تواصل معنا

مقالات

غزة.. أمل المحبين والكارهين

نشر

في

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

في خضم الحديث عن صفقات في المنطقة، وإعادة ترتيبات تستهدف بالدرجة الأولى تسييد “إسرائيل”، وطحن ما تبقى من القضية الفلسطينية، وفي ظل واقع التطبيع والخنوع العربي الذي وصل إلى حدود شرعنة المحرمات، وقبول ما لم تكن تل ابيب تحلم أن يقبله العرب، فإنّ عين المتابع، المحب وكذلك الكاره، تقع على نقاط القوّة التي من الممكن أن تُعيد للحق واصحابه بعض الأمل، وأن تكون حجر عثرة لما يُحاك ضد قضية يؤكل بعضها في كل يوم.

وفي ظل حقيقة أنّ القريب والبعيد للأسف تخلى عن القضية الفلسطينية، فلا العرب يدعمون، ولا دول العالم التي كانت تنحاز معنا على الأقل بقيت على العهد، هُنا يستدرك الفلسطيني أنّ لا قوّة له تسنده، كتلك التي يُمكنه توليدها من داخله، ويقيناً هي لن تكون إلّا بمقاومة حقيقية، تجعل الجميع في دائرة عدم الراحة والأمن.

وإذا ما عُدنا سنوات قليلة للوراء، فإنّ الانتفاضة الفلسطينية الثانية، جعلت حسابات الاحتلال في قمة الارباك، ودفعت “بلدوزر إسرائيل” كما يحلو لليهود تسميته، ارئيل شارون للانسحاب من غزة والتفكير في الانسحاب من مناطق أخرى في الضفة الغربية، وحين اندلعت الهبة الفلسطينية في العام 2015، وما تبع ذلك، فقد أظهر الحراك الفلسطيني حجم تأثيره على الأرض، وكم له من نصيبٍ عملي في تحريك القضية الفلسطينية واستعادة بريقها.

الأبلغ من ذلك مقالاً، هي ما تُمثله غزة اليوم من قوّة حقيقية ليس لغزة وحدها، وإنّما لعموم الفلسطينيين ولربما أبعد من ذلك. وفي الوقت الذي تُحاك فيه المؤامرات، فإنّ الرفض الفلسطيني المتمثل بغزة ومقاومتها، وعدم تسليم الضفة، تجد نفسها القوى المختلفة التي تتآمر على قضيتنا، تصطدم بالعنصر الأهم، وهو وجود من يستطيع أن يقول لا فلسطينياً، وكذلك بإمكانه أن يُشكل خطراً كبيراً على الاحتلال، من الناحية التكتيكية والاستراتيجية.

غزة التي تلعق الصبر تحت الحصار الظالم، والتي قد يتبدى للبعض أنّها أقرب للتسليم في سبيل تحسن أوضاعها، هي بلا شك الأمل الأكبر لأبناء ومناصري القضية الفلسطينية، ليس فحسب لتكسير المؤامرات على صخرتها، وإنّما أيضاً للذهاب أبعد من ذلك من أجل نيل الحق الفلسطيني، كاملاً غير منقوص وإن طال الزمن.

فمن الناحية الأولى، باتت غزة تمتلك المقاومة الأبرز للاحتلال، حيث أنّها تملك بوصلة واضحة تتجه نحو مقارعة الاحتلال فقط، في برنامج واضح متطور من الناحية المادية والتكتيكية، فغزة التي استطاعت في ظروف تعجيزية مضاعفة قوتها وفق اعتراف الاحتلال، رسخت اعتباراً مهمّاً جداً، ألا وهو أنّ الألم في غزة، يجب أن يقابله مثيل لدى الاحتلال، وأنّ ضرب غزة يعني تهديد المستوطنات المحيطة، والمدن الصهيونية.

هذه الحالة باتت مترسخة في ذهنية الفلسطيني، حتى أنّ “إسرائيل” ما تكاد تستهدف منطقة فلسطينية بالقصف، إلّا وجاءها الرد من القطاع، في صورة لم تكن قبل عقد من الآن، ولربما لم تكن في مخيلة البعض، تحديداً المنهزمين منهم، والأبعد من ذلك، ولو عدنا سنة ونيف إلى الوراء، ورأينا مع انطلاق مسيرات العودة حجم الامعان الإسرائيلي في القتل، وكيف أنّه تراجع مع تثبيت المقاومة الفلسطينية سياسة ردعٍ مدروسة ضد الاحتلال، فبتنا نرى المطالبات الفلسطينية للانتقام لكل شهيد يرتقي في سماء الوطن، هذه المطالبة تنم عن أمرين، الأول الثقة الكبيرة في المقاومة وقدراتها، والثاني، الإيمان أنّ لدى الفلسطيني ما يستطيع تقديمه لإيلام الاحتلال وارضاخه.

الجانب الآخر في معادلة غزة، هو الجانب الفكري الذي رسخته مقاومتها، ففي الوقت الذي تهرب فيه الاحتلال من كل استحقاقاته، وأمعن ضربا في الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، باتت حالة المقاومة في غزة المثال والنموذج المُقتدى الأهم للشباب الفلسطيني ليس في غزة فحسب، بل في الضفة الغربية والشتات الفلسطيني، بل وأنّ النموذج الأكثر طهارة وصدقاً في نظر أحرار العالم، باتت مقاومة غزة، التي ما انحرفت بوصلتها وما تراجعت رغم الضغط المهول.

هذه القناعات ليست مرتبطة بدوافع عاطفية، أو ارتباطات فكرية، انّما بتحولات جذرية استراتيجية، تمثلت حتى في الانقسام الفكري الكبير حول الطريقة الأمثل للتحرر، والتي باتت فيها كفة المقاومة ترجح على غيرها، في الوقت الذي كانت فيه سابقاً تتقاسم مع التيار الآخر ربما توجهات الشعب الفلسطيني، لكن ما أحدثته غزة على الأرض، جعل للمقاومة الوزن الأكبر لدى التيارات المختلفة على اختلاف منابعها ومشاربها الفكرية.

عين العاقل تستوجب نظرة مختلفة لغزة، بعيداً عن الخلافات الفكرية والرؤية الضيقة، فأنت حينما تختلف في دائرتك الأولى، تستجمع كافة نقاط قوّتك في مواجهة دائرة أوسع لا تتداخل معك، وفي الوقت الذي إن أردنا أن نرى أين مكامن قوتنا، نقول بصريح العبارة هي غزة، فلا تُسهموا في أكل غزة، فتكونون لقمة دسمة، فمن يعادي غزة ويحاصرها، هو نفسه من سيعود ليُعاديكم وإن ظننتم خلاف ذلك.

 

 

 

 

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

الهدوء الخادع في الضفة الغربية

نشر

في

بواسطة

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

قبل نحو عامين من الآن صرح رئيس الشاباك الإسرائيلي، أنّ الهدوء في الضفة الغربية خادع، وأنّ الاشارات لدى الشاباك تُشير إلى أنّ العمليات الفلسطينية لن تتوقف، حيث أنّ الشاباك يعلن بشكل شهري احباطه تنفيذ عمليات من قبل فلسطينيين.

وهذا يقودنا إلى حقيقة أنّ الاوضاع في الضفة الغربية منذ شهر ايلول عام 2014 شهدت العديد من الموجات والهبات الجماهيرية، وتشهد بشكل مستمر عمليات نوعية بمعدل عملية كل شهر، يُقتل فيها على الاقل مستوطن من الاحتلال، وهذا ما أكدته الأشهر الثمانية الاخيرة منذ استشهاد صالح البرغوثي، مروراً بعمر ابو ليلى وقبله عاصم البرغوثي وغيرهم.

وما يُميز العمليات في الضفة الغربية، الكثير من الأمور التي على رأسها قدرة الفلسطيني بأقل القليل الإثخان في الاحتلال، وما يحدث على الأرض يؤكد ما يلي:

  1. اسرائيل لا تمتلك استراتيجية عمل واضحة في الضفة الغربية، فقد بقيت تحت وطأة تضارب الملفات الحكومية الداخلية فيما يتعلق بسياسة الاستيطان المرجوة.
  2. الضفة الغربية بأقل القليل من الحراك تُثخن في اسرائيل أضعاف الجبهات الأخرى بسبب الواقع الجغرافي والديموغرافي.
  3. ضمن خطواتها المتوقعة ليس بيد اسرائيل ما سيحول دون وقوع المزيد من العمليات بل على العكس المرجح ازديادها في حال استمرار القبضة الحديدية بحق الفلسطينيين.
  4. اسرائيل لا تحتمل وجود عمليات متتابعة حتى لو متباعدة، فجبهتها الداخلية رخوة وجمهورها الاستيطاني يعتبر أنّه يمتلك جيش بإمكانه التصدي لمثل هذه الاحداث التي بسبب استمرارها جعلت هذا الجمهور يفقد الثقة.
  5. من المرات القليلة التي تشهد فيها اسرائيل خلافات حادة على طريقة التعامل المرغوبة في ظل وجود احداث أمنية، حتى داخل الحكومة اليمينة الصرفة الخلافات حادة.
  6. تتحمل الحكومة الإسرائيلية مجريات الأحداث، فقد كان على طاولتها منذ أشهر توقعات بأن الضفة الغربية على وشك الانفجار.
  7. العمليات الأخيرة في الضفة كانت شبه مستمرة بمعدل عملية نوعية كل شهر، وهي أخطر من حالة الانتفاضة العامة، حيث الانتفاضة تضع السلوك الإسرائيلي ضمن دائرة وجود تهديد أمني مستمر، أمّا الحالة الحالية فهي، لا انتفاضة ولا هدوء وبالتالي تعقّد من عملية المواجهة الإسرائيلية للأحداث.
  8. استمرار الأحداث سيعيد إلى طاولة النقاش الإسرائيلية “ما الحل أمام هذه الاحداث”؟، والجواب سيبقى ضمن دائرة ادارة الصراع لا حسمه، الأمر الذي يعني المزيد من العمل الفلسطيني.
  9. منفذي العمليات في الغالب كانوا خارج دائرة الاستهداف الإسرائيلي من حيث التوقع بأنّهم قد يقوموا بعمليات مقاومة، وبالتالي هذا الموضوع يعقد المسألة على الاحتلال.
  10. رغم تراجع الدور الفصائلي، الشباب الفلسطيني يتميز بقدرة على أخذ زمام المبادرة الفردية، حتى من ينتمي للتنظيمات لا يحتاج إلى هذه المظلة لتنفيذ عمليته.

 

أكمل القراءة

مقالات

هل ضم الضفة بدأ منذ أوسلو؟

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

من أكثر التساؤلات شيوعاً في الآونة الأخيرة، كيف سيكون شكل ضم الضفة الغربية وفق الرؤية الإسرائيلية، حيث أنّ التساؤل، هل ستضم “إسرائيل” الضفة؟، لم يعد يُطرح، من منطلق القناعة العامة الفلسطينية، وللأسف الشديد الإقليمية والعالمية، أنّ قضية الضم آتية، وإنّها إن لم تكن ضمن سياق معلن عنه إلى الآن، فهي عملياً على الأرض قائمة.

أثناء كتابة هذه السطور، يقفز إلى ذهني مباشرةً، ما كتبه اللواء في جيش الاحتياط، جرشون هكوهين، صاحب الفكر اليميني، والذي شكر إسحاق رابين، رئيس وزراء دولة الاحتلال الذي وقع اتفاق أوسلو، منبع الشكر كان، من الحكمة والدهاء الكبيرين، اللذان ابداهما رابين أثناء توقيع الاتفاق، من خلال استثناء 60% من الضفة الغربية وتصنيفها كمناطق “ج”[1]، هذه المناطق شكلت وفق هكوهين البعد الجغرافي المهم، والأمني الأهم للتوسع الإسرائيلي وضمان حل الازمات الأمنية، الأيدولوجية وكذلك السكانية.

بعيداً عن المديح اليمني لحمامة السلام، الذي وفق هكوهين أوقع الفلسطينيين في فخٍ كبير، فإنّ تتبع مسيرة الاستيطان في الضفة الغربية، من الممكن أن تُعطيك مؤشراً حيال ذلك. حيث لا يُمكن حصر مسيرة الاستيطان وتقدمه باليمين أو ما يُسمى اليسار الإسرائيلي، على العكس تماماً المسيرة توضح أنّ عملية الاستيطان كانت مُمنهجة بطريقة مرسومة بعيداً عن الجالس على كرسي الحُكم، حيث أنّ فترة زعيم حزب العمل باراك أثناء رئاسته للوزراء، لم تختلف كثيراً من حيث عدد الوحدات الاستيطانية عن زعيم الليكود نتنياهو[2].

حيث أنّ الحكومات الصهيونية المُتعاقبة، كانت تستغل بشكل كبير المفاوضات للمزيد من الاستيطان، فغطاء المفاوضات والصور المنمقة، والرعاية الخارجية للجلسات، كانت تُغطي على أي مشهد آخر، الأمر الذي أعطى باراك على سبيل المثال، وأثناء مفاوضاته عام 2000 مع الفلسطينيين للانسحاب، فرصة إقرار المزيد من الاستيطان. ليتفاخر لاحقاً أنّ عهده شهد استيطاناً أربع أضعاف العهد الذي جاء بعده[3]!.

استثناء 60% من مناطق الضفة الغربية في اتفاق أوسلو لم يكن عبثاً، بل كانت هي مساحة التوسع الإسرائيلية، التي تعتبرها “إسرائيل” المتنفس الأهم الآن لها للتوسع العمراني والسكاني، هذا إلى جانب القناعات الأخرى، فهي من ناحية اليمين الأيدولوجي تُعتبر ذات بُعد أمني مهم، وبالنسبة لليمين الصهيوني فهي التاريخ اليهودي الذي وفقهم تمركز في جبال الضفة. بمعنى أنّ لكل تيار صهيوني حسابات مختلفة حول الضفة، لكن في النهاية كُلّها تؤمن بضرورة استمرار السيطرة على أجزاء منها على الأقل، وهناك من يرى بضرورة ضمها بالكامل.

مسيرة الاستيطان في الضفة الغربية، تؤكد أمراً واحداً من الصعب تفنيده، أنّ عملية السلام لم تكن سوى مرحلة ووسيلة، أرادت “إسرائيل” من خلالها ابتلاع الضفة من خلال تهدئة الأوضاع فيها بلعبة أُطلق عليها عملية السلام، التي لم تُساهم للحظة واحدة بتجميد الاستيطان، بل تضاعف عدد المستوطنين فيها منذ توقيع أوسلو 5 مرات[4]، بمعنى أنّ الانتفاضة التي حرمت “إسرائيل” فرصة زيادة أعداد مستوطنيها، دُفنت بعملية سلام أقرت “إسرائيل” فيها بجزء من حق الفلسطيني وتنكرت له في اليوم التالي.

ختاماً مثل أوسلو الطريق الأكثر هدوءً للاحتلال من أجل تنفيذ مخططه، فالضفة الغربية التي اعتبرها موشيه ديان بعد احتلالها عام 1967، المنطقة الجغرافية الأهم للأمن الإسرائيلي، تحولت فيما بعد لبعد ديني أيديولوجي، واليوم باتت ذات بعد توسعي مهم للتخفيف عن ضغط الساحل الفلسطيني المحتل. اليوم بدأت “إسرائيل” تُعلن رسمياً ما اخفته في تسعينيات القرن الماضي، ضم الضفة أو أجزاء منها بات قريباً، وما صفقة القرن التي تُقر ل”إسرائيل” بذلك، سوى قطف للثمرة التي تم زرعها عند توقيع أوسلو.

 

 

[1]  https://besacenter.org/he/perspective-papers-he/%d7%99%d7%a9%d7%a8%d7%90%d7%9c-%d7%90%d7%96%d7%95%d7%a8-c/

[2]  https://peacenow.org.il/settlements-watch/matzav/population

[3]   https://www.ynet.co.il/articles/0,7340,L-3997106,00.html

[4]  https://peacenow.org.il/settlements-watch/matzav/population

أكمل القراءة

مقالات

الإدارة “المدنية” في الضفة الغربية

نشر

في

بواسطة

 

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

من كتبت له الأقدار المرور كل صباح من أمام مستوطنة “بيت ايل”، فإنّ أول ما يلفت انتباهه عدد السيارات المنتشرة على جوانب الطريق والتي تحمل اللوحة الفلسطينية، هذا المشهد يفتح مباشرة العديد من الأسئلة التي لربما اجاباتها معلومة. مشهدٌ لم يكن الفلسطيني يتمناه، الفلسطيني بانتماءاته الفكرية المتعددة، وإن اختلف مع نفسه، ولربما انقسم على ذاته، فإنّه بالتأكيد لا تروق له مشاهدٌ كتلك.

أثناء مروري صباحاً بالشارع الرئيسي، الذي يربط رام الله بالمناطق الشمالية في الضفة الغربية، أمام هذا المشهد المتزايد من الفلسطينيين الذي يقصد مباشرة الإدارة العسكرية في “بيت ايل”، والتي تٌعرف باسم “الإدارة المدنية”، تساءلت؟، ما الدافع لهذا العدد من الفلسطينيين هنا؟، وهل بالفعل باتت “إسرائيل” تُريد تجاوز السلطة؟ من أوصلنا إلى هذا الحال؟ وما مستقبل الصورة الموسع، في ظل استمرار هذه المشاهد؟.

لربما الدوافع التي تدفع الفلسطيني لمثل هذا المشهد، معلومة ومتنوعة، فأمام الحاجات الاقتصادية واستصدار تصاريح العمل في “إسرائيل”، استصدار تراخيص بناء في مناطق “ج”، التي يُسيطر عليها الاحتلال في الضفة عملياً ورسمياً، وغيرها من الحاجيات المرتبطة بقوت يوم الفلسطيني، والتي يسعى الاحتلال لربطها مباشرةً ضمن اجندته وبشكل مباشر.

وبغض النظر كنت ممن يُعارض أوسلو أو من الداعمين له، فإنّ تلك الصورة تشي عن العمل الإسرائيلي الدؤوب، لتجاوز السلطة في كثير من الملفات، وكسر الحواجز النفسية في تواصل الاحتلال مع الفلسطيني، وما نموذج المنسق عنّا ببعيد، ليجد الفلسطيني نفسه، أمام سلطة محدودة الصلاحيات، وأمام احتلال من غير تكلفة.

هذا المشهد، كمن يبلع المنجل تماماً، فلا هو يستطيع هضمه ولا التخلص منه، وحتى من عارض اتفاقية أوسلو، واعتبرها ضمن مشهد يُساهم في تخفيف أعباء الاحتلال، والتنازل عن الأرض الفلسطينية، فإنّ هذا المشهد بات يزعجه، فهو حتى إن عارض أبناء جلدته في توجههم السياسي، فإنّه كان يتمنى أن يراهم بشوكة قوية، علّها تنافح الاحتلال مستقبلاً، لتستعيد ما تبقى من الأرض، أو على الأقل أن تكون سلطة مكتملة، تُريح الفلسطيني من عبء الاحتكاك اليومي بالاحتلال، على أمل تحرير ما تبقى في المستقبل. اليوم لا يختلف المؤيد والمعارض للسلطة، على أنّها باتت سُلطة مقضومة الصلاحيات، تنهشها “إسرائيل” في الكثير من الملفات، تاركةً لها الجانب الذي يُسيء وجهها أمام شعبها.

كثيراً ما أسمع مصطلح أنّ الاحتلال لا يُمكن أن يستغني عن وجود السلطة، وأنّ السلطة هي إرادة دولية إقليمية، قبل أن تكون إرادة جزء من الفلسطينيين، لكنّي في الحقيقة أختلف مع من يرى أنّ الاحتلال يعتبر السلطة قدراً واقعاً، لا مجال للتخلص منه. بل هناك توجه حقيقي لدى الاحتلال يتمثل بضرورة العمل ضمن سياق عدم وجود السلطة، وما زيادة نشاط الإدارة العسكرية، إلّا دليلٌ على تهيئة الأجواء لذلك، وهنا نُذكّر أنّ أنصار اليمين المتطرف، وجزء من اليمين المعتدل الحاكم في “إسرائيل”، يعتبر أنّ السلام مع الفلسطينيين، لن يتجاوز سقف السلام الاقتصادي، الذي بموجبه تمنح “إسرائيل” بشكل مباشر الفلسطيني ميزات اقتصادية، لن تتجاوز كونها ضمن عمل الفلسطيني في سياق خدمة اقتصاد الاحتلال. سينشغل الفلسطيني بلقمة عيشه، وتتداخل الحياة في الضفة ضمن سياق استيطان مستمر مؤمّن، وفلسطيني محصور في جغرافية معينة، تعتمد على الاحتلال في قوت يومها.

من أوصلنا لهذا الحال، ستتعدد الإجابات وفق الانتماءات الفكرية، هناك من سيقول أنّ عدم منح السلطة وقتاً لاستيفاء استحقاقاتها من الاحتلال هو السبب، وهناك من سيُحمل من ذهب باتجاه أوسلو المسؤولية، على اعتبار أنّها منحت الاحتلال فرصة التقاط الانفاس، وتجسيد الاستيطان في الوقت الذي فاوض فيه الفلسطيني. لكن ما يُمكن قوله أنّ الفلسطيني بالمجمل يتحمل المسؤولية، لربما بدرجات متفاوتة، تتصدر السلطة الفلسطينية فيها المرتبة الأولى، لكن لا يُمكن اغفال الدور الفصائلي بالمجمل، إلى جانب الوعي الفلسطيني الذي بات يُراكم صورة سوداوية عن الواقع، تتقبل أنّ الاحتلال أمرٌ واقع لا مفر منه.

المشاهد الحالية ترسم الصورة المستقبلية، التي لن تتجاوز حدود المزيد من سيطرة الاحتلال وتوغل ادارته العسكرية، والمزيد من تحويل السلطة الفلسطينية لشبه إدارات محلية كُبرى، دون سقف سياسي وطموح قومي. هذه الصورة السوداوية، حراكٌ واحدٌ من الممكن أن يبددها، فقط الذهاب باتجاه وحدة فلسطينية حقيقية، وصياغة برنامج وطني موحد، يرفع فيه الفلسطيني سقف مطالبه لحدوده التاريخية، وهنا فقط ستعود الصورة إلى حقيقتها، شعبٌ محتلٌ يريد أرضه، وقوة غاصبة تحتل وطناً مساحته 27 ألف كيلومتر مربع.

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ يومين

الهدوء الخادع في الضفة الغربية

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني قبل نحو عامين من الآن صرح رئيس الشاباك الإسرائيلي، أنّ...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

هل ضم الضفة بدأ منذ أوسلو؟

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني من أكثر التساؤلات شيوعاً في الآونة الأخيرة، كيف سيكون...

مقالاتمنذ أسبوعين

الإدارة “المدنية” في الضفة الغربية

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني من كتبت له الأقدار المرور كل صباح من أمام...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

في كلمة أبو عبيدة

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني بالأمس ظهر الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة في كلمة...

مقالاتمنذ شهر واحد

بعودة إيهود باراك.. نتنياهو المستفيد الأول

كتب: معتصم سمارة   يقف إيهود باراك من جديد على أعتاب السياسة الإسرائيلية ساعياً بكل قوته، كما يدعي الى إسقاط...

مقالاتمنذ شهر واحد

بشار المصري وكوخافي بحثا عن السمكة بالطعم السياسي

الباحث والكاتب: علاء الريماوي ليست المرة الأولى التي يظهر فيها اسم رجل الاعمال الفلسطيني المثير للجدل بشار المصري في لقاءات...

مقالاتمنذ شهرين

غزة.. أمل المحبين والكارهين

عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني في خضم الحديث عن صفقات في المنطقة، وإعادة ترتيبات تستهدف...

مقالاتمنذ شهرين

إما الصيد أو الحرب

كتب: ياسر مناع – مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني ليست هذه المرة الأولى التي تلجأ فيها “اسرائيل” الى استخدام...

مقالاتمنذ شهرين

اليمين الإسرائيلي يحفر قبر دولته (2)

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني   تعميق التجاذب من قبل اليمين الإسرائيلي في المجتمع...

مقالاتمنذ 3 شهور

اليمين الإسرائيلي يحفر قبر دولته (1)

  عماد أبو عوّاد\ مدير مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني بالنظر إلى الواقع الذي تحيياه الدولة العبرية اقليمياً، وقدرتها...

الأكثر تفاعلا