تواصل معنا

مقالات

سيارة عمرها 25 سنة صفر كيلو؟! 

نشر

في

 

 

وليد الهودلي

لأبدأ اليوم مقالتي بهذه القصة القصيرة:

رنّ الهاتف وأنا أسير بسيارتي على دوار الساعة وسط مدينة رام الله، لم أنتبه الى مصدر المكالمة وفتحت الخط حيث كان موصولا بسماعة الّسيارة الخارجية:

  • كأنك تقود السيّارة؟ أعود اليك فيما بعد؟
  • لا ، أسمعك على السماعة الخارجية.
  • أكيد انت الان في الطريق من المكتب الى البيت، كيف كان يومك؟

” في هذه الاثناء تعالى صوت ولديّ في المقعد الخلفي فصحت بهم طالبا منهم الصمت”

  • يومي عزيزي روتين قاتل، أستيقظ مبكّرا لتوصيل ابنائي الى مدارسهم، ثم الوظيفة والعمل، ثم الرواح والغداء والاستعداد للمناسبات الاجتماعية وأحيانا قضاء فسحة هنا أو هناك. ولكن قل لي: من معي على الخط، صوتك خفي عليّ.
  • أنا صديق قديم، سيّارتي ثابتة مكانها لم تتزحزح قيد أنملة منذ خمس وعشرين سنة، أحيانا ننزل منها الى سيّارة حديدية صمّاء لا تعرف طريقا الا من سجن لاخر اسمها “البوسطة”، لنا روتين يختلف عن روتينك القاتل، أنت تصحو لإيصال أبنائك الى مدارسهم انا منذ خمس وعشرين سنة لم أحظ بإيصالهم ولا مرّة واحدة، أنت تصيح بأبنائك وتخرج لهم عصبيّتك، أنا لو رأيت طيفهم في المنام تنتعش روحي أسابيع وأنا أستحضر ما رأيته منهم في منامي.

أين روتينك القاتل من روتيننا؟ تغدو وتروح بسيّارتك فسحة هنا وفسحة هناك، نحن نغدو ونروح في المسافة الواقعة بين ” البرش” وبوابة الغرفة التي تغلق وتفتح بأمرهم ولا تفتح الا قليلا، والنافذة الكئيبة، وإن طالت بنا الطريق فلنا أن نوجّه اشرعتنا نحو ” الفورة” لنسافر هناك ثم نتحرّك الحركة الدائرية مثل البرغي” البايز” كما وصفها احد الاسرى، تدور وانت مكانك ليكون نهاية المطاف البرش السعيد.

أنت عزيزي تذهب الى الأسواق لتشتري ما تشاء وتقرّر غداءك وعشاءك وضيفك ومضيفك وصلة رحمك ومتنزّهك ومسجدك وصحبة من تختار من خلق الله، نحن مفروض علينا كلّ شيء كاننا مسيّرون لا خيرة لنا في كل ما عدّدت من أمور، هذا حالي صديقي مع هذا الروتين منذ خمس وعشرين سنة.

ثم سيارتي المتجمّدة في مكانها من نوع ” برش” لا وقود فيها ولا طاقة لها ولا عجلات ولا طريق ولا سبيل، سيارة عمرها خمس وعشرين سنة وما زالت صفر كيلو، لا نوافذ لها ولا فتحة سقف ولا شاشة ولا كاميرا ولا أية إضافات، سيارتي لا أفق لها إلا ما نفتح نحن من نافذة على كتاب أو تسبيحة مع ربّ العباد.

يا عزيزي أنت وصفت روتينك بالقاتل فكيف نصف روتيننا؟

تقطع الصوت وسمعت صاحبي ينسحب مسرعا:

  • وصل العدد يا صديقي وما أدراك ما العدد، امض في طريقك واحمد الله على روتينك واسال الله لنا الفرج والخلاص.

ماذا عساي أن أعلّق على هذه المكالمة؟

لا حياة لنا ولا كرامة ولا مكانة ولا سيادة ولا حريّة ولا استقرار ولا استقلال الا بحرية أسرانا الاحرار.

 

مقالات

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

نشر

في

بواسطة

رأي

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

جودت صيصان

 

أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع الذي تلتقي فيه جريمة الاحتلال في العزل وجريمته في الإهمال الطبي المتعمد، ذلك أني دخلت معمعان هذه التجربة أربع عشر سنة، شاهدت وعانيت وكتبت كثيرًا عنها، منها مسرحية “النفق” (نصًّا وتمثيلاً) التي طرحت موضوع العزل وكتاب “مدفن الأحياء” (نصًّا وفيلمًا)، وعاينت معتقلين مرّوا بالعزل طويلاً، بل وأشرفت على من عانى نفسيًّا في فترة من فترات سجنه، وتواصلت مع أطباء أشرفوا على العلاج.

فأن تأتي “قناة العربية” فتختزل كمًّا هائلاً من المعطيات حول هذين الموضوعين: (الإهمال الطبي المبرمج والعزل) بربط سخيف وهزيل وبائس بحدث مرّ به المعتقل، ولتعرض بذلك عن كمّ هائل من تراكم الجريمة المفتوحة لهندسة الموت في عملية صهر وقتل الروح وعمليات التفريغ الهائلة من المحتوى القيمي والإنساني والوطني والنضالي، هذا يدلّل أن هذه القناة لا تسير بعقل عربيّ أو حتى إنساني أو عقل ذي علاقة بمهنية إعلامية حرة ونزيهة بأي حال من الأحوال. وقد بات هذا معروفًا ولا يحتاج إلى دليل حيث يُطلِق الناس على هذه القناة اسمًا عكس ما أطلقته هي على نفسها.

ثاني الممارسات الخطيرة (والتي تضرب روحنا الإنسانية والنضالية المشتبكة مع المحتل الذي يحاول دائمًا التنصل والهرب من صورته النازية المتوحشّة ورمي الكرة في ملعب الآخرين وكذلك دون إدخال الحسابات الإنسانية للمعتقل نفسه وأهله) هي المبادرة بتسجيل فيديو والعبور من خلاله لما تخفيه الصدور.

هذه الصدور العمياء التي لا ترى أن أولوية هذا الأسير أن نذهب سريعًا لخطة علاجية تعيده إلى وضعه الطبيعي، ثم بعد ذلك نصوّر وننشر، تترك هذه المهمة الإنسانية وتذهب إلى حالة الإثارة والتوظيف وتغذية الأهداف الرخيصة التي تقوم بها هذه القناة وما شاكلها من ذوي الضمائر المغيّبة، وهنا السؤال البديهي: من أعطاكم هذا الحق؟ هل أخذتم موافقة أهله؟ وهل هو بكامل وعيه (وأنتم تعلمون الإجابة علم اليقين) ليعطيكم الحق في التصوير والنشر؟ وهل توثقتم من مصادر معلوماتكم التي ربطت الصورة بما هو مركوز في صدوركم؟ ولماذا تعفون السجّان؟ تعفون من سجن وعزل ومارس الإهمال الطبي المبرمج طيلة هذه الفترة الطويلة، ويا فرحة الاحتلال فيكم إذ تعفونه من كلّ جرائمه التي هي ديدنه المعروف والمثبت بشواهد حية كثيرة كضحايا له ولماكينة قهره وعذابه.

في سياق طبيعي وموضوعي ينصبّ الحديث في الموضوع حول جريمتين كل واحدة حجمها كبير وأكبر مما نتصوّر:

جريمة الإهمال الطبي المتعمّد وجريمة العزل والتي يهندسون فيهما الموت، أو أن يصبح المعتقل فاقد الأهلية النفسية والعقلية والنضالية ومفرغًا من كل قيمه الوطنية والإنسانية والأخلاقية والروحية.. .. الخ وهم يسلكون في ذلك وسائل يتفننون في أشكالها وأنواعها:

  • مدّة العزل الانفرادي لسنوات طويلة بعيدًا عن حياة الأسرى التي في حدّ ذاتها عزل جماعي، أذكر مثلاً المعتقل أحمد شكري مكث في العزل 17 سنة، الأسيرة عطاف عليان وإيمان نافع عزلتا أربع سنوات وهذا رقم مهول لامرأة معتقلة على قضية سياسية، وقد ذكرت لي عطاف عليان أن لجنة من مصلحة السجون كانت تزورها في عزلها كل ستة شهور مرّة لفحص قواها العقلية. أعداد كبيرة مكثت سنوات طويلة وهي معزولة.
  • ظروف المعزول ماكينة من العذاب، إذ إنه يعزل في زنزانة تحيطها زنازين فيها عتاولة الإجرام في مجتمعهم وهؤلاء يقضون ليلهم في مسبات وصراخ وطرق على الأبواب تشكّل عذابًا جديدًا لمعزول على خلفية قضية وطنية وسياسية. عدا عن وضع المكان وبؤسه في مسافة ضيقة مخنوقة في زنزانة انفرادية بلا تهوية ولا غذاء، وساحة الاستراحة ضيقة، لا يرى سماءها، ولا يلتقي فيها بأحد، ويقيد أثناءها في يديه ورجليه، وليست لها أوقات منتظمة معروفة.
  • ويأتي العزل عقوبة إضافية فوق عقوبة السجن نفسه.
  • لا يكترث السجّان بما يحدثه العزل من أمراض نفسية، ومن ثمّ لا يقدّم الرعاية الصحية ولا العلاج المناسب، بل بالعكس يُسخّر كلّ أسالب تكثيف الضغط النفسي ليتفاقم المرض، حتى يصل مرحلة صعبة قد تتابعها غير مؤهلة بعيدًا عن الطبيب المتخصّص، فتسخر من الحالة وتسرّب إشاعات في السجن أنه يتمارض ليخفّف عنه العقاب.
  • وبخصوص هندسة الموت في متابعة الأسرى المرضى، فقد تحدثت عنها كثيرًا من خلال شواهد حيّة في كتاب “مدفن الأحياء”، ورأيناها في فيلم يحمل نفس العنوان ويعرض قصة من تجري عليهم شركات الأدوية تجاربها، والمريض الذي يتلقى حبة الدواء وفيها الداء من ذات اليد التي تقمعه وتذيقه سوء العذاب، ورأينا كيف يدخل سليمًا ويخرج شهيدًا بعد أن يمرّ في مسلسل إجرامهم. وقافلة شهداء الأسرى المرضى كثيرة ومستمرّة وشهادة تلو الشهادة على جريمة المحتل المفتوحة منذ احتلاله لهذا الديار إلى يومنا هذا.

فالاحتلال من “ساسه لراسه” هو من يتحمّل المسؤولية الكاملة وكلّ من يغض الطرف عنه فإنه يتنكّر لحقائق أوضح من الشمس في رابعة النهار، ولشواهد شاهدها مئات الألوف من الأحرار الذين دخلوا السجون وعاينوا الأمر بأمّ أعينهم منذ قام كيان هذا المحتلّ.

وهذا أيضًا لا يعني أن من في السجون ملائكة لا يخطؤون ولكن لا ينبغي أن نسلّط كلّ ضوئنا على أخطائنا (حالة حدوثها) ولا نرى السبب والمسبّب ومن يضعنا في ماكينة عذابه دون أن يرحم منا أحدًا.

أكمل القراءة

مقالات

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

نشر

في

بواسطة

مقالات

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

جودت صيصان

بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تشهد حتى الآن تفاعلاً جلياً مع ما يجري على الساحة الانتخابية في فلسطين، حتى بعد أن فُتح بابُ الترشّح للانتخابات البرلمانية المقبلة، إلا أن المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي بمواقعها وتطبيقاتها المختلفة باتت تُشكل قوةً لا يُستهان بها وواحدةً من أهم الوسائل الاتصالية والإعلامية في الوقت الراهن إذا ما أُحسن توظيفها.

لعبت مواقع التواصل الاجتماعي دوراً هاماً في الحملات الانتخابية العالمية منذ عام 2014، وازداد تأثيرها بعد انتشار وباء كورونا أواخر عام 2019، إلا أن تأثيرها على الناخبين يختلف من بلد إلى آخر كما هو الحال مثلاً ما بين الأردن وأمريكا، وبالرغم من ذلك يتزايد تأثير هذه المواقع يوماً بعد آخر، ليس بسبب ارتفاع أعداد رواد هذه المواقع فحسب، بل لما تتمتع به من أدوات وتطبيقات مما يجعلها أداة فعّالة ومؤثرة على جمهور كبير من الناس.

إن الانتخابات الفلسطينية – إذا ما جرت – فمن المتوقع أن تُشكّل وسائل التواصل الاجتماعي بتقنياتها العالية؛ الميدان الأبرز للقوائم الانتخابية لحث المستخدمين على المشاركة السياسية والترويج للبرامج الانتخابية للقوائم، والتي إذا ما كانت غنية ومتنوعة ومُقنعة في مُعالجتها للمشاكل وطرحها للحلول فإنها ستُساهم بالتأكيد في تشكيل وبناء وترسيخ صورة ذهنية إيجابية لدى الجمهور، وتُحدث تغييراً وتأثيراً كبيراً في السلوك الانتخابي لصالح تلك القوائم.

إن التوظيف الفاعل لوسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي يعتمد بالدرجة الأولى على الاحترافية في استخدام استراتيجيات الترويج الرقمية، والتي تعتمد على عنصرين هامين وهما الدعاية السياسية والإقناع السياسي الذي سيُمكن مرشحي القوائم الانتخابية من الوصول إلى كافة المحافظات وإلى عدد كبير من الجمهور، كما سيُمكن أعضاء ومؤيدي الأحزاب والقوائم الانتخابية والمتعاطفين معها من دعمها عبر مشاركة منشوراتها على صفحاتهم وإثارة بعض القضايا التي تؤثّر على رأي الجمهور.

فالشبكات الاجتماعية بالأساس تقوم على التفاعلية، وتوفر فُرصةً للتحاور والتواصل المُباشر ما بين ممثلي القوائم والناخبين، ويتسع الأفق في هذا السياق ليشمل التفاعل بين المعارضين والمؤيدين أيضاً، لا بل بين مؤيدي القائمة الواحدة، فيتم تحويلهم من ناخبين مُحايدين يقتصر دورهم على الإدلاء بأصواتهم في العملية الانتخابية إلى فاعلين أساسيين في الحملة الانتخابية عن طريق التبرع بالوقت والجهد أو تقديم اقتراحات، مستفيدين مما تُتيحه هذه المواقع من إمكانيات كبيرة، كما يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الاستهداف الجزئي الدقيق لمجموعات مُعينة من الناخبين، وهذا بالتأكيد سيُقلل من الاعتماد على وسائل الإعلام التقليدية.

إن هذا المقال لم يأت لتبيان أهمية أو إستراتيجيات الترويج التقنية التي يمكن أن يلجأ إليها مرشحو القوائم الانتخابية أو يتفاعل معها الناخبون، بل للإشارة إلى الفرصة والمساحة التي توفرها تلك الوسائل لكل من المرشحين والناخبين والتي يجب استثمارها بالشكل الأفضل للوصول إلى نتائج مُرضية تعبر عن نبض الشعب وتطلعاته المشروعة والنبيلة، فلقد أثبتت جميع الدراسات والأبحاث التي أجريت على الانتخابات في العالم العربي والغربي في العقد الأخير أن هناك علاقة ذات دلالة إحصائية بين توظيف الحملات الانتخابية البرلمانية والرئاسية لمواقع التواصل الاجتماعي ونجاح القوائم والمرشحين… فهل سيكون المشهد الانتخابي الفلسطيني كذلك؟!

 

أكمل القراءة

مقالات

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

نشر

في

بواسطة

مقالات

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.

 إسلام أبو عون

بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد بعد تسجيل أولى القوائم الحزبية والإعلان الواضح للواء جبريل الرجوب عن عدم طرح خيار القائمة المشتركة على طاولة البحث. وفي ظل الإشارات التي تؤكد المضي في الذهاب إلى الانتخابات؛ بات من المهم تسليط الضوء على واقع الفصائل الفلسطينية وفرصها في الاستحقاق الانتخابي بعد تعطل المسار لأكثر من 15 عامًا.

ناقشتُ في مقال سابق واقع الضفة الغربية، وعرّجت بشكل مختصر لواقع حماس في الضفة الغربية، ويبدو من المهم تقديم مساهمة موسعة حول ذلك الواقع بما يؤدي لقراءة صحيحة لتوقعات وفرص الحركة بالمجمل في هذا الاستحقاق المثير للجدل والتساؤلات الكثيرة.

عانت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الضفة، منذ الاستحقاق الانتخابي السابق، والذي انتهى بفوزها بشكل كبير في عام 2006، وقد بدأ ذلك إثر موجة الاعتداءات على أفرادها ومؤسساتها بالتوازي مع جولات الاقتتال الداخلي الذي استمر لشهور في قطاع غزة، وبلغ الأمر مداه وقت حدوث الانقسام الفلسطيني، فقد قامت المجموعات المحسوبة على السلطة وحركة فتح بالانتقام من الحركة في الضفّة الغربية، وتحميلها مسؤولية الأحداث بالرغم من عدم مشاركة حماس بالضفة في الاشتباك العسكري، وظهرت متفاجئة من مسار الأحداث، وتلك الحقيقة عززها عجز السلطة عن إثبات أي علاقة لأي من عناصر حماس في الضفة الغربية أو سعي لنقل الأحداث أو حتى التحرز من ردة الفعل المتوقعة.

وبعد مرور أيام على حملات الاختطاف والتخريب للمؤسسات تحول العمل ضد الحركة للشكل الرسمي، وفتح الباب واسعًا أمام الأمن الفلسطيني لمحاربة الحركة والسعي العملي لاجتثاثها، وقد عملت السلطة على عدة جوانب؛ ظاهرها الانتقام من خسارة غزة، وفي جوهرها العمل على حظر الحركة وتفكيك الحالة التي أدت إلى خسارة حركة فتح للانتخابات، وبدا ذلك واضحًا عندما ركزت الاعتقالات في بدايتها على ملاحقة العاملين في الانتخابات، وتفكيك التنظيم في جميع المحافظات واعتقال أكبر عدد من أبناء الحركة وإجبارهم تحت الضغط على تقديم إفادة بكل ما يعرفونه عن الحركة وعن دورهم فيها، وتتطور الأمر لفتح  ملفات قديمة لا علاقة للانقسام بها من قريب أو بعيد وصولاً للتحقيق في قضايا الاعتقال عند الاحتلال وفتح الملفات المغلقة والمنتهية.

وبالتوازي مع حالة الاستهداف الشخصية الكبيرة، عملت أجهزة السلطة على محاربة أي مظهر لحضور الحركة، وصلت لدرجة مسح شعارات مكتوبة على الجدران وملاحقة أعلام الحركة ومناسباتها بما يعني طي الصفحة والتعامل معها كتنظيم محظور، واستمرت هذه الحالة في معظم سنوات الانقسام، وإن تفاوتت حدّة الاستهداف تبعًا للظروف، فقد شهدت الضفة انفراجات بسيطة بعد اتفاقات القاهرة 2011، وأثناء الحروب على قطاع غزة وخاصة في العام 2014، إلا أن ذلك كان يتبعه دائمًا مساءلة بعد زوال تلك الأحداث.

ولم يقتصر التعامل مع الحركة على التعامل الأمني، فقد عملت السلطة على محاربة الحركة سياسيًّا بتجاهل التعامل معها كمكون سياسي معترف به في الساحة السياسية، ومنع رموزها من المشاركة في الندوات، وكذلك منعهم من العمل العام والملاحقة التفصيلية لكل حضور ولو بالحد الأدنى، كمراكز تحفيظ القرآن ولجان الإصلاح والمراكز.

وأضيف لذلك الحصار الاجتماعي لأبناء حماس عبر ملاحقة التجمعات، والمساءلة عن أي تواصل اجتماعي بين أفرادها، وكذلك حملات الترهيب من الاقتراب منها، وخاصة مع حملات الفصل من الوظائف الحكومية وملاحقة المؤسسات الخاصة، وذلك يدخل في الناحية الثالثة من استهداف التنظيم وهو الباب الاقتصادي، فقد حاربت السلطة الحركة بتجفيف المنابع الاقتصادية وسحب المؤسسات منها، والتقصي على الأصول التابعة للحركة والإجبار على التنازل عنها، بالإضافة إلى حل الجمعيات الخيرية وتشكيل مجالس لإدارة لجان أموال الزكاة، وهي المؤسسات العريقة للإسلاميين منذ قبل تأسيس السلطة، ووصل الاستهداف الاقتصادي، إلى المساءلة الشخصية، حول المصالح الاقتصادية لأبناء الحركة، وحرمان كثير منهم من التراخيص المطلوبة لمزاولة النشاط الاقتصادي.

واستغل الاحتلال هذه الحالة غير المسبوقة للحركة، فقام بملاحقة أي نشاط مهما كان حجمه، ولم تهدأ حملات الاعتقال بالرغم من التراجع الكبير في نشاط الحركة وحتى في وجودها في الحياة العامة في الضفة الغربية، وعملت “إسرائيل” التي بدأت بتطبيق “السلام الاقتصادي” على محاربة الحركة اجتماعيًّا واقتصاديًّا عبر استثناء مناصري الحركة وعوائلهم من تصاريح العمل الواسعة، وبات حاملو تلك الأوراق أكثر حذرًا في التعامل مع أفراد الحركة وحتى مناسباتهم الشخصية.

وفي محاولة تفكيك المشهد الحالي تظهر الانتخابات كإحدى المحاولات التي تسعى وفق منظروها إلى محاولة تغيير واقع الضفة الغربية السياسي بما يعطي أملاً للحركة بالنهوض بعد سنوات القمع الطويلة، كما ستظهر مدى نجاح خصوم الحركة وأعدائها في مشاريعهم ضدها، ويقع على عاتق أبناء الحركة والذين قد يتفقون أو يختلفون مع هذا المسار الاجابة العملية على ذلك عبر مشاركتهم واعادة صفوفهم والعودة بما يصعب محاولات اجتثاثها مرة أخرى.

 

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية.

رأي الأسير منصور الشحاتيت في مفرمة السجّان وقناة العربية. جودت صيصان   أزعم بداية أنني مؤهل للحديث في هذا الموضوع...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟

مقالات هل ستكون وسائل التواصل الاجتماعي الميدان الأبرز للدعاية الانتخابية في فلسطين؟ جودت صيصان بالرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة

مقالات حماس في الضفة وسنوات الانقسام الطويلة.  إسلام أبو عون بات من شبه المؤكد ذهاب الفصائل للانتخابات الفلسطينية بشكل منفرد...

مقالاتمنذ شهر واحد

مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة

مقالة مطلوب برامج انتخابية واقعية ومقنعة جودت صيصان اعتاد الناس في فلسطين منذ الانتخابات التشريعية والرئاسية الأولى عام 1996، وكذا...

مقالاتمنذ شهر واحد

القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات

تقارير القائمة المشتركة بين فتح وحماس.. الممكنات والدلالات فضل عرابي صحفي وباحث فلسطيني   ملخص تصاعد الحديث في الأوساط الإعلامية...

مقالاتمنذ شهر واحد

نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه

مقالة نظام الانتخاب بالقائمة المغلقة.. ما له وما عليه جودت صيصان   بعد انقطاع الفلسطينين عن ممارسة حقوقهم السياسية بانتخاب...

مقالاتمنذ شهرين

قراءة في الملف النووي الإيراني

كتب: حذيفة حامد يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات...

مقالاتمنذ شهرين

الانتخابات المنتظرة مشكلة أم حل؟

كتب: جودت صيصان تتباين مواقف الفصائل الفلسطينية، كما مواقف القادة والمثقفين والمفكرين والأفراد الفلسطينين من موضوع الانتخابات المنتظرة، تبعًا للزاوية...

مقالاتمنذ شهرين

أثر الانقسام على العمل الفصائلي في الضفة

كتب: إسلام أبو عون  انعكس الانقسام الفلسطيني على الفصائل وأوضاعها بشكل كبير، فقد أدت السياسة المتبعة إلى تراجع الحياة السياسية والنشاط...

مقالاتمنذ شهرين

فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

  كتب:   إسلام أبو عون يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل...

الأكثر تفاعلا