تواصل معنا

مقالات

شركة كهرباء محافظة القدس.. بين مطرقة الاعداء وسندان الواقع المرّ ؟!

نشر

في

كتب: الأستاذ وليد الهودلي

على أثر تهديد الاسرائيليين بقطع الكهرباء عن مناطق في الضفة والقدس والازمة الخانقة التي تمر بها الشركة ، وعلى مدار يومين في لقاءين منفصلين احدهما مع مهندس الشركة المخضرم علي حمودة في منتدى الخبرات وثانيهما عبر مؤسسة أمان مع رئيس مجلس ادارتها المهندس هشام العمري الذي حمل لنا هموم الشركة الثقيلة وتحدياتها القاسية ، استمعت الى ما لا يختلف عليه اثنان متابعان للشان الفلسطيني العام على حقائق عن الشركة لا بدّ من تأكيدها لتكون منطلقا أساسيا فيما هو لا حق :

أولا : الشركة فلسطينية مقدسية الهوية : وقد تابعنا تسلسل نشأة الشركة منذ قرار تأسيسها سنة 1914 والتطورات الادارية التي مرت بها منذ العهد العثماني الى الانتداب البريطاني الى فترة الحكم الاردني الى الاحتلال الاسرائيلي الى عهد السلطة الفلسطينية كانت الشركة عربية خالصة تؤكد عروبتها وانتمائها للحالة الفلسطينية على الرغم من كل التحولات التي انتابت فلسطين ودفعت باتجاه شطب هويتها وسلب ارادتها ونزع هويتها وكانت أقسى درجات الخطورة التي مرّت بها وما زالت هي سياسة الاحتلال التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة وخبث ومكر وصلف الى تهويد القدس ومحو كل مكوناتها الوطنية الفلسطينية ، ومن أهم هذه المكونات: المؤسسات الفلسطينية التي ما زالت متمسكة بمناطق امتيازها المقدسية وما زالت صامدة تعض عليها بالنواجذ وتستمسك بكل استحقاقاتها الخدماتية وامتيازاتها على كل بيت وزقاق ومرفق مهما كان صغيرا أو كبيرا ومهما كانت الكلفة المادية من أجل المحافظة على صفة الامتياز وعدم التراجع من حال التغول في التهويد وسحب ما تبقى من مظاهر أصيلة للهوية العربية الفلسطينية .

هذا عمل عظيم يسجل لشركة كهرباء محافظة القدس خاصة في ظل تراجع وغياب السياسات العربية وتواضع عطائها ودعمها ، وهذا لا يقارن  بما يفعله الصهيانة من خطط وفرض وقائع على الارض ، هم يدعمون حالة الاستيطان والاحلال بالمليارات وعربنا ونحن لا يُعدّ ما يصل القدس بمؤسساتها واهلها الصامدين في هذا الموقع المتقدم والمقدس سنتات أمام المليارات التي تقدم لهم . وفي ظل الاختلال الرهيب بمعادلة الدعم هذه تقف شركة كهرباء محافظة القدس شامخة منافحة مستعصمة بكل ما اوتيت من عزم على المحافظة على هذه الهوية العريقة التي تثبت باننا الاقدم والابقى في هذه البقعة المقدسة .

ثانيا : الشركة تعمل في ظل ظروف استثنائية لا يوجد مثلها في العالم : فنحن لا نتحدث عن شركة تعمل في السويد او اوروبا تتوفر لها كل ظروف الابداع والنجاح بتحديات ومعوقات طبيعية تتخطاها أية ادارة ناجحة بكل سهولة ويسر ، اولا هي تعمل في منطقة غير مستقرة وتجري السياسة فيها على رمال متحركة وهذا يُولّد تحديات من نوع خاص مختلف عن اية تحديات طبيعية ، تاريخيا مرت باحتلالات متعددة كان أسوأها الاحتلال الاسرائيلي الذي حاول ابتلاعها والسيطرة الكاملة عليها فالتفّ الشعب الفلسطيني معها ووقف بكل صلابة وقوة لكل محاولات السيطرة عليها كونها صرحا وطنيا وله دلالات رمزية عالية لانطلاقه من القدس ووجوده فيها، وحتى اننا نحاول عند تعريفنا مؤسساتنا الكثيرة نقول رمزيا بأن مقرها المؤقت حاليا في رام الله مثلا بينما المقرّ الدائم في القدس فما بالنا بمؤسسة هي الان قائمة في القدس ، وواقعيا : الان تعاني الشركة كثيرا من تنقلاتها ما بين القدس ومناطق امتيازها في الضفة نتيجة التقسيم الاحتلالي والحواجز وجدار الضم العنصري ، وتعاني من مناطق مقسمة الف وبا وجيم ولكل منها خصائص وطرق تختلف عن الاخريات ، عدا عن تفاوت واختلاف الصلاحيات بين الاحتلال ومناطق السلطة الوطنية الفلسطينية ، وهناك موضوع المخيمات وما تحيطه من ظروف اجتماعية وسياسية خاصة . ظروف العمل للشركة ليست طبيعية بل هي استثنائية بامتياز وتحسد عليها كثيرا .

ثالثا : نجاحات فنية مذهلة للشركة : وهنا لا أقصد بفنية انتاج مسرحي او سينمائي درامي بل هو تجسيد على أرض الواقع بمتابعة كل الفنيات الكهربائية باعلى المواصفات العالمية ، لم ترضخ الشركة لتداعيات الواقع الصعب ولم تتخذ منه شماعة تعلّق عليه عدم القدرة الفنية على ملاحقة التطورات العالمية في مجال عملها بل كانت مثالا يُقتدى به في متابعة كل ما هو جديد فنيّا وتكنولوجيا في هذا الميدان ، الان هناك على صعيد المثال وحدات تحكم الكتروني من المحطات الرئيسية ساعدت نوعيا في متابعة اوقات الطوارىء حالة المنخفضات الجوية الطبيعية او الظروف السياسية وما نتج عنها من حروب واجتياحات وانتفاضات مرت بها المنطقة . وهناك مشروع الياف ضوئية مع خطوط الكهرباء قادرة على تزويد الناس بانترنت سريع وغير مكلف وشبكة اتصالات مذهلة لولا ما تواجه من اعتراضات وموانع اسرائيلية وجهات اقتصادية متنفذة وغير ذلك مما يضيق المجال لذكره وهو بحاجة الى ذوو الاختصاص للحديث عنه مثل ما أتحفنا به مهندسوا الشركة هشام العمري وعلي حمودة .. ومما يُذكر للشركة أيضا ان كثيرون ممن نمّوا خبراتهم في هذه الشركة انتقلوا لشركة الكهرباء الاردنية وكانوا سببا اساسيا في تطويرها ضمن عملية خبرات تبادلية بين الشركتين الشقيقتين.

رابعا :  صبرها على ديونها وتقديرها للظروف الاستثنائية : لم تستخدم الشركة  قدراتها ونجاحاتها وصفتها الوطنية العريقة سيفا مسلطا على رقاب مشتركيها بل قدرت الظروف وكانت مرنة في هذا الموضوع ، قدّرت مثلا ظروف المخيمات القاسية وصبرت على ديونها طويلا وقدرت الحساسية السياسية وحاولت البحث عن حلول مرضية لكل الاطراف ودفعت من جانبها كثيرا ( ساعود الى هذه النقطة لاحقا ) . لم تلاحق المشتركين بخدماتها على أداء واجباتهم على قدر ما قامت هي بواجباتها اتجاه مشتركيها حيث ان من المعروف ان المسألة حقوق وواجبات وهذه مربوطة بتلك ، ولكن الشركة في اغلب احوالها لا تقصر بواجباتها في حين انها ترى كثرة التقصير في اداء حقوقها وتنطلق في ذلك ان الكهرباء خدمة انسانية وليست مجرد سلعة تجارية على قاعدة ” اللي معوش بلزموش ” ، الكهرباء والمياه بالتحديد هما عصب الحياة ولا يمكن التعامل معهما على أنها مجرد سلعة تجارية ، حاولت في موضوع العداد المسبق للدفع دون تعميمه على كل المشتركين وهذا مثار نقاش مع الشركة قابل للتعديل حالة وجود حلول للتحصيل ووجود بدائل تلزم المتهربين من حقوق الشركة عليهم الالتزام بواجباتهم اذ لا يعقل ان تتلقى خدمة تصل بيتك دون اي تأخير على مدار الشهر ليل نهار ثم عند الحساب تدير ظهرك أوتتلكأ طويلا .

كي لا نصيب شركتنا المقدسية بسهامنا القاتلة بعد أن عجزت عنها سهام الاحتلال :

أولا : الاخذ سريعا بأهم توصية خلصت بها الورشة وما أكده مدير أمان الدكتور عزمي الشعيبي وملخصها : ” ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع به القران ” ، الوقوف من اعلى مستوى رسمي في السلطة ومنظمة التحرير لايجاد حلول لازمة الشركة المالية وتحصيل ديونها . وهذا ليس من باب القاء الكرة في ملعب الاخرين ، وانما هو القاء الكرة في ملعب اقوى اللاعبين ، ففرض القانون وتطببيقه لا يمكن ان يتم بدون السلطة .

  • هناك مئات الملايين في رقاب سارقوا الكهرباء ، عناوينهم معروفة والادلة والاثباتات قاطعة والغالبية العظمى من اغنياء البلد ورؤوس اموالها الكبيرة .
  • ديون المخيمات التابعة لمنطقة امتياز الشركة تقدر ديونها الشهرية بثمانية ملايين شهريا واغلب من لا يدفع لا يرشّد الاستهلاك على قاعدة ” اللي ابلاش كثّر منه ” ، هناك عملية هدر مهولة للطاقة دون رادع أو حساب ، ورغم ان المتحدث لاجىء وقلبه مع المخيمات ولكن الحق يجب ان يقال ، والسلطة جزء مهم من الحل ولجان المخيمات لجان وطنية ومسئولة وبكل تأكيد يهمها المحافظة على صرح وطني مقدسي ، صحيح يوجد مشكلة طال عليها الامد دون حل فاعتاد الناس الوضع واستغل آخرون هذا الحال في المخيمات وجاءوا باستثماراتهم اليها ، اعتقد ان الامر لو تشكلت له لجنة وطنية مسئولة مشكلة من لجان المخيمات ووزارة المالية وشركة الكهرباء سيجدون حلا ممكنا ( مثلا بالامكان اعطاء فقراء المخيمات كمية كهرباء مقطوعة معفاة ، وتحمل السلطة لما مضى من ديون وجدولتها بطريقة ما ثم فتح صفحة جديدة من التزام الناس وكل فاتورة جديدة تدفع يخصم مقابلها من الديون السابقة مع الغاء فوائد التاخير …. على صعيد المثال )
  • التحصيل في منطقة ج ومواجهة ظاهرة البلطجة ، وهنا أيضا لا بد من تفعيل السلطة والقضاء وقانون العقوبات الرادع ، اذ أنه لو في كل عدة بلدان سجن واحد على خلفية السرقة لن يسرق أحد وسيلتزم الاخرون بواجباتهم .

ثانيا : العمل على ثقافة المجتمع بتعزيز الانتماء لمؤسساتنا الوطنية خاصة هذه المؤسسة المقدسية والتي ما زالت تتنفس فيها وقبل ان تلفظ هذه الانفاس بايدينا ، وكذلك ثقافة الحقوق والواجبات وثقافة الترشيد والدفع باتجاه الطاقة البديلة النظيفة وتشجيع ذلك . وهذه تحتاجها الشركة من خلال حملات التوعية والاستفادة من الاعلام العادي والالكتروني ، وهذه تحتاج الى النفس الطويل والعمل الدؤوب مستغلة كل الوسائل المتاحة والاساليب المتطورة من فيديوهات ومسرح وافلام توعوية وانيميشن للاطفال وطلاب المدارس .

ثالثا : استعادة الثقة المتآكلة ما بين الشركة وجمهورها ، إذ أن هناك فرق شاسع ما بين ثمانينات القرن الماضي حيث وقف الناس فيها مع الشركة في مواجهة سطوة الاحتلال عليها وما بين هذه الايام ، صحيح ان الشركة لا تتحمل كامل المسئولية عن هذا التآكل لان ما هو معروف ثقافة ما بعد أوسلو تختلف عما قبله لكن لا بد من العمل من خلال مواصلة تعريف الناس بالشركة من حيث تاريخها المشرّف وتحديات واقعها الصعب ، وكذلك لا بد من تحقيق العدالة والبعد عن المظالم التي يقع بها احيانا البعض لان الشركة ليست معصومة لا تخطىء ، هناك أخطاء موظفين وهناك اجراءات تحتاج الى مراجعة وتصويب ، العدالة هي صمام أمان الثقة وهي اسمنت بنائها .

فجمهور الشركة هم نقطة الارتكاز الاقوى في معركتها مع كل أعدائها .

شركة كهرباء محافظة القدس ما يسجل لها كثير ، تاريخها حافل بالعطاء والانجاز ومواظبة التطور والتفاني في خدمة جمهورها ، وما عليها لا يستحق أن يتحول الى معول هدم لهذا الصرح الكبير ، لا بد من العمل الجاد على أن نقيل عثرات الكرام وأن نرفع قبعاتنا احتراما واجلالا لكل العاملين فيها ولهذا السجل النضالي الحافل، وهم المواظبون في خدمة الناس تحت حراب الاحتلال وفي ظل ظروف قاسية قاهرة منقطعة النظير .

 

 

 

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

فلسطين الجديدة .. مزرعة أرانب وجزر

نشر

في

بواسطة

كتب: وليد الهودلي

حسب تسريبات قناة الميادين عن صفقة القرن فإن الامر لا يحتاج الى مزيد من الجهد لنكتشف أن الهدف هو تصفية القضية الفلسطينية وليس هذا فحسب وانما هو التصفية الاسوأ والسيناريو الاقسى مرارة لمصير أمة مهزومة ومستسلمة شرّ استسلام، فالكيان الفلسطيني الذي اصطلح على تسميته فلسطين الجديدة سيكون مجردا من أي سلاح أو مقاومة أو أيّ شيء من الممكن أن يشكل أي تهديد أو ازعاج لدولة مترسنة بأعتى أنواع الاسلحة والدمار، أي ستكون مجرّد كيان مسكين ضعيف لا حول له ولا قوة الا مدّ يده استعطافا واستجداء على مائدة اللئام، بل قل أشد الناس لؤما وسيتم تسليم رقابهم وكل شئون حياته كما يقولون من الباب الى المحراب : الطرق والمعابر والمنافذ والاجواء والارزاق حتى الطريق بين غزة والضفة ستكون على ارتفاع ثلاثين مترا عن الارض كي لا يلوّث غبار الفلسطيني بيئتهم عند عبوره الطريق .

والاخطر من هذا وبالمكشوف الصريح الوقح تسليم المقاومة لسلاحها مقابل رواتب، ينظرون الينا على أننا مجرد قطيع قضيتنا المركزية هي الراتب ولا كرامة لنا ولا قضية ولا وطن، ماذا لو سلمت لبنان لهم سلاح المقاومة مثلا ؟ هل ستفتح ابواب الجنة على لبنان؟ كانوا في ثمانينات القرن الماضي يعتبرون أية عملية عسكرية في لبنان مجرد نزهة، وكانت لبنان مكانا يفرّغون فيه غطرستهم وعربدتهم وملاذا آمنا لساديّتهم التي لا حدود لها فجاءت المقاومة لتكسر هذه العنجهية ولتضع حدا لها، كذلك الامر في غزّة التي شهدت احتلالا بشعا وبسطة مريحة من الاغتيالات والاعتقالات والتدمير والخراب الا أن قويت شوكة المقاومة فأصبحت تحسب الف حساب لأي عدوان على غزّة كما هو واقع الحال اليوم، لقد جُربت حالة القطاع منزوع المقاومة والسلاح وحالته بوجودهما مع هذا العدوّ فأي الحالات أفضل ؟؟ والضفة اليوم حيث سالمت رسميا فهل أعيدت الحقوق وعاش الناس بكرامتهم آمنين مكرّمين، هل توقف الاستيطان لحظة أو مرّت ليلة دون اقتحامات واعتقالات؟

أما المقدسات واستبدال الوصاية الاردنية بالسعودية وكانهم يحترمون أية وصاية عربية مهما كان عنوانها او كأن المشكلة في الوصاية الاردنية لا في العربدة والاقتحامات وما يقومون به كل يوم منذ سنوات! هذا حرف واضح للابصار فبدل أن تناقش الاعتداءات يمرّون عنها مرور الكرام ويذهبون الى تغيير العنوان .

وفي ثنايا هذه الصفعة المزيد من الوعد والوعيد على طريقة العصا والجزرة ولكن هذه المرّة الوعيد بالمزيد من التصفيات والاغتيالات ووعود بدعم أي عدوان قادم تماما كما تفعل العصابات لا الدول التي تحترم نفسها ، كيف تهدد دولة تطرح نفسها وسيطا لصفقة سياسية طرفا من الاطراف وتهدد بدعم أي حرب وعدوان قادم يشنه الطرف الاخر، هذا فقط يثبت أن راعي هذه الصفقة لا يمتلك اية صفة تؤهله لان يكون وسيطا للسلام المزعوم .

أما عن الميناء والمطار والحدود المفتوحة معهم والافراج عن الاسرى في غضون خمس سنوات قادمة والدعم المالي فهذا هو موروث أوسلو المعسول والذي لم يجد طريقه على ارض الواقع الا قليلا من التطبيقات الهزيلة ولقد وجد الفلسطينيون شريكا يتقن فن التهرب من الالتزامات بطريقة لم يعهدها جنس من البشر.

ويشترطون توقيع منظمة التحرير وحماس وهذا حسب قراءة المشهد السياسي الفلسطيني من سابع المستحيلات لذلك ستبقى هذه الصفقة المزعومة حبرا على ورق ولن تجد لها سبيلا الا الى سلّة المهملات وساءت مصيرا .

 

 

أكمل القراءة

مقالات

انطلاقة حماس.. ثقل الحمل وقوة الظهر

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عواد\ مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

مع الانطلاقة الثانية والثلاثين لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وما مرت به من مخاض عسير مستمر، يجد المتابع نفسه أمام حملٍ آخذ في الازدياد، وظهرٍ أكثر صلابة رغم التحديات الكبيرة، والتي باتت تأخذ منحنيات ومنعطفات لربما كانت خارج إطار حسابات الحركة.

ففي ظل تحمّلها للمسؤولية الكاملة عن قطاع غزة، والمتمثلة إلى جانب المقاومة، بتحمّل أعباء الحكم، الذي يتطلب توفير مقومات الحياة للسكان في ظل حصار مطبق. هنا لا بد على الحركة اتخاذ خطوات دراماتيكية، بعيداً عن النهج السائد بربط كلّ ذلك بالمصالحة الفلسطينية، والتي من الواضح أنّها كانت استنزافاً للوقت ومزيداً من هدر الفرص التي كان بالإمكان البحث عنها، فلربما يكون ترتيب أمور غزة من خلال اتفاقيات مرتبطة بالقطاع، تُخفف من الحصار وتمنح السكان هناك، فرصةً للحياة الكريمة، ولربما هذا يكون مدخلاً للمصالحة، بعد ألا يُستخدم الحصار كأداة ابتزاز.

من جانب آخر، تجد نفسها الحركة أمام تحدٍّ حقيقي مرتبط بالتربص بالمقاومة، ففي ظل تعاظم قدراتها، وازدياد الخشية منها، ليس فقط من قبل الاحتلال، إنّما أيضاً من أطراف أخرى، ترى بالنموذج المقاوم، خطر يتهددها، في ظل حقيقة أنّ وجود الكيان كدولة قوية، بات مصلحة لأطراف إقليمية وازنة، ترى أنّ عمر حكمها واستمراره مرتبطٌ إلى حد كبير باستمرار وجود الكيان.

وهُنا باتت تُتقن الحركة فن استخدام القوة، حيث أنّ قدرتها على ضبط توجيه قوّتها زمانا ومكانا، بات يُربك حسابات الأطراف الأخرى، لكن الاستمرار بهذا النهج، لربما يحتاج إلى قدرة أكبر على الضبط، خاصةً في ظل وجود لاعبين آخرين، لربما يربكون المشهد لاعتبارات ضيقة أو دفعاً من لاعبين لا زالت لديهم الآمال قوية، بخلخلة الأمن الداخلي وجرّ القطاع إلى حرب.

الجانب الثالث المهم، والذي يبدو أنّ الحركة بحاجة إلى تداركه سريعا، هو قضية العلاقة مع دول الإقليم، حيث أنّ الرمادية في الخطاب هي الجانب المهم، من أجل القدرة على إبقاء علاقات إيجابية مع غالبية من اللاعبين، في ظل حاجة الحركة لكل علاقة، من أجل القدرة على الاستمرار في مقارعة الاحتلال.

هذه العلاقة المبنية على مواقف مرنة، ليست بالضرورة مساساً بمبادئ الحركة، لكنّها متطلبات مرحلة تقتضي مواقف تُحافظ على مسافة واحدة من الجميع، وتحفظ للحركة عُمقها العربي الأهم، في ظل شعبيتها الجارفة على مستوى الشعوب، والذي من المُمكن أن يُستغل لصالحها في ظل قناعة بعض الأنظمة، أنّ العلاقة مع حماس، لها انعكاس إيجابي على النظام نفسه.

التحديات جمّة وكبيرة والحمل ثقيل، قوة الظهر التي تتمتع به الحركة، يدفع باتجاه التفاؤل لتخطي كل العقبات والأزمات، خاصةً مع استمرار حرصها لترميم الصف الداخلي، وقدرتها على بناء جبهة موحدة مع فصائل العمل الوطني في غزة، وما ابدعته من خلال نسج بيت فلسطيني، تمثل بالغرفة المشتركة التي أثبتت حنكتها وحكمتها، مُمثلة أملاً في بناء وحدة فلسطينية على قاعدة ما يطمح إليه الفلسطينيون.

 

 

 

أكمل القراءة

مقالات

نفتالي بنت في وزارة الجيش.. ما بين الواقعية واليمينية

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عواد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

نفتالي بنت زعيم حزب اليمين الجديد، أصبح وزيراً للجيش في دولة الاحتلال، في سيناريو لم يكن متوقعاً، سوى أنّ بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال، أراد أن يقطع الطريق على بيني جانتس زعيم ازرق أبيض، من أن يلتقف بنت إلى جانبه ويتمكن من تشكيل حكومة، الأمر الذي اضطر نتنياهو ليبتلع العلقم ويُعين بنت في منصبٍ حساس كهذا.

من يذكر تصريحات بنت قبل توليه المنصب، والتي ما كانت تأتي إلّا في سياق ضرورة القضاء على حماس والمقاومة، واغتيال قادتها[1]، وبأنّ الحلّ الأكثر نجاعة في التعامل مع قطاع غزة، يكمن في الذهاب بعيداً معها في المواجهة، وهي ذات التصريحات التي سبقه بها، افيجدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا، قبل أن يدخل وزارة الجيش ويغادرها بشعورٍ كبيرٍ بالفشل.

الصقوري بنت، ومنذ دخوله إلى وزارة الجيش، وحتى مع بدء التلميح بأنّه سيكون وزيراً فيها، بدأ بالتراجع قليلاً في تصريحاته النارية، حتى أنّه بتاريخ الثلاثين من نوفمبر، أمر بدراسة الجزيرة العائمة التي اقترحها يسرائيل كاتس مقابل قطاع غزة[2]، الأمر الذي أخذه الاعلام على أنّه تغيير في اللهجة، واندفاع نحو الحل الأقل كلفة للاحتلال، وهو الوصول إلى تفاهمات تُفضي إلى رفع الحصار عن غزة.

حتى أنّ نتنياهو ذاته لم ينكر قبل أيام وجود اتصالات لهدنة طويلة المدى مع القطاع، ولعلّ وجود بنت في وزارة الجيش، سيجعل اليمينة الصقورية، تقف جانباً في توجيه نقدها لسلوك نتنياهو، بعد أن ادخل بنت وزارة الجيش، وأوصله إلى قناعة، أنّ اليمنية ما قبل المنصب شيء، وما بعده شيءٌ آخر.

لكن اشباع رغبة اليمين، كانت تقتضي من بنت، بعضاً من اثبات الذات اليمينية المتطرفة، والتي لم يكن لبنت قدرة في اثباتها سوى بمزيد من الاستيطان في الضفة الغربية، واستعراض العضلات مجدداً في الساحة السورية، الأمر الذي أظهره على الأقل بالتمتع بأفضلية على من سبقه في الوزارة وهو افيجدور ليبرمان.

ولعلّ رغبة نتنياهو في منع بنت من الانضمام لجانتس، لم تكن تقل عن رغبته في رد الاذلال لليبرمان، الذي رفض الانضمام له لتشكيل ائتلاف حكومي، فبنت في وزارة الجيش، المرّ الذي من الصعب على ليبرمان أن يستسيغه، وأمام هذه المُعطيات الداخلية، فإنّ سياسة الجيش مع قطاع غزة تحكمه صيغٌ مختلفة، للجيش واستخباراته دورٌ مهمٌ في تحديدها، وهنا يُمكن أن نرجح بأنّ تعاطي الكيان الأمني مع قطاع غزة سيكون ضمن السيناريوهات التالية:

الأول: ستسعى “إسرائيل” لإبقاء الأوضاع على حالها، من حيث ألا تنجرّ الى حرب طويلة المدى مع قطاع غزة، وألا تدفع ثمناً كبيراً في محاولة إبقاء الأوضاع على حالها، بمعنى أن تُحاول أن يبقى الحصار مع تقديم بعض التسهيلات وليس أكثر، وهذا السيناريو المفضل بشكل كبير لدى الاحتلال.

الثاني: الذهاب باتجاه تفاهمات تُفضي إلى هدنة طويلة المدى، تشهد ضمان إسرائيل هدوء على حدودها جنوباً، ومن جانب آخر تخفيف الحصار على قطاع غزة، شريطة ألا تتحمل “إسرائيل” عبء ذلك، وأن يكون هناك ضمانات أمنية، بأنّ المقاومة ستنضبط وعلى الأقل لن تستمر في تطوير ترسانتها، وإن كان هذا السيناريو لربما الأقل تقبلاً لدى الأوساط الصهيونية، ولكنّه الأكثر واقعية بالنسبة لها.

الثالث: بقاء الأوضاع مترنحه على حالها، الأمر الذي سيقود إلى حرب طويلة المدى لا ترغبها “إسرائيل” ولا تفضلها المقاومة، ولعلّ هذا السيناريو بعيد في الفترة الحالية على الأقل.

ختاماً، بالنظر إلى واقعية المواجهة المستمرة ما بين قطاع غزة والكيان، فإنّ أمرين لا يُمكن اخفاؤهما، وهي قدرة المقاومة على التطور وزيادة معادلة ردعها للمحتل، والثاني بأنّ حرباً شاملة قادمة، لكن تحديد ساعتها واستمرارها لن يكون بيد المحتل وحده.

[1]  https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-5483902,00.html

[2]  https://www.google.com/search?q=%D7%91%D7%A0%D7%98+%D7%A2%D7%96%D7%94&safe=active&sxsrf=ACYBGNQLMen3hW-NroWKU-sgHEgSFlKExg:1575700773730&source=lnms&tbm=nws&sa=X&ved=2ahUKEwjpvo_n9qLmAhWQPFAKHSGyDNUQ_AUoAnoECAsQBA&biw=1366&bih=657

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ شهر واحد

فلسطين الجديدة .. مزرعة أرانب وجزر

كتب: وليد الهودلي حسب تسريبات قناة الميادين عن صفقة القرن فإن الامر لا يحتاج الى مزيد من الجهد لنكتشف أن...

مقالاتمنذ شهر واحد

انطلاقة حماس.. ثقل الحمل وقوة الظهر

  عماد أبو عواد\ مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني مع الانطلاقة الثانية والثلاثين لحركة المقاومة الإسلامية حماس، وما مرت...

مقالاتمنذ شهرين

نفتالي بنت في وزارة الجيش.. ما بين الواقعية واليمينية

  عماد أبو عواد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني نفتالي بنت زعيم حزب اليمين الجديد، أصبح وزيراً للجيش...

مقالاتمنذ شهرين

علاء الريماوي .. الصوفي النقيّ، المناضل العنيد، الفلسطيني الحرّ  

كتب: وليد الهودلي وهو ليس بحاجة لشهادتي ولا شهادة غيري ولكن أحيانا لا بدّ من اثبات المثبت وتأكيد المؤكد ....

مقالاتمنذ شهرين

المقاومة في غزة تتقن مصارعة الثيران

كتب: وليد الهودلي ما بين تبجح دولة الاحتلال بحربه على ثلاث دول عربية ومواجهته لثلاث جيوش مرة واحدة وانتصاره الساحق...

مقالاتمنذ شهرين

حكاية صواريخ صُنعت بأيدي طاهرة !!

كتب: وليد الهودلي يُحكى أن في زمن قريب من هذه الايام كانت هناك دولة هي الدولة الاعظم تسلحا والاكثر تطورا...

مقالاتمنذ شهرين

آيزنكوت ونظرية الأمن الجديدة للكيان

فريق تحليل مركز القدس مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني رئيس هيئة الأركان جادي آيزنكوت، واللواء الباحث في معهد دراسات...

مقالاتمنذ 3 شهور

ما بين النكبة واليوم وقابلية الهزيمة من جديد

كتب: وليد الهودلي كانت قابلية الهزيمة قد أصابتنا نحن الفلسطينيين ما قبل هزيمة ثمانية واربعين حتى النخاع ، كل عوامل...

مقالاتمنذ 3 شهور

الضفة وغزة.. ما بين المفقود والمرغوب

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني ما بين أزمات الضفة وغزة، مسيرة من الألم يحيياها...

مقالاتمنذ 3 شهور

حجر يتسهار الأوحد وحجارتها العديدة

كتب: معتصم سمارة أن تسمع عن إصابة أحد بالحجارة قرب مستوطنة يتسهار فالامر ليس بالمستغرب، فقد اعتاد من يسمون “بشبيبة...

الأكثر تفاعلا