تواصل معنا

مقالات

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

نشر

في

رأي

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

جودت صيصان

 

أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع الذي تلتقي فيه جريمة الاحتلال في العزل وجريمته في الإهمال الطبي المتعمد، ذلك أني دخلت معمعان هذه التجربة أربع عشر سنة، شاهدت وعانيت وكتبت كثيرًا عنها، منها مسرحية “النفق” (نصًّا وتمثيلاً) التي طرحت موضوع العزل وكتاب “مدفن الأحياء” (نصًّا وفيلمًا)، وعاينت معتقلين مرّوا بالعزل طويلاً، بل وأشرفت على من عانى نفسيًّا في فترة من فترات سجنه، وتواصلت مع أطباء أشرفوا على العلاج.

فأن تأتي “قناة العربية” فتختزل كمًّا هائلاً من المعطيات حول هذين الموضوعين: (الإهمال الطبي المبرمج والعزل) بربط سخيف وهزيل وبائس بحدث مرّ به المعتقل، ولتعرض بذلك عن كمّ هائل من تراكم الجريمة المفتوحة لهندسة الموت في عملية صهر وقتل الروح وعمليات التفريغ الهائلة من المحتوى القيمي والإنساني والوطني والنضالي، هذا يدلّل أن هذه القناة لا تسير بعقل عربيّ أو حتى إنساني أو عقل ذي علاقة بمهنية إعلامية حرة ونزيهة بأي حال من الأحوال. وقد بات هذا معروفًا ولا يحتاج إلى دليل حيث يُطلِق الناس على هذه القناة اسمًا عكس ما أطلقته هي على نفسها.

ثاني الممارسات الخطيرة (والتي تضرب روحنا الإنسانية والنضالية المشتبكة مع المحتل الذي يحاول دائمًا التنصل والهرب من صورته النازية المتوحشّة ورمي الكرة في ملعب الآخرين وكذلك دون إدخال الحسابات الإنسانية للمعتقل نفسه وأهله) هي المبادرة بتسجيل فيديو والعبور من خلاله لما تخفيه الصدور.

هذه الصدور العمياء التي لا ترى أن أولوية هذا الأسير أن نذهب سريعًا لخطة علاجية تعيده إلى وضعه الطبيعي، ثم بعد ذلك نصوّر وننشر، تترك هذه المهمة الإنسانية وتذهب إلى حالة الإثارة والتوظيف وتغذية الأهداف الرخيصة التي تقوم بها هذه القناة وما شاكلها من ذوي الضمائر المغيّبة، وهنا السؤال البديهي: من أعطاكم هذا الحق؟ هل أخذتم موافقة أهله؟ وهل هو بكامل وعيه (وأنتم تعلمون الإجابة علم اليقين) ليعطيكم الحق في التصوير والنشر؟ وهل توثقتم من مصادر معلوماتكم التي ربطت الصورة بما هو مركوز في صدوركم؟ ولماذا تعفون السجّان؟ تعفون من سجن وعزل ومارس الإهمال الطبي المبرمج طيلة هذه الفترة الطويلة، ويا فرحة الاحتلال فيكم إذ تعفونه من كلّ جرائمه التي هي ديدنه المعروف والمثبت بشواهد حية كثيرة كضحايا له ولماكينة قهره وعذابه.

في سياق طبيعي وموضوعي ينصبّ الحديث في الموضوع حول جريمتين كل واحدة حجمها كبير وأكبر مما نتصوّر:

جريمة الإهمال الطبي المتعمّد وجريمة العزل والتي يهندسون فيهما الموت، أو أن يصبح المعتقل فاقد الأهلية النفسية والعقلية والنضالية ومفرغًا من كل قيمه الوطنية والإنسانية والأخلاقية والروحية.. .. الخ وهم يسلكون في ذلك وسائل يتفننون في أشكالها وأنواعها:

  • مدّة العزل الانفرادي لسنوات طويلة بعيدًا عن حياة الأسرى التي في حدّ ذاتها عزل جماعي، أذكر مثلاً المعتقل أحمد شكري مكث في العزل 17 سنة، الأسيرة عطاف عليان وإيمان نافع عزلتا أربع سنوات وهذا رقم مهول لامرأة معتقلة على قضية سياسية، وقد ذكرت لي عطاف عليان أن لجنة من مصلحة السجون كانت تزورها في عزلها كل ستة شهور مرّة لفحص قواها العقلية. أعداد كبيرة مكثت سنوات طويلة وهي معزولة.
  • ظروف المعزول ماكينة من العذاب، إذ إنه يعزل في زنزانة تحيطها زنازين فيها عتاولة الإجرام في مجتمعهم وهؤلاء يقضون ليلهم في مسبات وصراخ وطرق على الأبواب تشكّل عذابًا جديدًا لمعزول على خلفية قضية وطنية وسياسية. عدا عن وضع المكان وبؤسه في مسافة ضيقة مخنوقة في زنزانة انفرادية بلا تهوية ولا غذاء، وساحة الاستراحة ضيقة، لا يرى سماءها، ولا يلتقي فيها بأحد، ويقيد أثناءها في يديه ورجليه، وليست لها أوقات منتظمة معروفة.
  • ويأتي العزل عقوبة إضافية فوق عقوبة السجن نفسه.
  • لا يكترث السجّان بما يحدثه العزل من أمراض نفسية، ومن ثمّ لا يقدّم الرعاية الصحية ولا العلاج المناسب، بل بالعكس يُسخّر كلّ أسالب تكثيف الضغط النفسي ليتفاقم المرض، حتى يصل مرحلة صعبة قد تتابعها غير مؤهلة بعيدًا عن الطبيب المتخصّص، فتسخر من الحالة وتسرّب إشاعات في السجن أنه يتمارض ليخفّف عنه العقاب.
  • وبخصوص هندسة الموت في متابعة الأسرى المرضى، فقد تحدثت عنها كثيرًا من خلال شواهد حيّة في كتاب “مدفن الأحياء”، ورأيناها في فيلم يحمل نفس العنوان ويعرض قصة من تجري عليهم شركات الأدوية تجاربها، والمريض الذي يتلقى حبة الدواء وفيها الداء من ذات اليد التي تقمعه وتذيقه سوء العذاب، ورأينا كيف يدخل سليمًا ويخرج شهيدًا بعد أن يمرّ في مسلسل إجرامهم. وقافلة شهداء الأسرى المرضى كثيرة ومستمرّة وشهادة تلو الشهادة على جريمة المحتل المفتوحة منذ احتلاله لهذا الديار إلى يومنا هذا.

فالاحتلال من “ساسه لراسه” هو من يتحمّل المسؤولية الكاملة وكلّ من يغض الطرف عنه فإنه يتنكّر لحقائق أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولشواهد شاهدها مئات الألوف من الأحرار الذين دخلوا السجون وعاينوا الأمر بأمّ أعينهم منذ قام كيان هذا المحتلّ.

وهذا أيضًا لا يعني أن من في السجون ملائكة لا يخطؤون ولكن لا ينبغي أن نسلّط كلّ ضوئنا على أخطائنا (حالة حدوثها) ولا نرى السبب والمسبّب ومن يضعنا في ماكينة عذابه دون أن يرحم منا أحدًا.

مقالات

القدس مدينة لا تعرف الحدود

نشر

في

بواسطة

مقالات

القدس مدينة لا تعرف الحدود

جودت صيصان

يبدو أن ما تشهده الأراضي الفلسطينية من تصعيد للأحداث منذ أكثر من أسبوعين، وتوصيفها من قبل العديد من المراقبين والمحللين بتسميات مختلفة من قبيل انتفاضة أو هبة سواء ما حدث في باب العامود أو ما يحدث في حي الشيخ جراح أو المسجد الأقصى أو في القدس بشكل عام وما نتج عن ذلك من تداعيات وارتدادات تمثلت في مسيرات جماهيرية في بعض المدن الفلسطينية أو إطلاق الصواريخ من قطاع غزة تجاه مستوطنات الغلاف مرورًا بعملية زعترة وليس انتهاء بتهديد وتحذير رئيس أركان كتاب القسام محمد الضيف لسلطات الاحتلال بأنها ستدفع الثمن غاليًا إذا لم توقف عدوانها على حي الشيخ جراح في القدس الشريف، أعاد للذاكرة الثورات الفلسطينية التي انطلقت شرارتها من مدينة القدس خلال حقبة الاستعمار البريطاني، كثورة عام 1920، ثورة البراق 1929، ثورة 1933، وكذلك في ظل الاحتلال الصهيوني، إحراق المسجد الأقصى عام 1969، مذبحة الأقصى الأولى 1990 والثانية عام 1996″ انتفاضة النفق”، وانتفاضة الأقصى عام 2000، جميعها بدأت من القدس ثم امتدت إلى شوارع المدن والقرى الفلسطينية وإلى دول عربية وإسلامية.

مما لا شك فيه أنّ الأحداث الأخيرة في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وما رافقها من فشل السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي في إقناع دولة الاحتلال بالوفاء بالتزاماتها الموقعة مع السلطة الفلسطينية بتسهيل إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس قد أظهرت، دون أدنى شك، أربعة استنتاجات هامة: أولها أن المسجد الأقصى وباب العامود وحي الشيخ جراح، بل كل القدس هي خط أحمر ومحل إجماع وطني لدى الكل الفلسطيني إن لم تكن لدى الكل العربي والإسلامي، مما يُبرهن وبشكل لا تخطئه العين بأن ما حدث ويحدث في القدس كان على مر التريخ وسيكون له تداعيات وارتدادات ليس فقط على مستوى القدس بل على مستوى العالم.

وثانيها إن الفشل الذريع للنهج السلمي الذي تقوده السلطة الفلسطينية لاستعادة بعض من الحقوق الفلسطينية، ومبالغة الاحتلال في وقاحته وفي غيه واعتداءاته المتكررة والمتزايدة على الفلسطينين بشكل عام والمقدسيين بشكل خاص، أدى إلى ترسيخ القناعة لدى قطاعات واسعة من الفلسطينين بأن هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وهذا ما جرت ترجمته من خلال تزايد الغضب الشعبي الذي عبر عن نفسة بالمسيرات والرباط والاعتصامات والمواجهات والصواريخ، كما انعكس ذلك على المزاج والرأي العام الفلسطيني الذي أصبح أكثر تأييدًا للمقاومة المسلحة والصواريخ.

أما ثالثها فقد تجسد في بروز ما بات يعرف بنموذج المارد المقدسي العنيد والمُلهم، الذي كرر انتصارته في معارك مقدسية عديدة، بدءًا من معركة البوابات الإلكترونية ومصلى باب الرحمة، وباب العامود والمسجد الأقصى، ويخوض الآن معركة حي الشيخ جراح، كل هذا بالرغم من كل محاولات الأسرلة والتهويد، ورغم أنف الاحتلال الإسرائيلي وجنوده المدججين بالحقد والكراهية، وخذلان ذوي القربى.

أما رابعها فهي رسالة إلى جهلة التاريخ والجغرافيا من الأعداء وداعميهم، وإلى فاقدي البوصلة والبصيرة من ذوي القربى، بأن المقدسيون ومعهم الكل الفلسطيني، سينتصرون مجددًا، وسيفرض انتصارهم معادلات جديدة سيكون لها ما بعدها.

أكمل القراءة

مقالات

المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة

نشر

في

بواسطة

رأي

المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة

جودت صيصان

بينما كان من يتحكمون بالمشهد السياسي الفلسطيني حائرين وتائهين وعاجزين عن مواجهة الغطرسة الصهيونية التي لا تعبأ بأي اتفاقيات ومعاهدات والتزامات، والتي كان آخرها طلب السماح لحوالي 6500 مقدسي بالاقتراع في مكاتب بريدٍ إسرائيلية للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية الموعودة، انتفض المقدسيون بقوة مجددًا في شوارع القدس وأزقتها، ليصدوا بسواعدهم الطاهرة جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه، معبرين عن غضبهم العارم من حالة التهميش والعجز الفلسطيني الرسمي من التعامل مع قضية القدس من جهة، ومن جهةِ أخرى جاءت هذه الهبة ردًّا على محاولات الاحتلال الانتقاص من حقوقهم وسلخهم عن مدينتهم وهويتهم ومقدساتهم، ليعيدوا توجيه البوصلة من جديد إلى وضعها الطبيعي والصحيح وهو الصراع بين محتلِ غاصبِ للأرض وشعبِ واقعِ تحت الاحتلال، وليؤكدوا بأن الحقوق لا تُستجدى بل تنتزع إنتزاعا.

أما رسالتهم إلى الفصائل الفلسطينية والقوائم الانتخابية وللشعب الفلسطيني برمته فقد تمثلت بأن المقدسيين قادرون على الحشد بأكثر مما تحشده الفصائل التي تدعي تزعمها للمقاومة السلمية، لا بل مستعدون للمواجهة والاشتباك مع هذا المحتل بشكلِ يسر الصديق ويفاجئ بل يُغيظ العدى، وأن الاحتفاء والدعاء لنا لم يعد كافيًا، وأن المطلوب من الكل الفلسطيني استثمار هذه الفرصة لرفع سقف تحركاتهم ولتحويل هذه الهبة العفوية إلى الحالة المنظمة التي تنخرط فيها كل قوى المقاومة والشعب في مختلف القرى والمدن الفلسطينية، وأن يكون لها رؤية سياسية واضحة مرتبطة بإسقاط الاحتلال ومخططاته.

إن ما جرى في القدس جاء عكس ما كان مخططًا له، فهناك من كان يُروج ويُمهد ويتكتك من أجل إصدار  قرار إلغاء أو تأجيل الانتخابات الفلسطينية بحجة رفض الاحتلال السماح بإجرائها في القدس، للعودة إلى منطقة الراحة والمنافع والامتيازات الخاصة به، حيث لا هوية ولا حقوق ولا نضال ولا إرادة إلى الأبد، لكنه فوجئ بالرمال المتحركة التي تموج بها الأرض المقدسة، والتي تمثلت بانتفاضة هذا المارد المقدسي بكل قوة وعزة وشموخ ليبرهن بكل وضوح على قدرته على فرض الإرادة الفلسطينية وعدم الارتهان لإرادة المحتل وداعميه، مما أربك جميع مخططات هذا الفريق وخلط كل أوراقه، وجعل من هذه الهبة جرس إنذار للقادة الفلسطينين والعرب والأمريكان والأوربيين بأن القدس هي أرض فلسطينية عربية، وأن السيادة فيها لأهل الأرض الذين سيدافعون عنها مهما كلف ذلك من ثمن.

في ضوء ما سبق هل من اللائق أن يكتفي البعض الفلسطيني بالثناء على ما يقدمه المقدسيون، أو أن يكتفي بتحميل الاحتلال المسؤولية، أو مطالبة ومناشدة العرب والمسلمين لبيان موقفهم مما يحدث في القدس قبل أن يُعلن هو موقفه الواضح والصريح والمطلوب ؟ّ! أليس لدى هذا الفريق غير سلاح الشجب والتنديد والاستنكار في التعامل مع الصلف الصهيوني؟!

إن تحرك فصائل المقاومة السريع والحاسم عبر الغرفة المشتركة وإعلانها بأنها ستكون في حالة انعقاد دائم، لوقف تغول الاحتلال على القدس وأهلها، وترجمة ذلك بعد ساعات قليلة في قصفِ صاروخي للمستوطنات الواقعة في غلاف غزة، يؤشر إلى أن الفلسطينيين لن يهدروا هذه الفرصة لتوحيد صفوفهم وكلمتهم وكذلك دعم إخوانهم في مواجهة هذا العدوان الصهيوني ومنعه من الاستفراد بأيقونة الصراع وأهلها، ليعيدوا بذلك بريق قضيتهم على كل الساحات العربية والإسلامية والدولية، وردع الاحتلال وداعميه وسحق كبريائهم.

أكمل القراءة

مقالات

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

نشر

في

بواسطة

رأي

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية

وليد الهودلي

 

أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع الذي تلتقي فيه جريمة الاحتلال في العزل وجريمته في الإهمال الطبي المتعمد، ذلك أني دخلت معمعان هذه التجربة أربع عشر سنة، شاهدت وعانيت وكتبت كثيرًا عنها، منها مسرحية “النفق” (نصًّا وتمثيلاً) التي طرحت موضوع العزل وكتاب “مدفن الأحياء” (نصًّا وفيلمًا)، وعاينت معتقلين مرّوا بالعزل طويلاً، بل وأشرفت على من عانى نفسيًّا في فترة من فترات سجنه، وتواصلت مع أطباء أشرفوا على العلاج.

فأن تأتي “قناة العربية” فتختزل كمًّا هائلاً من المعطيات حول هذين الموضوعين: (الإهمال الطبي المبرمج والعزل) بربط سخيف وهزيل وبائس بحدث مرّ به المعتقل، ولتعرض بذلك عن كمّ هائل من تراكم الجريمة المفتوحة لهندسة الموت في عملية صهر وقتل الروح وعمليات التفريغ الهائلة من المحتوى القيمي والإنساني والوطني والنضالي، هذا يدلّل أن هذه القناة لا تسير بعقل عربيّ أو حتى إنساني أو عقل ذي علاقة بمهنية إعلامية حرة ونزيهة بأي حال من الأحوال. وقد بات هذا معروفًا ولا يحتاج إلى دليل حيث يُطلِق الناس على هذه القناة اسمًا عكس ما أطلقته هي على نفسها.

ثاني الممارسات الخطيرة (والتي تضرب روحنا الإنسانية والنضالية المشتبكة مع المحتل الذي يحاول دائمًا التنصل والهرب من صورته النازية المتوحشّة ورمي الكرة في ملعب الآخرين وكذلك دون إدخال الحسابات الإنسانية للمعتقل نفسه وأهله) هي المبادرة بتسجيل فيديو والعبور من خلاله لما تخفيه الصدور.

هذه الصدور العمياء التي لا ترى أن أولوية هذا الأسير أن نذهب سريعًا لخطة علاجية تعيده إلى وضعه الطبيعي، ثم بعد ذلك نصوّر وننشر، تترك هذه المهمة الإنسانية وتذهب إلى حالة الإثارة والتوظيف وتغذية الأهداف الرخيصة التي تقوم بها هذه القناة وما شاكلها من ذوي الضمائر المغيّبة، وهنا السؤال البديهي: من أعطاكم هذا الحق؟ هل أخذتم موافقة أهله؟ وهل هو بكامل وعيه (وأنتم تعلمون الإجابة علم اليقين) ليعطيكم الحق في التصوير والنشر؟ وهل توثقتم من مصادر معلوماتكم التي ربطت الصورة بما هو مركوز في صدوركم؟ ولماذا تعفون السجّان؟ تعفون من سجن وعزل ومارس الإهمال الطبي المبرمج طيلة هذه الفترة الطويلة، ويا فرحة الاحتلال فيكم إذ تعفونه من كلّ جرائمه التي هي ديدنه المعروف والمثبت بشواهد حية كثيرة كضحايا له ولماكينة قهره وعذابه.

في سياق طبيعي وموضوعي ينصبّ الحديث في الموضوع حول جريمتين كل واحدة حجمها كبير وأكبر مما نتصوّر:

جريمة الإهمال الطبي المتعمّد وجريمة العزل والتي يهندسون فيهما الموت، أو أن يصبح المعتقل فاقد الأهلية النفسية والعقلية والنضالية ومفرغًا من كل قيمه الوطنية والإنسانية والأخلاقية والروحية.. .. الخ وهم يسلكون في ذلك وسائل يتفننون في أشكالها وأنواعها:

  • مدّة العزل الانفرادي لسنوات طويلة بعيدًا عن حياة الأسرى التي في حدّ ذاتها عزل جماعي، أذكر مثلاً المعتقل أحمد شكري مكث في العزل 17 سنة، الأسيرة عطاف عليان وإيمان نافع عزلتا أربع سنوات وهذا رقم مهول لامرأة معتقلة على قضية سياسية، وقد ذكرت لي عطاف عليان أن لجنة من مصلحة السجون كانت تزورها في عزلها كل ستة شهور مرّة لفحص قواها العقلية. أعداد كبيرة مكثت سنوات طويلة وهي معزولة.
  • ظروف المعزول ماكينة من العذاب، إذ إنه يعزل في زنزانة تحيطها زنازين فيها عتاولة الإجرام في مجتمعهم وهؤلاء يقضون ليلهم في مسبات وصراخ وطرق على الأبواب تشكّل عذابًا جديدًا لمعزول على خلفية قضية وطنية وسياسية. عدا عن وضع المكان وبؤسه في مسافة ضيقة مخنوقة في زنزانة انفرادية بلا تهوية ولا غذاء، وساحة الاستراحة ضيقة، لا يرى سماءها، ولا يلتقي فيها بأحد، ويقيد أثناءها في يديه ورجليه، وليست لها أوقات منتظمة معروفة.
  • ويأتي العزل عقوبة إضافية فوق عقوبة السجن نفسه.
  • لا يكترث السجّان بما يحدثه العزل من أمراض نفسية، ومن ثمّ لا يقدّم الرعاية الصحية ولا العلاج المناسب، بل بالعكس يُسخّر كلّ أسالب تكثيف الضغط النفسي ليتفاقم المرض، حتى يصل مرحلة صعبة قد تتابعها غير مؤهلة بعيدًا عن الطبيب المتخصّص، فتسخر من الحالة وتسرّب إشاعات في السجن أنه يتمارض ليخفّف عنه العقاب.
  • وبخصوص هندسة الموت في متابعة الأسرى المرضى، فقد تحدثت عنها كثيرًا من خلال شواهد حيّة في كتاب “مدفن الأحياء”، ورأيناها في فيلم يحمل نفس العنوان ويعرض قصة من تجري عليهم شركات الأدوية تجاربها، والمريض الذي يتلقى حبة الدواء وفيها الداء من ذات اليد التي تقمعه وتذيقه سوء العذاب، ورأينا كيف يدخل سليمًا ويخرج شهيدًا بعد أن يمرّ في مسلسل إجرامهم. وقافلة شهداء الأسرى المرضى كثيرة ومستمرّة وشهادة تلو الشهادة على جريمة المحتل المفتوحة منذ احتلاله لهذا الديار إلى يومنا هذا.

فالاحتلال من “ساسه لراسه” هو من يتحمّل المسؤولية الكاملة وكلّ من يغض الطرف عنه فإنه يتنكّر لحقائق أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولشواهد شاهدها مئات الألوف من الأحرار الذين دخلوا السجون وعاينوا الأمر بأمّ أعينهم منذ قام كيان هذا المحتلّ.

وهذا أيضًا لا يعني أن من في السجون ملائكة لا يخطؤون ولكن لا ينبغي أن نسلّط كلّ ضوئنا على أخطائنا (حالة حدوثها) ولا نرى السبب والمسبّب ومن يضعنا في ماكينة عذابه دون أن يرحم منا أحدًا.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ أسبوع واحد

القدس مدينة لا تعرف الحدود

مقالات القدس مدينة لا تعرف الحدود جودت صيصان يبدو أن ما تشهده الأراضي الفلسطينية من تصعيد للأحداث منذ أكثر من...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة

رأي المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة جودت صيصان بينما كان من يتحكمون بالمشهد السياسي الفلسطيني حائرين وتائهين وعاجزين عن مواجهة الغطرسة...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية وليد الهودلي   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

رغم تحذير ورفض غالبية القوائم.. هل سيصدر مرسوم تأجيل الانتخابات الفلسطينية؟

رأي.. رغم تحذير ورفض غالبية القوائم … هل سيصدر مرسوم تأجيل الانتخابات الفلسطينية؟ جودت صيصان   رغم تحذيرات العديد من...

مقالاتمنذ شهر واحد

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ شهرين

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ شهرين

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهرين

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهرين

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهرين

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

الأكثر تفاعلا