تواصل معنا

مقالات

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939.. كما يراها الصهاينة

نشر

في

عماد ابو عواد\ مركز القدس

تُعتبر هذه الثورة، المقاومة الأهم التي خاضها الفلسطينيون ما قبل قيام الدولة العبرية، وتعود الأسباب البعيدة لهذه الثورة إلى تصميم الفلسطينيين على الدفاع عن عروبة وطنهم ووحدة أراضيه، وإنقاذ فلسطين من شرور السياسة البريطانية والغزوة الصهيونية، كما تعود إلى تمسك الفلسطينيين بميثاقهم الوطني، وعزمهم على بلوغ أهدافه بالحرية والاستقلال والوحدة العربية الشاملة.

فيما كانت الأسباب القريبة، الحالة العامة التي فرضتها بريطانيا خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي، ويُمكن وضعها ضمن النقاط التالية :

أ. استفحال تدفق الهجرة الصهيونية على فلسطين بعد تولي الحزب النازي مقاليد الحكم في ألمانيا، وارتفاع أعداد المهاجرين خلال السنوات 1933 – 1935 بشكل أثار مخاوف الشعب بصورة ملموسة (رَ: الهجرة الصهيونية إلى فلسطين).
ب. استمرار الهجرة اليهودية (السرّية) إلى فلسطين، وتغاضي الحكومة البريطانية عنها والتستر عليها وحمايتها.
ج. تفاقم خطر استيلاء اليهود، بشتى الوسائل والأساليب على أراضي فلسطين، وإمعان الحكومة البريطانية في سن الأنظمة والقوانين لتسهيل عملية استيلاء اليهود على الأراضي.

د. قيام الصهيونيين (بمعرفة الحكومة ومساعدتها) بتهريب كميات كبيرة من السلاح والعتاد إلى فلسطين وتوزيعها على المدن والمستعمرات الصهيونية، بالإضافة إلى نشاطهم (العلني والسري) في إنشاء تشكيلات ومنظمات عسكرية وإرهابية، واشترك ضباط بريطانيين في تنظيمها وتدريب أفرادها.

كانت هذه الثورة الشاملة محط أنظار العالم العربي، حيث تلقت دعم كبير من الخارج، حيث تشكلت في العراق وسورية ولبنان وشرقي الأردن لجان وطنية لنصرة أهل فلسطين ودعم ثورتهم. وقد عملت هذه اللجان على جميع الأموال والأسلحة وارسالها إلى الفلسطينيين، وقامت باستقبال الجرحى والمصابين من المجاهدين والعناية بهم في بغداد وبيروت وعمان ودمشق.

وقد انقسمت الثورة إلى ثلاث مراحل على النحو التالي :
• المرحلة الأولى: من شهر أبريل/نيسان 1936 إلى شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936، وقد سادها العمل المسلح.
• المرحلة الثانية: من شهر أكتوبر/ تشرين الأول 1936 إلى شهر سبتمبر/ أيلول 1937، واتسمت بنضال سياسي ودعائي، وبمقاومة عنيفة لسياسة الحكومة البريطانية، وباغتيال الباعة والسماسرة والجواسيس، وكذلك بالتصدي لمشروع تقسيم فلسطين الذي كانت بريطانيا تمهد السبيل لتنفيذه.
• المرحلة الثالثة: من شهر سبتمبر/ أيلول 1937 إلى سبتمبر/ أيلول 1939، وكانت ثورة مسلحة مستمرة في داخل فلسطين، وأعمالاً دعائية وسياسية وجهوداً دبلوماسية خارج فلسطين.

وقد شهدت الثورة الفلسطينية أطول اضراب في التاريخ، شمل المناحي الاقتصادية والاجتماعية، فأغلقت جميع المخازن والمصانع والمقاهي، وتوقفت الحركة التجاري، وهذا ما لم يرق إلى حكومة الانتداب وقتها.
وكان من أبرز نتائج الثورة الفلسطينية الكُبرى، كانت 5000 شهيد و15000 جريح و5600 سجين. اما خسائر الانجليز فكانت مقتل 16رجل شرطه و 22 جنديا و جرح 10 رجال شرطه و 148 عسكريا و مقتل 80 يهوديا و جرح 308 من اليهود.
من معارك الثورة الفلسطينية الكبرى: معركة ام الدرج, معركة لد العوادين، معركة الفريديس، معركة ام الزينات، اقتحام سجن عتليت، معركة الجنادية، معركة جسر ملية، معركة وادي الطبل، معركة الكسارة، معركة السيالات، معركة اخوزا، معركة حيفا الكبرى، معركة الشلالة .

وحول اجهاض الثورة الفلسطينية الكُبرى، يعتبر المفكر الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، أنّ ذلك يعود إلى معاناة الحركة الثورية الفلسطينية من انتكاسة شديدة على أيدي ثلاثة أعداء منفصلين كانو يشكلون معا التهديد الرئيسي لـلحركة القومية في فلسطين في جميع المراحل اللاحقة من نضالها 1936 ـ 1939، القيادة الرجعية المحلية، الأنظمة في الدول العربية المحيطة بفلسطين، والعدو الإمبريالي الصهيوني.
من الزاوية اليهودية تم رؤية الثورة العربية الكُبرى، على أنّها تجاوزت مساحة الأراضي الفلسطينية، إلى تحولها إلى قضية شرق أوسطية وسط دعم خارجي موجه من دول مثل إيطاليا وألمانيا ، وكان في طيّاته مواجهة عربية-بريطانية أكثر من كونه مواجهة عربية-يهودية.

والسبب الرئيسي لاندلاع الثورة هي الشعور العربي، بالعجز أمام تقدّم المشروع الصهيوني ، ورغم المحاولات البريطانية لمنع تحول الثورة إلى أحداث عنيفة، خوفاً من امتدادها، وجدت نفسها بريطانيا في حرب عصابات مع الفلسطينيين.
ووفق يعكوب شبيت، كانت هذه الأحداث تختلف كلّياً عن الأحداث التي سبقتها، فهي من الناحية الأولى أظهرت استعداد عربي للتضحية بكل شيء من أجل الوطن، ومن الناحية الثانية، وجود قيادة استطاعت أن تُسيطر وأن تلقى تعاون والتزام من كافة الشرائح، وطول نفس كبير لهذه القيادة ورؤية واضحة في البداية .

وهذا ما رآه ديفيد بن جوريون، أول رئيس وزراء في إسرائيل، حيث أشار إلى أنّ العرب كانوا جمهوراً منظما، يريد تحقيق أهدافه القومية من خلال وعي واضح، حيث اعتبر الأحداث وقتها على أنّها حرب قومية ، رغم عدم امتلاك الفلسطينيين وقتها جيش منظم، قيادات الثورة من حسن سلامة، السوري عز الدين القسام، وكذلك موسى الحسيني، كانت من وجهة النظر الصهيونية، النموذج المُستعد لتقريب نفسه في سبيل هدفه المقدس .

كما أنّ زيادة تسليح اليهود، ووصل عددهم إلى 400 ألف في ذلك الوقت، ساهم بدفع العرب لاعتبار أنّ المواجهة يجب أن تكون شاملة، حيث تم الكشف عن كميات كبيرة من السلاح يُحاول تنظيم الهجناه اليهودي، تهريبها لصالح اليهود .
لكن الأسباب الرئيسية من وجهة النظر اليهودية لاندلاع الأحداث واستمرارها كان :

1. الشعور بتراجع دور بريطانيا، خاصة مع وصول هتلر إلى الحُكم في ألمانيا، وظهور أنظمة دكتاتورية أخرى رفعت سقف التحدي ضد فرنسا وبريطانيا.
2. ارتفاع سقف المواجهة ضد لاحتلال البريطاني في مصر، وضد الاحتلال الفرنسي في سوريا.
3. وصول أكثر من 60 ألف مهاجر يهودي فقط في العام 1936، إلى الأراضي الفلسطينية.
4. عدم التزام بريطانيا من الحد من العجرة اليهودية مثلما أوصى الكتاب الأبيض عام 1929.
5. الخلاف مع بريطانيا على الكثير من القضايا الإدارية بما فيها المجالس المحلية، بعد أن ساوت في بعض المجالس، النسب بين العرب واليهود.
6. سرعة انتقال الأراضي العربية لليهود، من خلال استخدام الانتداب صلاحياته في نقلها وتسريبها لليهود.
أحداث الثورة العربية الكُبرى، ساهمت يتوجه اليهود نحو المزيد من الحرص على الدعم الأمني، من خلال الاعتماد على الذات وليس بريطانيا ، وبمجرد انتهاء الأحداث ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحوّل العمل اليهودي الأمني من العمل الدفاعي، إلى العمل الهجومي ، للمرة الأولى وفق الادعاء اليهودي.

من الزاوية الأخرى، فإنّ الأحداث ساهمت بمردود إيجابي كبير على اليهود خلال تلك الفترة، حيث ساهمت بزيادة التعاون اليهودي-البريطاني، وفككت بريطانيا اللجنة العربية العليا، وطردت المُفتي، وأسرعت في اتجاه اتخاذ خطوات أكثر جدّية في اتجاه اطاق يد اليهود في إقامة بيتهم القومي ، الذي كان بعد أقل من عشر سنوات من ذلك.

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الهزيمة النفسية كركيزة في إطالة عُمر الكيان

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس للدراسات

الكف لا يُناطح مخرزاً، هم يمتلكون قوّة كبيرة، اختبئ في البيت لئَلا يأتيك اليهود، هم أذكياء جداً لحدٍ بعيد، يُسيطرون على العالم ويديرونه بالخفاء، هذه عينة من المقولات الدارجة على السنتنا، والتي باتت تُشكل لدى جزءٍ منّا حقيقة ثابتة، لتبرير مساحة العجز والتخاذل، ولتقزيم أيٍّ من المشاريع المناهضة للكيان.

يقول المؤرخ الصهيوني مردخاي بار اون، لقد اختلقنا كيهود أكذوبة أقلية مقابل أغلبية، في إشارة لحرب عام 1948، حيث أكد أنّ الجيش الصهيوني كان ثلاثة أضعاف ذلك الذي بعثته الدول العربية، رغم أنّ الدول العربية كان عددها يقترب من 50 مليون حينها. وفي ظل الحديث الصهيوني عن الأساطير التي ابتدعوها، نجد من بيننا من يروج لها، ويُحاول تكذيب عدم صحتها.

حتى في حرب تشرين أول عام 1973، وفي ظل التقدم الكبير للقوّات المصرية في الساحة الحربية، يبدو أنّ مفعول الهزيمة النفسية وضع حدّاً لهذا التقدم، الذي انتهى بذات النتائج، وبدل أن يُستغل في إطار تفعيل رفع العزيمة العربية، وتقزيم قوّة الاحتلال، انهار العرب بعدها صاغرين في اتجاه الحضن الصهيوني للتطبيع والسلام.

الهزيمة النفسية في بلادنا وفي ظل تبنيها حقيقة من شريحة ليست هينة، لكنّها في نفس الوقت، باتت شمّاعة تُعلق عليها سياسة الأنظمة القمعية في الدول العربية، فبعد أن اشبعت تلك الأنظمة شعوبها استبداداً، على قاعدة أنّها تتجهز لمواجهة الكيان الغاصب، باتت تُشبعه الاستبداد على قاعدة عدم قُدرة مواجهته.

وبعد أن وُجد من رفع في وجه الكيان راية التحدي، وبات يُقارعه ميدانياً وعقلياً، انحرفت بوصلة تلك الأنظمة باتجاه الخلاص منه، فالمُنهزم نفسيا، لا يرى مساحةً سوى لمن يُشاركه تلك الرؤية، التي تُبرر له الانبطاح، وتُشبعه قناعةً بأنّ هذا أفضل ما يُمكن.

حتى على المستوى الشعبي، هُناك من ترسخت لديه هذه القناعات، فتسمع ما يُخالف الحقائق على الأرض، ففي الوقت الذي تتحدث فيه مُعطيات الدول المتقدمة، عن أنّ الطلاب في الكيان، يحتلون المرتبة الأخيرة في الرياضيات والعلوم بالمقارنة مع نظرائهم في الدول المتقدمة، نجد أنّ الفكرة لدينا مُعاكسة. وأكثر ما يريبنا حينما نكتب عن مكامن ضعف الكيان، وحجم التشرذم الداخلي، نجد مساحة من النقد الموجه، في إطار استنكار ذلك، والحديث عن علو الكيان، وازدياد قوّته، ويكأنّ منّا من يبني في مخيلته للكيان هالةً يستكثر على نفسه أن تتراجع.

حين خاضت غزة ثلاث حروب ضارية، ووقفت صامدةً أمام الاحتلال، حتى أنّ عاموس يدلين رئيس معهد دراسات الأمن القومي، وصف الحرب بأنّها تعادل استراتيجي، تسللت الهزيمة النفسية في نفوس البعض، وماذا استفدنا من الحرب، ماذا قدّمت، والأبعد من ذلك، هناك من ذهب باتجاه أنّ “إسرائيل” لو ارادت لدخلت غزة واخضعتها!

الكيان نفسه ركب موجة الهزيمة النفسية، فتراه في التعاطي مع العقلية العربية، ينظر إليها باستحقار واستهانة، ويبني الكثير من خططه الاستراتيجية ليس في إطار المواجهة وتحقيق النصر، إنّما في اتجاه منع خصومه من مجرد التفكير بمواجهته، من خلال تثبيت الهزيمة النفسية في عقول الشريحة الحاكمة تحديداً.

ويُمكن فهم هذا التفكير لدى الكيان، من خلال سلوكه قُبيل حرب 1967، حيث أنّ أخذه زمام المبادرة في الحرب، والبدء بقصف المطارات العربية، اعتمد وفق الأرشيف الإسرائيلي المنشور في العام 2017، على أنّ العرب يستعرضون ولا يريدون الدخول في الحرب، وهذا ما دفعه لأخذ الضربة الاستباقية. والصورة كان مختلفة تماماً، حيث أنّ قناعته هذه قبل حرب 1973، لم تكن حقيقة، الأمر الذي أدى إلى خسائر “إسرائيلية” كبيرة في البداية، قبل أن يتقهقر العرب مرة أخرى، لأسباب لا يُمكن فهمها إلّا في إطار الشعور بالدونية والعجز.

هُنا لا نُقلل من قوّة العدو، لكن فينا كذلك قوّة أربكته، وفينا عقول صنعت من هالة قوّته اكذوبة، وفينا من يرى فيه كيان زائل لا محالة، ومن بيننا للأسف من لا يريد لتآكل صورة الكيان أن تترسخ، فهناك من بقاءه على الكرسي مرتبط بوجود الكيان، وهناك من يرى بأنّ النصر على الكيان إن لم يكن من جانبه فعليه تقزيم ذلك.

إنّ هزيمة البعض نفسياً هي التي تمنح الكيان شريان استمرار بقاءه، وإنّ أكثر ما يقض اركانه أولئك اللذين يصلون الليل بالنهار عملاً من أجل الخلاص منه، فهم باتوا يغرسون فيه الهزيمة، ويستنزفونه، وهذا الأمر لا تُخفيه قيادة الكيان، بل يستنكره ويُحاول تغطيته، من تغلغلت فيه الهزيمة النفسية، حتى باتت مأكله ومشربه.

 

 

أكمل القراءة

مقالات

رسالة الروح والثورة.. من عميد الاسرى نائل البرغوثي الى روح أمه الحاجة فرحة

نشر

في

بواسطة

كتب: وليد الهودلي

رسالة الروح والثورة

أماه ، أربعون عاما مضت وأنا أبحث عنك، أبحث عن عناق للحظات أذوّب فيها آلام هذه المسيرة الحافلة بالشوق وقسوة السجن والسجّان، كانت رحلتي اليك أماه طويلة طويلة جدا، كنت فيها بمثابة ظلالي التي تظلني، نورا ينبعث في قلبي، روحا ينشق لها صدري، أنيسا تنزوي منه وحشتي، أملا يتبدّد من طريقه يأسي وضعفي، كنت دوما رفيقي وسندي وصنو روحي الذي أسند عليه شقاي وتعبي.

وسارت مسيرتي الطويلة الشاقة كرحّال لا حدود لرحلاته، تارة أجد نفسي في صحاري قاحلة، لا مياه فيها ولا ظلال، أذوي في سعيرها نهارا، ويكتوي جنبي في ليلها على ما خزّنته رمالها من لهيب نارها، وعندما يثور غضبها تلفح وجهي برمالها، وأرجو كظم غيظها علّي أنجو من ويلاتها، من عمق هذا البؤس كنت أسمع وجيب قلبك أماه، أحسّ براحة يدك وهي تربّت على كتفي، تحويني ابتسامتك وأسمع دعاءك يطارد روحي ويتلقّف فؤادي ويبلسم جراحي ويلقي بشبكة أمان لا تنفكّ عني حتى أتخطّى أوارها وأنجو بروحي من ويلاتها.

وتارة أماه أجد نفسي في سفينة تعبّ عرض البحر في عاصفة هوجاء لا تدع شراعا ولا مجدافا، أتشبث على ذات ألواح ودسر قد خلخلتها نزعات العاصفة الهوجاء، أجد نفسي ضعيفا مهيض الجناح لا حول لي ولا قوة، ألمس أنفاسك تحيطني من كل جانب، ويسعفني دوما تذكّري بانك لا تفتري عن طلب حماية ربي وحفظه من لهيج قلبك الذي يديم الضراعة ويسخّر عظيم استعانة أمّ بربها الرؤوف الذي لا يخيّب من لجأ اليه لجوء المضطر اذا دعاه.

هي مسيرة السجن أماه التي نقطعها في ظل روحك وعلى ضفاف هذا الحنين الذي يوشك على الاشتعال لحظة اللقاء التي لا ينضب معين الشوق اليها، خاض رحّالك العنيد صحاري هذه السجون القاحلة خوض ابن بطوطة وكل رحالة عرفه العرب والعجم وشققت بحار العالمين ومحيطاته العاتية ، لم تسعني تلك الصحاري ولا عمق البحار لتسعني بعد ذلك عينيك الجميلتين، كان ذلك عندما استحضروا لك رحّالك العنيد الى حيث نخلة عسقلان الشامخة ، بالقرب من هذا الشاطئ الفسيح وفي زاوية سجن ضاقت عليها الأرض بما رحبت كان اللقاء المرّ، جاءوا بك على عربة من سيارة اسعاف فملات المشرق والمغرب ضياء، حضنك قلبي وملأت عيني من نورك الجميل، اختلطت دموعنا وامتزجت ارواحنا وحلّقنا عاليا في سماء ربنا، تلقفت كلماتك الأخيرة وقلبك على فلسطين وأهل فلسطين ومستقبل فلسطين، وانت في رمقك الأخير قلت لي كلماتك التي نطق بها لسانك قبل خمس وثلاثين سنة: درهم شرف خير من بيت مال، موتة بعزّة وشرف خير من حياة طويلة مغمّسة بالذلّ، النصر لأهل الشرف والدين ولو بعد حين.

وبعد حين وصل رحّالك العنيد بصفقة عزة مشارف كوبر، هذه البلدة التي دوما تزهر بالأبطال والشهداء، أخيرا وصلت رحلتي المديدة نهايتها وترجلت لتعانق روحي روحها ، وليجد قلبي قلبه الذي ينبض به، وصلت لأقبّل تلك اليدين التي ما فتأت مرفوعة في دعائها اللاهب، هذه التي أظلتني بظلالها في الصحاري القاحلة وكانت لي اليد التي تنشلني من عمق البحر العاصف عندما يحيط بي موجه من كل جانب، لحظات ونشعل ذاك الحنين الذي ملأ آفاق كوبر وفلسطين، لحظات لتلتف الروح بالروح ويلتحم القلبين بقلب واحد، لحظات لتغرق هذه الشمس في بحرها عند غروب كوبر.

كانت كوبر مكتملة بكل شيء ببهائها وجلالها ووقارها الا أني لم أجد أمّي، ليتني وجدت أمّي وضاع مني كلّ شيء، وجدت نفسي ولم أجد روحي، غيبها ثرى كوبر لتكون عند ربّها فتطيل أمد الانتظار من جديد الى يوم لقاء الحبيب.

أمّاه لم يعد للحياة طعم بعدك، ولم يكن لعطائك ودعائك ولهيج صدرك وجميل صبرك معنى لولا أننا نؤمن برب رحيم ودود لطيف، يبارك العطاء ويجزي على أحسن العمل ويثيب بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أعاهد الله على أن تكوني قلبي كله، لا يسع غيرك الا ما كان من رضاك وأخذ الاذن منك وأسبغت عليه ما أحببتيه لرحّالك العنيد، نائل الذي لو لم ينل الا أنت لكفاه ولو نال كل شيء ونقص رضاك ذرة لما نال شيء.

أملي بربي كبير أن يرحم أمّا أرضعت ولدها حرية ، نذرته لربها وقدسها، قهرت الدّ أعدائك وزرعت الغيظ في أعماقهم، بقيت على درب أبنائها وحفيت أقدامها وهي تطاردهم في فيافي سجونهم السوداء، طال بها الأمد طويلا وهي في خنادق الصبر الجميل ترابط وتنافح وتدق حصونهم، وكان من نسلها من أشفى صدور قوم مؤمنين، صالح وعاصم على درب عمر ونائل، رحلت عندك ربنا وبقيت بروحها منارة خالدة الى يوم الدين. برحمتك ربنا تقبلها وأسكنها فسيح جنة النعيم.

أكمل القراءة

مقالات

“كورونا” كاشف العورات!!

نشر

في

بواسطة

 

 

كتب: فتحي الورفيلي

في هذا المقال سنحاول الإجابة على السؤال التالي:
هل يعتبر “كورونا” مجرَّد حالة وبائية يقتصرُ التعاطي معها من منطلق الحدِّ من وبائيتها بالمفهوم الطبي والصحي للوبائية، دون أيِّ تداعيات من نوع آخر؟! أم أنه – أي “كورونا” – ظاهرة فَرَضَت نفسَها على العالم إلى الحدِّ الذي لم يعد يقدر معه على الاكتفاء بالنظر إليها بوصفها ظاهرة وبائية يجب البحث عن علاج لها وفقط، وإنما وجد نفسَه – أي العالم – غارقا في أتون تداعيات غير صحية وغير طبية لها، حتى وهو يتعاطى معها باعتبارها وباءً، ما يفرضُ عليه من ثمَّ التكيُّف مع هذه التداعيات غير الصحية، وغير الطبية؟!

إن هذا السؤال إذ يفرض نفسَه علينا بإلحاح، فلسببين هما:
الأول: إن “كورونا” – ولأسباب تحتاج إلى دراسة معَمَّقة وشفافة – فَرَضَ على العالم أن يَعْتَبِرَه البعض أكبر تحدٍّ له منذ الحرب العالمية الثانية، كما صرَّحت بذلك المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل”، وأن يعتبره البعض الآخر أكثر خطورة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما صرَّح بذلك الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”.. إلخ. وهو الأمر الذي – وبصرف النظر عن الأسباب التي دعت أولئك وهؤلاء إلى اعتباره كذلك – يضعنا أمام تحدٍّ كبير تفرضه هذه الحالة غير المسبوقة من الخطر، والهلع، والتهديد، والتهويل، المشتركة، والتي يعيشها العالم بأكمله منذ بروز هذه الظاهرة قبل أكثر من شهرين.

الثاني: إن “كورونا” وإن كان أقل في تأثيراته لجهة أعداد الإصابات، وأعداد الوفيات، حتى الآن على الأقل، من أوبئة شبيهةٍ سابقةٍ له، مثل “أنفلوانزا الخنازير” التي أودت بحياة عشرات الآلاف من البشر في مدة أقصر بكثير مما يحدث حاليا، أو من “فايروس أبيولا” الذي ما يزال يصيب الكثيرين حتى الآن، فضلا عن أمراض خطيرة غدت من مُرافِقات الإنسان في المَدَنِيَّة الراهنة، مثل “الإيدز” الذي يودي سنويا بأرواح مئات الآلاف من البشر.. إن “كورونا” هذا، قال للعالَم بملء الفم وخلال شهرين فقط: أنا جئت لأكشف العورات جميعها، ولأُعَرِّيكم من أستاركم الهشَّة الكاذبة المخادعة، فاستعدوا للفضائح، لأنني لست مجرد مرض سيميت ويصيب منكم من استطاع، قبل أن تفرضوا عليه الرحيل، بل أنا أحمل من القوة الكاشفة والفاضحة ما سيجبركم على إعادة النظر في كل ثوابتكم، رغم أنني لن أفعل بكم صِحِّيا مثلما فعل بكم غيري.

ولقد أرسل “كورونا” الكاشف الفاضح هذا رسائلَه المشَفَّرة إلى كلِّ العالم عبر ردود أفعالهم “الصِّحِّيَّة” و”الطِّبِّيَّة” على اكتساحه لهم، من خلال “عناوين رئيسة” جسَّدتها وفاضت بها تصرفاتُهم الطبيعية، وهم يسعون بها لحماية أنفسِهم من الفناء والموت:
1 – “كورونا” أعاد تحديد مفهوم “العولمة”، ليقول: لا عولمة إلا “أنا”، وكل مظاهر عولمتكم باطلة، لأنني فرضت عليكم حذفها من قواميسكم بشريط الـ DNA الذي أرعبتكم وأنا أتجول به عاريا بلا حسيب ولا رقيب. فنحن الآن أقرب إلى عالم ما قبل الإنترنت والفضائيات والعولمة، فكل الدول عزلت نفسها، وانكمشت داخل قوقعاتها لحماية نفسها من الخطر.

2 – “كورونا” غيَّر “أولويات الحكومات”، ليقول: فلتسقط الخَصْخَصَة، ولتعد للدولة مهمتها الحمائية والرعائية للمواطنين رغم كلِّ المتجبرين والمتغطرسين الذين تاجروا حتى بالحد الأدنى من أقوات الفقراء. فلم يعد يعلو اليوم صوتٌ فوق صوت السلطة وإجراءاتها الحمائية في كل شيء.

3 – “كورونا” أعاد الاعتبار لـ “التضامن المجتمعي”، ليقول: كفاكم تباعدا داخليا حقيقيا، لحساب تقارب خارجي افتراضي بارد كالصقيع، وعودوا إلى حميميتكم الداخلية، ولا تتنازلوا عنها لحساب ذلك الصقيع. فالانفتاح على الخارج والاندماج فيه، بداخلٍ متباعدٍ وهشٍْ، لا يقيم مجتمعا إنسانيا عالميا متكافئا ومتوازنا. إن مثل هذا المجتمع العالمي لا يقوم إلا بتفاعل أقوياء متماسكين متوازنين نظراء. فلتخلقوا مجتمعكم الداخلي المتماسك القوي المترابط، ثم انفتحوا على العالم وأنتم كذلك، وإلا فإن الذوبان والفناء والاضمحلال هو مصير حضارتكم العالمية، التي لا يمكنها أن تقوم إلا على تفاعل الأنداد.

4 – “كورونا” أنقذ “الأسرة لَبِنَة المجتمع الأولى” من الضياع الذي كانت تنحدر نحوه، ليقول: الأسرة والبيت هما أساس الصحة والسلامة والبناء الراسخ، فلا مكان يحميكم من بطشكم وبؤسكم سوى فكرة الأسرة. ألم يغدو التزام البيوت والعيش في كنف جو الأسرة هو أقصى ضمانة يمكن تقديمها للبقاء والاستمرار؟!

5 – “كورونا” يعيد “رسم ملامح السياسة الدولية” ليجبِرَها على تعديل مسارات أولوياتها، من الصدام إلى التفاعل، ومن التنافس إلى التكافل، ليقول: أيتها الرأسمالية الجشعة، ما أسهل أن يُقضى عليك بجرة “فايروس” يُفْقدُك كلَّ مكتسباتِك، أنا الموتُ جمعتكم وذكَّرتكم بنهاياتكم المتشابهة، فتذكروا الحياة التي هي بداياتكم المتشابهة.

6 – “كورونا” يضع أبشع مظهر من مظاهر الشَّرِّ البشري على المحك ويحشره في الزاوية، ليقول: ليست سيادة العالم لمن يستطيع أن يقتل أكثر، فلا أحد يستطيع أن يقتل مثلما أستطيع أن أفعل “أنا”، ومع ذلك فأنا مجرد مخلوق تائه لا قيمة لي، إنما السيادة لمن يستطيع أن يُحيي أكثر، ويبني أكثر، ويخدم الإنسانية أكثر، لذلك فلا سيد فيكم حتى الآن، فأعيدوا ترميم إنسانيتكم المهشَّمة.

نعم، هذه هي رسائل جلالة “الإمبراطور كورونا المعظَّم”، ولكنها رسال تُقرأ في ردود الفعل العالمية، وليست تُقرأ في أي مكان آخر، إنها رسائل أراد “كورونا” أن يَطَّلِعَ عليها الناس في أفعالهم، وفي سلوكهم، وفي ردود فعلهم، على رؤية الموت وهو يزحف صوبَهم.

فإن كان “كورونا” إطلالة قَدَرٍ، فالرسالة هي للجميع، حكاما ومحكومين، قادة ومقودين، أشرارا وأخيارا.
أما إن كان لعبة أشرار، فهو رسالة إلى الشعوب والبسطاء والشرفاء، ليعرفوا كيف يجب أن تكون خرائط العالم القادمة.
قد ينتهي أمر “كورونا” إلى لا شيء من كل هذا، كما كان شأن سابقيه “أبيولا”، و”سارس”، و”الطيور”، و”الخنازير، ويخسر من يخسر، ويكسب من يكسب، وتعود الرأسمالية الدوائية والغذائية لتتربع على عرش غيلان الإمبريالية العالمية، ولكن هذا لا يمنع من أن “الظاهرة كورونا” فرضَت نفسها علينا على نحوٍ أتاح لنا قراءة تلك الرسائل المشَفَّرَة بالغة الأهمية، فإما أن نلتقطَها، وإما أن نكون نحن الخاسرين.

إن “كورونا” أيا كان مُسَبِّبُه “أميركا”، أو “الصين”، أو “فرنسا”، أو “الخفاش”، أو “القَدَر”.. إلخ، هو فرصةٌ تاريخية يمنحها لنا الله لنقولَ للرأسمالية بأشكالها الأربعة: “النيوليبرالية” بقيادة الولايات المتحدة، و”المافياوية” بقيادة روسيا، و”المحافِظَة” بقيادة أوروبا، و”العمياء” بقيادة الصين، وهي – أي تلك الأشكال الأربعة – في أضعف حالاتها وأكثرها هشاشة.. نعم، إنها فرصة منحها لنا الله لنقول لأولئك جميعا: “آن أوان الشَّدِّ فاشتدي زِيَم”!!
سيسجِّل التاريخ أن “أزمة كورونا” هي أكبر أزمة شهدتها الرأسمالية العالمية، وهي أشد عليها من أزمتي “الكساد العظيم 1929″، و”الرهن العقاري 2008″، وهي تهزها من أعماقها إلى درجة جعلتها تنتفض.

ولكن في حال عدم وجود من يُحْسِنُ استثمار اللحظة لصالح شعوب العالم، كي يُخَلِّصَها من هذه الغيلان المتغطرسة، أو كي يُسَجِّلَ عليها النقاط المتقدمة في معركة الوجود هذه، فإن الرأسمالية ستجدِّد نفسَها وستعيد تأهيل بُناها لتواصلَ الحياة.
فإن لم تستفد الشعوب من هذه الأزمة في معركتها ضد الرأسمالية، فإن المستفيد الأكبر هو الرأسمالية نفسها، وإن عرفت الشعوب كيف تستفيد، فإن “كورونا” إن كان “لعبة أشرار”، فهو الخنجر الذي تكون قد طعنت به الرأسمالية نفسَها، وإن كان “إطلالة قدر”، فهو جندي من جنود الله الذين قال عنهم الله عز وجل: “وما يعلم جنود ربك إلا هو”، ليساعد به عباده، فهل يلتقطون الكرم الإلهي بعناية؟!

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 18 ساعة

الهزيمة النفسية كركيزة في إطالة عُمر الكيان

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس للدراسات الكف لا يُناطح مخرزاً، هم يمتلكون قوّة كبيرة، اختبئ في البيت لئَلا...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

الثورة الفلسطينية الكبرى 1936-1939.. كما يراها الصهاينة

عماد ابو عواد\ مركز القدس تُعتبر هذه الثورة، المقاومة الأهم التي خاضها الفلسطينيون ما قبل قيام الدولة العبرية، وتعود الأسباب...

مقالاتمنذ أسبوعين

رسالة الروح والثورة.. من عميد الاسرى نائل البرغوثي الى روح أمه الحاجة فرحة

كتب: وليد الهودلي رسالة الروح والثورة أماه ، أربعون عاما مضت وأنا أبحث عنك، أبحث عن عناق للحظات أذوّب فيها...

مقالاتمنذ أسبوعين

“كورونا” كاشف العورات!!

    كتب: فتحي الورفيلي في هذا المقال سنحاول الإجابة على السؤال التالي: هل يعتبر “كورونا” مجرَّد حالة وبائية يقتصرُ...

مقالاتمنذ أسبوعين

ماذا تعرف عن الدعم الأمريكي الموجه للكيان؟

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس تُعتبر الولايات المتحدة الداعم الأهم، الأبرز والأكبر، والأكثر أهمية بالنسبة “لإسرائيل”، ليس فقط من الناحية...

مقالاتمنذ أسبوعين

الأوروبيون والعرب لا يدركون طريقهم مثلما يدرك الأميركيون طريقهم

كتب: فتحي الورفيلي تعجبني كثيرا المواقف الأوروبية الأخيرة متمثلة في إعلان ماكرون وميركل عن رغبتهما في إنشاء جيش أوروبي مستقل،...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

عيد البوريم-المساخر- وإغلاق الضفة وغزة

كتب: إبراهيم الشيخ   ماتزال الدولة العبرية محاصرة للأراضي الفلسطينية والتضيق على السكان والتنكيل بهم بمناسبة أو غير مناسبة، فقد...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

“نساء في الظلام” من رحم التلمود لخدمة الموساد

  كتب: ابراهيم الشيخ – مركز القدس قد تصل الدول إلى أسلحة متطورة جداً في سبيل الدفاع عن أرضها ومشاريعها...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

اعرف حزب “إسرائيل بيتنا”

  تقرير: كريم قرط تأسس حزب “إسرائيل بيتنا” الإسرائيلي عام 1999 قبيل الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي جرت في ذلك العام....

مقالاتمنذ 3 أسابيع

لنقرَأَ واقع العرب ومستقبلهم من واقع الهلال الخصيب ومستقبله!

الهلال الخصيب حالة يندى لها جبين الأمة، بل والإنسانية جمعاء؟!   كتب: فتحي الورفلي رئيس حزب تونس بيتنا والمحلل السياسي...

الأكثر تفاعلا