لأنّ جماعة الشيخ لم تقتصر على مرافقي الشيخ الذين أجهز عليهم في أحراش يعبد، بل إن هناك أعدادًا من مناصري الشيخ القسام وأتباعه لم يكشف عنهم، و بدؤوا في تجميع صفوفهم وترتيبها، وكان من الشيخ فرحان السعدي، أحد القساميين، مع مجموعة بفرقته، أن فجّر الشرارة الأولى للثورة في 15/4/1936، بقتل يهوديين وجرح ثالث في عملية فدائية على الطريق الواصل بين قريتي عنبتا ونور شمس بالقرب من مدينة طولكرم، وأحدثت هذه العملية جوًّا عاما من التوتر والتشنج .

على إثر عملية عنبتا- نور شمس حدثت توترات في مدينة يافا قتل فيها 16 من اليهود و6 من العرب، وأعلنت السلطات البريطانية في نفس تاريخ الاشتباكات – أي 17/4/1936 – فرض حالة الطوارئ في فلسطين، وفرض حظر التجول .

و على إثر هذه الأحداث شكلت القوى الوطنية في فلسطين لجانًا شعبية لكل مدينة من مدن فلسطين بلغ عددها 22 لجنة، وانضم إلى تلك اللجان الشعبية العرب من مختلف الميول والاتجاهات، تحقيقًا للمصلحة العامة للشعب الفلسطيني، وأعلن عن الإضراب الشامل في فلسطين بتاريخ 20/4/1936، وخلال يومين شمل كل مدن فلسطين .

وُضعت الأحزاب السياسية في فلسطين في موقف محرج، وكذلك الزعامات التقليدية، وذلك لأن اللجان الشعبية، والقساميين، أضحوا في مواجهة مباشرة مع السلطات البريطانية، بينما لم تتخذ تلك الأحزاب والزعامات موقفًا واضحًا بعد من الثورة والإضراب، فتمخضت المباحثات والمشاورات عن تشكيل ما عرف باسم “اللجنة العربية العليا”، وهي جسم تنظيمي ضم كل الأطياف السياسية و الشعبية و الثورية  وأضحى لاحقًا ناطقًا رسميًّا باسم الثورة، ولأول مرة منذ الانتداب، ولكونها زعيمًا سياسيًّا، وقائدًا في المواجهة المباشرة مع سلطات الانتداب البريطاني ، وفي تاريخ 25/4/1936، قررت اللجنة العربية العليا الاستمرار في الإضراب و حددت ثلاثة مطالب لإيقافه:

  • إيقاف الهجرة اليهودية ومنعها منعًا باتًّا.
  • منع انتقال الأراضي العربية لليهود.
  • إنشاء حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي.

وكان التجاوب الشعبي متميزًا وفريدًا من كافة فئات الشعب مع الإضراب .

و مع بداية شهر 5 من عام 1936، شهدت الثورة تطورًا نوعيًّا، فقد بدأت المجموعات المسلحة بالتشكل، وبدأت الثورة تأخذ شكلاً جديدًا امتاز بعمليات قطع خطوط الهاتف وخطوط القطار الخاصة بسلطات الانتداب، وشهدت العديد من الكمائن المسلحة التي استهدفت قوات الانتداب والعصابات اليهودية، وجرت مهاجمة المستعمرات اليهودية، وبلغ عدد العمليات 50 عملية يوميًّا، وهو عدد كبير جدًّا وغير مسبوق من العمليات .

برز من هذه الثورة أسماء قيادات ميدانية جهادية جديدة من أمثال عبدالقادر الحسيني، والشيخ فرحان السعدي وعطية أحمد عوض ومحمد الصالح حمد، والثلاثة الآخرون من القساميين .

تميزت الثورة بطابع عربي إسلامي بفعل مشاركة العديد من المجاهدين العرب فيها منهم فوزي القاوقجي والشيخ المجاهد محمد الأشمر من سوريا ، ووقعت خلال هذه الفترة مجموعة من المعارك أذهلت سلطات الانتداب البريطاني بفعل قوتها وشدة تنظيم الثوار فيها، منها معركة عصيرة الشمالية 17/8/1936، ومعركة وادي عرعرة 20/8/1936، ومعركة بلعا 3/9/1936، ومعركة بيت أمرين 29/9/1936.

توقف الإضراب والثورة مؤقتًا وتدخل الحكام العرب

حاولت السلطات البريطانية بكافة الوسائل والطرق القمعية إحباط الثورة، وكذلك حاولت بالجهود السياسية، واستخدمت في هذه الجهود ما سمي بوساطات الحكام العرب، ففي 2/10/1936 أصدرت ثلاثة بيانات بنفس النص من كل من غازي الأول ملك العراق والأمير عبدالله الأول أمير إمارة شرق الأردن والملك عبدالعزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية، تدعو الفلسطينيين “للإخلاد إلى السكينة، حقنًا للدماء” والاعتماد على حسن نوايا الحكومة البريطانية، ، لتستجيب اللجنة العربية العليا، وتعلن في تاريخ 12/10/1936، وفي قرار مفاجئ وخطوة غير معتمدة توقف أطول إضراب في تاريخ العالم والذي استمر 187 يومًا متتاليًّا، وليتوقف العمل العسكري مؤقتًا تبعًا لتوقف الإضراب.

تقرير لجنة بيل وعودة اشتعال الثورة

   في تاريخ 11/11/1936، جاءت لجنة ملكية خاصة للتحقيق في الأحداث الجارية في فلسطين، وسميت بلجنة بيل نسبة إلى وزير الخارجية البريطاني. رفض العرب في البداية مقابلتها، إلا أنه ونتيجة لتعرض اللجنة العربية العليا لضغوطات شديدة من كل من العراق والأردن والسعودية، قابلت اللجنة العربية العليا لجنة بيل بتاريخ 6/1/1937، وعادت اللجنة إلى بريطانيا بتاريخ 17/1/1937، وقدمت تقريرها للحكومة بتاريخ 22/5/1937، ونشرت الحكومة البريطانية قرار اللجنة بتاريخ 7/6/1937، وقد أوصت اللجنة بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية وأخرى يهودية مع احتفاظ الانتداب بالأماكن المقدسة مع ممر آمن إلى يافا. 

بعد وصول خبر قرار لجنة بيل إلى العرب واليهود في فلسطين، سادت أجواء التوتر بين العرب و اليهود، وبدأت سلطات الانتداب البريطاني بسلوك نهج عنيف وقمعي في تعاملها مع الثوار والقيادات الفلسطينية، فقامت بالتضييق على الحاج أمين الحسيني فالتجأ إلى المسجد الأقصى ليدير الأمور منه، وبدأت السلطات البريطانية بحملة اعتقالات بحق الثوار والقيادات الفلسطينية، وكان من أبرز المجاهدين المعتقلين الشيخ فرحان السعدي القائد العسكري المتميز في القطاع الشمالي للثورة  .

وكما فجر القساميون الثورة في بدايتها، فإن القساميين هم من استأنفها، فبعد علم القساميين وقيادتهم الجهادية، من أمثال القائد عطية أحمد عوض والقائد سالم المخزومي، وكذلك القائد محمد صالح الحمد بتوصيات لجنة بيل، بدأت بإعداد العدة لإشعال الثورة من جديد، واختارت بداية قوية، بقيام المجاهدين القساميين الشيخ محمد أبوجعب والشيخ محمد الديراوي الملقب بغزال، باغتيال حاكم منطقة الجليل الشمالي لويس أندروز، والذي كان معروفًا بتعقبه للقساميين  وكرهه لهم، وقد اغتيل أثناء خروجه من كنيسة في الناصرة  في 26/9/1937 .

جاء رد السلطات البريطانية قاسيًا، فأعدمت الشيخ فرحان السعدي، في 22/11/1937، في سجن عكا، وفي نهار رمضان، وقد أدى تنفيذ هذا الحكم إلى تأجيج الثورة بخلاف توقعات سلطات الانتداب.

عادت الثورة للاشتعال من جديد وتميزت هذه الفترة بإحكام العمليات وإتقانها، وذلك للخبرات المكتسبة والتمرس في القتال والتدريب، فكان العمل العسكري أكثر تنظيمًا وتنسيقًا، وشكلت “اللجنة المركزية للجهاد” وكان مقرها دمشق، وتولى إدارتها فعليًّا محمد عزة دروزة بتوجيه من المفتي الحاج أمين الحسيني.

برزت في هذه المرحلة قيادات جهادية جديدة من أمثال عارف عبدالرزاق وعبدالرحيم الحاج محمد وعبدالقادر الحسيني ويوسف أبودرة، وكان الأخير من القساميين، وتجلت الحاضنة الشعبية للثورة في هذه الفترة، فحين أصدرت السلطات البريطانية تعميمًا يقضي بمنع لبس الكوفية على المواطنين العرب، وذلك لتمييز الثوار عن المدنيين لأن الثوار تميزوا بلبسها، فردت الجماهير الفلسطينية على اختلاف طبقاتها وشرائحها وعاداتها الاجتماعية بارتداء الكوفية.

تميزت العمليات العسكرية في هذه الفترة بقوتها، فقد تمكن الثوار في شهر 9 من العام 1938 من السيطرة التامة على مدينة الخليل لعدة ساعات ثم انسحبوا منها، وبتاريخ 9/9/1938 تمكن المجاهدون من السيطرة على مدينة بئر السبع ومن تحرير عدد من المعتقلين في سجنها، كما تمكن مجاهدو منطقة الجليل بقيادة القسامي يوسف أبودرة بتاريخ 5/10/1938 من السيطرة على مدينة طبريا و قتل أكثر من 120 مستوطنًا يهوديًّا . 

ومن أبرز معارك تلك الفترة معركة عرابة البطوف 23/12/1937 بقيادة القسامي أبوابراهيم الكبير، ومعركة أم الفحم بقيادة القسامي يوسف أبودرة في 30/1/1938، ومعركة جبل الجرمق بقيادة القساميين سعد الخالدي وعبدالله الأصبح بتاريخ 6/2/1938 .

إخماد الثورة ونهايتها

سعت السلطات البريطانية بكل قوتها إلى القضاء على الثورة، فمع مع حلول 31/10/1938 بلغ مجموع القوات البريطانية 18 كتيبة مشاة في فلسطين، وفوجين من الخيالة، فوج مدرع، وفوج مدفعية، وسريتين مدرعتين، بالإضافة الى قوات البادية الأردنية التي كانت تساند سلطات الانتداب و شاركت في اعتقال قيادات كبيرة من المجاهدين مثل الشيخ المجاهد يوسف أبو درة، و بلغ تعدادها 1170 جنديًّا .

لجأت سلطات الانتداب إلى سياسات بطش وتنكيل تجاه الأهالي العزل، فقامت بتعديل قانون الطوارئ ليشمل حيازة كافة أنواع الأسلحة مهما كان نوعها أو صلاحيتها، ولتصل الأحكام إلى الإعدام، ولو على مالك رصاصات أو حامل سكين في بعض الحالات، وبلغ عدد من أعدمتهم السلطات البريطانية 146، وتجاوز عدد المحكومين 2000، وبلغ عدد المعتقلين بتهمة الثورة 50000 وهدمت 5000 بيت وحانوت .

ومن العوامل التي أدت إلى إجهاض الثورة الصراعات الداخلية وانحياز بعض التيارات ضدّ الثورة، فقد استغلت السلطات البريطانية الخلاف الحادّ بين أسرتي الحسيني والنشاشيبي، فبدأ ما يعرف بالتيار النشاشيبي بمهاجمة الثورة وقيادتها ورفض مواقفهم  ، وشكّلت سلطات الانتداب لاحقًا ما يعرف بفصائل السلام التي تلقت دعمًا هائلاً من الوكالة اليهودية، وتزعمها فخري النشاشيبي، وأحدثت فتنة كبيرة في صفوف الثوار، وقادتهم إلى معارك جانبية ألهتهم عن هدفهم الرئيس  .

 كما لعب غياب العديد من قيادات الثورة بفعل القتل أو الاعتقال أو الإبعاد دورًا في إخماد الثورة ، وشهد نهاية عام 1938م انهيارًا اقتصاديًّا بسبب البطش البريطاني وهدم الحوانيت مما أدى إلى توقف العديد من الأعمال، بالإضافة إلى قلة الدعم والتمويل العربي والإسلامي .

عملت بريطانيا كذلك على تقديم حل سياسي لحسم الثورة، فأعلنت عدولها عن قرار تقسيم فلسطين في 11/1938، ودعت إلى عقد مؤتمر المائدة المستديرة في 2/1939، وحضره ممثلون عن الدول العربية، وأصدرت السلطات البريطانية كتابًا أبيض في 5/1939، تضمن قرارًا يقضي بإنشاء دولة مشتركة بين العرب واليهود، وإيقاف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأحيت تلك القرارات والعوامل السابقة كلها الرغبة لدى بعض الزعامات السياسية للعودة وخوض غمار النزال السياسي ، ومع حلول 9/1939 كانت الثورة الفلسطينية الكبرى قد توقفت فعليًّا و بدأت الحرب العالمية الثانية تدق طبولها. 

دراسة دراسة

 

أكمل القراءة

دراسات

قراءة في كتاب مؤشر الدمقراطية “الإسرائيلي”

نشر

في

بواسطة

قراءة في كتاب مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي

عماد أبو عوّاد

محلل الشؤون الإسرائيلية في مركز القدس

 

مقدمة

يُقدّم “معهد الديمقراطية الإسرائيلي” مع نهاية كلّ عام، كتابًا إلى رئيس دولة الاحتلال يحمل عنوان “مؤشّر الدمقراطية الإسرائيلي”[1]، والذي يعتمد في الأساس على مجموعة من استطلاعات الرأي التي توضح التوجه العام للمواطنين، وتكشف عن أهم الفجوات والمخاوف التي تعتريهم؛ تحديدًا في قضايا الأمن والديمقراطية.

الكتاب الذي يمتد على 220 صفحة، تناول هذا العام زوايا مهمّة؛ أبرزها الوضع العام للدولة، والواقع الديمقراطي، وإلى أي مدى يشعر المواطن الصهيوني بتفاؤل إزاء مستقبلها، كما تناول رضى الجمهور عن المؤسسات المختلفة، بدءًا من الجيش وصولاً إلى الأحزاب الصهيونية المختلفة. والجديد الذي لم يكن بالإمكان تجاوزه هذا العام، هو أزمة كورونا وتأثيراتها على النطاقات المختلفة من حياة الجمهور.

ورغم أنّ الكتاب يتسلمه الرئيس الإسرائيلي تشجيعًا على قراءته ولإظهار أهميته، وهذا سلوك رؤوبن ريبلين[2] ومن سبقه، وهو ما ينسحب على بقية إصدارات المراكز، فإنّ الجدل يبقى قائمًا حيال مدى تعاطي السياسي الصهيوني مع مثل هذه الإصدارات، لكن مقارنة سلوك الساسة مع ما يرد في تلك الإسهامات البحثية، يكشف أنّ الفجوة عميقة، تحديدًا خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص منذ العام 2009 والذي بدأ فيه بنيامين نتنياهو[3] فترة حكمه الثانية.

 

أولاً: تراجع كبير في النظرة لواقع الدولة

وفق المؤشر فقد شهد العام 2020 نزولاً كبيرًا في نسبة من يعتبرون أنّ الواقع العام للدولة جيد، فنسبة الذين قدروا أنّ واقع “إسرائيل” جيد كان 37.5% مقابل 50% العام 2019، وعند تحليل عينة الاستطلاع تبين أنّ 52.5% من المُنتمين لليمين يُقدرون أنّ واقع “إسرائيل” جيد، مقابل 26% من المركز وفقط 13% من اليسار.

النزول أيضًا شمل تقييم المواطن لواقعه، فبعد أنّ قيم 80% من المواطنين عام 2019 أوضاعهم أنّها جيدة، نزل الرقم إلى 61% عام 2020، وعند سؤال المواطن الفلسطيني في الداخل: “هل تشعر بأنّك جزء من إسرائيل”، أشار 44% فقط بالإيجاب.

بتحليل الأرقام أعلاه، لا يُمكن فصل هذا التراجع عن موضوع جائحة كورونا، والتي ترافقت في “إسرائيل” مع مجموعة من المُتغيرات التي وصلت ذروتها مع مطلع العام 2020 وصولاً إلى حلّ الكنيست مع نهايته، فقد كان لعدم الاستقرار السياسي والانتخابات المتكررة الدور الأكبر في تجسيد الكراهية الداخلية، وتعميق الفجوات الآخذة في الازدياد.

ويُشير إلى ذلك تحليل العينة الاستطلاعية أعلاه، فغالبية المُنتمين لليمين عبّروا عن رضاهم عن واقعهم وواقع الدولة، وهذا مرتبط بوجودهم في الحكم تحت قيادة بنيامين نتنياهو، بمعنى أنّ لعدم الرضى عند اليسار والمركز ارتباطًا جذريًّا بمسألة ابتعادهم عن الحكم لما يزيد عن اثني عشر عامًا متواصلاً، والتي جذّر فيها اليمين انقسامًا ليس من السهل ردمه.

من هُنا يُمكن الربط بين الرضى وطبيعة النظام الحاكم، بمعنى أنّ واقع الدولة بات يُطوّع وفق أهواء من هم في السلطة، لذلك نجد أنّ الرضى مرتفع عند فئة اليمين ، الأمر الذي سيلقى انعكاسًا في النسب في حال وصل المركز واليسار إلى الحكم، لتؤكد هذه العينة أنّ التكتلين المنبثقين في الساحة الصهيونية، ورغم الاختلافات الداخلية في كلّ تكتل، باتا يقتربان إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بإمكانية الالتقاء على قاسم مشترك، وهذا على الأقل في ظل حُكم بنيامين نتنياهو.

ثانيًا: الديمقراطية الإسرائيلية في خطر كبير

مستقبل الديمقراطية الإسرائيلي في خطر شديد، كما يرى 54%، وهي ذات النسبة تقريبًا منذ العام 2019 مع زيادة بسيطة، والمؤشر يزداد خطورةً كلّما قُسّمت العينة إلى المعسكرات المختلفة، فقد اعتبر 85% من اليسار أنّ ديمقراطية بلادهم تواجه خطرًا  شديدًا مقابل 63% من المركز، و35% فقط من اليمين.

ولم تُغفل دراسة عينة الاستطلاع التطرق للقضية الأهم في هذا السياق، وهي سؤال “من المركبات التالية أقوى”، المركب اليهودي أم المركب الديمقراطي في الدولة العبرية، فقد رأى 50% أنّ المركب اليهودي طاغٍ على المركب الديمقراطي، وبتحليل العينة تبين أنّ الجمهور الديني 72% من الحريديم و50% من المتدينين القوميين، رأوا بأنّ المركب الديمقراطي هو الطاغي وليس اليهودي.

وهنا يكمن جوهر الصراع الداخلي حول شكل الدولة، فكل طرف بات يعتبر أنّ شكل الدولة لا يزال على خلاف ما يريد، فالمتدينون الذين هم جزء من اليمين الحاكم يرون ضرورة كبح جماح المركب الديمقراطي لصالح الديني، فيما التيار العلماني الذي هو جزء من المركز واليسار، يرى بأنّ الجانب الديني طاغ ويجب كبح جماحه.

باتت هذه التجاذبات تؤدي إلى تمرير قوانين وشطب أخرى، كسرت ما تأسست عليه الدولة من موازنة بين المركبين، وفتحت باب الصراع بينهما، فقد بات يسعى من في سدّة الحكم إلى تثبيت رؤيته فيما يتعلق بشكل الدولة.

وفي الوقت الذي رأى فيه 58% من اليهود بأنّ قيادتهم السياسية فاسدة، وغارقة في مخالفات جنائية، يتضح من تحليل العينة ذات الانقسام، أنّ من يعتقدون ذلك هم 87.5% ممن ينتمون لليسار، و74% ممن ينتمون للمركز، وفقط 43% ممن ينتمون لليمين، في مؤشر أنّ البقاء في الحكم أهم من القيم التي نشأت عليها “إسرائيل”، ففي مقابل رابين الذي استقال في سبعينيات القرن الماضي لشبهة حول زوجته تبين براءتها فيما بعد، نجدّ أنّ نتنياهو، وهو الملاحق بثلاث لوائح اتهام، يحصل على مليون وأربعمائة ألف صوت في الانتخابات، بمعنى أنّ الفساد لم يعد معيارًا للخلاص من الحاكم، بل بات يُقلل من قيمته في سبيل بقاء الحاكم الذي سيحمي محيطه، رغم تأسيسه لمنظومة تسعى للدفاع عن مصالحه ومنع محاكمته.

وما يوضح الصورة أكثر هو الثقة في المحكمة العليا، والتي تُعتبر بيضة القبان ما بين السلطة التشريعية والتنفيذية بغياب دستور إسرائيلي، فقد فقدت المحكمة خلال 9 سنوات 20% من الثقة فيها، لتتراجع في العام 2020 إلى حدود 50%، فيما يحصل المستشار القضائي للحكومة على ثقة لا تتجاوز 42%، وهذا مرتبط بشكل كبير بأمرين، الأول رفض اليمين لهيمنة المحكمة واتهامها بأنّها التي تحكم وليس السلطة التنفيذية برفضها للكثير من القوانين ذات الطابع الديني، والثاني مرتبط بمحاكمة نتنياهو، فقد رأى اليمينيون أنّ المستشار القضائي للحكومة أفيخاي مندلبليت، لفق تُهمًا لبنيامين نتنياهو.

 

ثالثًا: الواقع الصحي جيد

الرضى عن منظومة الصحة في “إسرائيل” كان جيدًا جدًّا، فـ 50% من “الإسرائيليين” أعطوها تقييمًا فوق الجيد، و36% قيموها على أنّها متوسطة، وفقط 15% اعتبروا أداءها سيئًا، وقد عبر 86% عن مطالبتهم بزيادة ميزانية الصحة على حساب الوزارات الأخرى.

الرضى الإسرائيلي عن أداء المنظومة الصحية مرتبط بشكل كبير بأدائها خلال جائحة كورونا، فقد استطاعت المنظومة الصحية أن توّفر عناية جيدة ومتابعة حثيثة للمرضى، باعتمادها على الصناعات المحلية المتطورة في رفد مستشفياتها ومراكزها الصحية بالتجهيزات ذات الجودة العالية، رغم أنّ “إسرائيل” تُعتبر من الدول التي سجلت عدد وفيات مرتفع بالكورونا مقارنة بعدد السكان، فقد بلغ المتوسط العالمي 261 لكل مليون، بينما في “إسرائيل” 434.

والغريب رغم الرضى الجيد عن أداء المنظومة الصحية، فقد احتلت المرتبة الثانية من حيث الحاجة لتحسينها من بين أولويات الإسرائيليين الاجتماعية- الاقتصادية، بعد العمل على تخفيض غلاء المعيشة، وربما هذا مؤشر نوعًا ما على الراحة الاقتصادية بالمجمل العام للفئة الأكبر من الجمهور الإسرائيلي، رغم الغلاء الكبير للمعيشة، فالبحث في إطار التحسين وليس الحاجة الملحة، بمعنى أنّ الجمهور هناك يبحث عن المزيد من الخدمات التي تُشعره بزيادة مستوى الرفاهية، ولا يبحث في إطار الحاجة الملحة.

 

رابعًا: الشرطة تحصل على تقدير سيء

فقط 27% أشاروا إلى أنّ الشرطة تؤدي دورها بشكل جيد، ونفس النسبة أشارت بأنّ أداء الشرطة سيء جدًّا، فيما بقية المُشاركين رأوا أداءها ما بين السيء والمقبول، وأشار 82% من الفلسطينيين في الداخل المحتل و67% من اليهود، بأنّ الشرطة تتعامل مع الجريمة في الوسط اليهودي بشكل قوي وصارم، وتتجاهل ذلك في الوسط الفلسطيني.

كما أنّ 62.5% من المُستطلعين اليهود و56.5% من الفلسطينيين أشاروا إلى ذات الشيء فيما يتعلق بالطائفة الأثيوبية، وأشار غالبية المُستطلعين أنّ الشرطة تتشدد في الدرجة الأولى مع الفلسطينيين، وكذلك مع اليهود من أصول شرقية، و70% أجمعوا على أنّ الشرطة الإسرائيلية لا تكترث ولا تولي أي أهمية للنقد الموجه ضدها.

تتعاطى الشرطة الإسرائيلية مع الملفات المُختلفة وفق الفئة المُستهدفة، ففي الوقت الذي يُشكل فيه الفلسطينيون في الداخل المحتل فقط 21%، فإنّ معدل القتلى من بينهم بسبب الجريمة الداخلية يتجاوز نسبة الـ 50% من المجموع العام، والأغرب من ذلك أنّ عدد الملفات المفتوحة لدى الشرطة في جرائم القتل اليهودية 5 أضعاف تلك التي عند الفلسطينيين، وهذا ما يؤكده الاستطلاع أعلاه، من وجهة نظر اليهود أيضًا، حينما عبر أكثر من ثلثيهم عن قناعتهم بأنّ الشرطة تتجاهل الجريمة في الأوساط الفلسطينية.

إنّ طبيعة تقسيم المناصب في “إسرائيل”، جعلت من اليهودي الغربي المسيطر على غالبية المناصب الحساسة، فمثلاً رغم أنّ الشرقيين يصل تعدادهم إلى 50% من مجموع السكان، لم يصل منهم إلى اليوم أي شخص لرئاسة الوزراء، أو الموساد والشاباك، وكثير من المناصب الحساسة الأخرى كرئاسة المحكمة العليا.

ربما تفسر هذه الحقيقة، حالة العنصرية الموجهة في المجتمع الصهيوني، والتي بطبيعة الحال انعكست كذلك على الشرطة التي تتعامل مع اليهودي الغربي بطريقة تختلف تمامًا عن الفلسطينيين، ومن ثم الأثيوبيين وكذلك الشرقيين اليهود.

 

خاتمة

نصف المُستطلعين اليهود أشاروا بأنّ التضامن بين الإسرائيليين في أدنى مستوياته، فالشعور بالمصير الجمعي وضرورة أن يكون هناك لُحمة حقيقية، بات يفقد الكثير من التوجهات الداعمة له، مع ازدياد التقوقع الداخلي في كلّ طائفة دينية، وتيار فكري في الدولة العبرية.

التضامن الداخلي في “إسرائيل” ارتبط بشكل جوهري في السنوات الأخيرة بحكم اليمين المستمر منذ أحد عشر عامًا، فقد أفرزت الحكومات المتعاقبة شرخًا متسعًا كلّما مرّ الوقت من خلال أسلوب الحكم المتبع، والذي أفضى في نهاية المطاف إلى رفض شرائح كاملة مجرد القبول بالجلوس مع أخرى تحت قبّة حكم واحدة.

ربما ظهرت أزمة التضامن الداخلي ظهرت بشكل أكبر خلال جائحة كورونا، فقد رفض الحريديم، على سبيل المثال، الانصياع لأوامر السلطات، رغم أنّهم جزء من الحكومة، مما يُشير إلى عُمق التفكير المنفرد لكل شريحة وطائفة، بمعنى أنّ الأمن الخاص بات مُقدّمًا على العام، ولهذا سينعكس انعكاس الأمن الإسرائيلي بشكل عام، على الأُسس التي تأسست عليها الدولة، وبما بما يمسّ بقوانين الأساس التي تُنظم الحياة العامة.

الأمن بالمجمل مرتبط بالثقة، ثقة باتت في تراجع مستمر في الساحة الصهيونية، وزادت من مساحة الاختلاف والرفض، وربما استمرار نتنياهو على رأس المؤسسة الإسرائيلية سيكون له المزيد من التفتيت والتشظي، فالرجل الذي يبحث عن الإفلات من المحاكمة، يقود “إسرائيل” تحت شعار أنا ومن بعدي الطوفان، والغريب أنّه استطاع تثبيت انقسام جديد النوع في “إسرائيل”، وذلك بالانقسام على شخصه، “بيبستيم” (داعم، نتنياهو تحت أي ظرف) و”انتي بيبستيم” (معارضوه تحت أي ظرف)، وهذا ما جعل التأييد والمعارضة على أساس الموقف من نتنياهو، وليس المصلحة العامة، وهنا تتجذر الأزمة وتكمن معالم الضياع والانهيار الداخلي.

 

 

 

[1]  أور عنبي، ايليت شخبيت، وآخرون. 2020. مؤشر الدمقراطية الإسرائيلي 2020. معهد دراسات الدمقراطية. https://www.idi.org.il/media/15539/the-israeli-democracy-index-2020.pdf

[2]  الرئيس الإسرائيلي الحالي.

[3]  رئيس وزراء الاحتلال.

أكمل القراءة

دراسات

ورقة تحليلية: التعليم عن بعد في الجامعات الفلسطينية.. عن التحدي ومجابهته.. جامعة بيرزيت نموذجًا

نشر

في

بواسطة

ورقة تحليلية:

التعليم عن بعد في الجامعات الفلسطينية.. عن التحدي ومجابهته

 جامعة بيرزيت نموذجًا

تقى فارس

المقدمة

 

التعليم عن بعد

أصدرت وزارة التربية والتعليم العالي قرارًا يوصي باعتماد التقنيات الإلكترونية في الجامعات الفلسطينية لدوام الفصل الدراسي الثاني لعام 2020-2021، بحيث يُستخدم التعليم المدمج لطلبة السنة الأولى، والتعليم الإلكتروني لطلبة السنة الثانية فما فوق، وتحقيق الحد الأدنى من التدريب الوجاهي لطلبة المساقات العملية، وترك القرار لمؤسسات التعليم العالي فيما يتعلق بطلبة الدراسات العليا، وذلك في حدود المحافظة على إجراءت الوقاية، ومراعاة شروط السلامة العامة[1].

تعرض هذه الورقة لمسار التعليم عن بعد الذي اتبعته الجامعات الفلسطينية في ظل جائحة كورونا، متخذةً من جامعة بيرزيت نموذجًا، بالبحث في الإجراءات التي اتخذتها إدارة الجامعة منذ بداية الأزمة وحتى الآن في التعامل مع النظام التعليمي الإلكتروني، وتتطرق إلى آليات التنفيذ مسلطةً الضوء على تفاعل مكونات الجامعة إيجابيًا وسلبًا معها، وما آلت إليه هذه التجربة من نتائج أولية.

التعليم عن بعد.. هل هي التجربة الأولى؟

أحدث ظهور فايروس كورونا (كوفيد-19) أواخر عام 2019 وتفشيه في العالم تغيّرًا في نمط الحياة المتّبع في أغلب الدول، وقد تأثّر النظام التعليمي ومؤسساته بهذه التغيّر، ونظرًا لأنَّ الجامعات كانت بؤرًا محتملة لتفشي الفايروس، فقد قامت إداراتها بإغلاقها أمام الطلبة وانتهاج سبل أخرى لضمان استمرار المسيرة التعليمية.

سبقت مبادرات التعليم عن بعد في فلسطين ظهور الفايروس، فقد سعت بعض الجامعات الفلسطينية إلى تطوير أساليب التعليم ومواكبة الأنماط الحديثة التي تتجه لاعتماد التكنولوجيا أساسًا في العملية التعليمية[2]، وقد عملت جامعة بيرزيت على تطوير اعتمادها على الحلول التقنية والإلكترونية، وأخذت هذه المساعي مناحي متعددة، مثل استخدام تقنية المحاضرات المسجلة لعدد من المساقات الأساسية على منصة موودل Moodle، بما يتيح للطلبة الرجوع لها في أي وقت وحضور المحاضرات، وإدخال نظام الواجبات الإلكترونية شرطًا في اجتياز مساقات إجبارية للطلبة، كذلك بعض حلول المشاكل التقنية عبر منصة رتاج Ritaj البوابة الأكاديمية والإدارية لجامعة بيرزيت، وتغيير كلمة السر إلكترونيًّا دون الحاجة الى مراجعة مباني الجامعة، لكن هذه المساعي جاءت في سياق ثانوي، وبقيت تحقق حدًّا دون المطلوب من الاعتمادية على الوسائل الإلكترونية.

كيف تعاملت إدارة الجامعة مع الحالة الوبائية؟

استهلت إدارة جامعة بيرزيت[3]، خطواتها الوقائية من فايروس كورونا (كوفيد-19) بإلغائها الأيام الإرشادية لطلبة الثانوية العامة وذلك في الثاني من آذار/ مارس 2020، تلا ذلك عقد محاضرة توعوية بشأن الفايروس، ونشر توصيات تنصح أعضاء الهيئة الإدارية والأكاديمية بعدم السفر خارج البلاد في المرحلة الحالية، تبع ذلك إصدار قرار رسمي يشمل إلغاء الحجوزات المتعلقة بتمثيل الجامعة في الخارج، ووقف كامل الأنشطة التي تشهد تجمهرًا طلابيًّا، وتكوين خلية أزمة برئاسة رئيس الجامعة، ولجنة برئاسة مساعد الرئيس للبحث في مسألة التعليم الإلكتروني، ولجنة برئاسة نائب الرئيس للشؤون الإدارية والمالية للوقوف على مسائل العملية الإدارية في الجامعة[4].

علّقت الجامعة دوامها التزمًا بحالة الطوارئ في السابع من آذار/ مارس 2020، الى أن قرر مجلس الجامعة اعتماد العمل الأكاديمي والإداري عن بعد، والتعليم الإلكتروني لاستكمال الفصل الثاني من العام الدراسي 2019-2020، وذلك في جلسته الطارئة في التاسع من آذار/ مارس 2020[5]، وأسرعت الجامعة في تعزيز استثماراتها لمواكبة التطورات، فقامت بإطلاق مبادرة للتعليم والتعلم الإلكتروني باعتماد المنصات المتوفرة للتعليم الإلكتروني كمووديل Moodle وزوم  Zoom وبي بي بي BBB، وتقديم تدريبات للهيئة الأكاديمية تشمل طرق استخدامها، ثم إدخال التعديلات على البوابة الإلكترونية للجامعة رتاج Ritaj بربطها بأرقام هواتف الطلبة لتسريع استقبالهم للرسائل الأكاديمية، وتشغيل ربع مليون دولار لتطوير قدراتها التكنولوجية.

ارتأت الجامعة، كذلك، وضع نظام تقييمي مغاير، أبرز ما فيه اعتماد نظام (ناجح أو غير مكتمل) لتقييم طلبة درجتي البكالوريوس والماجستير للفصل الثاني من العام الدراسي 2019-2020[6]، واستؤنفت المساقات العلمية التي كان من المفترض إتمامها خلال الفصل الثاني، وذلك من خلال دوام مكثف وقصير[7].

زامن ذلك صدور قرار بعقد دورتين صيفيتين لكل من طلبة البكالوريوس بحد أقصى 7 ساعات في كل دورة، والماجستير بحد أقصى 6 ساعات في كل دورة، وتخصيص الدورة الأولى للمساقات النظرية، وإفساح المجال للمساقات العملية خلال الثانية[8]، تلا ذلك إصدار قرار يقضي باستمرار اعتماد نظام التعليم عن بعد، مع دراسة إمكانية عودة طلبة السنة الدراسية الأولى ودرجة الماجستير وذلك خلال الفصل الأول للعام الدراسي 2020-2021.[9]

ضمت قرارات الجامعة أيضًا محاولات للتقليل من الحضور في الحرم الجامعي[10]، وإيجاد طرق أخرى للتواصل مع مرافق الجامعة، فقد فتح باب التواصل مع دائرتي التسجيل والمالية عن بعد[11]، وقدّمت المكتبة الرئيسة والمكتبات الأخرى في الجامعة خدمات إضافية تتناسب مع مجريات التعليم عن بعد[12].

ماذا عن التطبيق؟

بذلت الجامعة جهودًا لإكمال سير العملية التعليمية، لكنها واجهت معضلات حقيقية أمام إتمامها، فالتمكن من الاستخدام الصحيح والدقيق للمنصات الإلكترونية استنزف وقتًا من الكادر التعليمي، الذي كان يعتمد بدرجة عالية على نظام التعليم الوجاهي، كما شهدت العملية التقييمية، التي كانت تعتمد في الغالب على الامتحانات الأولى والثانية (امتحانات منتصف الفصل)، وامتحانات نهاية الفصل.. تغيرات جذرية خصوصًا بعد محاولات التخلي عن الامتحانات بشكل جزئي، واعتماد الاختبارات الإلكترونية أو التقارير والمشاريع.

إلى جانب ذلك فإن مشكلة ضعف شكبة الإنترنت بشكل عام، وحالات قطع التيار الكهربائي التي تتكرر في بعض المناطق، وما يفرضه الاحتلال الصهيوني على شبكات الاتصال الفلسطينية من قيود تمنعها من تطوير قدراتها في تقديم الخدمات الحديثة[13] شكلّت عبئًا إضافيًا، وقد تعرّضت خدمات الجامعة الإلكترونية (سيرفراتها) خلال الفصل الدراسي الأول لهجوم إلكتروني مما أدى الى تعطّلها عن العمل جزئيًا وكليًا، حتى استطاعت الجامعة بالتعاون مع المزوديين المحليين والدوليين وشركة الاتصالات الفلسطينية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، واستغرقهم هذا ما يقارب أسبوعًا.

هذه الظروف كان لها تأثيرها المباشر على الطلبة الذين لاقوا صعوبات في التأقلم مع الوضع الجديد، فالعائلة الفلسطينية التي ترتفع فيها نسبة أفرادها الطلبة، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.. فإن نسبة الأسر التي لديها جهاز حاسوب (مكتبي، محمول، لوحي) تبلغ 33.2 وذلك عام 2019[14]، وهذا بالتأكيد ينعكس على الطلبة الذين أصبحت الظروف غير مهيأة أمامهم للتركيز في الدراسة.

إلى جانب ذلك فإن عملية استيعاب المحاضرات التي تحتاج إلى بذل جهد تطبيقي خلال المحاضرة نفسها بدأت تتشتت، كما أن الطلبة أصبحوا بحاجة إلى استخدام برامج وتقنيات جديدة لحل واجباتهم التي أخذت طابع التقارير والأبحاث والمشاريع مع انخفاض نسبة الامتحانات.

أما المشكلة المذكورة آنفًا المتعلقة بضعف الشبكة وعدم تحملها هذا الكم الهائل من الطلبة، فقد ترجمت واقعًا أثناء تقديم عدد من الطلبة امتحاناتهم نصف الفصلية إلكترونيًا ليتفاجؤوا بأن النظام تعطَّل بسبب الضغط، وقد أدى هذا إلى تأجيل العديد من الامتحانات وخلق أجواء تعليمية متوترة، فضلاً عن أساليب الامتحانات التي لم تتمكن من منع عملية الغش المحتملة إلا عن طريق تقليص وقت الامتحانات وحرمان الطالب من التنقل بين الأسئلة.

إلى جانب ذلك فإن ظاهرة عقد المحاضرات والامتحانات بعد انتهاء الدوام الرسمي قد زادت من استياء الطلبة، وهناك مشاكل أخرى خرجت عن حيز جودة التعليم إلى عملية دفع القسط ومبدأ التقسيط للطلبة الذين لا يستطيعون دفع القسط كاملًا، وحجمه الذي بقي ثابتًا على الرغم من عدم استخدام الطلبة العديد من مرافق الجامعة التي يشمل القسط مبالغ على استخدامها، وانقطاع منحة مرتبة الشرف (الأنر) خلال الفصل الدراسي الثاني، تزامن ذلك مع الوضع الاقتصادي الفلسطيني الذي تأثر بشكل كبير بالجائحة.

تداعيات فايروس كورونا على الحركة المطلبية

تميّزت جامعة بيرزيت على مدار السنين بجسمين نقابيين مؤثرين هما: الحركة الطلابية، ونقابة العاملين والموظفين، وقد شكلت جائحة كورونا تحديًا لهما واختبارًا في قدرتهما على استحداث أشكالٍ جديدة للاحتجاج تتناسب والوضع القائم.

بدأت نقابة العاملين بعدة خطوات تصعيدية تدريجية تتعلق بمطالب سابقة على انتشار الوباء منها الأمن الوظيفي والتأمين الصحي، وتجاوز إدارة الجامعة للقوانين واللوائح خلال فترة الجائحة[15].

على صعيد آخر لاقى التعليم الإلكتروني احتجاجات واسعة من جانب الطلبة، وأثر ذلك على الحركة الطلابية التي واجهت صعوبات في استئناف عملها النقابي في بداية الجائحة، خصوصًا مع تأجيل عقد انتخابات مجلس الطلبة التي تقام خلال الفصل الدراسي الثاني الأمر الذي عطَّل أعمال مجلس الطلبة، مقابل استمرار أعمال اللجان التحضيرية للكتل الطلابية بدلاً عنه.

هذا الأداء نتج عنه اهتزاز بثقة الطلبة بالحركة التي تمثلهم وقد أفرز ذلك مجموعات طلابية جديدة صغيرة العدد وغير حزبية مثل: صوت طلاب بيرزيت (كل دينار بفرق) التي حاولت طرح قضايا متعلقة بالأقساط إضافة إلى ظروف التعليم، ونظّمت وقفة احتجاجية لكنها لم تجد التفافًا حولها وذلك في الثاني من أيلول/ ديسمبر 2020، بالإضافة إلى مجموعة (التجمع الطلابي لحل مشكلة التعليم الإلكتروني) والتي لم تتجاوز كونها مجموعة على الفيسبوك ولم تتمكن أيضًا من تنظيم الطلبة.

هذه التحركات وإن لم تحقق أي إنجازات إلا أنها ضغطت على الحركة الطلابية لأخذ زمام الأمور، فعملت على إتمام سير عملية الدفع والتقسيط للفصلين الصيفيين للعام الدراسي 2019-2020، والفصل الدراسي الأول 2020-2021، لكن المشكلات التي بدأت تتعمق دون التوصل لحلول مع إدارة الجامعة دفعتها لإعلان تعليق للدوام يشمل المحاضرات الإلكترونية والعملية وكافة الامتحانات والمشاريع بين الأول والرابع من نوفمر عام 2020.

شكّل ذلك تحديًا أمام الطلبة الذين باتوا بين قرارين: الالتزام بالإضراب الطلابي بإرادتهم ودون إخلاء كما يحدث أثناء الدوام الاعتيادي، أو الاستجابة لضغوطات العديد من الكادر الأكاديمي الذين أصروا على استكمال الدوام الاعتيادي.

في نهاية الأسبوع جرى التوصل إلى حلّ يضمن تحقيق حدٍ مقبول من المطالب التي ينادي بها الطلبة، خصوصًا التي تتعلق بطلبة السنة الدراسية الأولى، وبنود أخرى بشأن المحاضرات والامتحانات، وتطوير المنصة التعليمية ITC وذلك عبر بيان صدر عن الحركة الطلابية[16].

لكن الأمور لم تسر على هذا النحو، وكانت المفارقة في تنصّل الإدارة وهيئتها التعليمية من الالتزام بما اتفق عليه، وعدم التوصل إلى اتفاق بشأن عدة مواضيع عالقة منذ التعليق الأول، لتقوم الحركة الطلابية بإعلان الإضراب المفتوح حتى التوصل إلى حل.

رُفِع سقف المطالب لتشمل أمورًا تتعلق إلى جانب التعليم الإلكتروني بمرافق الجامعة وسياساتها المالية، واستمر الإضراب، الذي شهد التزامًا طلابيًا بين السابع والخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ليخرج بنتائج جيدة، أبرزها ما يضمن احتساب ست ساعات بنظام (ناجح وغير مكتمل)، والامتناع عن عقد امتحانات بعد ساعات الدوام الرسمي، واعتماد نمط المجموعات فيها، ولتشمل أيضًا تعبيد المدخلين الشرقي والغربي، وإيجاد مكان لحفظ الأمانات، ورفع قيمة المساعدات المالية وخفض أسعار الأوراق الثبوتية، وجعل البرنامج الذي تتبناه الجامعة (مساري) اختياريًّا.

لكن هذه النتائج والتطبيق الفعلي لها لاقى أصداءًا مختلفة من الطلبة، فقد رأت شريحة كبيرة منهم بأن الإضراب لم يحقق ما هو مطلوب ولم تستطع الحركة الطلابية مرة أخرى إلزام الجامعة بتطبيق ما هو متفق عليه، فبدا عند كثيرين منهم أن سياسة الإضراب لم تعد مجدية كما السابق، وأن قيادة الحركة الطلابية لم تعد على قدر كافٍ من المسؤولية أمام المطالب الحقيقية التي يطمح بنيلها الطلبة، وأمام إدارة الجامعة.

التعليم عن بعد.. ماذا أخذ.. وماذا أعطى!

شكل التعليم عن بعد تحديًا حقيقيًا للجامعة بإداراتها وكادرها الأكاديمي وطلبتها، ورغم أن الجامعة لم تتمكن من التغلب على التحدي تمامًا إلا أنَّها تمكنت من تحقيق استجابة معقولة ساهمت في إدارة الأزمة والاستمرار دون تعطيل الفصول الدراسية.

واجه الطلبة صعوبات كثيرة خلال الفترة السابقة، فطلبة السنة الأولى الذين انتقلوا لنظام تعليمي مغاير شكلًا ومضمونًا لما هو متبع في المدارس، لا زالوا حتى الآن يواجهون مشاكل في التعامل مع مضامين المساقات وأساليب التدريس خصوصًا مع المماطلات التي وقفت طيلة الفصل أمام دوامهم في الجامعة، أما بقية الطلبة فإنهم ما زالوا يعانون من مشاكل متعلقة بعدم التزام عدد من الكوادر التعليمية بالدوام الرسمي للمحاضرات والامتحانات، والضغط النفسي الناجم عن التقليل من شأن الصعوبات التي تواجه الطلبة، والخلل الذي ما زال يعاني منه نظام الجامعة الإلكتروني بين الفينة والأخرى.

لكن على الصعيد الآخر فإن الجائحة رغم قسوتها سرّعت في أخذ الجامعات وعلى رأسها جامعة بيرزيت إلى نمط تعليمي جديد، قد يشكل في المستقبل عمودًا أساسيًا يبنى عليه النظام الأكاديمي والإداري فيها، كما حاول الكادر التعليمي استحداث طرق جديدة في التدريس والتقييم، وقد كان يطمح للوصول إليها منذ زمن لكنه لم يجد الفرصة المواتية.

وقد شجّعت سهولة استخدام المنصات الإلكترونية؛ الجامعة لعقد مؤتمرات وندوات عبر الفضاء الإلكتروني، تجاوز ذلك إلى الكليات الجامعية التي بدأت تتسابق هيآتها التدريسية على إقامة ندوات إلكترونية، واستضاف بعضها ضيوفًا من خارج فلسطين، وكل هذا ساعد في فتح آفاق تعليمية جديدة.

 

 

 

[1] جامعة بيرزيت، “إعلان بخصوص تعليمات الداوم خلال الفصل الثاني للعام الأكاديمي 2020-2021”.

http://bit.ly/3oqLt0j

[2] أدخلت جامعة القدس المفتوحة بفروعها المختلفة في فلسطين نظام التعليم المدمج منذ سنوات طويلة، وكانت الرائدة في هذا المجال.

[3] يُنظر: يبلغ عدد طلبة جامعة بيرزيت 15144؛ جامعة بيرزيت. “حقائق وأرقام”.

http://bit.ly/2XqEpoG

[4]  قرار مجلس الجامعة في الجلسة (19) 2019/2020 بتاريخ 4/3/2020.

[5] قرار مجلس الجامعة في الجلسة الطارئة بناريخ 9/3/2020.

[6] يُنظر: تعليمات أكاديمية خاصة بطلبة البكالوريوس في ظل الظروف الاستثنائية؛ تعليمات أكاديمية خاصة بطلبة الماجستير في ظل الظروف الاستثنائية. http://bit.ly/399dZgC http://bit.ly/39g1fVE

[7]  جامعة بيرزيت. “تأجيل استكمال المساقات العلمية المؤجلة من الفصل الثاني”.

http://bit.ly/39dGYzI

[8] جامعة بيرزيت.” فتح باب التسجيل للدورتين الصيفيتين 2019-2020″.

https://bit.ly/3oq3WtT

[9] جامعة بيرزيت. “قرار (1) طرائق وآليات التدريس للفصل الأول 2021/2020”.

http://bit.ly/38rszB7

[10] جامعة بيرزيت. “قرار بخصوص تقليل التواجد في الحرم الجامعي  والعمل عن بعد”.

https://bit.ly/3rZMVJc

[11]  تم إرفاق أرقام للتواصل مع الجامعة عبر منصة رتاج.

[12]  جامعة بيرزيت. “خدمات المكتبة الرئيسية عن بعد في فترة الطوارئ “كورونا”.

http://bit.ly/3hT1BFC

[13]  الجزيرة نت. “احتلال الأرض والجو.. هكذا تنفذ إسرائيل خطة الضم عبر الاتصالات”.

[14] الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني. “المؤشرات الرئيسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في فلسطين 2017-2019”.

https://bit.ly/3slosOX

[15] وطن. “شد حيلك يا وطن سامح عواد”.

https://bit.ly/2MBeDvA

[16]  بيان صادر عن الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت بتاريخ 4/11/2020.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ أسبوع واحد

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ أسبوعين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

وعادت حليمة الفلسطينية لعادتها القديمة!!

  جودت صيصان عجبًا لأمر بعض المسؤولين الفلسطينين الذين ينتظرون تلميحًا أو تصريحًا، ولو كان من أصغر موظف في إدارة...

مقالاتمنذ شهر واحد

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة جودت صيصان منذ حوالي عقدين من الزمان والقيادة الفلسطينية تعلن بأن القضية الفلسطينية...

مقالاتمنذ شهر واحد

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية              إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرابع من كانون الثاني/ يناير المراسيم الخاصة...

مقالاتمنذ شهر واحد

أسئلة على هامش إعلان الانتخابات

  كتبت: رولا حسنين في خضم الحديث عن تصريحات الرئيس محمود عباس حول إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الفترة القليلة...

مقالاتمنذ شهرين

تغيير المناهج التعليمية… خطوة خطيرة لدول التحالف العربي التطبيعي

كتب: جودت صيصان  يبدو أن الكثير منا كان يظن أن دول التحالف العربي التطبيعي قد أُجبرت على التطبيع مع العدو...

مقالاتمنذ شهرين

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الجمعة السابق المراسيم الانتخابية التي حددت المواعيد...

الأكثر تفاعلا