تواصل معنا

قراءة في

” الإخوان المسلمون الفلسطينيون.. التنظيم الفلسطيني- قطاع غزة 1949-1967″

نشر

في

مراجعة كتاب

الإخوان المسلمون الفلسطينيون.. التنظيم الفلسطيني- قطاع غزة 1949-1967

على خطى المقاومة.. صفحات مجهولة من تاريخ الإسلاميين الفلسطينيين ومقاومتهم

عوني فارس

باحث في تاريخ فلسطين المعاصر

 

  • الكتاب: الإخوان المسلمون الفلسطينيون.. التنظيم الفلسطيني- قطاع غزة 1949-1967
  • المؤلف: محسن صالح
  • الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات
  • تاريخ النشر 2020
  • عدد الصفحات: 398

حمّل المحتوى PDF

عانت التجربة المبكرة للإسلاميين الفلسطينيين في المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد الاحتلال التهميش والتجاهل في الكتابات التاريخية الفلسطينية، ومن المراحل التي بقيت غامضة وبعيدة عن متناول الباحثين والمهتمين مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وما جرى فيها من أحداث تتعلق بعمل الإسلاميين المسلح ضد مواقع جيش الاحتلال ومستوطنيه، فلم يصدر حولها إلا قليل جدًّا من الدراسات بالإضافة إلى بعض المعلومات الواردة في مذكراتٍ كتبها فاعلون في تلك المرحلة.

يعود ذلك التجاهل، إلى عدة عوامل، منها جملة التحولات التي واكبت صعود فصائل العمل المقاوم منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، ورغبة القيادة الوطنية الجديدة في تركيز النشاط التوثيقي والتأريخي على مآثرها، واعتبارها السبَّاقة لمقاومة المحتل بعد النكبة ومنحها لقب “أول الرصاص”، الأمر الذي استدعى إبقاء الإسلاميين وغيرهم من القوى التي قاومت المحتل على هامش الجهد البحثي، فضلاً عن تأثير الموقف الأيديولوجي على عمل المؤسسات البحثية الفلسطينية التي نظرت للإسلاميين باعتبارهم خصومًا وامتدادًا “للرجعية العربية” وقوى “الظلام”، ومن ثمّ لا يمكن أن يكون لهم تجربة في المقاومة، وإن كانت فهي متواضعة ولا تستحق التوثيق.

عزَّز ذلك قِصَر زمن التجربة، وتراجع دور الإسلاميين الميداني وانحسار مكانتهم في الحياة السياسية الفلسطينية، فضلاً عن فقدان وثائقهم، وتَعَسُّر العثور عليها مع مرور الوقت، وعزوف الإسلاميين عن تسجيل روايتهم لأسباب أمنية تتعلق بملاحقتهم من الأنظمة الرسمية العربية، ولاعتمادهم قيمًا إيمانية- تربوية تقوم على إنكار الذات والزهد في الحديث عن التجارب الشخصية، وعدم قناعتهم بأهمية التوثيق والكتابة عن تجربتهم التاريخية.

جاء صدور كتاب “الإخوان المسلمون الفلسطينيون.. التنظيم الفلسطيني- قطاع غزة 1949-1967”، عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، لمؤلفه محسن صالح، البروفيسور في تاريخ العرب الحديث والمعاصر والمتخصص في القضية الفلسطينية، بعد مرور سنوات طويلة على التجربة، فسد بولادته الفجوات، وأجاب عن العديد من التساؤلات، وأزال الغموض عن الكثير من الوقائع والأحداث.

الكتاب دراسة توثيقية تحليلية لتجربة الإخوان المسلمين الفلسطينيين في قطاع غزة بين عامي (1949-1967)، ويحوي سردًا تفصيليًا لقصة تنظيمهم وظروف نشأته ومراحل تطوره وعلاقاته مع محيطه وانشغالاته وموقفه من القضية الفلسطينية وقضاياها الساخنة وامتداده الجغرافي وسِيرًا مختزلة ومكثَّفة لأهم قياداته وكوادره، وهو في الأساس رواية الإسلاميين عن أنفسهم، خصوصًا وأنَّه اعتمد على مقابلاتٍ مع 31 شخصية إخوانية وازنة لعبت دورًا مركزيًا في تلك المرحلة مثل كامل الشريف، وإبراهيم غوشة، وتوفيق حوري، وسليمان حمد، وخيري الآغا، ومحمد الخضري، وعبد الله أبو عزة، وعبد الرحمن بارود، وعبد الفتاح دخان، ومحمد صيام، وناجي صبحة، وهاشم صادق النتشة.

لم يقتصر الكتاب على المقابلات، فقد رجع إلى 183 مرجعًا باللغتين العربية والإنجليزية، وبعض الوثائق الرسمية البريطانية، وضم ملحقًا بأسماء 50 شخصية فتحاوية من جيل المؤسسين كانت خلفيتها إخوانية، وحوى 136 صورة أغلبها لشخصيات إخوانية فلسطينية من تلك الفترة، وشرحًا أسفل كل صورة، وفيه ترجمة لـ 37 شخصية إخوانية فلسطينية بعضها يُذكر لأول مرة.

منح تَصدُّر المؤلف للموضوع قيمة إضافية للنص، خصوصًا وأنَّ تجربة الإسلاميين الفلسطينيين تشكل جزءًا رئيسًا من اهتمامه البحثي، منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث أصدر عددًا من الكتب والدراسات ونَشرَ عددًا آخر من المقالات في هذا الشأن، وإذا عرفنا أنه وثَّق دور الإسلاميين في المقاومة الفلسطينية في كتابه “التيار الإسلامي في فلسطين وأثره في حركة الجهاد 1917-1948”، أيقنَّا أن الكتاب تكملة لما صدر قبله، ويبقى أن يُقدِّم المؤلف دراسةً أخرى عن إسلاميي الضفة الغربية في فترة ما بعد النكبة حتى عام 1967 لتكتمل الدائرة ويصبح في متناول القارئ توثيق عن الإسلاميين ودورهم في المقاومة بين عامي (1917-1967).

امتاز الكتاب بمناقشته الهادئة والعميقة للروايات المختلفة الواردة في الدراسات والأبحاث وفي سلسلة الشهادات والمذكرات التي خطها أعضاء بارزون في حركة فتح وفي جماعة الاخوان، وخَلُص لبعض النتائج الجديدة المعاكسة لما هو شائع حتى الآن، فقد خالف ما ذهب اليه يزيد صايغ حول دور خليل الوزير في تلك المرحلة، وأثبت أن أبو جهاد لم يعمل منفردًا وإنما ضمن منظومة أكبر وأكثر انضباطًا، وأنَّه لم يترك الإخوان قبل انتهاء عام 1957، وأن عدم معرفة القيادة الرسمية التقليدية للإخوان في القطاع بالعمل العسكري الإخواني لا يعني انتفاء صلة الإخوان بالعمل، لأن طبيعة العمل المقاوم تقتضي عدم معرفة القيادة الرسمية، وكَشَفَ هشاشة ما توصل إليه كل من معين الطاهر وبيان نويهض الحوت حول أن الإخوان أعاقوا المبادرات التي قام بها شبابهم باتجاه المواجهة مع الاحتلال، كما بيَّن أن ما جاء في مذكرات بعض قادة فتح تأثَّر بالوعي البَعْدي وبالواقع السياسي وحساسيات الصراعات والتنافس في الفترة التي كُتبت فيها، كما في مذكرات أبو جهاد وسعيد المسحال وسليم الزعنون وغيرهم.

قدَّم الفصل الأول موجزًا عن القضية الفلسطينية وتطوراتها منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين، وموقف الدول العربية منها، وأطلَّ على تاريخ العمل الوطني، ثمَّ استعرض نشأة جماعة الاخوان في فلسطين وانتشارها، وبيَّن موقفها النظري والعملي من القضية الفلسطينية، ودورها في حرب 1948، ونتائج النكبة، وتحولات الموقف الرسمي العربي، وظهور منظمة التحرير، وصعود المبادرات الوطنية الفلسطينية، والسياق الإقليمي والمحلي الذي ساهم في تراجع دور الاخوان.

عالج الفصل الثاني جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة بين عامي (1949-1956)، ورصد العوامل التي ساهمت في اتساع شعبيتها وقوة حضورها، من قبيل تجربتها في المقاومة في حرب 1948، وأطروحاتها الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية المنسجمة مع المجتمع الفلسطيني، وضعف منافسيها من القوى الوطنية، واستنتج أن الإخوان كانوا الحركة السياسية الأولى في قطاع غزة في تلك الفترة، وقدَّم الفصل تفاصيل حول المكتب الإداري للإخوان، وقيادته وكوادره مثل عمر صوان، وهاشم الخازندار، ولاحقًا هاني بسيسو وعبد البديع صابر وعبد الله أبو عزة وغيرهم، وشرح ارتباطات المكتب التنظيمية مع الجماعة الأم في مصر، وأهم نشاطاته العامة الدعوية والخيرية والطلابية والنقابية والوطنية، وعلاقات إخوان فلسطين بنظرائهم في الحركة الوطنية، وتأثيرات صعود عبد الناصر وصدامه مع الإخوان على واقع  الإخوان في القطاع.

ركَّز الفصل الثالث على ظروف ودوافع إنشاء الإخوان لـ “تنظيم الإخوان الفلسطينيين” واشتماله على إخوان قطاع غزة والفلسطينيين في الأقطار العربية عدا الأردن، وعمله في الفترة ما بين 1957-1967، وناقش انعكاسات صدام عبد الناصر مع الإخوان عليه، وأكد على أن التنظيم مرَّ بمرحلتين، فقد أرَّخ للأولى باجتماع القاهرة عام 1960 والثانية باجتماع خانيونس عام 1963، وأَبْرَزَ أهم قياداته وكوادره من أمثال هاني بسيسو وعبد البديع صابر وعبد الله أبو عزة وإسماعيل الخالدي ومحمد أبو دية وعبد الفتاح دخان وحماد الحسنات وأحمد ياسين وخيري الآغا وعبد الرحمن بارود وحسن عبد الحميد وغيرهم، وكَشَفَ عن طبيعة علاقته بالمكتب التنفيذي للإخوان في البلاد العربية، وسلَّط الضوء على بنائه التنظيمي وطبيعة نشاطاته في فلسطين ومصر والكويت وسوريا، وموقف النظام الناصري منه، وخَلُصَ إلى أنَّه امتاز بتماسكه، وببيئته الشورية الناضجة، وقدرته العالية على التكيف، ووجود القيادة في خارج فلسطين، ورغم ذلك فقد عانى من عجزه في التأثير في مسار القضية الفلسطينية وتطورات النضال الفلسطيني.

تناول الفصل الرابع العمل العسكري للإخوان المسلمين ضد الاحتلال الصهيوني بين عامي (1949-1956)، وناقش دوافعه، وأبرز خصائصه، وذكر أهم أعضائه، واستعرض نماذج من عملياته المسلحة وتداعياتها سياسيًا وتنظيميًا.

انفرد الفصل الخامس للحديث عن العلاقة بين الإخوان المسلمين الفلسطينيين وحركة فتح، فقد ربط نشأة حركة فتح بالظروف الجديدة التي مرت بها جماعة الإخوان بشكل عام والتنظيم الفلسطيني الإخواني المسلح بشكل خاص، والتطورات على الموقف المصري الرسمي تجاه القضية الفلسطينية، ومبادرة خليل الوزير التي قدمها للإخوان ودعا فيها إلى  تشكيل حركة من رحم الإخوان تقود العمل المسلح، لكن الإخوان لم يوافقوا عليها، لتقديراتٍ تتعلق بالتوقيت وإمكانيات النجاح، والقدرة على التحكم بمسارات الحركة، وأشار الفصل إلى استقطاب حركة فتح لإخوان فلسطين مستغلة حالة الضبابية التنظيمية التي عاشوها في الكويت، ودخول قيادات وازنة منهم في فتح مثل يوسف عميرة وسليمان الحمد، وكيف ظلَّ الوضع على هذا المضمار حتى عام 1960 حين بدأت حالة من الانفصال والتمايز بين الجانبين.

الإخوان واستئناف العمل المقاوم بعد النكبة

يعتبر انخراط الإخوان الفلسطينيين في المقاومة المسلحة بعد النكبة من أهم الموضوعات التي تناولها الكتاب، وهو إذ يكشف جانبًا مجهولًا من تاريخهم، فإنَّه يُقدِّم تفاصيل هامة تتعلق بمسار المقاومة الفلسطينية بعد النكبة، في خطوة جريئة تعيد قراءة تاريخ استئنافها بعد عام 1948 استنادًا إلى روايات فاعلين أساسيين في تلك الحقبة التاريخية، وهنا لابد من تسجيل بعض من النتائج المهمة التي توصل لها نص صالح .

يؤكد المؤلف على وجود عمل عسكري إخواني منظم ضد الاحتلال الصهيوني كان فاعلًا بين عامي (1949-1956)، وقاده القيادي المصري كامل الشريف الذي ارتبط بقناة اتصال مع قيادة الإخوان في القاهرة، تحديدًا مع محمد الفرغلي أحد مسؤولي مكتب الإرشاد وقائد حملة الإخوان في فلسطين عام 1948، وضم في تنظيمه المسلح عناصر إخوانية فلسطينية من القطاع وأخرى بدوية، وحمل رؤية إستراتيجية تنم عن وعي بالواقع الذي فرضته نتائج حرب 1948، استندت إلى تصورٍ مفاده أن الأنسب للقضية الفلسطينية شنّ حرب عصابات على دولة الاحتلال لحين جاهزية الجيوش العربية، وكل تأخير في شنها سيعني كسب الاحتلال مزيدًا من الوقت لبناء قدراته، على أن تكون الفئة المركزية من المقاتلين فلسطينيين.

ينوّه المؤلف كذلك، إلى ما تمتع به التنظيم من ميزات انعكست إيجابيًا على فعله الميداني مثل اتكائه على إرث إخواني مقاوم ما زال غضًّا طريًا، وبعض صانعيه على قيد الحياة وتواقون للاستمرار في المقاومة، ووجود جيل فلسطيني شاب راغب في استئناف المقاومة، وعدم ارتباط التنظيم بالقيادة الرسمية للإخوان المصريين والفلسطينيين واستقلاله عن النظام الخاص في مصر، وتواصله مع عناصر غير إخوانية، خصوصًا مجموعات البدو، ومحاولته تطوير أدائه عبر ضم الضفة الغربية له.

من نتائج الكتاب أيضًا، كشفه لأسماء وتجربة بعضِ أعضاء هذا التنظيم مثل محمد أبو سيدو، وخيري الآغا، ومحمد الخضري، ومحمد صيام، وخليل الوزير أبو جهاد، ومحمد يوسف النجار، ورياض الزعنون، وحمد العايدي، وهم من سيكون لهم مشاركة مركزية في إنشاء كل من حركتي فتح وحماس.

من أبرز العمليات المسلحة لهذا التنظيم، عملية مستعمرة سيدي بوكر(1954)، وعملية خزان زوهر (1955)، وعملية الباص أو ممر العقرب أو معاليه عقرابيم (1954)، ويوضح المؤلف، كيف انعكست هذه الأعمال إيجابيًا على بعض الملفات الساخنة في ذلك الوقت مثل ملفي التوطين والعلاقة بين النظام الناصري والمقاومة الفلسطينية.

العلاقة بين الإخوان المسلمين وفتح.. تفكيك وإعادة تركيب

لا شك بأن التأريخ لجذور العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وحركة فتح مهمة غاية في التعقيد والصعوبة، ليس فقط لوطأة الأحداث التاريخية عليها، ولا ما شابها في محطاتها المختلفة من تجاذبات، وإنما أيضًا لغياب المصادر التي يمكن أن توفر للباحث القدرة على حل مربعات الغموض فيها، واقتصار ما وصل إليه الباحثون على رواية مؤسسي حركة فتح، وهنا تأتي مساهمة الكتاب الهامة في هذا المضمار.

تمكَّن الكتاب، من الحصول على رواية الطرف الثاني، وهم الإخوان، ونجح في إنطاق المسكوت عنه حول تلك المرحلة، ثمَّ شرع بمقابلة الروايات مع التركيز على إظهار رواية الإخوان كونها مرتبطة بموضوع الكتاب، واستطاع فكَّ بعض ألغاز العلاقة بين الطرفين، وأعاد تركيبها من جديد، فبدت الصورة أكثر وضوحًا وتماسكًا، خصوصًا مع مراجعته لظروف نشأة حركة فتح وارتباطها بالمعطيات الجديدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية بشكلٍ عام والإخوان المسلمين وتنظيمهم الفلسطيني المسلح بشكل خاص، وبرصده لجملة التجاذبات بين الطرفين، وحالة الاستنزاف في القيادات والكوادر التي تعرض لها إخوان فلسطين، بانتقال عددٍ كبيرٍ من كوادرهم وعناصرهم إلى حركة فتح، والعوامل التي ساعدت في حدوث ذلك والكيفية التي عمل بها الإخوان لوقف هذا الاستنزاف، ويخلص إلى القول بأنَّه “لا ينبغي للإخوان أن يبالغوا في نسبة فتح إليهم، كما لا ينبغي لحركة فتح أن تتنكر لجذورها وبداياتها الأولى، فإذا كان الإخوان هم المحضن الذي خرجت منه الفكرة وبداياتها الأولى، فإن فتح لم تنشأ بقرار من قيادة الإخوان ولا وفق خططهم، كما أن مشروعها لم يحمل أيديولوجيا الإخوان ولا الضوابط التي تضمن سيره كمشروع يخدم أهدافهم” (ص 278).

خاتمة

هذا الكتاب إضافة هامة في الجهد الذي يُبذل في التأريخ لتجارب الفلسطينيين في مقاومة محتليهم، وقد وثَّق جوانب مخفية من سيرة الإخوان المسلمين الفلسطينيين، ولا شك بأن محتواه كان لافتًا، خصوصًا فيما يتعلق بتاريخ العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وحركة فتح، وجديده يفيد أية محاولة جادة لفهم ما آلت اليه الأمور بين الطرفين في السنوات القليلة الماضية وحتى الآن.

تميَّز الكتاب بقدرته على استنطاق قيادات وكوادر إخوانية وازنة، ما كان للقراء أن يعرفوا دورها التاريخي لولا صدوره، ولحسن الحظ فقد كان المؤلف من أوائل من تنبهوا لضرورة حفظ تجربتهم في سفر خاص، ولا نغالي إن قلنا بأن الكتاب حجز مكانة متميزة في الأدبيات المهتمة بتاريخ القضية الفلسطينية والمقاومة المسلحة ودور الإخوان فيها في مرحلة خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ومن الجميل أن مركز الزيتونة اهتم بتوفير نسخة إلكترونية للكتاب بالإضافة إلى النسخة الورقية فله جزيل الشكر.

قراءة في

الارتفاع في منسوب العنف والجريمة.. عين على الضفة الغربية

نشر

في

بواسطة

أوراق تحليلية

الارتفاع في منسوب العنف والجريمة

 عين على الضفة الغربية

تقى فارس

كاتبة فلسطينية

 

مقدمة

أصدرت محكمة بداية بيت لحم يوم الأربعاء 17 فبراير/ شباط عام 2021 قرارًا بالإفراج عن ثلاثة متهمين بتعذيب وقتل إسراء غريب، وذلك بكفالة عن كل واحدٍ منهم قدرها عشرة آلاف دينار، على أن يتم استئناف مثولهم أمام المحكمة في الجلسات التالية، هذا وقد ثبت مقتل إسراء بعد تعرضها للعنف بشكليه الجسدي والنفسي، حيث تعرضّت للضرب حتى الوفاة في أواخر آب/ أغسطس عام 2018[1].

تسعى هذه الورقة لتسليط الضوء على ما شهدته الفترة الأخيرة من تمادٍ ملحوظ في منسوب العنف المجتمعي في فلسطين، وما نتج عنه من ارتفاع في مستوى الجريمة التي باتت ملابساتها ظاهرة للعيان دونما أية تحفظات عليها، مما يدفعنا إلى طرحها ومناقشة مسبباتها المباشرة وغير المباشرة وتداعياتها على المجتمع الفلسطيني الذي يعيش ظروفًا غير طبيعية، مسلطةً الضوء على الضفة الغربية.

البحث في الجذور

تعود الإحصائيات الرسمية المتوفرة بشأن الجرائم في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى العام 1996، وتتنوّع أشكال الجريمة وما يترتب عليها من ضحايا منذ ذلك العام وحتى يومنا هذا، فعلى سبيل المثال يرجع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في إحصاءاته السنوية لباب الضحية للعام 1996، حيث يضع عدة مؤشرات يعتمدها منذ بداية هذا العام في سنوات رباعية متتالية حتى عام 2016 مثل: السرقة والسطو وإتلاف الممتلكات والتهديد المعلوماتي والاعتداء و”جرائم أخرى”، مبينًا نسبها في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتفتقر هذه الإحصاءات إلى تعداد رقمي لضحايا القتل في هذه الجرائم على الرغم من الوضوح في ارتفاع نسبة المؤشرات خلال السنوات الست المذكورة[2].

تدل هذه المؤشرات أن الجريمة ليست وليدة الحاضر إنما تعود لجذور نمت مع مضي السنوات، حتى شهدت الجرائم تطورًا ملحوظًا نوعًا وكمًا، متابعةً وحكمًا.

ماذا تُحدثنا الأرقام؟

قدّمت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم” تقارير شهرية لعام 2020، وثقت فيها عدد حالات الوفاة غير الطبيعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغ عددها 204 حالة وفاة، وما يقارب 97 حالة وفاة منها في الضفة الغربية[3]، وإلى جانب ذلك فإن تصريحًا أدلى به المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي ارزيقات يشير إلى أن 43 جريمة قتل سُجلت، وأن معدلات الجريمة قد ارتفعت عن العام الماضي بنسبة 42% خلال شهر آب من العام المنصرم[4].

ولا بدّ عند الحديث عن الأرقام أن نأخذ بعين الاعتبار تذبذب معدلات الجريمة والعنف تبعًا لكل مرحلة تاريخية وتبعاتها، فإذا اطلعنا على ثلاث سنوات في ثلاثة عقود متتابعة فإننا نرى في تعداد الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان لحالات القتل، تحت بند الاعتداء بالحق على الحياة، أن حالات القتل جاءت كالتالي: 10 حالات قتل سجلتها الهيئة خلال عام 1999، جاءت على النحو التالي: حالة تنفيذ حكم إعدام، ووفاة ثلاثة أشخاص داخل السجون ومراكز التوقيف الفلسطينية، وحالتا وفاة نتيجة استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المتظاهرين، وأربعة حوادث قتل جنائي بسلاح الجهاز الأمني خارج أوقات الدوام الرسمي[5].

بينما سجلت 236 حالة وفاة غير طبيعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، منها 68 حالة في الضفة الغربية عام 2009، أما أسباب القتل فقد تراوحت بين الشجارات العائلية، والقتل على ما يسمى “بشرف العائلة”، وسوء استعمال السلاح، بالإضافة إلى حالات قتل بقيت ملابساتها غامضة[6].

وسجلت 140 حالة وفاة غير طبيعية عام 2019، وتراوحت أسبابها ما بين الشجارات العائلية بواقع 19 حالة بالضفة الغربية، والقتل على خلفية ما يسمى “بشرف العائلة” بواقع حالة واحدة، لكن بقي مصير مقتل 19 أنثى مجهولًا، بالإضافة إلى وفاة واحدة في الضفة نتيجة سوء استخدام السلاح، و25 حالة وفاة في ظروف غامضة في الضفة الغربية، بالإضافة إلى حالات أخرى[7].

إذن فالأرقام رغم أنها تعالج مسافات بعيدة تخللها أحداث مفصلية أدت إلى ارتفاع نسبة القتل في فترات معينة، إلا أنها تعطي لمحة سريعة حول متوسط أعداد القتلى والتحولات التي طرأت على مسببات الجريمة والمسار الذي سارت فيه في العقد الأخير والذي ما زال يأخذ في التفشي والارتفاع خلال العام المنصرم.

التحولات الاجتماعية تفرض واقعًا مغايرًا

لم يسلم المجتمع الفلسطيني الذي خضع مجبرًا لقوانين التحوّل النيوليبرالي التي تحكم المساحة الإقليمية العربية المجاورة في السنوات الأخيرة، وما يحاول هذا التحوّل تعزيزه من قيم اجتماعية ليبرالية فردانية، تنظر إلى المجتمع بعين محاولة الحفاظ على البقاء، أو بدرجة أقل تحقيق الذات، وذلك تبعًا للسياسات التي تفرضها الحكومة على المواطن، والتي لا تساهم في تحقيق رفعة المواطن على مستوى الأصعدة التي تضمن تنامي شعوه بالانتماء المجتمعي[8]، هذا التحول بدد من نظرة الفلسطيني إلى مجتمعه، وأبعده عن وضع محاولات جدية للنهوض بالمجتمع وإعادة اللحمة المجتمعية وما يوازيها من قيم لا فردانية.

إلى جانب ذلك فإن التغيّب الواضح الذي طرأ على المؤسسات الرسمية وغير الرسمية والتي تعنى بالجوانب الاجتماعية أدى إلى تفكك القيمة الاجتماعية التي يلتف حولها المواطنون، والتي كانت في السابق تشكّل دافعًا ذاتيًّا يبقي المواطن يشعر بالمسؤولية المجتمعية الواقعة عليه، والتي يجب أن يحافظ على وجودها واستمرارها.

القانون وترجماته على أرض الواقع

يعاني النظام القضائي الفلسطيني من أزمة حقيقية، انعكست طرديًّا مع تفشي العنف والجريمة بشكل عام، فنلاحظ تغيّبًا واضحًا للإجراءات القانونية التي من المفترض أن تشكّل درعًا حاميًا للجهة المُعنفة والواقعة تحت الجريمة، ومحاسبة لمرتكب الجريمة، ورادعًا لمن يفكر في ارتكابها لاحقًا. في حالتنا تتلاشى الثلاث نقاط السابقة؛ وهذا بدوره يسهّل الطريق على من يفكّر في ارتكاب أيّ عمل إجرامي، فالعقوبات أصبحت مخففة وعقوبة السجن لفترات طويلة أو سن عقوبة الإعدام الذي أُقرّت سابقًا لم تعد موجودة[9].

على الصعيد الآخر فإنّ البديل المأخوذ به مجتمعيًا في ظل غياب القانون هو النظام العشائري والذي يتم خلال جلساته وقف أي محاولة أخذ بالثأر تقوم بها عائلة المجني عليه، من خلال دفع مبلغ مالي ذي قيمة مرتفعة لعائلة المجني عليه، هذا الحل الذي تتبعه معظم العائلات، وإن كان يساهم في وقف الاقتتال بين العائلات، فإنة لا يشكّل رادعًا حقيقيًّا أمام المنظومة الإجرامية، إنما يفلت من خلاله المجرم في كثير من الأحيان من العقاب الملموس.

تحضر في هذا السياق المناطق المصنفة “ج” والتي تدخل في حيّز السيطرة العسكرية والإدارية الصهيونية، ويستنزفها الاحتلال الصهيوني سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، ويعمل على تعزيز البيئة المناسبة لانتشار الجريمة عن طريق نشر مسببات الفلتان الأمني، بالإضافة إلى انتشار السلاح، وعدم قدرة أجهزة السلطة الفلسطينية انتهاج سياسة مواجهة هذا الانتشار، إلى جانب تفشي المخدرات، وما ينتج عن ذلك من ارتفاع في نسبة الجريمة[10].

ما الذي يميّز الحاضر

تعد الجريمة إحدى الآفات التي أصابت المجتمع الفلسطيني في عمقه، وهي وإذ لم تكن يومًا جديدة، فإنّها اليوم باتت تشكّل خطرًا أكبر في ظل ما يعتري الواقع من ضربات موجعة كان تأثيرها الأساس على المجتمع، وأسهمت في جعل ملابسات الجريمة أكثر سهولة لمن يريد انتهاجها، لاسيما، مع الواقع الضاغط على المواطنين سياسيًا بوقوعهم تحت الاحتلال وتبعاته، واجتماعيًا بخضوعهم للتحولات النيوليبرالية في ظل تراجع للقيم الاجتماعية المُحافظة على نسب المساءلة المجتمعية، وتردّي الحالة الاقتصادية مما بات يضيق الخناق على العائلات الفلسطينية.

رافق ذلك انتشار السلاح، وسهولة القيام بالجريمة، والافتقار إلى أدنى مستويات منعها، والنظرة المجتمعية للجريمة التي أصبحت عاجزة لا تملك أية مقومات للانتفاض في وجه انتشارها وتكتفي برفضها المعنوي، زد على ذلك أزمة كورونا وتبعاتها على مختلف النواحي والتي زادت من الضغط المجتمعي، خصوصًا على الأسرة التي ارتفعت حالات العنف فيها والناتجة عن الكبت لأوقات طويلة، وهذا يعود للشرخ الواقع بين أفراد العائلات الذين ينظرون إلى أنفسهم بأنهم مصنفون في أدوار محددة (العمل، الدراسة، المنزل..إلخ) وفي الحالة التي تغيّرت فيها الأحوال طرأ على هذا التصنيف خلل، وأمام سهولة ممارسة العنف في المجتمع بات المجال مفتوحًا لاستخدامه، خصوصًا مع تغيب السياسات التعويضية عن خسارات أزمة جائحة فايروس كورونا.

إلى جانب ذلك لا بد من التعريج على غياب تأثير المؤسسات بأشكالها المختلفة، فالمؤسسات الدينية والمتمثلة في المساجد، غابت قسرًا بفعل الواقع السياسي الذي يسعى لتحجيم تأثيرها، فقد كانت تمثّل خطابًا قريبًا من فهم الناس، وكان لها دور في تنمية مسؤوليتهم الدينية التي تمنع من القيام بأي فعل إجرامي، أما المؤسسات الأهلية فتنطلق بين الفينة والأخرى بحملات لحظية تأخذ طابعًا بروتوكوليًّا شكليًّا، وتفتقر إلى الانخراط في مساحات مهمة كالأرياف والقرى.

التغيب شمل أيضًا المؤسسات الرسمية التي تسارع في إغلاق ملفات الجرائم، أو تنهي التحقيقات سريعًا دون الخروج بنتائج واضحة، ومعلومة للمواطن، والمؤسسات الإعلامية التي وإن كانت تسعى لتسليط الضوء على الجرائم والمساهمة في جعلها قضايا رأي عام تتصدر المواقع، إلا أنها لا تستطيع الوصول إلى كافة التفاصيل المحيطة بالجريمة[11]، كما أنها لم تشكل قوة ضاغطة على المؤسسات الرسمية للوقوف جدّيًا أمام هذا الارتفاع في حدة الجرائم وما يترتب عليها من إجراءات.

خاتمة

قد يبدو أن السؤال الذي يجب طرحه في الخاتمة هو “ما الحل؟”، لكنّ الإجابة على هذا السؤال تتطلب جهدًا بحثيًا مضاعفًا ودقيقًا، وحتى الآن فإن الظروف المَعيشة بما فيها من تعقيدات لا تفتح أفقًا للإجابة على هذا السؤال، والأهم من ذلك تطبيقه.

لكنّ المؤكد في هذا السياق أن التحولات التي طرأت على المجتمع ليست هينة، وهي في حالة تصاعد، قد تؤدّي، مع التحولات الإقليمية والدولية القائمة إلى تغيرات جذرية على بنية المجتمعات وتصرفاتها، لذلك فإن نسبة الجريمة والعنف الآخذة في الارتفاع كمًا ونوعًا في المجتمع الفلسطيني ونظائره العربية على حدّ سواء، ليست بحاجة إلى محاولات خجولة للحد منها، إنما بحاجة إلى جهد حقيقي منظم وفعال يعالج عمق المسببات.

[1]  شبكة قدس الإخبارية. “قرار قضائي بالإفراج عن المتهمين بقضية إسراء غريب”. 17. فبراير. 2012.

http://bit.ly/37u989D

[2]  الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. “قائمة بالمؤشرات الرئيسية لمسح الضحية 1996، 1999، 2004، 2008، 2012، 2016.

https://bit.ly/37zgtVo

[3]  يُنظر: التقارير الشهرية للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم حول انتهاطان حقوق الإنسان في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية خلال أشهر عام 2020.

https://bit.ly/37v71lY

[4] النجاح الإخباري. “الشرطة: ارتفاع نسبة جرائم القتل بفلسطين بنسبة 42% خلال 2020”.

http://bit.ly/3bmoa2l

[5] الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، التقرير السنوي لعام 1999.

file:///C:/Users/HP/Downloads/aar5.pdf

[6] الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، التقرير السنوي الخامس عشر لعام 2009.

file:///C:/Users/HP/Downloads/aar15.pdf

[7] الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، التقرير السنوي الخامس والعشرون لعام 2019.

https://bit.ly/3bnqKVT

[8]  ليزا تراكي، “المتخيل الاجتماعي الجديد في فلسطين بعد أوسلو”. إضافات، ع 26-27، ربيع- صيف 2014.

[9] يُنظر: تم الحكم بالإعدام شنقًا حتى الموت بحق ثلاثة مواطنين بعد إدانتهم بالخطف والاغتصاب والقتل المتعمد لمواطنة فلسطينية عام 2004؛ الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن، “حالة حقوق المواطن الفلسطيني عام 2004”.

file:///C:/Users/HP/Downloads/aar10.pdf

[10] ريما شبيطة، ” نحو سياسات لتعزيز التنمية في مناطق (ج)”، مسارات.

http://bit.ly/3pCH8H1

[11]  أمين أبو وردة، التعاطي الإعلامي مع قضايا جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني، 2015.

أكمل القراءة

قراءة في

قراءة في إصدارات المراكز البحثية الإسرائيلية الثلث الثاني لشهر شباط/ فبراير 2021

نشر

في

بواسطة

كتب: عماد أبو عوّاد\ مركز القدس

في “إسرائيل” تتنوع المراكز البحثية والفكرية التي تهدف إلى تقديم قراءات وحلول، ووضعها أمام متخذي القرار، وإن كان لا يزال الخلاف موجودًا حول حجم تعاطي الحكومات الصهيونية مع قراءات تلك المراكز وإصداراتها، لكن الوجود النخبوي فيها، والذي يضمّ ساسة ورجال أمن سابقين، يجعل لما يكتب فيها قيمة إضافية.

هذه القراءة ستُغطي أبرز ما صدر عن تلك المراكز، خلال الثلث الثاني من شباط / فبراير 2021، وتتمحور حول توجهات الناخبين خلال الانتخابات القادمة في آذار/ مارس القادم، وتتناول كذلك تركيا ما بين القومية والعثمانية من وجهة نظر الاحتلال، وتُختتم القراءة بواقع المجموعات والطوائف في القدس، وعلاقتهم مع الدولة في ظل جائحة الكورونا.

أولاً: المركز الإسرائيلي للديمقراطية

الثابت والمتحول في اتجاهات التصويت داخل دولة الاحتلال في الانتخابات القادمة

المركز الإسرائيلي للديمقراطية قدّم استطلاعًا مهمًّا حيال الحيرة التي تعتري الناخبين في تصويتهم المُقبل في الثالث والعشرين من آذار/ مارس القادم، فقد نشر تحت عنوان “هل تعرف لمن ستصوت في الانتخابات المُقبلة”، اتجاهات التصويت داخل دولة الاحتلال من حيث ثبات توجهات الناخبين وتحولاتها، ومن ذلك أنّ  42% من المصوتين العرب متأكدون إلى أين سيذهب صوتهم، ونفس النسبة كانت لدى تيارات المركز واليسار، فيما 70% من اليمينيين وُجهة تصويتهم واضحة.

وعند تحليل عينة الاستطلاع تبين أنّ اليمين أكثر قدرة في المُحافظة على جمهور ناخبيه، فغالبية اليمينيين سيصوتون لذات الأحزاب التي صوتوا لها سابقًا، مقابل نسبة أقل من النصف لتلك التي تتبع المركز واليسار، وذلك على النحو التالي، من جهة ثبات اتجاهات جمهور الأحزاب الذين صوتوا لها سابقًا:

  • 87% من الذين صوتوا سابقًا ليهدوت هتورا سيصوتون لها أيضًا.
  • 72% لشاس.
  • الليكود 61%.
  • القائمة المشتركة 52%.
  • “إسرائيل بيتنا” 52%.
  • يمينا 37%.
  • 36% للعمل وميرتس.
  • 33% أزرق ابيض ويوجد مستقبل.

لاحظنا أنّ نسبة الثقة في إعادة التصويت لذات الحزب تقلّ في جانب أحزاب المركز واليسار، ويُمكن إرجاع ذلك إلى مجموعة عوامل؛ أهمها فقدان أحزاب المركز واليسار الثقة بمُمثليها، وذلك يعود إلى تفكك حزب أزرق أبيض، ونكث بيني جانتس تعهداته للجماهير بأن لا يجلس تحت نتنياهو في حكومة، إلى جانب عدم وجود برنامج واضح سوى “لا نريد نتنياهو”.

وهذا لا يعني أنّ مصوتي تلك الأحزاب سينقلون صوتهم إلى اليمين، لكن قد تذهب بعض هذه الأصوات إلى اليميني جدعون ساعر الذي يُمثل إمكانية لإسقاط نتنياهو كونه من اليمين، إلّا أنّ غالبية هذه الأصوات ستبقى في إطار المركز واليسار، وإن اختلفت اتجاهات التصويت داخل نفس المُعسكر، إلى جانب احتمالية نزول نسب التصويت لدى هذه التيارات.

ما ينطبق على اليسار والمركز ينطبق إلى حد ما على الأحزاب العربية، فعدم نجاحها في الإسهام في إسقاط نتنياهو، وانتشار الفوضى داخل القائمة المشتركة وانقسامها مؤخرًا على خلفية الاختلاف على التشريعات المرتبطة بالقيم الدينية والشرقية، إلى جانب انتشار الجريمة في الوسط العربي وعدم تحقيق الكثير من المكاسب للوسط الفلسطيني، كلّ ذلك سيُساهم، ليس فقط في تبعثر الأصوات، بل أيضًا في تراجع نسبة التصويت في الوسط الفلسطيني.

أمّا اليمين، وتحديدًا أحزاب الحريديم، فلهؤلاء كتلة صلبة تصوت على أساس ديني وليس برامج انتخابية، وهذا الحال ينسحب، وبنسبة أقل، على بقية أحزاب اليمين، فداعمي الليكود يرون بأنّ نتنياهو واستمراره يعني استمرار الليكود، هذا الحزب التاريخي، إلى جانب قدرة هذا الحزب على ضم شرائح دينية وصهيونية دينية، رأت به بيتًا يستطيع تحقيق المكاسب لهم.

ثانيًا: معهد دراسات الأمن القومي

النموذج الأردوغاني: دراسة في البعدين العثماني والقومي في السياسة الخارجية التركية

في تحديثه الاستراتيجي، والذي يصدر كلّ أربعة شهور، تناول معهد دراسات الأمن القومي في “إسرائيل” القضية التركية، الحاضرة بشكل مستمر في المعهد، فقد تناول كلّ من جاليا لندنشتراوس ورامي دانيال وتحت عنوان “الأردوغانية كنموذج: السياسة الخارجية التركية بين الماضي العثماني والإرث الكمالي، وتأثير عدم الاستقرار في الإقليم”.

يرى الكاتبان أنّ أردوغان انتهج منذ العام 2013 سياسة خارجية تجمع ما بين القومية التركية، وما بين البعد الديني المأخوذ من الإرث العثماني، فمن الناحية القومية يتعامل أردوغان بشك مع كلّ الأطراف الدولية، ومن الناحية العثمانية يأخذ البعد الديني والبعد المُحافظ، ورغم أنّه في أحيان كثيرة يغلب أحد الطابعين على الآخر، فإنّ سياسة أردوغان أدت إلى عدم الاستقرار في المنطقة.

ويُضيف الكاتبان، أنّ تركيا استطاعت أن تربط نفسها بأقاليم أخرى غير الشرق الأوسط رغم ثقلها الكبير هنا، وهذا التوجه بخلاف ما نشأت عليه الجمهورية التركية الكمالية، والمُثير للقلق في سياسة أنقرة أنّها أقامت علاقات عسكرية من خلال بنائها قواعد لها في دول كالصومال وقطر، وفي ذلك إشارات إلى ترك تركيا سياسة الحفاظ على الوضع القائم، رغم احترامها حدود كلّ الدول المحيطة، لكنّها تنتهج سياسة ذات تأثير داخل تلك الدول.

ويرى الكاتبان أنّه حتى في حال غياب أردوغان عن المشهد، فإنّ سياسة تركيا ربما لن تختلف كثيرًا، رغم احتمالية وجود مراجعات في الكثير من الملفات. وأضافت جاليا ورفيقها بأنّ سياسة تركيا وتقاربها مع دول في الشرق، كانت على حساب العلاقة مع “إسرائيل” والتي وصلت إلى مستويات متدنية جدًّا، وربما هذا ما دفع أعداء تركيا من دول الخليج، وكذلك مصر، لمزيدٍ من التقارب مع “إسرائيل”.

ويختتم الباحثان قراءتهما بالتأكيد على أنّ العلاقات التركية- الإسرائيلية لا يُمكن أن تعود لسابق عهدها، فمن حيث البعد الديني؛ يزداد العداء، خاصة مع دخول “إسرائيل” إلى ساحة الصراع من خلال علاقاتها بدول عربية سنية، وكذلك من الناحية القومية فإنّ تركيا على صدام مع حلفاء لـ “إسرائيل” كاليونان وقبرص، ولا يبدو أنّ الرئيس الأمريكي الجديد جو بادين، سيستطيع كبح جماح السلوك التركي.

الموضوع التركي يحتل، ربما، المرتبة الأولى من بين القضايا التي تُناقش في أروقة مراكز البحث الصهيونية المختلفة، وتحديدًا في سياق الحديث عن خسارتها حليفًا استراتيجيًّا مُهمًّا، وتحولها إلى دولة ذات ثقل كبير، تتصادم مصالحها مع مصالح الدولة العبرية في العديد من الملفات، وهنا يجدر الإشارة إلى جنوح منهج البحث الإسرائيلي إلى أنّ تركيا حتى لو حكمها غير الإسلاميين، قد لا تعود بالضرورة لحلفها القديم مع “إسرائيل”، وذلك لتناميها دولة قومية أيضًا، تتعارض مصالحها مع دولة الاحتلال.

ثالثًا: معهد القدس لبحث السياسات

العلاقات في القدس في ظلّ جائحة كورونا

تحت عنوان “العلاقات بين المجموعات في القدس في ظل جائحة كورونا”، كتب مريك شترين وخيني فايزر، بحثًا تركّز في الأساس على العلاقة مع الفلسطينيين، وكذلك الحريديم اليهود اللذين يسكنون المدينة بكثرة، وتبين وفق الباحثين أنّ التعامل مع الحريديم والفلسطينيين لم يتغير رغم الجائحة، ورغم احتياجاتهم الكثيرة، خاصة أنّهم يعيشون في المناطق المكتظة، وبحاجة إلى المزيد من المساكن والمساحات.

وأضاف البحث أيضًا، أنّ حياة المقدسيين الفلسطينيين في القدس تزداد تعقيدًا بسبب الجدار العازل، ولعدم قدرة السلطة تقديم مساعدات لهم، وتعمّد السلطات تجاهل مطالبهم، ورغم ذلك فإنّ جائحة كورونا ساهمت في وجود نوع تقبل لدى المقدسيين لقرارات السلطات، فقد مثلت الجائحة خطرًا تطلّب التوافق على بعض السياسات.

على الجانب الحريدي، أظهرت الجائحة عُمق الفجوة بين الحريديم، الذين لا يوجد تغيّر في نمط حياتهم، وبين بقية شرائح المجتمع، وزادت الجائحة من تمايزهم وكأنّهم دولة داخل الدولة، الأمر الذي زاد من مساحة سوء العلاقة بين الجانبين.

قضية المتدينين الحريديم في “إسرائيل” ظهرت بقوّة خلال جائحة كورونا، فقد اتضح حجم انصياعهم للقراءة الدينية للأحداث، ولأوامر رجالات الدين عندهم، وليس للقوانين العامة التي تُلزم الجميع، بمعنى أنّ النظرة السلبية للحريديم التي كانت تأتي على خلفية نمط حياتهم الرافض للعمل والتجنيد في الجيش، يُضاف إليها، الآن، تشددهم في اتجاه رفض تعاليم الدولة، وتفضيل تعاليم الحاخامات، الذين اضطر نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال، إلى التواصل مع حفيد كبيرهم، من أجل محاولة إلزام اتباعهم بتعاليم الدولة.

قرراءة

أكمل القراءة

قراءة في

مراجعة كتاب “النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت”

نشر

في

بواسطة

مراجعة كتاب

النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت”

عوني فارس

باحث في التاريخ

المؤلف: شفيق الغبرا

مكان النشر: الدوحة

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

عدد الصفحات: 342

تاريخ النشر: 2018

النكبة ونشوء الشتات

صدر الكتاب لمؤلفه شفيق الغبرا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، وهو في الأصل أطروحة دكتوراة للمؤلف، ظهرت في كتاب بالإنجليزية عام 1987.

اعتمد الغبرا في إعداد المادة الأساسية للكتاب على مائة وعشر مقابلاتٍ مفتوحة أجراها مع أفرادٍ من الجالية الفلسطينية في الكويت في الفترة ما بين 1984-1985، وقراءات معمقة لأدبيات نظرية حول مفاهيم العائلة والهجرة والشبكات الفعلية والمُوسَّعة وحالة اللادولة، وأخرى تناولت الشتات الفلسطيني، ودَرَسَتْ قدرة الفلسطينيين على مواجهة آثار النكبة واستعادة هويتهم الاجتماعية والثقافية والوطنية، وقد رفد نصه بالعربية بفصلين غطى فيهما محطاتٍ إضافية في سيرة الجالية الفلسطينية في الكويت، خصوصًا مرحلة اجتياح العراق للكويت وما بعدها وصولًا إلى يومنا هذا، وأجرى مقابلات جديدة لهذا الغرض في تسعينيات القرن الماضي وعام 2016.

تكمن أهمية الكتاب في حاجة الساحة الأكاديمية والبحثية للمزيد من الدراسات حول الجاليات الفلسطينية في الشتات، خُصوصًا تلك التي كان لها دورٌ متميزٌ في محاولات الفلسطينيين إعادة اللحمة للشعب الفلسطيني وبناء مؤسساته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية بعد نكبة عام 1948، مثل الجالية الفلسطينية في الكويت، وهو مهم لأنَّه نتاج جهدِ باحثٍ متخصصٍ في موضوعه، اعتمد في إعداده على منهجية علمية وأدواتٍ بحثية معتبرة ومصادر أولية وثانوية رصينة، وتمكَّن من نسج متن محكم، وتقديم خلاصاتٍ مدعومة بأدلة قوية.

تركَّز الجهد الأساس للكتاب على اكتشاف الإستراتيجيات والآليات التي اعتمدها الفلسطينيون في شتاتهم لمواجهة تداعيات نكبة عام 1948، وإعادة تنظيم أنفسهم وبلورة هويتهم من جديد، وخَلُص المؤلف إلى أن العائلة هي مؤسسة الشتات الأولى التي كان لها الدور المحوري في استعادة الفلسطينيين نسيجهم الاجتماعي وقوتهم الاقتصادية ونظرتهم لأنفسهم باعتبارهم شعبًا اقتلع من أرضه ويسعى للعودة اليها.

تناول الفصل الأول مصادر الكتاب، وقدَّم عرضًا موجزًا لطبيعة المجتمع الفلسطيني قبل عام 1948، وناقش الأدبيات النظرية، مركزًا على مفهوم العائلة كونها وحدة اقتصادية اجتماعية، والهجرة من الريف إلى المدينة، وتكتيكات المهجرين في أحوال مشابهة لما جرى للفلسطينيين، وبناء الشبكات الاجتماعية والتحليل القائم على تلك الشبكات وتأثيرها، وتطرق إلى القضية الفلسطينية وأهميتها، ودوَّن عددًا من الفرضيات الخاصة بالكتاب.

ركَّز الفصل الثاني على أحداث النكبة ونتائجها، وخَصَّصَ المؤلف الفصلين الثالث والرابع لدراسة النخبة الفلسطينية المهجرة، وكَشَفَ بعض العوامل التي شجعتها على الوصول إلى الكويت دون غيرها من البلدان، وأعطى تفصيلاتٍ عن نجاحها في تأمين حياة أفضل لشبكات عائلاتها الفعلية والموسعة، وسَرَدَ نماذج لمساهماتِ عناصرها في الحركة الوطنية الفلسطينية.

اهتم الفصل الخامس بدراسة أنماط البقاء التي استخدمها الريفيون الفلسطينيون في الكويت، وتضمن شرحًا عن خط التهريب الذي استخدموه للوصول إليها بداية خمسينيات القرن الماضي، ونجاحهم في التأسيس لمجتمع قروي صامد وجديد في الشتات يتمحور حول الأسرة والقرية.

توسع في الفصل السادس في قراءة الشبكة العائلية في شكليها الفعلي والموسع، وفصَّل في وظائف العائلة الفلسطينية في الشتات وحلَّلها، وسلط الضوء على دورها في إعادة بناء النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتعزيز حضور الفلسطينيين الاقتصادي ومشاركتهم في الهم الوطني، وأبرز الميزات العابرة للأوطان التي تختص بها الشبكات العائلية الفلسطينية، كما في عائلات قمر المقدسية وسمور الياسينية وأبو الجبين اليافاوية.

رَصَدَ الفصل السابع الآليات الأساسية غير الرسمية التي مكَّنَتْ من بقاء القرى والأحياء الفلسطينية القديمة في الشتات، وبحث الفصل الثامن في استراتيجيات التأقلم الاقتصادية والاجتماعية، وما تطلَّبه من توسيع العائلة لوظائفها، لتشمل مجابهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الشتات من خلال تأسيس صناديق القرى والبلدات ومراكز ودواوين وجمعيات للعائلات منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، والمساهمة في دعم صمود الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال وسياساته عبر المشاركة في إنشاء المزيد من المؤسسات التعليمية والصحية في الأرض المحتلة.

تناول الفصل التاسع اجتياح العراق للكويت وتداعياته الكارثية على الجالية الفلسطينية، وناقش بجرأة العلاقة التي نشأت بين الشعبين الفلسطيني والكويتي في تلك المرحلة، وكيف كانت الأزمة ونتائجها بداية النهاية لوجود الجالية النوعي في الكويت، وأجاب الفصل العاشر عن السؤال المتعلق بما حلّ بالجالية الفلسطينية في الكويت بعد خروج القوات العراقية منها، مستعرضًا جانبًا من معاناتها، والتكتيكات التي استخدمتها لمواجهة سلسلة المآزق التي تعرضت لها والتي أفضت في نهاية المطاف إلى خسرانها مكانتها السابقة.

 

نخب وفلاحين.. دور الجالية الفلسطينية في الكويت

لعل من أهم إسهامات هذا الكتاب تناول دور النخبة الفلسطينية في تأسيس الجالية الفلسطينية في الكويت ورسم مسارها وتحديد خياراتها طوال عقود، وربط كل ذلك باستراتيجيات الفلسطينيين في البقاء والتأقلم وقدرتهم على استعادة هويتهم الاجتماعية والثقافية وإبراز تطلعاتهم الوطنية.

قدَّم الغبرا تصورًا واضحًا لطبيعة النخبة الفلسطينية في الكويت، عبر سرد جانبٍ من تجارب عددٍ من شخوصها الرئيسيين، وتناول أصولهم المناطقية وخلفياتهم المهنية وتطلعاتها المستقبلية، ودورهم الريادي في التأسيس للبنى التحتية للكويت الحديثة، وقدرتهم على التعاطي مع التحولات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في الكويت، ومساهمتهم في الحركة الوطنية الفلسطينية، كما في تجربة أشرف لطفي (يافا) مدير مكتب أمير الكويت، وهاني القدومي (يافا) مؤسس أول دائرة حديثة للإقامة وجوازات السفر، ومحمد الغصين (الرملة) مدير أول محطة إذاعة حديثة، وخالد الحسن (حيفا) أمين عام في المجلس البلدي في بلدية الكويت، وسابا جورج شبر (القدس) المشرف الرئيس على المخطط المعماري لدولة الكويت الحديثة، وخليل شحيبر مؤسس الشرطة الكويتية، ومصطفى الشوا (غزة) مدير الشؤون المالية في وزارة الدفاع، وعبد المحسن القطان ( يافا) مدير عام في وزارة الكهرباء، ودرويش المقدادي (القدس) مدير للتعليم في الكويت، وسامي بشارة مدير المستشفى الأميري في الكويت.

أمَّا سَرْدُ المؤلف لتجربة الفلاحين الفلسطينيين في الكويت فكان مشوقًا، فقد استعرض الظروف التي دفعتهم للهجرة، ثمَّ بِدْء وصولهم إليها عام 1951، عبر خط تهريب طويل ومحفوف بالمخاطر، كما ركَّز على استراتيجيات البقاء التي اعتمدوها، ودور الروابط العائلية في التأقلم مع الواقع الجديد، وتحولهم من أناس لا يملكون الخبرة ولا التعليم إلى عمال ماهرين أو متوسطي المهارة.

الجالية الفلسطينية في الكويت عام 1990 وما بعده

أظهر المؤلف شجاعةً في تناوله لموضوع الجالية الفلسطينية واجتياح العراق للكويت وما بعده، وقدَّم تصوره لما جرى خلال عامي (1990-1991) مستندًا لشهاداتٍ لفلسطينيين وكويتيين عايشوا تلك المرحلة، بالإضافة إلى تقارير لمؤسساتٍ حقوقيةٍ كويتيةٍ وغير كويتيةٍ، وأحاديث لمسؤولين رسميين من الطرفين الفلسطيني والكويتي، وخَلُص إلى بعض النتائج المغايرة لما تناقلته وسائل الإعلام وبعض الأدبيات في حينه.

من تلك النتائج: أن ارتباك الجالية الفلسطينية بشأن الموقف من الاجتياح العراقي للكويت لم يدعم طويلًا، إذ ما لبثت أن حسمت أمرها بالوقوف ضده، وأنَّه رغم النتائج الكارثية للأزمة إلا أن عدد القتلى والمفقودين الفلسطينيين لم يتجاوز الـ16 قتيلًا و33 مفقودًا، وأنَّ وسائل إعلامٍ خليجية ومصرية ساهمت أثناء الأزمة في شيطنة الفلسطينيين في الكويت لأسبابٍ سياسية تتعلق بمحاولات إضعاف الموقف الفلسطيني ودفعه باتجاه قبول الدخول في مسار التسوية الذي يُعد له بعد انتهاء الازمة، وأن أطرافًا فلسطينية وكويتية خطَّت مسارًا طويلًا وشاقًا بهدف إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 1990، وأن العلاقات الكويتية – الفلسطينية بقيت باردة حتى زيارة فيصل الحسيني للكويت عام 2001، ثمَّ تصاعد التحركات الشعبية الكويتية المناصرة للقضية الفلسطينية مثل مشاركة ست عشرة شخصية كويتية في قافلة أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة عام 2010، تلتها جهود رسمية تكللت بافتتاح سفارة لفلسطين عام 2013، واستقبال رسمي لخالد مشعل عام 2015، والاعتراف بجواز السفر الفلسطيني عام 2016.

ملاحظات عامة

لا شك بأنَّ كتاب الغبرا نص متين وممتع، لكنَّ ذلك لا يمنع من تسجيل عدد من الملاحظات أراها ضرورية. تتعلق الملاحظة الأولى بقائمة المصادر والمراجع، إذ فات المؤلف الاطلاع على بعض المراجع المفيدة والتي تحوي تفاصيل مهمة خصوصًا فيما يتعلق بما جرى إبان سيطرة العراق على الكويت وفي مرحلة لاحقة لخروج القوات العراقية منها، منها دراسة آن موسلي ليش Ann Mosely Lesch “الفلسطينيون في الكويت”، Palestinians in Kuwait، المنشورة في مجلة  Journal Of Palestine Studies  في عددها 80 عام 1991.

أما الملاحظات الأخرى فتتعلق بمتن الكتاب، إذ كان على الغبرا تسليط المزيد من الضوء على بدايات  تبلور العلاقة بين الكويت وفلسطين، خصوصًا فيما يتعلق بموقف الكويت من القضية الفلسطينية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وذلك لإظهار أن العلاقة بين الطرفين لم تقم على تبادل المنفعة فقط على قاعدة (كوادر فلسطينية مؤهلة – بلد في طور النمو وبحاجة لهذه الكوادر)، وإنما لعبت القضية الفلسطينية دورًا محوريًا في رسم معالم هذه العلاقة منذ البداية.

الملاحظة الأخرى لها علاقة  بسيطرة نزعة رومانسية على تناول الغبرا  لمسيرة النخبة الفلسطينية في الكويت كما في الفصلين الثالث والرابع، فقد بدت نخبةً مثاليةً، جميع أفرادها عصاميون، ومتفانون في أعمالهم، ومستعدون للتضحية لخدمة شعبهم، وخياراتهم صحيحة، رغم أن ما مرَّت به تجربتها من منعطفات، خصوصًا بعد ما شهدته الكويت من تحولات اقتصادية وسياسية وأمنية، يدفع المتابع للقول بأنَّها لا تختلف عن باقي النخب في المجتمعات البشرية، فقد كانت خاضعة في سيرورتها لعوامل عدة يأتي في مقدمتها مصالحها، وتعود هذه النزعة، برأيي، إلى انتماء المؤلف لهذه النخبة، فهو من مواليد الكويت ووالده الطبيب الفلسطيني ناظم الغبرا الذي عمل في الكويت منذ عام 1952، كما أنَّ الإنجازات الكبرى التي حققها بعض أفراد تلك النخبة ساحرة وتُخفي عن الناظر ما اعترها من مظاهر ضعف.

وليت الغبرا أفرد مساحة أوسع لدراسة دور الجالية الفلسطينية في الكويت في الحركة الوطنية، خصوصًا وأن المعطيات البحثية الجديدة حول الموضوع تشير إلى دورٍ مركزيٍ للفلسطينيين في الكويت، ليس فقط فيما يتعلق بنشوء حركة فتح وتطورها، وإنما أيضًا في تأسيس حركة حماس، ولا ننسى أن عددًا كبيرًا من قادة الأخيرة محسوبون على الجالية الفلسطينية في الكويت مثل خالد مشعل وعمر الأشقر وسلمان الحمد وسامي خاطر ومحمد نزال وجمال عيسى وغيرهم، وليته وهو يكشف عن الدور المميز للنخبة الفلسطينية في الكويت في مسار الحركة الوطنية، اهتم بدور الريفيين الفلسطينيين أيضًا، خصوصًا وأنَّهم رفدوا الحركة الوطنية بالكوادر الميدانية والسياسية التي لعبت دورًا مهمًا في المراحل المختلفة التي مرت بها القضية الفلسطينية، أما فيما يتعلق باجتياح العراق للكويت وموقف الفلسطينيين منه، فرغم أنَّه عرَّج على موقف فصائل منظمة التحرير من الأزمة ودورها فيها، الا أنَّه تجاهل موقف حركة حماس ودورها، رغم أنَّها فصيل فلسطيني كان فاعلًا في تلك الفترة، وصدَّر موقفًا أثبتت الأحداث اللاحقة صوابيته وتوازنه.

أما الملاحظة الأخيرة فمرتبطة باستخدام المؤلف بعض المصطلحات والتشبيهات المتأثرة بالخطاب والثقافة الغربيين، مثل الإشارة إلى ما أسماه بـ “الشتات اليهودي” حين الحديث عن الشتات الفلسطيني، أو في حديثه عن رؤى العودة وتشبيهه لحنين الفلسطينيين لبلداتهم وقراهم وانعكاساته على تجاربهم بالـ ” الصهاينة القدامى”، رغم أنَّ مصطلح ” الشتات اليهودي” محل نظر تاريخي، ومصطلح “الصهاينة” يلقي بظلال ثقيلة على القارئ الفلسطيني خاصة والعربي بشكل عام.

 

 

خاتمة

صدر الكتاب بعد عقود طويلة على تأسيس الجالية الفلسطينية في الكويت، وبعد أن رحل عن دنيانا الفانية أغلب مؤسسيها الأوائل، وقد نجح مؤلفه في تقديم صورة واضحة لنشأة الجالية ودورها التاريخي في استعادة الفلسطينيين لنسيجهم الاجتماعي وهويتهم الثقافية والوطنية ومساهمتها في مسيرة التحديث والنهضة في الكويت، وفي تسليط الضوء على العائلة باعتبارها العامل المؤثر الأكبر في مسار الجالية.

ولا نبالغ إن قلنا بأن الكتاب يشكل مرجعًا أكاديميًا مهمًا لدارسي الشتات الفلسطيني، وهو عدة معرفية ضرورية لكل من ينادي بضرورة إعادة الاعتبار للشتات ولدوره في القضية الفلسطينية.

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهر واحد

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهر واحد

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهر واحد

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

مقالاتمنذ شهرين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ شهرين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ شهرين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ شهرين

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

الأكثر تفاعلا