تواصل معنا

مقالات

الإدارة “المدنية” في الضفة الغربية

نشر

في

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

من كتبت له الأقدار المرور كل صباح من أمام مستوطنة “بيت ايل”، فإنّ أول ما يلفت انتباهه عدد السيارات المنتشرة على جوانب الطريق والتي تحمل اللوحة الفلسطينية، هذا المشهد يفتح مباشرة العديد من الأسئلة التي لربما اجاباتها معلومة. مشهدٌ لم يكن الفلسطيني يتمناه، الفلسطيني بانتماءاته الفكرية المتعددة، وإن اختلف مع نفسه، ولربما انقسم على ذاته، فإنّه بالتأكيد لا تروق له مشاهدٌ كتلك.

أثناء مروري صباحاً بالشارع الرئيسي، الذي يربط رام الله بالمناطق الشمالية في الضفة الغربية، أمام هذا المشهد المتزايد من الفلسطينيين الذي يقصد مباشرة الإدارة العسكرية في “بيت ايل”، والتي تٌعرف باسم “الإدارة المدنية”، تساءلت؟، ما الدافع لهذا العدد من الفلسطينيين هنا؟، وهل بالفعل باتت “إسرائيل” تُريد تجاوز السلطة؟ من أوصلنا إلى هذا الحال؟ وما مستقبل الصورة الموسع، في ظل استمرار هذه المشاهد؟.

لربما الدوافع التي تدفع الفلسطيني لمثل هذا المشهد، معلومة ومتنوعة، فأمام الحاجات الاقتصادية واستصدار تصاريح العمل في “إسرائيل”، استصدار تراخيص بناء في مناطق “ج”، التي يُسيطر عليها الاحتلال في الضفة عملياً ورسمياً، وغيرها من الحاجيات المرتبطة بقوت يوم الفلسطيني، والتي يسعى الاحتلال لربطها مباشرةً ضمن اجندته وبشكل مباشر.

وبغض النظر كنت ممن يُعارض أوسلو أو من الداعمين له، فإنّ تلك الصورة تشي عن العمل الإسرائيلي الدؤوب، لتجاوز السلطة في كثير من الملفات، وكسر الحواجز النفسية في تواصل الاحتلال مع الفلسطيني، وما نموذج المنسق عنّا ببعيد، ليجد الفلسطيني نفسه، أمام سلطة محدودة الصلاحيات، وأمام احتلال من غير تكلفة.

هذا المشهد، كمن يبلع المنجل تماماً، فلا هو يستطيع هضمه ولا التخلص منه، وحتى من عارض اتفاقية أوسلو، واعتبرها ضمن مشهد يُساهم في تخفيف أعباء الاحتلال، والتنازل عن الأرض الفلسطينية، فإنّ هذا المشهد بات يزعجه، فهو حتى إن عارض أبناء جلدته في توجههم السياسي، فإنّه كان يتمنى أن يراهم بشوكة قوية، علّها تنافح الاحتلال مستقبلاً، لتستعيد ما تبقى من الأرض، أو على الأقل أن تكون سلطة مكتملة، تُريح الفلسطيني من عبء الاحتكاك اليومي بالاحتلال، على أمل تحرير ما تبقى في المستقبل. اليوم لا يختلف المؤيد والمعارض للسلطة، على أنّها باتت سُلطة مقضومة الصلاحيات، تنهشها “إسرائيل” في الكثير من الملفات، تاركةً لها الجانب الذي يُسيء وجهها أمام شعبها.

كثيراً ما أسمع مصطلح أنّ الاحتلال لا يُمكن أن يستغني عن وجود السلطة، وأنّ السلطة هي إرادة دولية إقليمية، قبل أن تكون إرادة جزء من الفلسطينيين، لكنّي في الحقيقة أختلف مع من يرى أنّ الاحتلال يعتبر السلطة قدراً واقعاً، لا مجال للتخلص منه. بل هناك توجه حقيقي لدى الاحتلال يتمثل بضرورة العمل ضمن سياق عدم وجود السلطة، وما زيادة نشاط الإدارة العسكرية، إلّا دليلٌ على تهيئة الأجواء لذلك، وهنا نُذكّر أنّ أنصار اليمين المتطرف، وجزء من اليمين المعتدل الحاكم في “إسرائيل”، يعتبر أنّ السلام مع الفلسطينيين، لن يتجاوز سقف السلام الاقتصادي، الذي بموجبه تمنح “إسرائيل” بشكل مباشر الفلسطيني ميزات اقتصادية، لن تتجاوز كونها ضمن عمل الفلسطيني في سياق خدمة اقتصاد الاحتلال. سينشغل الفلسطيني بلقمة عيشه، وتتداخل الحياة في الضفة ضمن سياق استيطان مستمر مؤمّن، وفلسطيني محصور في جغرافية معينة، تعتمد على الاحتلال في قوت يومها.

من أوصلنا لهذا الحال، ستتعدد الإجابات وفق الانتماءات الفكرية، هناك من سيقول أنّ عدم منح السلطة وقتاً لاستيفاء استحقاقاتها من الاحتلال هو السبب، وهناك من سيُحمل من ذهب باتجاه أوسلو المسؤولية، على اعتبار أنّها منحت الاحتلال فرصة التقاط الانفاس، وتجسيد الاستيطان في الوقت الذي فاوض فيه الفلسطيني. لكن ما يُمكن قوله أنّ الفلسطيني بالمجمل يتحمل المسؤولية، لربما بدرجات متفاوتة، تتصدر السلطة الفلسطينية فيها المرتبة الأولى، لكن لا يُمكن اغفال الدور الفصائلي بالمجمل، إلى جانب الوعي الفلسطيني الذي بات يُراكم صورة سوداوية عن الواقع، تتقبل أنّ الاحتلال أمرٌ واقع لا مفر منه.

المشاهد الحالية ترسم الصورة المستقبلية، التي لن تتجاوز حدود المزيد من سيطرة الاحتلال وتوغل ادارته العسكرية، والمزيد من تحويل السلطة الفلسطينية لشبه إدارات محلية كُبرى، دون سقف سياسي وطموح قومي. هذه الصورة السوداوية، حراكٌ واحدٌ من الممكن أن يبددها، فقط الذهاب باتجاه وحدة فلسطينية حقيقية، وصياغة برنامج وطني موحد، يرفع فيه الفلسطيني سقف مطالبه لحدوده التاريخية، وهنا فقط ستعود الصورة إلى حقيقتها، شعبٌ محتلٌ يريد أرضه، وقوة غاصبة تحتل وطناً مساحته 27 ألف كيلومتر مربع.

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الهدوء الخادع في الضفة الغربية

نشر

في

بواسطة

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

قبل نحو عامين من الآن صرح رئيس الشاباك الإسرائيلي، أنّ الهدوء في الضفة الغربية خادع، وأنّ الاشارات لدى الشاباك تُشير إلى أنّ العمليات الفلسطينية لن تتوقف، حيث أنّ الشاباك يعلن بشكل شهري احباطه تنفيذ عمليات من قبل فلسطينيين.

وهذا يقودنا إلى حقيقة أنّ الاوضاع في الضفة الغربية منذ شهر ايلول عام 2014 شهدت العديد من الموجات والهبات الجماهيرية، وتشهد بشكل مستمر عمليات نوعية بمعدل عملية كل شهر، يُقتل فيها على الاقل مستوطن من الاحتلال، وهذا ما أكدته الأشهر الثمانية الاخيرة منذ استشهاد صالح البرغوثي، مروراً بعمر ابو ليلى وقبله عاصم البرغوثي وغيرهم.

وما يُميز العمليات في الضفة الغربية، الكثير من الأمور التي على رأسها قدرة الفلسطيني بأقل القليل الإثخان في الاحتلال، وما يحدث على الأرض يؤكد ما يلي:

  1. اسرائيل لا تمتلك استراتيجية عمل واضحة في الضفة الغربية، فقد بقيت تحت وطأة تضارب الملفات الحكومية الداخلية فيما يتعلق بسياسة الاستيطان المرجوة.
  2. الضفة الغربية بأقل القليل من الحراك تُثخن في اسرائيل أضعاف الجبهات الأخرى بسبب الواقع الجغرافي والديموغرافي.
  3. ضمن خطواتها المتوقعة ليس بيد اسرائيل ما سيحول دون وقوع المزيد من العمليات بل على العكس المرجح ازديادها في حال استمرار القبضة الحديدية بحق الفلسطينيين.
  4. اسرائيل لا تحتمل وجود عمليات متتابعة حتى لو متباعدة، فجبهتها الداخلية رخوة وجمهورها الاستيطاني يعتبر أنّه يمتلك جيش بإمكانه التصدي لمثل هذه الاحداث التي بسبب استمرارها جعلت هذا الجمهور يفقد الثقة.
  5. من المرات القليلة التي تشهد فيها اسرائيل خلافات حادة على طريقة التعامل المرغوبة في ظل وجود احداث أمنية، حتى داخل الحكومة اليمينة الصرفة الخلافات حادة.
  6. تتحمل الحكومة الإسرائيلية مجريات الأحداث، فقد كان على طاولتها منذ أشهر توقعات بأن الضفة الغربية على وشك الانفجار.
  7. العمليات الأخيرة في الضفة كانت شبه مستمرة بمعدل عملية نوعية كل شهر، وهي أخطر من حالة الانتفاضة العامة، حيث الانتفاضة تضع السلوك الإسرائيلي ضمن دائرة وجود تهديد أمني مستمر، أمّا الحالة الحالية فهي، لا انتفاضة ولا هدوء وبالتالي تعقّد من عملية المواجهة الإسرائيلية للأحداث.
  8. استمرار الأحداث سيعيد إلى طاولة النقاش الإسرائيلية “ما الحل أمام هذه الاحداث”؟، والجواب سيبقى ضمن دائرة ادارة الصراع لا حسمه، الأمر الذي يعني المزيد من العمل الفلسطيني.
  9. منفذي العمليات في الغالب كانوا خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلي من حيث التوقع بأنّهم قد يقوموا بعمليات مقاومة، وبالتالي هذا الموضوع يعقد المسألة على الاحتلال.
  10. رغم تراجع الدور الفصائلي، الشباب الفلسطيني يتميز بقدرة على أخذ زمام المبادرة الفردية، حتى من ينتمي للتنظيمات لا يحتاج إلى هذه المظلة لتنفيذ عمليته.

 

أكمل القراءة

مقالات

هل ضم الضفة بدأ منذ أوسلو؟

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

من أكثر التساؤلات شيوعاً في الآونة الأخيرة، كيف سيكون شكل ضم الضفة الغربية وفق الرؤية الإسرائيلية، حيث أنّ التساؤل، هل ستضم “إسرائيل” الضفة؟، لم يعد يُطرح، من منطلق القناعة العامة الفلسطينية، وللأسف الشديد الإقليمية والعالمية، أنّ قضية الضم آتية، وإنّها إن لم تكن ضمن سياق معلن عنه إلى الآن، فهي عملياً على الأرض قائمة.

أثناء كتابة هذه السطور، يقفز إلى ذهني مباشرةً، ما كتبه اللواء في جيش الاحتياط، جرشون هكوهين، صاحب الفكر اليميني، والذي شكر إسحاق رابين، رئيس وزراء دولة الاحتلال الذي وقع اتفاق أوسلو، منبع الشكر كان، من الحكمة والدهاء الكبيرين، اللذان ابداهما رابين أثناء توقيع الاتفاق، من خلال استثناء 60% من الضفة الغربية وتصنيفها كمناطق “ج”[1]، هذه المناطق شكلت وفق هكوهين البعد الجغرافي المهم، والأمني الأهم للتوسع الإسرائيلي وضمان حل الازمات الأمنية، الأيدولوجية وكذلك السكانية.

بعيداً عن المديح اليمني لحمامة السلام، الذي وفق هكوهين أوقع الفلسطينيين في فخٍ كبير، فإنّ تتبع مسيرة الاستيطان في الضفة الغربية، من الممكن أن تُعطيك مؤشراً حيال ذلك. حيث لا يُمكن حصر مسيرة الاستيطان وتقدمه باليمين أو ما يُسمى اليسار الإسرائيلي، على العكس تماماً المسيرة توضح أنّ عملية الاستيطان كانت مُمنهجة بطريقة مرسومة بعيداً عن الجالس على كرسي الحُكم، حيث أنّ فترة زعيم حزب العمل باراك أثناء رئاسته للوزراء، لم تختلف كثيراً من حيث عدد الوحدات الاستيطانية عن زعيم الليكود نتنياهو[2].

حيث أنّ الحكومات الصهيونية المُتعاقبة، كانت تستغل بشكل كبير المفاوضات للمزيد من الاستيطان، فغطاء المفاوضات والصور المنمقة، والرعاية الخارجية للجلسات، كانت تُغطي على أي مشهد آخر، الأمر الذي أعطى باراك على سبيل المثال، وأثناء مفاوضاته عام 2000 مع الفلسطينيين للانسحاب، فرصة إقرار المزيد من الاستيطان. ليتفاخر لاحقاً أنّ عهده شهد استيطاناً أربع أضعاف العهد الذي جاء بعده[3]!.

استثناء 60% من مناطق الضفة الغربية في اتفاق أوسلو لم يكن عبثاً، بل كانت هي مساحة التوسع الإسرائيلية، التي تعتبرها “إسرائيل” المتنفس الأهم الآن لها للتوسع العمراني والسكاني، هذا إلى جانب القناعات الأخرى، فهي من ناحية اليمين الأيدولوجي تُعتبر ذات بُعد أمني مهم، وبالنسبة لليمين الصهيوني فهي التاريخ اليهودي الذي وفقهم تمركز في جبال الضفة. بمعنى أنّ لكل تيار صهيوني حسابات مختلفة حول الضفة، لكن في النهاية كُلّها تؤمن بضرورة استمرار السيطرة على أجزاء منها على الأقل، وهناك من يرى بضرورة ضمها بالكامل.

مسيرة الاستيطان في الضفة الغربية، تؤكد أمراً واحداً من الصعب تفنيده، أنّ عملية السلام لم تكن سوى مرحلة ووسيلة، أرادت “إسرائيل” من خلالها ابتلاع الضفة من خلال تهدئة الأوضاع فيها بلعبة أُطلق عليها عملية السلام، التي لم تُساهم للحظة واحدة بتجميد الاستيطان، بل تضاعف عدد المستوطنين فيها منذ توقيع أوسلو 5 مرات[4]، بمعنى أنّ الانتفاضة التي حرمت “إسرائيل” فرصة زيادة أعداد مستوطنيها، دُفنت بعملية سلام أقرت “إسرائيل” فيها بجزء من حق الفلسطيني وتنكرت له في اليوم التالي.

ختاماً مثل أوسلو الطريق الأكثر هدوءً للاحتلال من أجل تنفيذ مخططه، فالضفة الغربية التي اعتبرها موشيه ديان بعد احتلالها عام 1967، المنطقة الجغرافية الأهم للأمن الإسرائيلي، تحولت فيما بعد لبعد ديني أيديولوجي، واليوم باتت ذات بعد توسعي مهم للتخفيف عن ضغط الساحل الفلسطيني المحتل. اليوم بدأت “إسرائيل” تُعلن رسمياً ما اخفته في تسعينيات القرن الماضي، ضم الضفة أو أجزاء منها بات قريباً، وما صفقة القرن التي تُقر ل”إسرائيل” بذلك، سوى قطف للثمرة التي تم زرعها عند توقيع أوسلو.

 

 

[1]  https://besacenter.org/he/perspective-papers-he/%d7%99%d7%a9%d7%a8%d7%90%d7%9c-%d7%90%d7%96%d7%95%d7%a8-c/

[2]  https://peacenow.org.il/settlements-watch/matzav/population

[3]   https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3997106,00.html

[4]  https://peacenow.org.il/settlements-watch/matzav/population

أكمل القراءة

مقالات

في كلمة أبو عبيدة

نشر

في

بواسطة

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

بالأمس ظهر الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة في كلمة موجزة حول أسرى الاحتلال لدى المقاومة، أبو عبيدة الذي يحظى بشعبية جارفة، والذي لربما الشخصية الأولى التي يُحبذ الفلسطينيون سماعها، ويُشعرون بالعزة والأنفة مع كل كلمة ينطق بها، وهي عندهم مصدقة وموثوقة.

لا شك أنّ الخطاب لقي ترحاباً واسعاً فلسطينياُ، وجسد الثقة الكبيرة في المقاومة الفلسطينية، وهو بمثابة رفع كبير لمعنويات الأسرى وذويهم، وتأكيد أهم على أنّ هذه المقاومة هي الحصن والحاضنة الأهم للشعب الفلسطيني، في فلسطين والمهجر.

ولكن بما أنّ الخطاب موجه للطرف الصهيوني، فإنّ تحليل الخطاب يجب أن يكون بانعكاس ذلك على الداخل الإسرائيلي، سواءً على الجمهور أو الساسة هُناك، وهل سيكون لهذا الخطاب تأثير في تحريك المياه الراكدة، من أجل الوصول إلى صفقة مشرفة على شاكلة تلك، التي تم الإفراج فيها عن مئات الأسرى الفلسطينيين من ذوي الأحكام العالية.

الرواية الإسرائيلية حيال جنودها أنّهم فارقوا الحياة، هذه الرواية التي قامت “إسرائيل” منذ اليوم الأول بتأكيدها، ولربما استطاعت من خلالها النزول عن الشجرة فيما يتعلق بإيقاف الحرب، باتت الرواية التي يتبناها الجمهور الإسرائيلي، باستثناء عائلات الأسرى الجنود، اللذين يصرون على أنّ ابناءهم على قيد الحياة، الإصرار الذي تراه شرائح إسرائيلية وازنة أنّه عاطفي ومن باب الأمل.

من ناحية الساسة والجهات الأمنية في “إسرائيل”، فإنّ الملف إلى الآن غير ضاغط، وتأخير ظهور أي معلومات حيال وضع الجنود، سيدعم روايتهم بأنّ جنودهم رُفات، وبالتالي هذا الواقع سيُمهد إلى بدء تقبل حتى عائلات الجنود الأسرى إلى التسليم بالسياسة التي تتبعها حكومتهم، هذا في ظل حقيقة أنّ حراكهم إلى الآن لم يلقى أذن صاغية لا من المسؤولين ولا من الجمهور الإسرائيلي.

لذى فإنّ تحريك الملف بات يعتمد على المقاومة بشكل أكبر، التي عليها تحريك الملف من خلال إشارة حقيقية حول واقع الجنود، وهُنا لا بدّ من التأكيد على أنّ الجنود إن كانوا على قيد الحياة فإنّ الثمن الذي ستجنيه المقاومة مقابل الإفراج عنهم سيكون كبير جدا، وسيتجاوز أي من الصفقات السابقة، كون هؤلاء الجنود أُسروا خلال الحرب، والأهم من ذلك أنّهم سيشكلون صدمة للمجتمع الصهيوني، الذي سيتقبل الإفراج عنهم بأي ثمن، بعد أن عادوا للحياة من وجهة نظره.

لك أن تتخيل المشهد التالي، خروج فيديو لأحد الجنود يتحدث ويرجو حكومته الإفراج عنه، وقع ذلك سيكون كبير جداً، لا بل وسيتحول ما تخشاه الحكومة الإسرائيلية إلى مطلب، فما لا يُريده نتنياهو بعقد صفقة كبيرة، سيُصبح مطلباً جماهيرياً، وأمنياً للإفراج عن جنود مضى عليهم خمس سنوات في الأسر، الأمر الذي سيجعل من يعقد الصفقة بطلاً من وجهة النظر الإسرائيلية، وليس منبطحاً كما يُحاول افيجدور ليبرمان تصوير ذلك، فلا جنود بدون ثمن، هذه القاعدة مترسخة في الذهن الإسرائيلي.

نتنياهو وحكومته يعلمون واقع جنودهم، هل هم على قيد الحياة أم لا، في الحالتين حكومته لن تُبادر بناءً على ما لديها من معلومات، بل ستترك الكرة في الملعب الآخر، واستمرار الملف بهذه الطريقة ضاغط أكبر على الطرف الفلسطيني وليس الإسرائيلي، فرفات الجنود وفق “إسرائيل” يجب استعادتها، لكن هذه الاستعادة لا يجب أن تكون بأي ثمن، والأهم من ذلك هناك المزيد من الوقت، على أمل تحقيق اختراقه بهذا الملف.

ختاماً، في ظل المُعطيات المحلية والإقليمية تُسطر المقاومة الفلسطينية، واقعاً لم تستطع دول بثقلها تسجيله، وباتت تُمثل قوّة ردع كبيرة للكيان، وباتت أكثر ابداعاً في حرب العقول، لكن في ظل حقيقة تحول “إسرائيل” إلى دولة الانقسامات الايدولوجية والسياسية، فإنّ التزام الجمهور الإسرائيلي بتبني أيدولوجيته، باتت أهم من تغيير وجهة نظره السياسية بناءً على أداء حكومته، بل بناءً على الانتماء، وهذا ما يؤكده التوجه العام في الدولة العبرية، فاليمين يتبنى اليمين، ويزداد تطرفاً نحوه حتى في ظل قيادة فاسدة، وكذلك الشق الآخر، بمعنى أنّ الرهان على أنّ هذا الملف سيضغط الحكومة الإسرائيلية، وسيؤدي إلى اسقاطها في حال كان مخالفاً لما تم تشريبه للجمهور الإسرائيلي بعيد عن الحقيقة. فمن يؤمنون بنتنياهو يؤمنون به ولو قادهم إلى القاع، وهذه من إشارات ضعف الدولة، وعدم قدرتها تفريخ قيادات حقيقية بديلة.

 

 

 

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ يومين

الهدوء الخادع في الضفة الغربية

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني قبل نحو عامين من الآن صرح رئيس الشاباك الإسرائيلي، أنّ...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

هل ضم الضفة بدأ منذ أوسلو؟

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني من أكثر التساؤلات شيوعاً في الآونة الأخيرة، كيف سيكون...

مقالاتمنذ أسبوعين

الإدارة “المدنية” في الضفة الغربية

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني من كتبت له الأقدار المرور كل صباح من أمام...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

في كلمة أبو عبيدة

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني بالأمس ظهر الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة في كلمة...

مقالاتمنذ شهر واحد

بعودة إيهود باراك.. نتنياهو المستفيد الأول

كتب: معتصم سمارة   يقف إيهود باراك من جديد على أعتاب السياسة الإسرائيلية ساعياً بكل قوته، كما يدعي الى إسقاط...

مقالاتمنذ شهر واحد

بشار المصري وكوخافي بحثا عن السمكة بالطعم السياسي

الباحث والكاتب: علاء الريماوي ليست المرة الأولى التي يظهر فيها اسم رجل الاعمال الفلسطيني المثير للجدل بشار المصري في لقاءات...

مقالاتمنذ شهرين

غزة.. أمل المحبين والكارهين

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني في خضم الحديث عن صفقات في المنطقة، وإعادة ترتيبات تستهدف...

مقالاتمنذ شهرين

إما الصيد أو الحرب

كتب: ياسر مناع – مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها “اسرائيل” الى استخدام...

مقالاتمنذ شهرين

اليمين الإسرائيلي يحفر قبر دولته (2)

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني   تعميق التجاذب من قبل اليمين الإسرائيلي في المجتمع...

مقالاتمنذ 3 شهور

اليمين الإسرائيلي يحفر قبر دولته (1)

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني بالنظر إلى الواقع الذي تحيياه الدولة العبرية اقليمياً، وقدرتها...

الأكثر تفاعلا