تواصل معنا

قراءة في

قراءة في كتاب العيساوية: روايات العزل والفصل

نشر

في

قراءة في كتاب العيساوية: روايات العزل والفصل

كمال الجعبري

باحث فلسطيني

روايات العزل والفصل

المؤلف: أحمد عز الدين أسعد

مكان النشر: القدس

الناشر: مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان

عدد الصفحات:48

سنة النشر: 2020

 

غزة الصغرى أو القرية المنسية، بلدةٌ شاء الله أنّ تشكل لعنةً جغرافيةً على المحتل، وشوكةً في حلق المحتل، إذ تقع العيساوية في موقعٍ بين مستوطنتي التلة الفرنسية، والجامعة العبرية، ما جعلها في قلب الأحداث الساخنة والمواجهات في القدس خلال كل موجة تصعيد تمر بها القدس المحتلة، وانعكس ذلك على دور العيساوية في فعاليات المقاومة الشعبية في القدس، ومن هنا تكمن أهمية تحليل المشهد اليومي، والواقع الذي يعايشه المقدسي في العيساوية، ومن هنا تولدت أهمية الكتاب، أو الدراسة التي أعدها الباحث الفلسطيني أحمد عز الدين أسعد، تحت عنوان (العيساوية: روايات العزل)، الصادر عن مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان.

 

مؤلف الكتاب

أحمد عز الدين أسعد مؤلف الكتاب، باحثٌ مختصٌ في الدراسات العربية والإسرائيلية، حصل على الشهادة الجامعية الأولى في تخصص علم الاجتماع من جامعة بيت لحم، والماجستير في الدراسات الدراسات العربية المعاصرة من جامعة بير زيت، وأيضًا في الدراسات الإسرائيلية من نفس الجامعة.

كتب أحمد عز العديد من الأبحاث المهمة في دراسة الحراكات الشعبية في فلسطين، مثل: “سيسيولوجيا المقاومة والحراك في فضاءات مدينة القدس المستعمرة”، الصادر عن مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، في العام 2017، والذي درس الحراك الشعبي، والمقاومة الشعبية في القدس، خلال انتفاضة القدس (هبة السكاكين)، مركزًا على أحداث هبة باب الأسباط، واعتمد عز في معالجته هذا البحث على المعايشة والمشاهدة والرصد من الداخل، كما هو الحال مع كتابه الذي نتناوله اليوم، “العيساوية: روايات العزل والفصل”، بخلاف ما اعتمد عليه أحمد عز في كتابه “على أُهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور”، الذي سيصدر قريباً عن مشروع بحث وتوثيق القضية الفلسطينية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فقد استخدم في أحمد عز في بنائه المواد الأرشيفية، من: بياناتٍ للقيادة الموحدة للانتفاضة، ومجلاتٍ ونشراتٍ سردت حكاية الإضراب والعصيان المدني في بيت ساحور، خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ودعّم ذلك بعددٍ من المقابلات الشفوية التي أجراها مع من عاصروا الحدث.

 

بين دفتيّ الكتاب

يقع الكتاب في 48 صفحة تحوي 12 فصلاً، من بينها مقدمة الكتاب التي أشارت إلى أنّ مبحث هذا الكتاب هو دراسة السياسات الاستعمارية التي يطبقها الاحتلال الإسرائيلي تجاه العيساوية، إذ بدأ الاستهداف الصهيوني للعيساوية، قبل إنشاء الكيان الصهيوني، حينما اغتصبت كلٌ من مستوطنتيّ الجامعة العبرية، والتلة الفرنسية، أجزاء من الأراضي التاريخية للعيساوية، وبعد الاحتلال الإسرائيلي لشرق مدينة القدس، في 7 حزيران 1967، ضُمت العيساوية إلى أحياء بلدية الاحتلال في القدس، ليبدأ تهويد العيساوية واستهدافها بتغيير تعريفها من قرية من قرى قضاء القدس، إلى حيٍ من أحيائها، خاضعٍ للاحتلال الإسرائيلي، أو تجري محاولات إخضاعه بمعنى أدق.

العيساوية تحت المجهر

في فصول الكتاب الأولى لمحة عامة تتضمن المعلومات والحقائق الجغرافية والتاريخية والديموغرافية حول بلدة العيساوية، ويعرّج الباحث على خارطة التوجهات السياسية والتنظيمية لأهالي العيساوية، معتمدًا على عدد من المصادر الأولية، مثل كتاب “بلادنا فلسطين”، للمؤرخ الفلسطيني مصطفى مراد الدباغ، مدعمًا ذلك بمصادره الحية من مقابلاتٍ شفوية، أسند بها نص الكتاب في معظم فصوله.

سياسات المحو – عرب أقل أرض أكثر

تضمنت، أيضًا، الفصول الأولى من الكتاب تأطيرًا وتفسيرًا نظريًّا لسياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه العيساوية، وينطلق التأطير النظري في الكتاب من استعراض النظريات التي يمكن من خلالها تعريف الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بشكل عام، نموذجًا للاستعمار الاستيطاني، مثل نظريّات كلٍ من: المؤرخ الأسترالي باتريك وولف، والباحث الأسترالي فلورنزو فراسيني، والباحث الفلسطيني ساري حنفي، الذي زاد في تعريف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، حين عرف التطهير المكاني، بأنه أهم مهمات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لفلسطين.

ومن الأطر النظرية التي عرضها الباحث، في الفصول الأولى من الكتاب، مفهوم تخطيط الهيمنة الذي عرضه الباحث الفلسطيني يوسف جبارين، والذي يعدّ ما طبقته سلطات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مثالاً لما تطبقه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والقدس تحديدًا.

وفي الفصل الرابع من الكتاب يبدأ الباحث في استعراض واستقراء الاعتداءات الإسرائيلية تجاه العيساوية وأهلها، ويتبع أحمد عز في هذا الفصل أسلوب إيراد الإحصائيات والأرقام، والمعلومات حول اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في العيساوية، من: اقتحاماتٍ، واعتقالاتٍ، وحبسٍ منزلي، ومداهمة البيوت وتفتيشها، واستهدافٍ للعيون خلال المواجهات، مستندًا إلى عددٍ من التقارير التي أعدتها جهاتٌ دوليةٌ، مثل مكتب الأمم المتحدة في الأرض المحتلة (أوتشا)، والتقارير الميدانية من إعداد مركز معلومات وادي حلوة، مدعمًا ذلك بعددٍ من المقابلات الشفوية مع من تضرروا من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي من أهالي العيساوية.

يحاول أحمد عز الدين، في الفصل الرابع من كتابه، تفسير عددٍ من السياسات التعسفية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي تجاه أهالي العيساوية، مثل الاعتقالات والإبعادات المتكررة، ضمن مبدأ أرض أكثر، عرب أقل، الذي تناوله الباحث نور الدين مصالحة، في كتابه “أرض أكثر عرب أقل” المنشور من مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في بيروت، في العام 2002، والذي يشير للسعي الإسرائيلي المتكرر منذ توقيع اتفاقية أوسلو إلى قضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، والقدس ولكن بدون أهلها، وهذا ما يفسر حجم الاستهداف الكمي والنوعي الهائل لأهالي العيساوية، فجغرافية البلدة مهمةٌ للغاية بالنسبة للاحتلال، ولكن بدون أهلها.

لا تتوقف سياسات الاحتلال تجاه العيساوية على ما يجري في الميدان من اعتداءات، بل إنّ جانبًا لا يقل خطورةً عن ذلك تنطوي عليه الخطط الهيكلية التي أعدتها بلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس للبلدة، إذ تستثني تلك الخطط أكثر من 90٪ من أراضي العيساوية التاريخية من التنظيم، مانعةً أهلها من استخدامها للبناء أو الزراعة، مبقيةً لأهالي العيساوية 1500 دونم، هي مساحة المناطق المبنية اليوم في العيساوية، والتي تُعاني من الاكتظاظ، وتهالك البنية التحتية، والمعزولة بسبب وقوعها ضمن تجمع استيطاني، وكأنها سجنٌ كبير، ولربما لهذا السبب سُميّت العيساوية بـ(غزة الصغرى).

ويُقَسّم الباحث، خلال ما يعرضه ضمن الفصل الرابع من كتابه، سياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه العيساوية إلى سياسات هندسة عرقية، وسياسات تسييج ومحو، وتتمثل الأخيرة في هدم المنازل، وقد أورد الباحث شهاداتٍ شفوية حوله، دون إدراج أرقام تدلل عليه، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، على الرغم من توفر ذلك في معظم التقارير السنوية، الصادرة عن مؤسسات فلسطينية ترصد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في القدس، ولكن عند الحديث عن سياسات المحو الثقافي التي يمارسها الاحتلال باستهدافه قطاع التعليم في العيساوية، أورد الباحث أرقامًا تشير إلى الاكتظاظ الذي تعاني منه مدارس العيساوية، بسبب منع الاحتلال بناء المزيد من المدارس الخاصة في البلدة.

 

القوى الناعمة – أسلوبٌ فاشل في العيساوية

يختم الباحث الفصل الرابع من كتابه، وهو الأغنى بالمعلومات والتأطير النظري، بالحديث عن المحاولات الإسرائيلية الفاشلة لاستخدام القوى الناعمة وسيلة لتركيع العيساوية، وتطويعها، وذلك عبر إقامة مركز الاتصال الجماهيري التابع لسلطات الاحتلال فيها، والذي لم يعمل طويلاً فيها، فبعد سنتين من افتتاحه، تعرض للإحراق على يد شباب البلدة، بعد استشهاد محمد سمير عبيد، في حزيران 2019.

تخطيط الهيمنة والقرية المنسية

يكرر الباحث، في الفصل الخامس من الكتاب، الحديث عن تخطيط الهيمنة المتبع من الاحتلال مع العيساوية، مسلطًا الضوء على سياسات العزل، وانعدام التخطيط، أو توظيفه لمصلحة الاحتلال، الذي يسعى لتحويل العيساوية إلى جزيرة معزولة عن محيطها العربي، في مركز القدس، وفي ذات الوقت يقوّض الاحتلال كل سبل الاكتفاء الذاتي والصمود فيها ليجعل من الحياة في العيساوية، أمرًا شبه مستحيل.

وتضمن الفصل الخامس شهاداتٍ مهمةً لعدد من أهالي العيساوية حول دور ضباط (الشباك)، الذين يفرزهم الجهاز للبلدة في محاولات إحداث الفتن وضرب الجبهة الداخلية للعيساوية.

 

يوميات العزل والمعاناة

يستعرض الكتاب، في فصله السادس، تفاصيل المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني المقدسي في العيساوية، عبر استعراض عددٍ من الشهادات الحية للطلاب والتجار والسيدات في العيساوية، ووجهاء البلدة الذين تحدثوا عن مشكلة الاكتظاظ السكاني في العيساوية، وتهالك البنيان فيها، وتزيد اقتحامات قوات الاحتلال شبه اليومية لها من معاناة المواطنين فيها.

ومما يلفت النظر في الفصلين السابع والثامن من الكتاب اعتمادهما على ذكر ما ورد من عيّنات المبحوثين، من أهالي العيساوية، دون تدخلٍ في التحليل أو التقييم من الباحث، فنلاحظ مثلاً أنّ بعض شهود العيان يشيرون إلى أنّ تحسن الأوضاع في العيساوية بما في ذلك وقف الهدم داخل القرية، يأتي مقابل إنشاء الاحتلال لحديقة (وطنية) إسرائيلية استيطانية على الأراضي التاريخية للعيساوية، أو مقابل توقف فعاليات المقاومة الشعبية في البلدة، أي مقابل (الهدوء).

تبدو المعالجة قاصرة على عرض توصيف عيّنات من المبحوثين، دون إبداء موقف، أو تحليل للمشهد، ولكن على الرغم من ذلك يحتوي الفصل الثامن من الكتاب على مجموعةٍ من الشهادات الحية التي تصف حالة التضامن وقوة النسيج المجتمعي في العيساوية، بوصفها ضربًا من ضروب الصمود المقاوم، كما يصفها الباحث.

 

أوسلو وتكريس عزل القدس والعيساوية

يتطرق الكتاب في فصله التاسع لموضوعٍ جريءٍ ومهمٍ، ليس على صعيد العيساوية فحسب، بل عل الصعيد المقدسي ككل، وهو دور السلطة الفلسطينية في تعزيز صمود المقدسيين، وخاصة أولئك القاطنين، ضمن حدود ما يسمى ببلدية الاحتلال الإسرائيلي، إذ يسلط الباحث الضوء عبر استعراضه لعددٍ من الشهادات الحية إلى ما أسست له أوسلو من انقسامٍ فلسطينيٍ، وعزلٍ لمدينة القدس، والعيساوية بطبيعة الحال عن محيطها وامتدادها الفلسطيني، في الضفة الغربية.

فقد أصبح تحويل الدعم المالي بالطرق الرسمية من السلطة الفلسطينية، الناتجة عن تفاهمات أوسلو، للمجالس القروية والمؤسسات الفلسطينية، ضمن المناطق الخاضعة لبلدية الاحتلال في القدس، كتحويل الدعم من دولةٍ إلى أخرى، فيما حوّلت حواجز الاحتلال عملية انتقال المسؤولين الفلسطينيين إلى ما هو أشبه بالمرور عبر المعابر الدولية، وكما يقول المواطن خالد الرشق، أحد أهالي العيساوية، الذين أجريت معهم مقابلات الكتاب: ” أهل العيساوية بقلعوا شوكهم بإيدهم”.

في تلك الظروف برز للواجهة لاعبٌ جديدٌ في مضمار التمثيل السياسي لأهالي العيساوية والقدس، وهم النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي، والذين لا يعدوا دورهم المطالبة بتخفيف المعاناة عن العيساوية، واللعب على وتر الهدوء والتسويات، وهذا الذي لم يتطرق الكتاب أيضًا لتحليله وتوصيفه.

صوت المظلومين

في الفصل العاشر من الكتاب، يبدو إيقاع أصوات أهالي العيساوية عاليًا، معبرين فيه عن ما يحتاجونه، فقد أجمعت فيه آراء من أجريت معهم المقابلات على أنّ المخطط الهيكلي الصادر من بلدية الاحتلال، يجب أن يعترف بكامل مساحة العيساوية التاريخية، وأن يتيح للمواطنين التوسع أفقيًا وعموديًا في البناء، بحيث يبلي الاحتياج الأساسي للمواطنين في العيساوية.

تنوعت باقي الاحتياجات التي عبّر أهالي العيساوية عنها، بين: وجود المؤسسات الفلسطينية الأهلية الفاعلة في البلدة، وزيادة التوعية والدعم القانوني الموجه لأهالي العيساوية، وتأهيل البنية التحتية في البلدة.

 

المشهد العام

تتضمن خاتمة الكتاب محاولة تلخيص وتوصيف للوضع الميداني الجيوسياسي والاقتصادي والاجتماعي للعيساوية، وتشريح الاعتداءات، أو الانتهاكات، كما يصفها الباحث، والتي تتعرض لها العيساوية، إذ يؤكد أحمد عز أنّ كافة أشكال الاعتداءات والاستهداف الإسرائيلي للعيساوية تصب في مسار تنفيذ سياسات المحو والإزالة للمقدسي بكافة أشكالها: الثقافية والاقتصادية والمكانية، وتحويل العيساوية إلى أمثولة اجتماعية، يتم من خلالها كيّ الوعي الجمعي للمقدسيين.

 

توصيات بانتظار المبادرة

يخرج كتاب “العيساوية: روايات العزل والفصل” بعددٍ من التوصيات الموجهة للجهات الرسمية والشعبية والأهلية الفلسطينية، مثل: توثيق الاعتداءات التي تجري تجاه المواطنين في العيساوية، وخاصةً تلك التي تستهدف الأطفال فيها، وإنتاج فيلم وثائقي يعرض المعاناة اليومية للمقدسيين في العيساوية، والعمل على إنشاء مؤسسات ترفيهية وتثقيفية لمختلف فئات المجتمع في البلدة، وإطلاق حملات شعبية داعية لإصدار مخطط هيكلي يراعي الحاجات السكانية والعمرانية لأهالي العيساوية.

 

ما يميز الكتاب

يقدم الكتاب نفسه ناقلاً لروايات العزل والاستهداف من الاحتلال الإسرائيلي في العيساوية، بلسان أهلها، وهذا ما قدمه الكتاب فعلاً عبر 15 مقابلة تنوعت بين مختلف شرائح ومكونات المقدسيين في العيساوية، وفي جزءٍ من التأطير النظري لتفسير سلوك الاحتلال الإسرائيلي في العيساوية، استند الباحث لنظريات باحثين فلسطينيين، مثل: نور الدين مصالحة، وساري حنفي، ويوسف جبارين، كما قدم الكتاب رؤيةً عمليةً، وإن اختلفنا معها في بعض حيثيّاتها، في سبيل تمكين ودعم المقدسيين الصامدين في العيساوية. قراءة في كتاب العيساوية: روايات العزل والفصل

كمال الجعبري

باحث فلسطيني

المؤلف: أحمد عز الدين أسعد

مكان النشر: القدس

الناشر: مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان

عدد الصفحات:48

سنة النشر: 2020

 

غزة الصغرى أو القرية المنسية، بلدةٌ شاء الله أنّ تشكل لعنةً جغرافيةً على المحتل، وشوكةً في حلق المحتل، إذ تقع العيساوية في موقعٍ بين مستوطنتي التلة الفرنسية، والجامعة العبرية، ما جعلها في قلب الأحداث الساخنة والمواجهات في القدس خلال كل موجة تصعيد تمر بها القدس المحتلة، وانعكس ذلك على دور العيساوية في فعاليات المقاومة الشعبية في القدس، ومن هنا تكمن أهمية تحليل المشهد اليومي، والواقع الذي يعايشه المقدسي في العيساوية، ومن هنا تولدت أهمية الكتاب، أو الدراسة التي أعدها الباحث الفلسطيني أحمد عز الدين أسعد، تحت عنوان (العيساوية: روايات العزل)، الصادر عن مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان.

 

مؤلف الكتاب

أحمد عز الدين أسعد مؤلف الكتاب، باحثٌ مختصٌ في الدراسات العربية والإسرائيلية، حصل على الشهادة الجامعية الأولى في تخصص علم الاجتماع من جامعة بيت لحم، والماجستير في الدراسات الدراسات العربية المعاصرة من جامعة بير زيت، وأيضًا في الدراسات الإسرائيلية من نفس الجامعة.

كتب أحمد عز العديد من الأبحاث المهمة في دراسة الحراكات الشعبية في فلسطين، مثل: “سيسيولوجيا المقاومة والحراك في فضاءات مدينة القدس المستعمرة”، الصادر عن مركز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، في العام 2017، والذي درس الحراك الشعبي، والمقاومة الشعبية في القدس، خلال انتفاضة القدس (هبة السكاكين)، مركزًا على أحداث هبة باب الأسباط، واعتمد عز في معالجته هذا البحث على المعايشة والمشاهدة والرصد من الداخل، كما هو الحال مع كتابه الذي نتناوله اليوم، “العيساوية: روايات العزل والفصل”، بخلاف ما اعتمد عليه أحمد عز في كتابه “على أُهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور”، الذي سيصدر قريباً عن مشروع بحث وتوثيق القضية الفلسطينية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فقد استخدم في أحمد عز في بنائه المواد الأرشيفية، من: بياناتٍ للقيادة الموحدة للانتفاضة، ومجلاتٍ ونشراتٍ سردت حكاية الإضراب والعصيان المدني في بيت ساحور، خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ودعّم ذلك بعددٍ من المقابلات الشفوية التي أجراها مع من عاصروا الحدث.

 

بين دفتيّ الكتاب

يقع الكتاب في 48 صفحة تحوي 12 فصلاً، من بينها مقدمة الكتاب التي أشارت إلى أنّ مبحث هذا الكتاب هو دراسة السياسات الاستعمارية التي يطبقها الاحتلال الإسرائيلي تجاه العيساوية، إذ بدأ الاستهداف الصهيوني للعيساوية، قبل إنشاء الكيان الصهيوني، حينما اغتصبت كلٌ من مستوطنتيّ الجامعة العبرية، والتلة الفرنسية، أجزاء من الأراضي التاريخية للعيساوية، وبعد الاحتلال الإسرائيلي لشرق مدينة القدس، في 7 حزيران 1967، ضُمت العيساوية إلى أحياء بلدية الاحتلال في القدس، ليبدأ تهويد العيساوية واستهدافها بتغيير تعريفها من قرية من قرى قضاء القدس، إلى حيٍ من أحيائها، خاضعٍ للاحتلال الإسرائيلي، أو تجري محاولات إخضاعه بمعنى أدق.

العيساوية تحت المجهر

في فصول الكتاب الأولى لمحة عامة تتضمن المعلومات والحقائق الجغرافية والتاريخية والديموغرافية حول بلدة العيساوية، ويعرّج الباحث على خارطة التوجهات السياسية والتنظيمية لأهالي العيساوية، معتمدًا على عدد من المصادر الأولية، مثل كتاب “بلادنا فلسطين”، للمؤرخ الفلسطيني مصطفى مراد الدباغ، مدعمًا ذلك بمصادره الحية من مقابلاتٍ شفوية، أسند بها نص الكتاب في معظم فصوله.

 

سياسات المحو – عرب أقل أرض أكثر

تضمنت، أيضًا، الفصول الأولى من الكتاب تأطيرًا وتفسيرًا نظريًّا لسياسة الاحتلال الإسرائيلي تجاه العيساوية، وينطلق التأطير النظري في الكتاب من استعراض النظريات التي يمكن من خلالها تعريف الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بشكل عام، نموذجًا للاستعمار الاستيطاني، مثل نظريّات كلٍ من: المؤرخ الأسترالي باتريك وولف، والباحث الأسترالي فلورنزو فراسيني، والباحث الفلسطيني ساري حنفي، الذي زاد في تعريف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، حين عرف التطهير المكاني، بأنه أهم مهمات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لفلسطين.

ومن الأطر النظرية التي عرضها الباحث، في الفصول الأولى من الكتاب، مفهوم تخطيط الهيمنة الذي عرضه الباحث الفلسطيني يوسف جبارين، والذي يعدّ ما طبقته سلطات الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مثالاً لما تطبقه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والقدس تحديدًا.

وفي الفصل الرابع من الكتاب يبدأ الباحث في استعراض واستقراء الاعتداءات الإسرائيلية تجاه العيساوية وأهلها، ويتبع أحمد عز في هذا الفصل أسلوب إيراد الإحصائيات والأرقام، والمعلومات حول اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في العيساوية، من: اقتحاماتٍ، واعتقالاتٍ، وحبسٍ منزلي، ومداهمة البيوت وتفتيشها، واستهدافٍ للعيون خلال المواجهات، مستندًا إلى عددٍ من التقارير التي أعدتها جهاتٌ دوليةٌ، مثل مكتب الأمم المتحدة في الأرض المحتلة (أوتشا)، والتقارير الميدانية من إعداد مركز معلومات وادي حلوة، مدعمًا ذلك بعددٍ من المقابلات الشفوية مع من تضرروا من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي من أهالي العيساوية.

يحاول أحمد عز الدين، في الفصل الرابع من كتابه، تفسير عددٍ من السياسات التعسفية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي تجاه أهالي العيساوية، مثل الاعتقالات والإبعادات المتكررة، ضمن مبدأ أرض أكثر، عرب أقل، الذي تناوله الباحث نور الدين مصالحة، في كتابه “أرض أكثر عرب أقل” المنشور من مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في بيروت، في العام 2002، والذي يشير للسعي الإسرائيلي المتكرر منذ توقيع اتفاقية أوسلو إلى قضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، والقدس ولكن بدون أهلها، وهذا ما يفسر حجم الاستهداف الكمي والنوعي الهائل لأهالي العيساوية، فجغرافية البلدة مهمةٌ للغاية بالنسبة للاحتلال، ولكن بدون أهلها.

لا تتوقف سياسات الاحتلال تجاه العيساوية على ما يجري في الميدان من اعتداءات، بل إنّ جانبًا لا يقل خطورةً عن ذلك تنطوي عليه الخطط الهيكلية التي أعدتها بلدية الاحتلال الإسرائيلي في القدس للبلدة، إذ تستثني تلك الخطط أكثر من 90٪ من أراضي العيساوية التاريخية من التنظيم، مانعةً أهلها من استخدامها للبناء أو الزراعة، مبقيةً لأهالي العيساوية 1500 دونم، هي مساحة المناطق المبنية اليوم في العيساوية، والتي تُعاني من الاكتظاظ، وتهالك البنية التحتية، والمعزولة بسبب وقوعها ضمن تجمع استيطاني، وكأنها سجنٌ كبير، ولربما لهذا السبب سُميّت العيساوية بـ(غزة الصغرى).

ويُقَسّم الباحث، خلال ما يعرضه ضمن الفصل الرابع من كتابه، سياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه العيساوية إلى سياسات هندسة عرقية، وسياسات تسييج ومحو، وتتمثل الأخيرة في هدم المنازل، وقد أورد الباحث شهاداتٍ شفوية حوله، دون إدراج أرقام تدلل عليه، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، على الرغم من توفر ذلك في معظم التقارير السنوية، الصادرة عن مؤسسات فلسطينية ترصد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في القدس، ولكن عند الحديث عن سياسات المحو الثقافي التي يمارسها الاحتلال باستهدافه قطاع التعليم في العيساوية، أورد الباحث أرقامًا تشير إلى الاكتظاظ الذي تعاني منه مدارس العيساوية، بسبب منع الاحتلال بناء المزيد من المدارس الخاصة في البلدة.

 

القوى الناعمة – أسلوبٌ فاشل في العيساوية

يختم الباحث الفصل الرابع من كتابه، وهو الأغنى بالمعلومات والتأطير النظري، بالحديث عن المحاولات الإسرائيلية الفاشلة لاستخدام القوى الناعمة وسيلة لتركيع العيساوية، وتطويعها، وذلك عبر إقامة مركز الاتصال الجماهيري التابع لسلطات الاحتلال فيها، والذي لم يعمل طويلاً فيها، فبعد سنتين من افتتاحه، تعرض للإحراق على يد شباب البلدة، بعد استشهاد محمد سمير عبيد، في حزيران 2019.

تخطيط الهيمنة والقرية المنسية

يكرر الباحث، في الفصل الخامس من الكتاب، الحديث عن تخطيط الهيمنة المتبع من الاحتلال مع العيساوية، مسلطًا الضوء على سياسات العزل، وانعدام التخطيط، أو توظيفه لمصلحة الاحتلال، الذي يسعى لتحويل العيساوية إلى جزيرة معزولة عن محيطها العربي، في مركز القدس، وفي ذات الوقت يقوّض الاحتلال كل سبل الاكتفاء الذاتي والصمود فيها ليجعل من الحياة في العيساوية، أمرًا شبه مستحيل.

وتضمن الفصل الخامس شهاداتٍ مهمةً لعدد من أهالي العيساوية حول دور ضباط (الشباك)، الذين يفرزهم الجهاز للبلدة في محاولات إحداث الفتن وضرب الجبهة الداخلية للعيساوية.

 

يوميات العزل والمعاناة

يستعرض الكتاب، في فصله السادس، تفاصيل المعاناة اليومية للمواطن الفلسطيني المقدسي في العيساوية، عبر استعراض عددٍ من الشهادات الحية للطلاب والتجار والسيدات في العيساوية، ووجهاء البلدة الذين تحدثوا عن مشكلة الاكتظاظ السكاني في العيساوية، وتهالك البنيان فيها، وتزيد اقتحامات قوات الاحتلال شبه اليومية لها من معاناة المواطنين فيها.

ومما يلفت النظر في الفصلين السابع والثامن من الكتاب اعتمادهما على ذكر ما ورد من عيّنات المبحوثين، من أهالي العيساوية، دون تدخلٍ في التحليل أو التقييم من الباحث، فنلاحظ مثلاً أنّ بعض شهود العيان يشيرون إلى أنّ تحسن الأوضاع في العيساوية بما في ذلك وقف الهدم داخل القرية، يأتي مقابل إنشاء الاحتلال لحديقة (وطنية) إسرائيلية استيطانية على الأراضي التاريخية للعيساوية، أو مقابل توقف فعاليات المقاومة الشعبية في البلدة، أي مقابل (الهدوء).

تبدو المعالجة قاصرة على عرض توصيف عيّنات من المبحوثين، دون إبداء موقف، أو تحليل للمشهد، ولكن على الرغم من ذلك يحتوي الفصل الثامن من الكتاب على مجموعةٍ من الشهادات الحية التي تصف حالة التضامن وقوة النسيج المجتمعي في العيساوية، بوصفها ضربًا من ضروب الصمود المقاوم، كما يصفها الباحث.

 

أوسلو وتكريس عزل القدس والعيساوية

يتطرق الكتاب في فصله التاسع لموضوعٍ جريءٍ ومهمٍ، ليس على صعيد العيساوية فحسب، بل عل الصعيد المقدسي ككل، وهو دور السلطة الفلسطينية في تعزيز صمود المقدسيين، وخاصة أولئك القاطنين، ضمن حدود ما يسمى ببلدية الاحتلال الإسرائيلي، إذ يسلط الباحث الضوء عبر استعراضه لعددٍ من الشهادات الحية إلى ما أسست له أوسلو من انقسامٍ فلسطينيٍ، وعزلٍ لمدينة القدس، والعيساوية بطبيعة الحال عن محيطها وامتدادها الفلسطيني، في الضفة الغربية.

فقد أصبح تحويل الدعم المالي بالطرق الرسمية من السلطة الفلسطينية، الناتجة عن تفاهمات أوسلو، للمجالس القروية والمؤسسات الفلسطينية، ضمن المناطق الخاضعة لبلدية الاحتلال في القدس، كتحويل الدعم من دولةٍ إلى أخرى، فيما حوّلت حواجز الاحتلال عملية انتقال المسؤولين الفلسطينيين إلى ما هو أشبه بالمرور عبر المعابر الدولية، وكما يقول المواطن خالد الرشق، أحد أهالي العيساوية، الذين أجريت معهم مقابلات الكتاب: ” أهل العيساوية بقلعوا شوكهم بإيدهم”.

في تلك الظروف برز للواجهة لاعبٌ جديدٌ في مضمار التمثيل السياسي لأهالي العيساوية والقدس، وهم النواب العرب في الكنيست الإسرائيلي، والذين لا يعدوا دورهم المطالبة بتخفيف المعاناة عن العيساوية، واللعب على وتر الهدوء والتسويات، وهذا الذي لم يتطرق الكتاب أيضًا لتحليله وتوصيفه.

صوت المظلومين

في الفصل العاشر من الكتاب، يبدو إيقاع أصوات أهالي العيساوية عاليًا، معبرين فيه عن ما يحتاجونه، فقد أجمعت فيه آراء من أجريت معهم المقابلات على أنّ المخطط الهيكلي الصادر من بلدية الاحتلال، يجب أن يعترف بكامل مساحة العيساوية التاريخية، وأن يتيح للمواطنين التوسع أفقيًا وعموديًا في البناء، بحيث يبلي الاحتياج الأساسي للمواطنين في العيساوية.

تنوعت باقي الاحتياجات التي عبّر أهالي العيساوية عنها، بين: وجود المؤسسات الفلسطينية الأهلية الفاعلة في البلدة، وزيادة التوعية والدعم القانوني الموجه لأهالي العيساوية، وتأهيل البنية التحتية في البلدة.

 

المشهد العام

تتضمن خاتمة الكتاب محاولة تلخيص وتوصيف للوضع الميداني الجيوسياسي والاقتصادي والاجتماعي للعيساوية، وتشريح الاعتداءات، أو الانتهاكات، كما يصفها الباحث، والتي تتعرض لها العيساوية، إذ يؤكد أحمد عز أنّ كافة أشكال الاعتداءات والاستهداف الإسرائيلي للعيساوية تصب في مسار تنفيذ سياسات المحو والإزالة للمقدسي بكافة أشكالها: الثقافية والاقتصادية والمكانية، وتحويل العيساوية إلى أمثولة اجتماعية، يتم من خلالها كيّ الوعي الجمعي للمقدسيين.

 

توصيات بانتظار المبادرة

يخرج كتاب “العيساوية: روايات العزل والفصل” بعددٍ من التوصيات الموجهة للجهات الرسمية والشعبية والأهلية الفلسطينية، مثل: توثيق الاعتداءات التي تجري تجاه المواطنين في العيساوية، وخاصةً تلك التي تستهدف الأطفال فيها، وإنتاج فيلم وثائقي يعرض المعاناة اليومية للمقدسيين في العيساوية، والعمل على إنشاء مؤسسات ترفيهية وتثقيفية لمختلف فئات المجتمع في البلدة، وإطلاق حملات شعبية داعية لإصدار مخطط هيكلي يراعي الحاجات السكانية والعمرانية لأهالي العيساوية.

 

ما يميز الكتاب

يقدم الكتاب نفسه ناقلاً لروايات العزل والاستهداف من الاحتلال الإسرائيلي في العيساوية، بلسان أهلها، وهذا ما قدمه الكتاب فعلاً عبر 15 مقابلة تنوعت بين مختلف شرائح ومكونات المقدسيين في العيساوية، وفي جزءٍ من التأطير النظري لتفسير سلوك الاحتلال الإسرائيلي في العيساوية، استند الباحث لنظريات باحثين فلسطينيين، مثل: نور الدين مصالحة، وساري حنفي، ويوسف جبارين، كما قدم الكتاب رؤيةً عمليةً، وإن اختلفنا معها في بعض حيثيّاتها، في سبيل تمكين ودعم المقدسيين الصامدين في العيساوية.

 

قراءة في

مراجعة كتاب “النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت”

نشر

في

بواسطة

مراجعة كتاب

النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت”

عوني فارس

باحث في التاريخ

المؤلف: شفيق الغبرا

مكان النشر: الدوحة

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

عدد الصفحات: 342

تاريخ النشر: 2018

النكبة ونشوء الشتات

صدر الكتاب لمؤلفه شفيق الغبرا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، وهو في الأصل أطروحة دكتوراة للمؤلف، ظهرت في كتاب بالإنجليزية عام 1987.

اعتمد الغبرا في إعداد المادة الأساسية للكتاب على مائة وعشر مقابلاتٍ مفتوحة أجراها مع أفرادٍ من الجالية الفلسطينية في الكويت في الفترة ما بين 1984-1985، وقراءات معمقة لأدبيات نظرية حول مفاهيم العائلة والهجرة والشبكات الفعلية والمُوسَّعة وحالة اللادولة، وأخرى تناولت الشتات الفلسطيني، ودَرَسَتْ قدرة الفلسطينيين على مواجهة آثار النكبة واستعادة هويتهم الاجتماعية والثقافية والوطنية، وقد رفد نصه بالعربية بفصلين غطى فيهما محطاتٍ إضافية في سيرة الجالية الفلسطينية في الكويت، خصوصًا مرحلة اجتياح العراق للكويت وما بعدها وصولًا إلى يومنا هذا، وأجرى مقابلات جديدة لهذا الغرض في تسعينيات القرن الماضي وعام 2016.

تكمن أهمية الكتاب في حاجة الساحة الأكاديمية والبحثية للمزيد من الدراسات حول الجاليات الفلسطينية في الشتات، خُصوصًا تلك التي كان لها دورٌ متميزٌ في محاولات الفلسطينيين إعادة اللحمة للشعب الفلسطيني وبناء مؤسساته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية بعد نكبة عام 1948، مثل الجالية الفلسطينية في الكويت، وهو مهم لأنَّه نتاج جهدِ باحثٍ متخصصٍ في موضوعه، اعتمد في إعداده على منهجية علمية وأدواتٍ بحثية معتبرة ومصادر أولية وثانوية رصينة، وتمكَّن من نسج متن محكم، وتقديم خلاصاتٍ مدعومة بأدلة قوية.

تركَّز الجهد الأساس للكتاب على اكتشاف الإستراتيجيات والآليات التي اعتمدها الفلسطينيون في شتاتهم لمواجهة تداعيات نكبة عام 1948، وإعادة تنظيم أنفسهم وبلورة هويتهم من جديد، وخَلُص المؤلف إلى أن العائلة هي مؤسسة الشتات الأولى التي كان لها الدور المحوري في استعادة الفلسطينيين نسيجهم الاجتماعي وقوتهم الاقتصادية ونظرتهم لأنفسهم باعتبارهم شعبًا اقتلع من أرضه ويسعى للعودة اليها.

تناول الفصل الأول مصادر الكتاب، وقدَّم عرضًا موجزًا لطبيعة المجتمع الفلسطيني قبل عام 1948، وناقش الأدبيات النظرية، مركزًا على مفهوم العائلة كونها وحدة اقتصادية اجتماعية، والهجرة من الريف إلى المدينة، وتكتيكات المهجرين في أحوال مشابهة لما جرى للفلسطينيين، وبناء الشبكات الاجتماعية والتحليل القائم على تلك الشبكات وتأثيرها، وتطرق إلى القضية الفلسطينية وأهميتها، ودوَّن عددًا من الفرضيات الخاصة بالكتاب.

ركَّز الفصل الثاني على أحداث النكبة ونتائجها، وخَصَّصَ المؤلف الفصلين الثالث والرابع لدراسة النخبة الفلسطينية المهجرة، وكَشَفَ بعض العوامل التي شجعتها على الوصول إلى الكويت دون غيرها من البلدان، وأعطى تفصيلاتٍ عن نجاحها في تأمين حياة أفضل لشبكات عائلاتها الفعلية والموسعة، وسَرَدَ نماذج لمساهماتِ عناصرها في الحركة الوطنية الفلسطينية.

اهتم الفصل الخامس بدراسة أنماط البقاء التي استخدمها الريفيون الفلسطينيون في الكويت، وتضمن شرحًا عن خط التهريب الذي استخدموه للوصول إليها بداية خمسينيات القرن الماضي، ونجاحهم في التأسيس لمجتمع قروي صامد وجديد في الشتات يتمحور حول الأسرة والقرية.

توسع في الفصل السادس في قراءة الشبكة العائلية في شكليها الفعلي والموسع، وفصَّل في وظائف العائلة الفلسطينية في الشتات وحلَّلها، وسلط الضوء على دورها في إعادة بناء النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتعزيز حضور الفلسطينيين الاقتصادي ومشاركتهم في الهم الوطني، وأبرز الميزات العابرة للأوطان التي تختص بها الشبكات العائلية الفلسطينية، كما في عائلات قمر المقدسية وسمور الياسينية وأبو الجبين اليافاوية.

رَصَدَ الفصل السابع الآليات الأساسية غير الرسمية التي مكَّنَتْ من بقاء القرى والأحياء الفلسطينية القديمة في الشتات، وبحث الفصل الثامن في استراتيجيات التأقلم الاقتصادية والاجتماعية، وما تطلَّبه من توسيع العائلة لوظائفها، لتشمل مجابهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الشتات من خلال تأسيس صناديق القرى والبلدات ومراكز ودواوين وجمعيات للعائلات منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، والمساهمة في دعم صمود الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال وسياساته عبر المشاركة في إنشاء المزيد من المؤسسات التعليمية والصحية في الأرض المحتلة.

تناول الفصل التاسع اجتياح العراق للكويت وتداعياته الكارثية على الجالية الفلسطينية، وناقش بجرأة العلاقة التي نشأت بين الشعبين الفلسطيني والكويتي في تلك المرحلة، وكيف كانت الأزمة ونتائجها بداية النهاية لوجود الجالية النوعي في الكويت، وأجاب الفصل العاشر عن السؤال المتعلق بما حلّ بالجالية الفلسطينية في الكويت بعد خروج القوات العراقية منها، مستعرضًا جانبًا من معاناتها، والتكتيكات التي استخدمتها لمواجهة سلسلة المآزق التي تعرضت لها والتي أفضت في نهاية المطاف إلى خسرانها مكانتها السابقة.

 

نخب وفلاحين.. دور الجالية الفلسطينية في الكويت

لعل من أهم إسهامات هذا الكتاب تناول دور النخبة الفلسطينية في تأسيس الجالية الفلسطينية في الكويت ورسم مسارها وتحديد خياراتها طوال عقود، وربط كل ذلك باستراتيجيات الفلسطينيين في البقاء والتأقلم وقدرتهم على استعادة هويتهم الاجتماعية والثقافية وإبراز تطلعاتهم الوطنية.

قدَّم الغبرا تصورًا واضحًا لطبيعة النخبة الفلسطينية في الكويت، عبر سرد جانبٍ من تجارب عددٍ من شخوصها الرئيسيين، وتناول أصولهم المناطقية وخلفياتهم المهنية وتطلعاتها المستقبلية، ودورهم الريادي في التأسيس للبنى التحتية للكويت الحديثة، وقدرتهم على التعاطي مع التحولات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في الكويت، ومساهمتهم في الحركة الوطنية الفلسطينية، كما في تجربة أشرف لطفي (يافا) مدير مكتب أمير الكويت، وهاني القدومي (يافا) مؤسس أول دائرة حديثة للإقامة وجوازات السفر، ومحمد الغصين (الرملة) مدير أول محطة إذاعة حديثة، وخالد الحسن (حيفا) أمين عام في المجلس البلدي في بلدية الكويت، وسابا جورج شبر (القدس) المشرف الرئيس على المخطط المعماري لدولة الكويت الحديثة، وخليل شحيبر مؤسس الشرطة الكويتية، ومصطفى الشوا (غزة) مدير الشؤون المالية في وزارة الدفاع، وعبد المحسن القطان ( يافا) مدير عام في وزارة الكهرباء، ودرويش المقدادي (القدس) مدير للتعليم في الكويت، وسامي بشارة مدير المستشفى الأميري في الكويت.

أمَّا سَرْدُ المؤلف لتجربة الفلاحين الفلسطينيين في الكويت فكان مشوقًا، فقد استعرض الظروف التي دفعتهم للهجرة، ثمَّ بِدْء وصولهم إليها عام 1951، عبر خط تهريب طويل ومحفوف بالمخاطر، كما ركَّز على استراتيجيات البقاء التي اعتمدوها، ودور الروابط العائلية في التأقلم مع الواقع الجديد، وتحولهم من أناس لا يملكون الخبرة ولا التعليم إلى عمال ماهرين أو متوسطي المهارة.

الجالية الفلسطينية في الكويت عام 1990 وما بعده

أظهر المؤلف شجاعةً في تناوله لموضوع الجالية الفلسطينية واجتياح العراق للكويت وما بعده، وقدَّم تصوره لما جرى خلال عامي (1990-1991) مستندًا لشهاداتٍ لفلسطينيين وكويتيين عايشوا تلك المرحلة، بالإضافة إلى تقارير لمؤسساتٍ حقوقيةٍ كويتيةٍ وغير كويتيةٍ، وأحاديث لمسؤولين رسميين من الطرفين الفلسطيني والكويتي، وخَلُص إلى بعض النتائج المغايرة لما تناقلته وسائل الإعلام وبعض الأدبيات في حينه.

من تلك النتائج: أن ارتباك الجالية الفلسطينية بشأن الموقف من الاجتياح العراقي للكويت لم يدعم طويلًا، إذ ما لبثت أن حسمت أمرها بالوقوف ضده، وأنَّه رغم النتائج الكارثية للأزمة إلا أن عدد القتلى والمفقودين الفلسطينيين لم يتجاوز الـ16 قتيلًا و33 مفقودًا، وأنَّ وسائل إعلامٍ خليجية ومصرية ساهمت أثناء الأزمة في شيطنة الفلسطينيين في الكويت لأسبابٍ سياسية تتعلق بمحاولات إضعاف الموقف الفلسطيني ودفعه باتجاه قبول الدخول في مسار التسوية الذي يُعد له بعد انتهاء الازمة، وأن أطرافًا فلسطينية وكويتية خطَّت مسارًا طويلًا وشاقًا بهدف إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 1990، وأن العلاقات الكويتية – الفلسطينية بقيت باردة حتى زيارة فيصل الحسيني للكويت عام 2001، ثمَّ تصاعد التحركات الشعبية الكويتية المناصرة للقضية الفلسطينية مثل مشاركة ست عشرة شخصية كويتية في قافلة أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة عام 2010، تلتها جهود رسمية تكللت بافتتاح سفارة لفلسطين عام 2013، واستقبال رسمي لخالد مشعل عام 2015، والاعتراف بجواز السفر الفلسطيني عام 2016.

ملاحظات عامة

لا شك بأنَّ كتاب الغبرا نص متين وممتع، لكنَّ ذلك لا يمنع من تسجيل عدد من الملاحظات أراها ضرورية. تتعلق الملاحظة الأولى بقائمة المصادر والمراجع، إذ فات المؤلف الاطلاع على بعض المراجع المفيدة والتي تحوي تفاصيل مهمة خصوصًا فيما يتعلق بما جرى إبان سيطرة العراق على الكويت وفي مرحلة لاحقة لخروج القوات العراقية منها، منها دراسة آن موسلي ليش Ann Mosely Lesch “الفلسطينيون في الكويت”، Palestinians in Kuwait، المنشورة في مجلة  Journal Of Palestine Studies  في عددها 80 عام 1991.

أما الملاحظات الأخرى فتتعلق بمتن الكتاب، إذ كان على الغبرا تسليط المزيد من الضوء على بدايات  تبلور العلاقة بين الكويت وفلسطين، خصوصًا فيما يتعلق بموقف الكويت من القضية الفلسطينية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وذلك لإظهار أن العلاقة بين الطرفين لم تقم على تبادل المنفعة فقط على قاعدة (كوادر فلسطينية مؤهلة – بلد في طور النمو وبحاجة لهذه الكوادر)، وإنما لعبت القضية الفلسطينية دورًا محوريًا في رسم معالم هذه العلاقة منذ البداية.

الملاحظة الأخرى لها علاقة  بسيطرة نزعة رومانسية على تناول الغبرا  لمسيرة النخبة الفلسطينية في الكويت كما في الفصلين الثالث والرابع، فقد بدت نخبةً مثاليةً، جميع أفرادها عصاميون، ومتفانون في أعمالهم، ومستعدون للتضحية لخدمة شعبهم، وخياراتهم صحيحة، رغم أن ما مرَّت به تجربتها من منعطفات، خصوصًا بعد ما شهدته الكويت من تحولات اقتصادية وسياسية وأمنية، يدفع المتابع للقول بأنَّها لا تختلف عن باقي النخب في المجتمعات البشرية، فقد كانت خاضعة في سيرورتها لعوامل عدة يأتي في مقدمتها مصالحها، وتعود هذه النزعة، برأيي، إلى انتماء المؤلف لهذه النخبة، فهو من مواليد الكويت ووالده الطبيب الفلسطيني ناظم الغبرا الذي عمل في الكويت منذ عام 1952، كما أنَّ الإنجازات الكبرى التي حققها بعض أفراد تلك النخبة ساحرة وتُخفي عن الناظر ما اعترها من مظاهر ضعف.

وليت الغبرا أفرد مساحة أوسع لدراسة دور الجالية الفلسطينية في الكويت في الحركة الوطنية، خصوصًا وأن المعطيات البحثية الجديدة حول الموضوع تشير إلى دورٍ مركزيٍ للفلسطينيين في الكويت، ليس فقط فيما يتعلق بنشوء حركة فتح وتطورها، وإنما أيضًا في تأسيس حركة حماس، ولا ننسى أن عددًا كبيرًا من قادة الأخيرة محسوبون على الجالية الفلسطينية في الكويت مثل خالد مشعل وعمر الأشقر وسلمان الحمد وسامي خاطر ومحمد نزال وجمال عيسى وغيرهم، وليته وهو يكشف عن الدور المميز للنخبة الفلسطينية في الكويت في مسار الحركة الوطنية، اهتم بدور الريفيين الفلسطينيين أيضًا، خصوصًا وأنَّهم رفدوا الحركة الوطنية بالكوادر الميدانية والسياسية التي لعبت دورًا مهمًا في المراحل المختلفة التي مرت بها القضية الفلسطينية، أما فيما يتعلق باجتياح العراق للكويت وموقف الفلسطينيين منه، فرغم أنَّه عرَّج على موقف فصائل منظمة التحرير من الأزمة ودورها فيها، الا أنَّه تجاهل موقف حركة حماس ودورها، رغم أنَّها فصيل فلسطيني كان فاعلًا في تلك الفترة، وصدَّر موقفًا أثبتت الأحداث اللاحقة صوابيته وتوازنه.

أما الملاحظة الأخيرة فمرتبطة باستخدام المؤلف بعض المصطلحات والتشبيهات المتأثرة بالخطاب والثقافة الغربيين، مثل الإشارة إلى ما أسماه بـ “الشتات اليهودي” حين الحديث عن الشتات الفلسطيني، أو في حديثه عن رؤى العودة وتشبيهه لحنين الفلسطينيين لبلداتهم وقراهم وانعكاساته على تجاربهم بالـ ” الصهاينة القدامى”، رغم أنَّ مصطلح ” الشتات اليهودي” محل نظر تاريخي، ومصطلح “الصهاينة” يلقي بظلال ثقيلة على القارئ الفلسطيني خاصة والعربي بشكل عام.

 

 

خاتمة

صدر الكتاب بعد عقود طويلة على تأسيس الجالية الفلسطينية في الكويت، وبعد أن رحل عن دنيانا الفانية أغلب مؤسسيها الأوائل، وقد نجح مؤلفه في تقديم صورة واضحة لنشأة الجالية ودورها التاريخي في استعادة الفلسطينيين لنسيجهم الاجتماعي وهويتهم الثقافية والوطنية ومساهمتها في مسيرة التحديث والنهضة في الكويت، وفي تسليط الضوء على العائلة باعتبارها العامل المؤثر الأكبر في مسار الجالية.

ولا نبالغ إن قلنا بأن الكتاب يشكل مرجعًا أكاديميًا مهمًا لدارسي الشتات الفلسطيني، وهو عدة معرفية ضرورية لكل من ينادي بضرورة إعادة الاعتبار للشتات ولدوره في القضية الفلسطينية.

 

أكمل القراءة

قراءة في

قراءة في إصدارات المراكز البحثية “الإسرائيلية” …الثلث الأول لشهر شباط

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس

 

في “إسرائيل” تتنوع المراكز البحثية والفكرية التي تهدف إلى تقديم قراءات وحلول، ووضعها أمام متخذي القرار، وإن كان لا يزال الخلاف موجودًا حول حجم تعاطي الحكومات الصهيونية مع قراءات تلك المراكز وإصداراتها، لكن الوجود النخبوي فيها، والذي يضمّ ساسة ورجال أمن سابقين، يجعل لما يكتب فيها قيمة إضافية.

هذه القراءة ستُغطي أبرز ما صدر عن تلك المراكز، خلال الثلث الأول من شباط 2021، وتتمحور حول ارتدادات قرار الجنائية الدولية على “إسرائيل”، إلى جانب قراءة الانتخابات الإسرائيلية من وجهة نظر الاحتلال، كما تتناول القراءة انعكاسات جائحة كورونا على جيب المواطن الإسرائيلي، وفي الجانب الأمني تناولت القراءة انعكاس اعتماد “إسرائيل” على القبة الحديدية على قدرتها في اتخاذ القرار.

 

أولاً: معهد دراسات الأمن القومي[1].

تطرق معهد دراسات الأمن القومي لقضيتين أساسيتين مرتبطتين بالواقع الفلسطيني، وتنعكسان على “إسرائيل”، الأولى اعتزام السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات عامة في أيّار القادم، فيما الثانية قرار الجنائية الدولية بأنّ ولايتها تشمل الأراضي الفلسطينية، وإمكانية فتح ملفات جنائية لقيادات “إسرائيلية”.

  1. الانتخابات الفلسطينية، مقامرة، أمل أم مناورة سياسية[2].

تطرق الكاتبان كوبي ميخال ويوحنن تسورف، إلى الانتخابات الفلسطينية التي من المُقرر أن تجري في شهر أيّار/ مايو من هذا العام، فقد أشار كوبي ورفيقه إلى أنّ الانتخابات يُنظر إليها فلسطينيًّا على أنّها أمل كبير في تجديد القيادات والوصول إلى مصالحة فلسطينية داخلية، في ظل إشارات تُشير إلى احتمالية مشاركة كلّ الفصائل الفلسطينية بما في ذلك الجهاد الإسلامي[3].

أشار الكاتبان إلى وجود عدّة معيقات جعلت الانتخابات رهينة إلغائها في أي لحظة، وحُصرت في النقاط التالية:

  • تصويت سكان شرقي القدس، إذ يحتاج هذا الموضوع إلى موافقة “إسرائيلية”.
  • تخوفات قوى المعارضة من احتمالية مشاركة حماس وفتح في قائمة واحدة، الأمر الذي ورد على لسان العديد من قيادات الحزبين.
  • نفور الكثير من الشرائح تحديدًا الشبابية منها، وشعورهم بفشل قيادتي فتح وحماس وضرورة إيجاد جسم سياسي بديل.
  • الغضب الكبير على خلفية الواقع الاقتصادي، واحتمالية عقاب الجماهير للسلطة الفلسطينية.
  • احتمالية مشاركة دحلان وانضمام مروان له، الأمر الذي قد يجد أيضًا صدى لدى قيادات أخرى قد تنضم لهما، وهذا قد يدفع عباس إلى إلغاء الانتخابات.

ومن أجل التغلّب على أية مخاوف يرى ميخال وتسورف أنّ عباس التف قضائيًّا، بتطويعه القضاء بما يتناسب مع رغباته الانتخابية، من حيث احتمالية إلغاء الانتخابات نفسها أو حتى إلغاء نتائجها، فقد بات القضاء يتبع له بشكل مباشر ويسير وفق رغباته، ونوّه الكاتبان إلى أنّ عباس اتخذ خطوتين متناقضتين، الأولى إعادة التنسيق الأمني مع “إسرائيل”، ورغبته بالمصالحة مع حماس، وهو الأمر الذي يعني أنّ دعواته لتجديد المفاوضات ليست جادة، كون حماس ترفض شروط التخلي عن سلاحها والاعتراف بـ “إسرائيل”، أو أنّ توجهاته الداخلية بالمصالحة مع حماس غير حقيقية، إنّما مناورة سياسية للضغط على الأطراف الخارجية ورسالة للنظام الأمريكي الجديد برئاسة بايدن.

ويُخلص الباحثان إلى أنّ عباس على الأرجح سيجد الذرائع لإلغاء الانتخابات، وهذا يتوافق تمامًا مع الرغبات الإسرائيلية التي لا تريد الانتخابات، فبالرغم من الواقع السيء في الساحة الفلسطينية فإنّ حماس تبدو بحال أفضل من فتح انتخابيًّا، وقد نصح الكاتبان دولتهما بعدم التدخل في الانتخابات إن أُجريت، والعمل على خلق مسار سياسي جديد مع السلطة لمنحها نقطة قوّة، وتحسين الواقع الاقتصادي للفلسطينيين لأنّ ذلك يُساهم باستمرار السلطة وتقويتها الأمر الذي سيصب في مصلحة “إسرائيل”.

  1. ضوء أخضر لفتح تحقيق جنائي دولي ضد “إسرائيل”[4].

تناولت بنينا باروخ القضية التي أخذت حيّزًا واسعًا من النقاش الداخلي في “إسرائيل”، وسط اتهامات واضحة لنتنياهو رئيس وزراء الاحتلال بالفشل في هذا الملف، وقد تناولت باروخ الانعكاسات التي ستكون على خلفية قرار الجنائية الدولية بولايتها على الأراضي الفلسطينية، الأمر الذي قد يُمهد لتحقيقات ومحاكمات بحق قيادات وجنود الاحتلال.

باروخ أشارت إلى أنّ هناك قضيتين أساسيتين لقرار المحكمة، هما ملاحقة جيش الاحتلال والملف الاستيطاني، وأشارت باروخ أنّه بإمكان “إسرائيل”، فيما يتعلق بالجيش وأعماله، تقديم بيانات للمحكمة، بأنّها (أي “أسرائيل”) تُباشر هذا الموضوع بنفسها، الأمر الذي سيدفن الملف من بدايته، أمّا فيما يتعلق بالاستيطان فسيطرة “إسرائيل” في مناطق “ج” ليست مخالفة للقانون، وهنا تقصد باروخ بأنّ الاتفاق السياسي مع الفلسطينيين لم يصل إلى نهايته حتى يُمكن للمحكمة التدخل.

وأضافت باروخ أنّ المحكمة ومنذ تأسيها قبل 19 عامًا لم تتخذ قرارات سوى بحق 46 شخصية، الأمر الذي يُشير إلى تعقيد هذه المسألة وعدم إمكانية تطبيقها فيما يتعلق بـ “إسرائيل”، ونصحت باروخ دولتها بالعمل في اتجاهات ثلاثة:

  • العمل على فتح تحقيقات جدية ضد أي أعمال مخالفة للجيش في مناطق الضفة الغربية.
  • عمل سياسي دؤوب مع الأصداء في الخارج، واللذين لهم مصالح مشتركة مع “إسرائيل”.
  • إعادة احياء المسار السياسي مع الفلسطينيين، لأنّ ذلك يمنع تدخل الجنائية ويُقلل من احتمالية وصول الملفات وأخذها على محمل الجد.

من الناحية العملية يُمكن فهم الاستياء الإسرائيلي تجاه قرار الجنائية، ليس من ناحية المخاوف من تطبيقه ومحاكمة قيادات أو جنود الاحتلال، ولكن “إسرائيل” وصلت إلى مرحلة القناعة بأنّها فوق المتابعة أو التحقيق، أو حتى اللوم أو الاتهام بالاحتلال، فهي باتت ترى أنّ كل أعمالها شرعية، ويجب أن يقتنع العالم بكل ما تقوم به، وألّا تظهر بصورة المحتل المجرم، بل واحة للديمقراطية واحترام حقوق الانسان، بمعنى أنّ “إسرائيل” لم تعد تحتمل تشويهًا ولو قليلاً في صورتها وهي التي تُنجز في كل يوم، مسارًا سياسيًّا جديدًا مع العرب!

ثانيًا: المركز الإسرائيلي للديمقراطية[5].

أعدّ مركز الديمقراطية الإسرائيلي، استطلاع رأي بعنوان “من إغلاق إلى إغلاق.. لم يتبقى في جيب المواطنالإسرائيلي” الكثير من المال”[6]، وذلك في سياق البحث عن آثار جائحة كورونا الاقتصادية.

أشار في ذلك الاستطلاع واحد من كل ثلاثة أشخاص إلى عدم امتلاكهم المال الكافي لسد احتياجاتهم، بينما كانت النسبة في الإغلاق الأول (بسبب جائحة كورونا) واحد إلى أربعة، أمّا في الوسط الفلسطيني في الداخل فكانت النسبة واحد إلى اثنين.

ووفق الاستطلاع أيضًا تبين أنّ اليهود الحريديم يُعانون بذات النسبة قريبًا من الفلسطينيين، فـ48% منهم لا يمتلك مالاً كافيًّا لسد احتياجاتهم، الأمر الذي بات يؤثر سلبًا على طريقة تفكيرهم وتخطيطهم للمستقبل، وعند تحليل العينات، تبين أنّ أصحاب الدرجات العلمية العُليا هم الأقل تضررًا، فقد عبّر 27% فقط عن قلّة المال لديهم، مقابل 38% من أصحاب التعليم المتوسط، و40% من منخفضي التعليم.

وبتحليل الأرقام أعلاه نجد أنّ الضائقة التي يُعاني منها الفلسطينيون مرتبطة بالواقع العنصري، الذي يحرمهم من الوصول إلى الوظائف المتقدمة ذات الدخل المرتفع، فيما بالنسبة للحريديم فيُمكن ربط الأرقام بكونهم يرفضون الاستمرار في التعليم الأكاديمي لفترة طويلة، ويتفرغون لتعلّم التوراة والأمور الدينية، إلى جانب أنّ دخولهم سوق العمل يأتي متأخرًا، وفي وظائف متدنية.

لكن ما تمنحه الدولة للمواطنين من منح، يُسهل بالغالب على غالبية هؤلاء المواطنين، فقد قامت حكومة الاحتلال بمنح مواطنيها منحًا للمرة الثالثة على التوالي، منها منح للمواطنين بشكل مباشر وتزداد مع ازدياد عدد أفراد الأسرة، ومنها ما يُمنح للأعمال المختلفة خاصة المتوسطة والصغيرة منها، من أجل تجاوز الآثار السلبية للكورونا.

ثالثًا: مركز بيجن – سادات للدراسات[7].

تناول مركز بيجن – سادات للدراسات قضية حساسة في الداخل الإسرائيلي، وهي لجوء “إسرائيل” إلى امتلاك القبّة الحديدية، محاولة الاعتماد عليها في مواجهة التحدي القادم من قطاع غزة، فقد كتب اللواء شاي شبتاي، الباحث البارز في المركز تحت عنوان “التسلح بالقبة الحديدية كدليل فشل في اتخاذ القرارات القومية”[8].

يقول شبتاي إنّ اختيار “إسرائيل” التسلّح بالقبة الحديدية، والعمل المستمر على تحسينها وإنفاق الكثير من الأموال عليها، يُشير إلى أنّ “إسرائيل” اتخذت قرارًا بعدم الحسم في مواجهة التحديات الأمنية على حدودها، في إشارة من شبتاي إلى ترددها في خوض حرب واضحة وحاسمة، وهذا الأمر وفق شاي سينسحب على مناح أُخرى في الدولة، والتي يبدو أنّها ستُفضل عدم الحسم في الكثير من القضايا، الأمر الذي سيحولها إلى دولة متوسطة وضعيفة مع مرور الزمن.

ويُضيف شبتاي على أهمية القبة الحديدية وحمايتها للسكان المدنيين، إلا أنّ القوى المقاومة لـ “إسرائيل” في غزة، وعند إطلاق أي صاروخ، تشوش حياة المدنيين، وتبث فيهم الرعب والخوف، بمعنى أنّ حماية المدنيين من الضرر الجسدي ليست كافية.

يتخوّف شبتاي من أنّ حكومته، باتت تميل إلى إستراتيجية الامتناع، بدلاً من اتخاذ قرار بعمل بري، الأمر الذي سيكون له انعكاسات كبيرة.

لكن شبتاي لم يتطرق إلى قضية النقاش الدائر داخليًّا بضرورة عدم الوصول إلى حرب برية وتعريض حياة الجنود للخطر، فقد أظهرت نتائج الحافزية للتجنيد إلى رفض غالبية الشباب وأهاليهم الانضمام إلى وحدات القتال البرية والمدرعات، في الوقت الذي سجلت حافزيتهم للانضمام إلى الوحدات التكنولوجية أرقامًا كبيرة، كونها تحميهم من خطر المواجهة وتفتح لهم آفاق عمل مستقبلية.

ورغم فارق الإمكانات الكبير بين “إسرائيل”، وقوى المقاومة. فإنّ معادلة الردع باتت متقاربة، ففي الوقت الذي تخشى المقاومة من آلة الدمار “الإسرائيلية” باتت “تل ابيب” تخشى من قدرات المقاومة وتصاعدها ومدى تأثيرها على جبهتها الداخلية، الأمر الذي ألجأها إلى البحث عن السلاح التكنولوجي البديل ولو المؤقت عن القتال البري، في وسيلة لمنع النقد الداخلي من آثار التهديد للمقاومة، وكذلك منع النقد الذي قد يجلبه دخول بري للقطاع خاصة في ظل مؤشرات عدم القدرة على الحسم، وهذا يُبقي “إسرائيل” في دائرة عدم القرار، أو الخوف من اتخاذ قرار استراتيجي.

 

 

 

[1]  يُعتبر من أبرز المراكز البحثية في “إسرائيل”، ويهتم المركز تحديدًا بالقضايا الأمنية والسياسية. تأسس في العام 2006، ويستقطب أبرز الباحثين محليًّا وعالميًّا، ويُعتبر من المراكز الأبرز؛ ليس على الساحة المحلية فحسب، بل أيضًا على الساحة العالمية، فقد صُنِف في العام 2008، من  ضمن أبرز عشرة مراكز عالميًّا.

يتبع المعهد لجامعة “تل ابيب”، لكهن يحتفظ لنفسه باستقلالية مالية وإدارية. يهتم المركز بالقضايا ذات الصلة بالأمن القومي الإسرائيلي، ويقدم خدماته عبر العديد من الدراسات والمقالات والتقديرات الاستراتيجية، بالإضافة إلى عقده مؤتمرًا سنويًّا، يلخص فيه الأوضاع الأمنية الاستراتيجية لـ “إسرائيل”، ويشارك في المؤتمر كبار رجالات الدولة، كرئيسها ورئيس وزراءها، والعديد من الشخصيات السياسية العالمية، كما يقدم المركز سنويًّا لرئيس الدولة تقديرًا استراتيجيًّا للقضايا الأمنية التي تمس “إسرائيل”، ويرأس المركز اللواء السابق عاموس يدلين.

 

[2]  يوحنن تسورف وكوبي ميخال، 2.2.2021. الانتخابات الفلسطينية، مقامرة، أمل أم مناورة سياسية، معهد دراسات الأمن القومي. https://www.inss.org.il/he/publication/pa-elections/?offset=1&posts=1417&type=219

أعلنت حركة الإسلامي لاحقًا أنّها لن تشارك في هذه الانتخابات. [3]

[4]  بنينا باروخ، 8.02.2021، ضوء أخضر لفتح تحقيق جنائي دولي ضد “إسرائيل. معهد دراسات الأمن القومي، https://www.inss.org.il/he/publication/icc-decision/

[5]  معهد مستقل غير حزبي وغير حكومي، تأسس في العام 1991، ويقدم أبحاثًا في مجالات الأحزاب، والديمقراطية، والأمن والمجتمع، ومن أبرز اصداراته السنوية، “قياس الديمقراطية في إسرائيل”، ويتبع للمعهد 5 مراكز بحثية مستقلة، ويرأسه يوحنن فلسنر.

[6]  يردان كيدار، 8.2.2021، من إغلاق إلى إغلاق لم يتبقى مال في جيوب المواطنين، مركز الديمقراطية الإسرائيلي. https://www.idi.org.il/blogs/special-economic-survey/december-2020/33686

[7]  مركز سمي بهذا الاسم نسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحم بيجن، ورئيس مصر الراحل أنور السادات، تيمنًا بما حققاه من سلام بين البلدين في العام 1978. المركز لا يتبع لأي جهة سياسية، هدفه تقديم عملية السلام في الشرق الأوسط، من خلال أبحاث في قضايا الأمن القومي في الشرق الأوسط، يعمل المركز إلى جانب قسم العلوم السياسية في جامعة بار ايلان، حيث يقدم إلى جانبها خدمات تعليمية، ويرأس المركز البروفيسور، أفرايم كارش.

 

[8]  شاي شبتاي، 9.02.2021، التسلح بالقبة الحديدية كدليل فشل في اتخاذ القرارات القومية، مركز بيجن-سادات للدراسات. https://besacenter.org/he/perspective-papers-he/%d7%9b%d7%99%d7%a4%d7%aa-%d7%91%d7%a8%d7%96%d7%9c-%d7%91%d7%99%d7%98%d7%95%d7%99-%d7%9b%d7%a9%d7%9c/

أكمل القراءة

قراءة في

هل أوقف رابين مسيرة الاستيطان، وهل نوى الالتزام باوسلو؟!

نشر

في

بواسطة

 

 

كتب: عماد أبو عوّاد

 

 

في ظل سياسة السلطة الفلسطينية والتي اعتمدت منذ ما يزيد عن العقدين من الزمن، على محاولة بناء آمال على تيار “إسرائيلي” دون الآخر، مقسمةً المجتمع الصهيوني إلى تيارين، الأول مؤمن بالسلام، والآخر يميني مؤمن بالاستيطان. رافعةً سقف التوقعات خلال حكم الوسط في “إسرائيل” بقيادة حزب العمل، وخافضةً إيّاه زمن حكم الليكود، والذي ترأس غالبية الحكومات منذ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993.

سياسة عمل السلطة هذه، والتي بُنيت بغالبيتها على ردّات فعل محدودة، دون اتخاذ خطوات جوهرية على الأرض، لم يكن لها أي انعكاسات سوى سلبية على القضية الفلسطينية، فهي من الجانب الأول بُنيت على انتظار التغيير في “إسرائيل”، ومن الجانب الآخر لم تستطع استيعاب ألّا فروقات جوهرية بين التيارات الصهيونية المُختلفة في التعامل مع القضية الفلسطينية، سوى أسلوب التعبير عن المضمون.

خلال 27 عاماً من التفاوض ما بين السلطة والاحتلال، كان هُناك مؤشرات تؤكد الاتفاق الداخلي الصهيوني على عدّة قضايا:

  1. يُمنع إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967.
  2. الاستيطان في الضفة الغربية، ضامن لأمن “إسرائيل”، وخيار لحل مشكلة الاكتظاظ السكاني.
  3. يُمنح للفلسطينيين بالحد الأبعد حُكم ذاتي في مناطق منزوعة السلاح.
  4. التبعية الاقتصادية والأمنية يجب أن تبقى للاحتلال.
  5. الفكر المُقاوم والمقاومة، يجب تجفيف منابعه لدى الفلسطينيين.

رئيس وزراء الاحتلال إبّان توقيع اتفاق أوسلو إسحاق رابين، والذي نال إلى جانب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، جائزة نوبل للسلام إثرَ توقيع الاتفاق، ورغم الزخم الإعلامي الكبير والبدء بالتطبيق على الأرض، لم يكن بنيته الاستمرار في تطبيق الاتفاق، حيث أنّ اغتياله ليس السبب المُباشر في تغيير المزاج العام العبري.

حيث وفق جاك نيريا، مستشار رابين ورجا اسراره، رابين لم يكن ينوي الاستمرار في اتفاق أوسلو كما تم التوقيع عليه، وأضاف نيريا ” رابين لم يستطيع التراجع بعد أن وقع على الاتفاق، والذي جُرّ اليه من قبل شمعون بيريس، لكن كان ينوي وضع عراقيل وكوابح”[1]، وأضاف نيريا، أنّ رابين وقيادة “إسرائيل” كانت تؤمن بأنّ عرفات كذلك لم يكن رجل سلام، وعشية مقتل رابين كان من الواضح بأنّه ينوي الانسحاب من الاتفاق، في ظل تصاعد عمليات المقاومة، بل وقال لمقربيه، سنستمر في محاربة “الإرهاب” كاّنّه لا يوجد اتفق سلام، ونستمر في الاتفاق كأنّه لا “إرهاب”[2].

نية رابين بعدم الالتزام بما تم التوقيع عليه، لم تكن سرّاً، بل كانت قناعة مترسخة حتى لدى منافسيه في اليمين الصهيوني، وقد ورد ذلك على لسان ارئيل شارون، رئيس الوزراء الأسبق في الكيان، والذي قال بأنّ رابين لم يكن سيستمر في اتفاق أوسلو، لأنّه أدرك من البداية بأنّ ذلك خديعة[3]، في إشارة واضحة بأنّ أوسلو كان مسيرة لها بداية، لكن معالم نهايتها غير واضحة.

وما يؤكد توجهات رابين، وتيرة البناء الصهيوني الاستيطاني، ما بين الأعوام 1993 إلى العام 1995 وتحديداً عشية مقتل إسحاق رابين، ورغم أنّها كانت أقل نشاطاً من السنوات السابقة، لكنّها كانت من الأكثر نشاطاً مقارنة بالسنوات التي تلتها[4]، حيث يرى الدكتور شري اهروني، أنّ السلطة و”إسرائيل”   أجلتا قضايا الحلّ النهائي، الأمر الذي انعكس سلباً، حيث لم تستطع السلطة إيقاف العلميات، ولم توقف “إسرائيل” تسارع عملية الاستيطان[5].

حيث وفق حجيت عوفرون، فإنّ الازدهار الكبير في المستوطنات يأتي بفضل شبكة الطرق والبنية التحتية، التي قامت حكومة رابين ببنائها[6]، والتي يرى المستوطنون الصهاينة بأنّها لم ترَ التطور المطلوب منذ عهد رابين.

بالمجمل يُمكن القول بأنّ رابين، جُرّ إلى اتفاق أوسلو، وكان وفق آدم راز متخوفاً من حراك احتجاجي داخل حزب العمل، قد يُفضي إلى ازاحته من رئاسة الحكومة[7]، الأمر الذي يعني بأنّ رابين ذهب مدفوعاً نحو الاتفاق، وكان يُفكر بوضع العراقيل من البداية، لمنع الوصول إلى تطبيق بنود الاتفاق كما جاءت.

 

[1]  ريبونوت. 16.03.2017. ماذا في الحقيقة اعتقد رابين عن اتفاق أوسلو. http://ribonut.co.il/BlogPostID.aspx?BlogPostId=81&lang=1

[2]  نفس المرجع السابق.

[3]  ارئيل شارون: اتفاق أوسلو كان خديعة، رابين لم يكن سيستمر فيه. https://www.youtube.com/watch?v=mgtIDs2Nba4&list=LLg3x_pG8dNtM8buJdVR1Itg&index=1141&ab_channel=%D7%A0%D7%A8%D7%99%D7%90%D7%91%D7%A0%D7%A8%D7%99

[4]  شلوم عخشاف. (2013). 20 عام على اتفاقية أوسلو. شلوم عخشاف. https://peace.tau.ac.il/sites/peace.tau.ac.il/files/media_server/peace/PDF/books/oslo20.pdf

[5]  نفس المرجع السابق.

[6]  جيت عوفرون. 30.10.2020. المستوطنات تزدهر، والشكر لشبكة طرق رابين. https://www.ynet.co.il/news/article/r1nTD8tOw

[7]  ادام راز. (2012). جبهات متناقضة، التشريح الغريب لقرار رابين بشأن أوسلو. https://in.bgu.ac.il/bgi/israelis/DocLib/Pages/2012/%D7%90%D7%93%D7%9D-%D7%A8%D7%96.pdf

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ يومين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ يومين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ 3 أيام

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

وعادت حليمة الفلسطينية لعادتها القديمة!!

  جودت صيصان عجبًا لأمر بعض المسؤولين الفلسطينين الذين ينتظرون تلميحًا أو تصريحًا، ولو كان من أصغر موظف في إدارة...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة

سياسة الانتظار الفلسطينية.. في ميزان الربح والخسارة جودت صيصان منذ حوالي عقدين من الزمان والقيادة الفلسطينية تعلن بأن القضية الفلسطينية...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية

سيناريوهات الانتخابات الفلسطينية              إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الرابع من كانون الثاني/ يناير المراسيم الخاصة...

مقالاتمنذ شهر واحد

أسئلة على هامش إعلان الانتخابات

  كتبت: رولا حسنين في خضم الحديث عن تصريحات الرئيس محمود عباس حول إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في الفترة القليلة...

مقالاتمنذ شهر واحد

تغيير المناهج التعليمية… خطوة خطيرة لدول التحالف العربي التطبيعي

كتب: جودت صيصان  يبدو أن الكثير منا كان يظن أن دول التحالف العربي التطبيعي قد أُجبرت على التطبيع مع العدو...

مقالاتمنذ شهر واحد

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة

مراسيم الانتخابات.. والأسئلة العاجلة إسلام أبو عون أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس يوم الجمعة السابق المراسيم الانتخابية التي حددت المواعيد...

الأكثر تفاعلا