تواصل معنا

مقالات

المقاومة في غزة تتقن مصارعة الثيران

نشر

في

كتب: وليد الهودلي

ما بين تبجح دولة الاحتلال بحربه على ثلاث دول عربية ومواجهته لثلاث جيوش مرة واحدة وانتصاره الساحق عليها جميعا بأسرع وقت ممكن ( ستة أيام او ست ساعات) واحتلاله للضفة الغربية والجولان وصحراء سيناء الشاسعة عام سبعة وستين، وما بين تمنياته لمواجهة فصيل واحد من فصائل المقاومة في غزة ثم رجائه ان تتوقف الحرب ولو باستجابته لشروط هذا الفصيل، وقبوله مكرها بتوازن الردع والرضوخ لقواعد الاشتباك التي كانت قبل هذا العدوان .. هكذا تتآكل صورتهم وتتآكل قدراتهم على الردع وقدراتهم القديمة في قذف الرعب في قلوب أمة العرب بجيوشها ودولها التي تنفق كثيرا دون أن ترفع طرفها، أمام هذه الدولة التي كانت في يوم من الايام مرعبة، وكان جيشها صاحب اليد العليا والطولى في المنطقة !

ولو لم تحقق هذه الجولة الاخيرة الا هذا لكفى، يكفي لزعامة أمة العرب المنبطحة والمستسلمة والمطبعة والمتذرعة بأنهم لا قبل لهم بهذه القوة الخارقة حليفة وربيبة المارد الامريكي الذي يقرر مصائر البلاد والعباد، تكفيهم هذه الصورة التي يصنعها فصيل واحد من الفصائل الفلسطينية المقاومة في غزة لتكشف عورتهم ولتظهر على الملأ خورهم وجبنهم، (على حسن الظن بهم) أو عمالتهم وتبعيتهم وانحيازهم لهذا المارد وتلك الربيبة المدلّلة ، لقد كشف فصيل فلسطيني يمتلك ارادة القتال ويمتلك قدرات متواضعة ولكنها بأيدي أناس أمناء محترفون في السياسة كما هم محترفون في القتال ، يعرفون الحد الفاصل بين التهور والجبن فيصنعون شجاعة ذكيّة فريدة دون ان يقعوا في تهور غير محسوب فيدفع الناس ثمنا باهظا لهذا التهور، ودون الوقوع في الجبن والتراجع والانحناء أمام العاصفة الهوجاء التي يمتلك ريحها عدوّهم ولكنه يوقع نفسه من حيث لا يحتسب في معادلة تكشف حقيقته وتكشف زيف جبال الوهم التي بناها في نفوس العرب منذ زمن طويل .

ولقد امتلكت المقاومة الفلسطينية بغرفة عملياتها المشتركة قدرة عالية على المناورة وجرّ الثور لنطح الخرقة الحمراء، حيث ينكشف ويصبح مرمى لسهامهم ويتم تسجيل عدة أهداف، دون أن يحدث العكس كما كان سابقا في حالات مشابهة،  يتم جرّنا للخرقة الحمراء لنطحها ثم لنتلقى سهامه القاتلة، حيث لعبة الاستعمار التي يجيدها مع الشعوب المستعمرة.

لقد قرّرت غرفة القيادة المشتركة في غزّة أن لا تتيح لهذا الثور أن يفتح حربا شاملة ، ونتنياهو في المعادلة الداخلية كان يتمنى ذلك ، أعطوه ما أراد مع ترك الرد الموجع لسرايا القدس، فظهر بصورة مخزية : خائفا جبانا من دخول حماس المعركة، وظهرت خشيته بصورة جليّة واضحة، وفي نفس الوقت تتحقق معادلة الردع من قبل فصيل واحد ، هذا الذي كان يرعب عدة دول، ويفتح عدة جبهات في وقت واحد يخشى الان من فتح الحرب مع عدة فصائل ، ثم واحد منها يلزمه حدّه ويفرض شروطه في وقف العدوان !!

لقد ظهر الثور بغبائه وسار طائعا لضرب خرقة المقاومة الحمراء وتلقى ما يعيده الى زريبته بعد أن ظهر بغبائه وجبنه .

كان في السابق هو الذي يجيد استخدام الخرقة الحمراء في مصارعة ثيران هو يملك ايقاعها وقت ما يريد وكيف ما يريد، نسارع بردّات فعل وعنفوان عاطفي دونما أن يمرّر على معادلات السياسة الدقيقة، فننطح ثم نتلقى ضرباته الموجعة، الان يحصل العكس تماما هو ينطح ثم يتلقى ضربات المقاومة الموجعة ، والان تقيم غزة ومقاومتها مدرسة سياسية محترفة بما تمتلك من وعي سياسي وخبرة واستفادة من خبرات الاخرين والقدرة على توظيفها وفوق ذلك كله التفكير الجماعي المشكل من خالص خبرات الفصائل التي عركتها التجربة بصورة قوية بعيدا عن الانفعال العاطفي ومع فهم عدوّها ونواياه وطرق تفكيره بدرجات تخصصية عالية .

الان غزّة هي التي ترفع الخرقة الحمراء وهي القادرة على لجم هذا الثور وتسديد الضربات الموجعة له بالقدر المطلوب والوقت المناسب والايقاع المثمر عسكريا وسياسا، لقد نجحت أيما نجاح باستخدام وسيلة الاستعمار المفضلة وتحويله الى الثور الهائج وهي بمثابة مصارع الثيران المحترف ، لا تمتلك قوته ولكنه تمتلك العقل السياسي والقدرة العالية على استخدام الخرقة الحمراء بعد أن نزعتها من يده، وراحت تستخدمها في وجهه بعد أن صار الثور الذي لا تحركه الا السياسة العقيمة ونوازع الشرّ والهروب من الازمات الداخلية  .

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

ماذا بعد أن نُشيّع أوسلو إلى مثواه الأخير؟!

نشر

في

بواسطة

كتب وليد الهودلي\ مركز القدس

لقد أضاع الاحتلال فرصة ذهبية من شانها أن تطيل عمر كيانهم، جاءهم اتفاق يمنحهم ثمانية وسبعين بالمائة من أرض فلسطين التاريخية على طبق من ذهب، بينما يعطي أصحاب فلسطين الحقيقيين اثنان وعشرين بالمائة من فلسطين، وهذا على أفضل التقديرات والتوقعات التي جعلت سقف الفلسطيني المفاوض: الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام سبعة وستين، هذا ان لم يجر تعديلات في المفاوضات النهائية تنقص من حصة الفلسطينيين مع ضمانات واشتراطات تضمن امنهم وتفوّقهم وتمنحهم الحق بما ليس لهم حق فيه والشرعية بما لا شرعية لهم فيه، ما الذي جرى وأعمى قادتهم الى هذه الدرجة بان فوّتوا هذه الفرصة الذهبية؟!

يقولون أنّ الطمع يعمي الابصار والقلوب فماذا لو أضفنا له غطرسة القوة وعنجهية الباطل وصلف المحتلّ؟ ثم إن براغماتية المفاوض الفلسطيني الفائضة عن الحاجة والضرورة وقبوله بالتخلّي عن نقاط قوّته على أمل أن يحسّن هذا من صورته عالميا بما يبعده عن شبهة الإرهاب وأن يعزّز بذلك من قوّته التفاوضية وكسب الضغط الدولي على سلطات الاحتلال، كلّ هذا تبخّر أمام ذاكرة الاحتلال القصيرة التي لا يوقظها سوى الخسارة اليومية وكلفة احتلالها الباهظة، نحن وفّرنا للاحتلال بيئة سهلة ومريحة ورفعنا عنه ضغط المقاومة وبقائه في حالة استنزاف مستمرة تجبره على التفكير بحقوق الاخرين، فمثلا لم تترك المقاومة الفيتنامية مقاومتها للمحتل الأمريكي فترة المفاوضات بل بقيت على صفيح ساخن يشكل الضغط المطلوب على صانع القرار لسلطات الاحتلال الامريكية. على مرّ التاريخ لم يسترجع مُستعمر بفتح الميم حقه الى بعد أن يكسر شوكة مستعمره ويمرّغ أنفه في التراب ويجعل من كلفة استعماره باهظة بشريا وماديّا.

نحن (بحق ولاستخلاص العبر بعيدا عن أية مزاودة) تخلينا عن نقاط قوّتنا وراهنا على خيار وحيد هو خيار التفاوض (وبموضوعية مجرّدة) قلنا لا مانع من بعض المقاومة الشعبية السلمية ثمّ ساهمنا بقوة في تقويض تلك المقاومة التي تجعل من الاحتلال مكلفا وتدفعه للتفكير بحق من يفاوضه، وهذا بدل أن يحظى بالتقدير كما توقّع البعض بحسن نيّة في غير موضعها صنع العكس تماما، زاد من طمعهم فينا وزاد من استقوائهم علينا وتوغّلهم في حقوقنا: استيطانا وعدوانا واستهانة بنا وبمقدّساتنا وبكل مكوّنات كرامتنا، شعروا شعور ذئب مفترس أمامه أرنب يستجدي حقوقه بالحسنى وطيب النوايا.

يجب ان ينتابنا شعور كم كنا مخطئين ونحن نطارد المقاومين ونقول أن هذا مصلحة وطنية وأن علينا أن نعطي فرصة للتفاوض السلمي، صحيح أتفهم أن على صوت السلاح أن يخبو قليلا وقت استحقاقات تفاوضية في أوقات حرجة ولكن أن يتم استئصاله وملاحقته استراتيجيا على مدار عقدين من الزمن على أمل ابليس في جنة التفاوض فهذا غير معقول أبدا. كم كنا مخطئين ونحن نطمئن الإسرائيلي بأن هذا خيارنا الوحيد، كم كنا مخطئين وبعضنا يروّج لثقافة بديلة عن ثقافة المقاومة وذات الشوكة ونعتبر هذا مصلحة وطنية.

كنا نتساءل ماذا لو لم نصل الى حقوقنا عبر هذا التفاوض؟ أو على ربع حقوقنا حسب اتفاق أوسلو؟ ماذا عسانا نفعل؟

وكنّا نناقش سياسيا ان طبيعة هذا الاحتلال ومن يعرف تركيبته العنصرية الاحلالية لا يمكن أن يخرج من جلده ويصبح احتلالا محترما يعيد الحقوق لأصحابها أبدا، وحتى دينيا رغم أن اليهود اليوم بفكرتهم الصهيونية يختلفون عن سابقيهم بالأمس ومع هذا قال القران فيهم:” أم لهم نصيب من الملك فاذا لا يأتون الناس نقيرا”. نناقش سياسيا بتركيبتهم التي تزداد تطرفا يوما بعد يوم، وتاريخيا قياسا بكل اشكال الاستعمار والانتدابات والاحتلالات التي لم ينفع معها الا القوة ودينيا بما قص علينا القران من قصصهم رغم انهم اليوم هم النسخة الأسوأ من هذه الطبيعة البشرية النكدة، كل ذلك يقودنا الى أن مسارات التفاوض ما قبل قصة البقرة التي حملت اسم أطول سورة في القران لن تختلف أبدا بعد أن قست قلوبهم وصارت أشد قسوة من الحجارة بعد قصة البقرة بثلاثة الاف عام.

لقد وصلنا الان الى هذه المآلات الماساوية فما هي السيناريوهات البديلة اليوم وبعد ان وصلت تجربتنا المريرة الى ما وصلت اليه؟

  • لا بدّ أن نغسل أيدينا ثلاثا من خيار التفاوض وكل ما ترتّب عليه، وأن نُخلّل ما بين الأصابع كما نفعل مع فيروس الكورونا. تطهيرا وبراءة لا عودة عنه أبدا.
  • شحذ الهمم والعمل على الاستعداد النفسي والثقافي للإنسان الفلسطيني النقيض المشتبك مع المحتل بكل الابعاد المطلوبة.
  • جمع الصف على قاعدة “المقاومة توحّدنا” وهي بالفعل كذلك لأن الانقسام في الأصل كان على برنامجين مقاوم ومفاوض، فاذا وضعنا هذه القاعدة للبرنامجين فانهما يصبحان برنامجا واحدا وبالتالي يصبح الانقسام من تداعيات مرحلة مضت.
  • اهتبال الفرصة التاريخية المواتية للعودة الى أصول القضية إذ أن تحديات الضمّ وغطرسة المحتل بهذا الشكل غير المسبوق ما هو الا فرصة تاريخية لنا بعد أن ضيّع هو فرصته التاريخية التي لن تتكرّر أبدا لان التاريخ لا يعيد نفسه.

ولان القادم مهما كان لن يكون أسوا من المرحلة السابقة التي وقفنا فيها طويلا أيتاما أمام طاولة اللئام دون أن نأخذ الفتات، لقد آن الآوان أن نعود كما كنّا أسودا يخشاها اللئام ولا نامت أعين الجبناء.

أكمل القراءة

مقالات

قرارات الرئيس الأخيرة.. ما بين القدرة على التطبيق والمُعيقات

نشر

في

بواسطة

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي.

 

تأخرنا كثيراً، ربّما هذا العنوان الأبرز والأكثر ملائمة للحالة الفلسطينية، وتحديداً في ملف تعاطي السلطة مع الاحتلال في مسيرته الطويلة التي أدارت الظهر لكلّ الاتفاقيات، ولكن ربما أن تأتي متأخراً خيراً من ألّا تأتي مطلقاً.

إيقاف التنسيق الأمني، والانفكاك عن الاحتلال والتحلل من الاتفاقيات، طبقه الاحتلال منذ ما يزيد عن عشرين عاماً، ولم يبقِ الاحتلال من تلك العلاقة، إلّا ما جعله الاحتلال الأقل تكلفة، وما حفظ له عدم تحمّل المتابعة الميدانية لشؤون الخاضعين لاحتلاله، علاوة على التنسيق الأمني، الذي فرضه الاحتلال على السلطة، مقابل تنسيق مدني يدعي الاحتلال أنّ الهدف منه، تسهيل حياة الفلسطينيين.

تطبيق ما ورد في خطاب الرئيس، مرهونٌ بتطبيق عدّة شروطٍ مهمّة، تشمل تغييرا دراماتيكيا في تعاطي السلطة مع سبل الرد التي انتهجتها، والتي يُمكن حصرها في نقاطٍ محددة:

  1. إطلاق يد المقاومة الشعبية في الضفة الغربية، وربما هذا لن يتحقق إلّا من خلال جسر الهوّة ما بين القيادة والشعب، هوّة اتسعت لأسباب متنوعة، تعيها السلطة أكثر من غيرها، وتتطلب معالجة سريعة.
  2. الذهاب وسريعاً باتجاه المصالحة الفلسطينية، حيث أنّ الانقسام الفلسطيني أجهد الشعب، وأفقد القضية الفلسطينية رونقها، ودفع الكثيرين لادارة الظهر لنا، تحت عنوان لن نكون ملكيين أكثر من الملك.
  3. اصلاح منظمة التحرير وفوراً، وإدخال التنظيم الأبرز في المقاومة فيها حماس، لتوحيد جهود المواجهة، والاتفاق على برنامج سياسي واضح، يُجمع عليه الكلّ الفلسطيني.
  4. البدء بتفكير القيادة جدّيا بنقل مقر اقامتها إلى القطاع، فهو على الأقل محظور على الاحتلال دخوله، في ظل معادلة المُقاومة القوّية، والتي فرضت قوّة ردع كبيرةٍ أمام الاحتلال.
  5. إعلان حالة التقشف في المؤسسات الفلسطينية الرسمية، لأنّ الارتهان للمال السياسي، ربما يُساهم في عدم القدرة على الصمود.

في المُقابل فإنّ هناك مجموعة من المعيقات والتي من المُمكن أن تصعب من القدرة على الاستمرار في مواجهة ما يُحاك على الأرض، وربما نجد أنّ المعيقات أكثر من محددات القدرة على الصمود، وهذا ما يراهن عليه الاحتلال:

  1. وجود شريحة ليست بالقليلة من السلطة الفلسطينية، تعتبر أنّ السلطة بحد ذاتها مكسب وغاية، وليست وسيلة للوصول إلى التحرر وإقامة الدولة الفلسطينية.
  2. القناعة الإسرائيلية بأنّ السلطة الفلسطينية لن تسمح بتصاعد المواجهة مع الاحتلال، لا في الحالة الشعبية ولا حتى على مستوى العمليات الفردية، وكذلك لن تمنح التنظيمات الفلسطينية مساحة من العمل.
  3. التشرذم العربي وحالة التراجع في دعم القضية الفلسطينية، في ظل حالة التطبيع الآخذة في الاتساع، وشعور بعض الأنظمة بأنّ القضية الفلسطينية باتت ثقلاً عليها، الأمر الذي يُضعف الموقف الفلسطيني.
  4. رهان “إسرائيل” على أنّ السلطة الفلسطينية لن تذهب بعيداً، لا من حيث حلّ نفسها ولا من حيث إيقاف كامل التعاون مع الاحتلال، في ظل حقيقة أنّ إيقاف كلّ ذلك سيُعطي “إسرائيل” المبرر للخلاص من السلطة، وهذا الأمر يدفع السلطة للتلكؤ قبل الذهاب أبعد من ذلك.
  5. تجربة “إسرائيل” السابقة مع السلطة الفلسطينية، والتي لطالما هددت ولم تنفذ، واتخذت قرارات ولم تُطبق، وهذا ما دفع نتنياهو للإشارة أنّه لن يحدث الكثير في حال اقدام “إسرائيل” على الضم.
  6. الحالة الفلسطينية الداخلية، تُشير إلى أنّ المصالحة الفلسطينية ليست قريبة، وحالة التشرذم لا زالت قائمة، الأمر الذي سيُبقي حالة المواجهة ضعيفة، في ظل استفراد “إسرائيل” بالحالتين الفلسطينيتين كلّ على حدة.
  7. الادارة المدنية في الضفة الغربية شكلت حكومة ثانية، وتداخلها مع الفلسطينيين ربما يُمهد الطريق، في حال استمرار تعنت السلطة، إلى إيجاد بديل سريع شبيه بروابط القرى، أو التعامل مع الفلسطينيين ضمن ما يُعرف بمجالسهم المحلية، وإن كان هذا ليس سهلاً، لكن الرهان الإسرائيلي على ذلك قائم.

الرهان الإسرائيلي الأكبر يكمن في ايمان “إسرائيل” بأنّ السلطة الفلسطينية ستتراجع، وبأن عوامل كبحها في مواجهة الاحتلال، أكثر من تلك الدافعة لها، حيث أنّ تجربة “إسرائيل” مع الفلسطينيين، والتي تمثلت بانتهاك الاتفاقيات، والتنكر الدائم للحقوق الفلسطينية، دون اتخاذ السلطة لمواقف حقيقية، أعطى “إسرائيل” المبرر للاستمرار دون الاكتراث كثيراً.

ختاماً، الحالة الفلسطينية تتطلب وحدة على الأرض، ورؤية واضحة، وإعادة الصراع إلى جوهره، بأنّ وطننا فلسطين من شرقه إلى غربه، وشماله إلى جنوبه، محتلّ منذ العام 1948، وسحب الاعتراف بالكيان الغاصب، وفتح الاشتباك معه، بكل الوسائل والسبل المتاحة، دون ذلك سنبقى في دائرة الرضوخ للاحتلال، وعدم اكتراثه بنا.

 

أكمل القراءة

مقالات

المتدينون والعلمانيون في الكيان، صراعٌ على شكل الدولة

نشر

في

بواسطة

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي


العلاقة التي باتت أكثر توتراً في “إسرائيل” هي تلك التي تندرج تحت الصراع الديني العلماني وانعكاسه على الدولة، ويُمكن تبني كلمة شلل كوصف ممكن، لما احدثته تلك العلاقة في الكثير من مناحي الحياة في الدولة.
ووفق المُعطيات في “إسرائيل” فإنّ 43% من اليهود هم علمانيون، فيما نسبة المتدينين تزيد قليلاً عن 20%، والتقليديون 34% ، فيما ينقسم المتدينون إلى حريديم ومتدينين صهاينة، فإنّ التقليديين، هم أولئك اللذين يحترمون الذين ويقدرونه ويلتزمون ببعض الطقوس الدينية.
الأزمة ما بين المتدينين والعلمانيين هي بالأساس على شكل الدولة، أو على شكل الحياة المرغوب والمفضل لليهود، حيث أنّ هذا الصراع تعود جذوره إلى ما قبل نشأة “إسرائيل”، حيث أنّ الخلاف كان على طبيعة حياة اليهود في المهجر، ومع تأسيس الحركة الصهيونية، ورفض المتدينين الحريديم لها، ازداد الصراع تأزماً، ووصل إلى حدود الكراهية الداخلية، ورفض كل طرف للآخر.
السباب والعراك بالأيدي، والاتهامات المتبادلة كانت سمة مميزة للصراع في السنوات الأخيرة، ففي الوقت الذي يرى فيه العلمانيون بأنّ الحريديم المتدينين يبتزون الدولة بسبب عدم تحملهم الأعباء في الدولة، ورفضهم المشاركة في الجيش وارهاق ميزانية الدولة، فإنّ الحريديم يرون بأنّ العلمانيون نشازاً وفسدة، ويخالفون التعاليم الدينية .
بالمجمل الصراع بين الجانبين يكمن على شكل الدولة المرغوب، ومحاولة كلّ طرف فرض رؤيته على الآخر، وهنا أبرز الخلافات بين الجانبين وانعكس على الدولة:
1. مسألة القوانين الدينية:
تكمن الأزمة إجمالاً في مدى الأهمية التي ينبغي أن تُعطى للدين اليهودي للحفاظ على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل، هل هي دولة يهودية أو دولة يهود والفرق بينهما كبير وهو ما يعبر عن أزمة هوية واختلاف حول أسسها ودور عامل الدين فيها.
وعلى هذا الأساس تطرح شرعية ومصداقية الدولة والصهيونية أمام الشريعة والتراث الديني اليهودي. لذا تطالب الأحزاب الدينية بتطبيق ومراعاة القوانين الدينية في الحياة العامة والأحوال الشخصية وفي قواعد الأكل الحلال، في المؤسسات والمطاعم اليهودية وحرمة المقابر اليهودية وتحريم الحفريات فيها.
حيث في الوقت الذي يسعى فيه المتدينون لاستمرار فرض قوانينهم الدينية، المرتبطة بالزواج والطلاق، والصلاة عند حائط البراق، والحفاظ على قدسية السبت، باتت السنوات الأخيرة تشهد عدم التزام في الجانب المرتبط بالحفاظ على قدسية السبت، وتمثل ذلك بذهاب الكثير من المناطق باتجاه، افتتاح أعمالها وتشغيل مواصلاتها يوم السبت .
2. مسألة الإعفاءات والامتيازات:
تُعتبر هذه أزمة كبيره مؤثرة في الحياة العامة في “اسرائيل”وخاصة على الساحة السياسة والعسكرية، فنظرا للدور الذي تلعبه الأحزاب الدينية في الائتلافات الحكومية فقد حصل المتدينون على مزيد من الامتيازات، وعززوا قوتهم المؤسساتية بشكل يفوق حجمهم الاجتماعي. وتتمثل أهم هذه الامتيازات في إعفاء طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية خصوصا المدارس التابعة للحريديم.
حيث أنّ الغالبية العظمى من الطلاب الحريديم في المدارس الدينية لا يُشاركون في التجنيد، إلى جانب إعفاء الفتيات المتدينات من الخدمة العسكرية نهائيا، وزيادة دعم الحكومة للعائلات الكثيرة الأفراد وهي شائعة في الأوساط الدينية، وزيادة المساعدات الاجتماعية للمدارس الدينية وطلابها، وتخصيص ميزانيات إضافية لمساعدة المتدينين في السكن . وهذا الوضع أخذ يزداد الاعتراض عليه من قبل الجمهور العلماني بحجة أنه يكرس عدم المساواة بين المواطنين الإسرائيليين.
3. مسألة من هو يهودي:
من بين أبرز القضايا الخلافية في “إسرائيل” تعريف من هو اليهودي، ففي الوقت الذي تُطالب التيارات الإصلاحية اعتبار كلّ من يعتنق اليهودية يهودي، أو من كان له أب يهودي، بأنّه يهودي لا زال المتبع في “إسرائيل” هو ما يتبناه التيار الديني الأرثودوكسي، والتي تتمثل في رفض الحاخامية العليا الاعتراف بإجراءات اعتناق اليهودية في الولايات المتحدة وخارج “اسرائيل”والتي ترفض قطعاً يهودية المعتنقين عبر المحاكم الدينية الإصلاحية.
من هو اليهودي، هو فقط وفق الرؤية الديني الحريدية في “إسرائيل”، والتي باتت تُخرج الكثيرين من اليهودية، معتبرةً بأنّهم ليسوا يهوداً، وهذا ما يُفسر وجود مئات الآلاف في “اسرائيل”تحت عنوان إسرائيليون ليسوا يهوداً، حيث لا زالت القبضة الدينية على هذا الموضوع، تُزعج الدولة والشريحة العلمانية ، التي تطالب بالتغيير.
الصراع ما بين المتدينين والعلمانيين يُشير إلى عمق الأزمة، فقد استطاع المتدينون على نسبتهم القليلة فرض نمط حياة خاص بهم، وأثر على الدولة وشكلها، ومُمكن إعادة ذلك، إلى محاولة الدولة استرضاءهم، والأمر الأهم وجودهم في الحكومات الإسرائيلية كبيضة قبان، تبتز الائتلاف الحكومي لتحقيق مصالحهم، مهددين دوما بإسقاط الحكومة في حال الانقلاب على معاييرهم التي يضعوها، وممكن رؤية ذلك، من خلال ما يُحققه المتدينون في الحكومات المتعاقبة الأخيرة.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 7 ساعات

ماذا بعد أن نُشيّع أوسلو إلى مثواه الأخير؟!

كتب وليد الهودلي\ مركز القدس لقد أضاع الاحتلال فرصة ذهبية من شانها أن تطيل عمر كيانهم، جاءهم اتفاق يمنحهم ثمانية...

مقالاتمنذ يوم واحد

قرارات الرئيس الأخيرة.. ما بين القدرة على التطبيق والمُعيقات

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي.   تأخرنا كثيراً، ربّما هذا العنوان الأبرز والأكثر ملائمة للحالة الفلسطينية،...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

المتدينون والعلمانيون في الكيان، صراعٌ على شكل الدولة

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي العلاقة التي باتت أكثر توتراً في “إسرائيل” هي تلك التي تندرج...

مقالاتمنذ أسبوعين

على لسان محررين.. معتقل جلبوع مقبرة حقيقية في ظل موجات الحرّ

  إعداد: رولا حسنين- مركز القدس   في كثير من الأحيان تصل الى مرحلة الصمت أمام كل ما يعيشه الشعب...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هدم البيوت وكيّ الوهم الصهيوني

  وليد الهودلي يخطئون جدا عندما يعتقدون بأن هدمهم لبيوت المقاومين هو بمثابة كيّ للوعي أو هدم للوعي الجمعي المقاوم...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

حينما يتم تسييس القضاء.. المحكمة العُليا في الكيان تحت المقصلة

  عماد أبو عواد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي بمكان أن يكون على رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

“فلسطين قضيتي” الردّ الجماهيري الكاسح على أعمال التفجير الرمضانية

كتب: وليد الهودلي عطفا على مقالي السابق وتعزيزا بما خرج من ” هاشتاقات” قويّة ووازنة تؤكد أن نبض قلوب الغالبية...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

ثقافة المقاومة لن تهزّ جذعها الجرذان المتصهينة

كتب: الأديب وليد الهودلي   بداية أودّ أن أؤكد بعيدا عن الغضب والانفعال على مسلسلات الجرذان المتصهينة (مع أنه حق...

مقالاتمنذ شهر واحد

الغربيون والشرقيون في الكيان.. فجوة تتسع وعُنصرية متجذرة

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس. غربيين، أو ما يُطلق عليهم في إسرائيل اشكنازيم، وشرقيين المعروفين باسم مزراحيم، هي...

مقالاتمنذ شهر واحد

الحكومة الصهيونية الجديدة.. رغم الوحدة تؤكد الضعف!

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي أكدّ الاتفاق الائتلافي الجديد كبرَ المأزق الذي يُعانيه الكيان،...

الأكثر تفاعلا