تواصل معنا

مقالات

“كورونا” كاشف العورات!!

نشر

في

 

 

كتب: فتحي الورفيلي

في هذا المقال سنحاول الإجابة على السؤال التالي:
هل يعتبر “كورونا” مجرَّد حالة وبائية يقتصرُ التعاطي معها من منطلق الحدِّ من وبائيتها بالمفهوم الطبي والصحي للوبائية، دون أيِّ تداعيات من نوع آخر؟! أم أنه – أي “كورونا” – ظاهرة فَرَضَت نفسَها على العالم إلى الحدِّ الذي لم يعد يقدر معه على الاكتفاء بالنظر إليها بوصفها ظاهرة وبائية يجب البحث عن علاج لها وفقط، وإنما وجد نفسَه – أي العالم – غارقا في أتون تداعيات غير صحية وغير طبية لها، حتى وهو يتعاطى معها باعتبارها وباءً، ما يفرضُ عليه من ثمَّ التكيُّف مع هذه التداعيات غير الصحية، وغير الطبية؟!

إن هذا السؤال إذ يفرض نفسَه علينا بإلحاح، فلسببين هما:
الأول: إن “كورونا” – ولأسباب تحتاج إلى دراسة معَمَّقة وشفافة – فَرَضَ على العالم أن يَعْتَبِرَه البعض أكبر تحدٍّ له منذ الحرب العالمية الثانية، كما صرَّحت بذلك المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل”، وأن يعتبره البعض الآخر أكثر خطورة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كما صرَّح بذلك الرئيس الأميركي “دونالد ترامب”.. إلخ. وهو الأمر الذي – وبصرف النظر عن الأسباب التي دعت أولئك وهؤلاء إلى اعتباره كذلك – يضعنا أمام تحدٍّ كبير تفرضه هذه الحالة غير المسبوقة من الخطر، والهلع، والتهديد، والتهويل، المشتركة، والتي يعيشها العالم بأكمله منذ بروز هذه الظاهرة قبل أكثر من شهرين.

الثاني: إن “كورونا” وإن كان أقل في تأثيراته لجهة أعداد الإصابات، وأعداد الوفيات، حتى الآن على الأقل، من أوبئة شبيهةٍ سابقةٍ له، مثل “أنفلوانزا الخنازير” التي أودت بحياة عشرات الآلاف من البشر في مدة أقصر بكثير مما يحدث حاليا، أو من “فايروس أبيولا” الذي ما يزال يصيب الكثيرين حتى الآن، فضلا عن أمراض خطيرة غدت من مُرافِقات الإنسان في المَدَنِيَّة الراهنة، مثل “الإيدز” الذي يودي سنويا بأرواح مئات الآلاف من البشر.. إن “كورونا” هذا، قال للعالَم بملء الفم وخلال شهرين فقط: أنا جئت لأكشف العورات جميعها، ولأُعَرِّيكم من أستاركم الهشَّة الكاذبة المخادعة، فاستعدوا للفضائح، لأنني لست مجرد مرض سيميت ويصيب منكم من استطاع، قبل أن تفرضوا عليه الرحيل، بل أنا أحمل من القوة الكاشفة والفاضحة ما سيجبركم على إعادة النظر في كل ثوابتكم، رغم أنني لن أفعل بكم صِحِّيا مثلما فعل بكم غيري.

ولقد أرسل “كورونا” الكاشف الفاضح هذا رسائلَه المشَفَّرة إلى كلِّ العالم عبر ردود أفعالهم “الصِّحِّيَّة” و”الطِّبِّيَّة” على اكتساحه لهم، من خلال “عناوين رئيسة” جسَّدتها وفاضت بها تصرفاتُهم الطبيعية، وهم يسعون بها لحماية أنفسِهم من الفناء والموت:
1 – “كورونا” أعاد تحديد مفهوم “العولمة”، ليقول: لا عولمة إلا “أنا”، وكل مظاهر عولمتكم باطلة، لأنني فرضت عليكم حذفها من قواميسكم بشريط الـ DNA الذي أرعبتكم وأنا أتجول به عاريا بلا حسيب ولا رقيب. فنحن الآن أقرب إلى عالم ما قبل الإنترنت والفضائيات والعولمة، فكل الدول عزلت نفسها، وانكمشت داخل قوقعاتها لحماية نفسها من الخطر.

2 – “كورونا” غيَّر “أولويات الحكومات”، ليقول: فلتسقط الخَصْخَصَة، ولتعد للدولة مهمتها الحمائية والرعائية للمواطنين رغم كلِّ المتجبرين والمتغطرسين الذين تاجروا حتى بالحد الأدنى من أقوات الفقراء. فلم يعد يعلو اليوم صوتٌ فوق صوت السلطة وإجراءاتها الحمائية في كل شيء.

3 – “كورونا” أعاد الاعتبار لـ “التضامن المجتمعي”، ليقول: كفاكم تباعدا داخليا حقيقيا، لحساب تقارب خارجي افتراضي بارد كالصقيع، وعودوا إلى حميميتكم الداخلية، ولا تتنازلوا عنها لحساب ذلك الصقيع. فالانفتاح على الخارج والاندماج فيه، بداخلٍ متباعدٍ وهشٍْ، لا يقيم مجتمعا إنسانيا عالميا متكافئا ومتوازنا. إن مثل هذا المجتمع العالمي لا يقوم إلا بتفاعل أقوياء متماسكين متوازنين نظراء. فلتخلقوا مجتمعكم الداخلي المتماسك القوي المترابط، ثم انفتحوا على العالم وأنتم كذلك، وإلا فإن الذوبان والفناء والاضمحلال هو مصير حضارتكم العالمية، التي لا يمكنها أن تقوم إلا على تفاعل الأنداد.

4 – “كورونا” أنقذ “الأسرة لَبِنَة المجتمع الأولى” من الضياع الذي كانت تنحدر نحوه، ليقول: الأسرة والبيت هما أساس الصحة والسلامة والبناء الراسخ، فلا مكان يحميكم من بطشكم وبؤسكم سوى فكرة الأسرة. ألم يغدو التزام البيوت والعيش في كنف جو الأسرة هو أقصى ضمانة يمكن تقديمها للبقاء والاستمرار؟!

5 – “كورونا” يعيد “رسم ملامح السياسة الدولية” ليجبِرَها على تعديل مسارات أولوياتها، من الصدام إلى التفاعل، ومن التنافس إلى التكافل، ليقول: أيتها الرأسمالية الجشعة، ما أسهل أن يُقضى عليك بجرة “فايروس” يُفْقدُك كلَّ مكتسباتِك، أنا الموتُ جمعتكم وذكَّرتكم بنهاياتكم المتشابهة، فتذكروا الحياة التي هي بداياتكم المتشابهة.

6 – “كورونا” يضع أبشع مظهر من مظاهر الشَّرِّ البشري على المحك ويحشره في الزاوية، ليقول: ليست سيادة العالم لمن يستطيع أن يقتل أكثر، فلا أحد يستطيع أن يقتل مثلما أستطيع أن أفعل “أنا”، ومع ذلك فأنا مجرد مخلوق تائه لا قيمة لي، إنما السيادة لمن يستطيع أن يُحيي أكثر، ويبني أكثر، ويخدم الإنسانية أكثر، لذلك فلا سيد فيكم حتى الآن، فأعيدوا ترميم إنسانيتكم المهشَّمة.

نعم، هذه هي رسائل جلالة “الإمبراطور كورونا المعظَّم”، ولكنها رسال تُقرأ في ردود الفعل العالمية، وليست تُقرأ في أي مكان آخر، إنها رسائل أراد “كورونا” أن يَطَّلِعَ عليها الناس في أفعالهم، وفي سلوكهم، وفي ردود فعلهم، على رؤية الموت وهو يزحف صوبَهم.

فإن كان “كورونا” إطلالة قَدَرٍ، فالرسالة هي للجميع، حكاما ومحكومين، قادة ومقودين، أشرارا وأخيارا.
أما إن كان لعبة أشرار، فهو رسالة إلى الشعوب والبسطاء والشرفاء، ليعرفوا كيف يجب أن تكون خرائط العالم القادمة.
قد ينتهي أمر “كورونا” إلى لا شيء من كل هذا، كما كان شأن سابقيه “أبيولا”، و”سارس”، و”الطيور”، و”الخنازير، ويخسر من يخسر، ويكسب من يكسب، وتعود الرأسمالية الدوائية والغذائية لتتربع على عرش غيلان الإمبريالية العالمية، ولكن هذا لا يمنع من أن “الظاهرة كورونا” فرضَت نفسها علينا على نحوٍ أتاح لنا قراءة تلك الرسائل المشَفَّرَة بالغة الأهمية، فإما أن نلتقطَها، وإما أن نكون نحن الخاسرين.

إن “كورونا” أيا كان مُسَبِّبُه “أميركا”، أو “الصين”، أو “فرنسا”، أو “الخفاش”، أو “القَدَر”.. إلخ، هو فرصةٌ تاريخية يمنحها لنا الله لنقولَ للرأسمالية بأشكالها الأربعة: “النيوليبرالية” بقيادة الولايات المتحدة، و”المافياوية” بقيادة روسيا، و”المحافِظَة” بقيادة أوروبا، و”العمياء” بقيادة الصين، وهي – أي تلك الأشكال الأربعة – في أضعف حالاتها وأكثرها هشاشة.. نعم، إنها فرصة منحها لنا الله لنقول لأولئك جميعا: “آن أوان الشَّدِّ فاشتدي زِيَم”!!
سيسجِّل التاريخ أن “أزمة كورونا” هي أكبر أزمة شهدتها الرأسمالية العالمية، وهي أشد عليها من أزمتي “الكساد العظيم 1929″، و”الرهن العقاري 2008″، وهي تهزها من أعماقها إلى درجة جعلتها تنتفض.

ولكن في حال عدم وجود من يُحْسِنُ استثمار اللحظة لصالح شعوب العالم، كي يُخَلِّصَها من هذه الغيلان المتغطرسة، أو كي يُسَجِّلَ عليها النقاط المتقدمة في معركة الوجود هذه، فإن الرأسمالية ستجدِّد نفسَها وستعيد تأهيل بُناها لتواصلَ الحياة.
فإن لم تستفد الشعوب من هذه الأزمة في معركتها ضد الرأسمالية، فإن المستفيد الأكبر هو الرأسمالية نفسها، وإن عرفت الشعوب كيف تستفيد، فإن “كورونا” إن كان “لعبة أشرار”، فهو الخنجر الذي تكون قد طعنت به الرأسمالية نفسَها، وإن كان “إطلالة قدر”، فهو جندي من جنود الله الذين قال عنهم الله عز وجل: “وما يعلم جنود ربك إلا هو”، ليساعد به عباده، فهل يلتقطون الكرم الإلهي بعناية؟!

مقالات

ارتفاع نسبة جرائم القتل في فلسطين.. والأسئلة الأكثر إلحاحًا

نشر

في

بواسطة

لم تكد تجف دماء ضحايا جريمة كفر عقب التي قُتل فيها أربعة شبان من عائلة الرجبي في شجار عائلي بين أبناء العمومة، وذلك يوم السبت 2/1/2021، حتى استيقظ الفلسطينيون يوم، الاثنين 4/1/2021، على خبر مقتل المربية الفاضلة ومديرة المدرسة سُهى الطاهر على يد ابنها في مدينة جنين.

يبدو أن تلك الحوادث لم تكن لتنتهي، بدهس شاب لشقيقه وإصابته بجراح خطيرة بمشكلة عائلية في قرية المدية قضاء رام الله، وذلك يوم الجمعة 8/1/2021، فقد طالعتنا الأخبار بمقتل مواطن وإصابة آخرين في حادث إطلاق نار في مخيم بلاطة قضاء نابلس، وذلك يوم السبت 9/1/2021.

وإذا ما أضفنا لهذا المشهد تصريح المتحدث باسم الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية العقيد لؤي ارزيقات عن ارتفاع نسبة جرائم القتل بفلسطين بنسبة 42% خلال عام 2020.. يصبح المشهد أكثر قتامةً، ويدفعنا للشعور بالغضب ويثير لدى المواطن الفلسطيني العديد من التساؤلات عن أسباب هذا المنحى الخطير في العلاقات الاجتماعية، خاصة في ظل الظروف الصعبة والمعقدة والاستثنائية التي نعيشها على مختلف الصُعد والمجالات.

ففي الوقت الذي تُسهب فيه العديد من الإحصاءات والتقارير الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني والشرطة الفلسطينية والعديد من المؤسسات ذات العلاقة في الحديث عن أسباب ودوافع هذه الجرائم وتعدادها، إلا أنها تخلو من الإجراءات والخطط والبرامج، والقوانين التي تم إقرارها والعمل بها لمكافحة الجريمة التي باتت تهدد النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتؤرق المواطنين.

ما دور المؤسسات الرسمية والشعبية الفلسطينية في مواجهة هذه الجرائم؟

لا شك بأن الواقع الاقتصادي المرير الذي نعيشه وانسداد الأفق السياسي والانقسام الفلسطيني قد انعكس على الواقع الاجتماعي، وأدى إلى زيادة الشعور بالتوتر والضيق النفسي، مما يوفر أرضية خصبة لاقتراف الجريمة، خاصة في ظل وجود منظومة قانونية بالية ومتأخرة عفا عليها الزمن وباتت غير رادعة، بالإضافة إلى إجراءات التقاضي الطويلة والممل.

أدت، ظروف التقاضي تلك، إلى إضعاف الثقة بالقضاء وبقدرته على كبت دوافع الجريمة وحل الخلافات وإعادة الحقوق إلى أصحابها، كما أن غياب المؤسسة الرسمية الفلسطينية عن معركة بناء الوعي الجمعي الفلسطيني بما يتناسب مع مرحلة التحرر الوطني لشعبٍ يرزح تحت الاحتلال، وتغييب الأحزاب والفصائل والمدارس ومؤسسات المجتمع عن القيام بعملية البناء القيمي والأخلاقي لتربية الأبناء على التنشئة المتوازنة وسد هذا الفراغ، أفقدنا الكثير من عناصر قوتنا وقدرتنا التي تكفل منع ارتكاب جرائم كهذه.

هل هناك دور للاحتلال في تصاعد جرائم القتل في فلسطين؟

إن صرف الاحتلال النظر عن انتشار السلاح بأيدي عصابات الإجرام، أو توفير ملاذات آمنة لبعض المجرمين الهاربين إلى أراضينا المحتلة عام 48.. يُشكّل تواطأ فاضحًا يهدف إلى تشجيع هذه العصابات على القتل لتدمير هذا المجتمع من الداخل، وإضعاف مناعته الوطنية والثورية، تجسيدًا للسياسة الاستعمارية التاريخية ” فرّق تسد “، مما يخلق الفتنة ويُلهي الناس، ويُشكّل خطرًا إستراتيجيًّا على الشعب الفلسطيني؛ يُهدد روحه المعنوية وقيمة العمل الجماعي لديه.

كيف يمكننا مواجهة هذه الجرائم؟

بالتأكيد لا يتسع المقام، ولا المقال هنا، لعرض خططٍ مفصلةٍ وشاملةٍ للحل، ولكن ما أود الإشارة إليه أننا نحن الفلسطينيين، لنا تاريخ طويل في الجهاد ومقاومة هذا المحتل، وقد آن الأوان للبدء في معركة تمتين النسيج الاجتماعي الذي هو رأسمالنا الحقيقي في عمليات التحرير والبناء.

وحتى ننتصر في هذه المعركة لا بُدّ من استصدار تشريعات قانونية رادعة وتسريع إجراءات التقاضي، وليس انتهاءً بالانخراط الرسمي والمجتمعي وبمشاركة رموز وشخصيات لديها تاريخ نضالي واجتماعي مُشرّف  لقيادة عمليات بناء الوعي وتطوير المنظومة القيمية والأخلاقية التي هي أساس تحرر الأفراد والشعوب والدول ونهضتها وتطورها.

 

أكمل القراءة

مقالات

المقاومة الفلسطينية.. جدل الدعم والشكر

نشر

في

بواسطة

 

         إسلام أبو عون

يستند كثير من النقاش، في وسائل التواصل الاجتماعي خاصة، إلى الاحتكام للأفكار الشعبوية، بعيدًا عن النقاش الواقعي والمنطقي المفضي إلى الوصول إلى نتائج ، فمن الصعب الحصول على نقاش هادئ يستند إلى دراسة الفعل السياسي والظروف الواقعية، فالعوامل في الاجتماع الإنساني وتداخلها وتعقيداتها، أكثر مما هي عليه في الظواهر الطبيعية التي تتحكم بها القوانين المجردة والنتائج الحاسمة.

كثير ممن يتحدثون في الشأن العام يستخدمون منطق القوانين الحاسمة، في الحكم على الأمور، وينتج عن ذلك خطاب مزايدات وتجييش وصولاً للشيطنة، فالفعل السياسي، بحسبهم، محكوم بمنطق أبيض أو أسود، والخيارات الممكنة معنا أو ضدنا (وهو بالمناسبة منطق الرئيس الأمريكي سيء الصيت سابقا جورج بوش).

في لغة هؤلاء لا مجال لاجتراح الفرق بين الموقف والخطاب مع أن ذلك من بديهيات البشر الذين لا يظهرون كل ما يبطنون، ويبشون في وجوه أقوام وهم يلعنونهم، والمفارقة أن كثيرًا من أصحاب هذا الخطاب تختلف لغتهم في المجالس الخاصة عن الحديث في الرأي العام، حيث المواقف التي لا توافق هوى جمهورهم تخسرهم حضورهم ومكانتهم. ومن العجيب طرح فكرة أن البحث عن المشترك مع أي طرف يعني الموافقة على سلوكه فيما سواه .

وفي هذا السياق يزداد النقاش صخبًا في السنوات القليلة حول العلاقات التي تربط المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الاسلامية حماس مع القوى الإقليمية والعالمية، وقد أخذ الجدل بعدًا جديدًا، خاصة في ظل ترميم العلاقات المعلن، والذي يظهر من التصريحات الدافئة بين الحركة وبين النظام في إيران، رغم أن علاقات الحركة دائمًا تحت المجهر وكذلك تصريحاتها حول أي موضوع.

وينقسم المناقشون في هذا الموضوع  إلى عدة أقسام:  فمنهم المؤيد الذي  يرى تدهور العلاقات سابقًا كان خطأ، وأن ما تتحصل عليه الحركة من هذا الدعم أفضل وأكثر جدوى من ملاحقة المعترضين والمزاودين.

ومنهم  أيضًا، المبرر الذي يرى العلاقات اضطرارية بسبب التآمر العربي على القضية الفلسطينية، ومنهم المتفهم رغم الكراهة، إذ يقبل تلقي الدعم ولكن يرفض مظاهر الثناء التي يراها مبالغًا فيها.

ويوجد  كذلك المعارض وصولاً إلى المخوّن الذي يراها قد باعت قضايا الشعوب العربية في التحرر من الاستبداد وانغمست في المشروع الإيراني في المنطقة.

من البداهة نقاش حاجة القضية الفلسطينية للمواجهة، وكذلك حقها في مواجهة الحركة الصهيونية التي تحتل الأرض وتفتك بالبشر والحجر، وتزداد هذه الحاجة مع ازدياد التطرف في معسكر الاحتلال الذي بات يتجه من اليمين إلى يمين اليمين.

وتكتسب المقاومة أهمية إضافية، في ظل حالة التردي العربية التي توجت بالتطبيع والمغالاة في التهافت على الاحتلال، بل وتبنّي روايته والتصفيق لجيشه، إذ يزداد الخناق وطأة على الفلسطينيين حتى على أولئك الذي قرروا السير في فلك الأنظمة العربي ومجاملتهم في سياساتهم.

في هذا  الوقت تظهر المقاومة الفلسطينية المحاصرة، والموجودة حصرًا في قطاع غزة، كآخر قلاع المواجهة، وورقة الضغط الوحيدة التي تمتلكها القضية، ولا يُعرف مآل القضايا الرئيسة للشعب الفلسطيني في حال سيناريو غيابها، فعند كل اقتحام ومواجهة ومجزرة تتعالى الأصوات المطالبة لها بالرد على ذلك، ولا يغيب عن صانع القرار في المؤسسة الصهيونية ردة فعل المقاومة حيال أي تعسف جديد ضد الحق الفلسطيني، وقد ساهمت تهديدات الفصائل الفلسطينية في تراجع الاحتلال في ملفات تتعلق بالقدس والأسرى وحتى الوضع الإنساني في القطاع.

ولا يخفى على أي متابع  ما تتعرض له المقاومة من تجفيف المنابع في المحيط العربي، فحتى الانتماء لها بات من أسباب الملاحقة والمحاكمة، ووصل الأمر حدّ اعتقال ممثليها وإغلاق الجميعات الداعمة للصمود الإنساني للفلسطيني في الدول العربية.

يضاف إلى ذلك ما يعيشه الفلسطينيون في قطاع غزة، من حال قاسٍ، حيث الحصار المتواصل منذ أكثر من 15 عامًا، مع العجز المستمر في إنهائه، وذلك الحمل الذي يثقل كاهل المقاوم الذي بات مسؤولاً عن المستوى المعيشي من ناحية، ومن ناحية ثانية مطالب بالاستمرار في الإعداد والصمود، بل والتطوير في ظل حرب الأدمغة والتطور الهائل لدى دولة الاحتلال من جميع النواحي.

 

في ظل هذا الوضع يأتي من يناقش المقاومة في خياراتها، وهي إكراهات على ما يبدو، وفي مقدمة ذلك الدعم المعلن الذي تتلقاه من الجمهورية الإسلامية في إيران ومن حلفائها في المنطقة، وهي آخر الدول التي ما زالت مستعدة وبشكل رسمي لتقديم الدعم، وذلك باعتراف قيادة الفصائل التي تتلقى ذلك الدعم.

إلزام حماس بالتحرك وفق نقاط الاختلاف مع إيران، ترف لا يراعي ظروف الحركة، فالمعروف أن طهران لها مشروعها في المنطقة، وهي متورطة في الشؤون العربية الداخلية، وأقدمت فعلاً على دعم دكتاتوريات متحالفة معها ضدّ شعوبها، وقد توترت علاقات حماس، كبرى حركات المقاومة في فلسطين، بإيران، وكادت أن تنتهي نتيجة ذلك، ولم تخضع الحركة للمطالبات بالوقوف مع الحلف في مواجهة حراك الشعب السوري الذي انغمست فيه إيران، وفي المقابل، فالشكر الذي تقدّمه حماس لإيران متعلق بالجانب المتفق عليه منطقيًا، دون أن تتورط الحركة في الاستجابة لاشتراطات في ملفات ليست من عمل الحركة، ولا هي موضع اتفاق مع إيران.

ويبقى على المقاومة مراعاة العمق الشعبي والموازنة الدقيقة بين المصالح والمبادئ، والمراجعة الدقيقة لكل ما يصدر عنها من تصريحات حول القضايا الجدلية، حتى لا يستخدم في الهجوم عليها وشيطنتها وتبرير ما يحصل لها بفعل التآمر العربي.

أكمل القراءة

مقالات

هل تحل الانتخابات معضلة الانقسام الفلسطيني؟

نشر

في

بواسطة

 

 

اسلام أبو عون

تبادلت حركتا حماس وفتح الاتهامات حول المتسبب بفشل الجولة الأخيرة من المفاوضات الداخلية الفلسطينية لانهاء الانفسام المستمر منذ عام 2007، فقد قالت حركة المقاومة الاسلامية أن اعادة السلطة الفلسطينية للعلاقات مع الاحتلال الاسرائيل بما يشمل التنسيق الأمني أدى إلى تعكير صفو الاجواء الايجابية فيما اتهمت حركة فتح قيادة الحركة في غزة بتعطيل مسار المصالحة بسبب اشتراط التزامن في الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني وهو يعاكس ما تم التوافق مسبقا عليه في اجتماع الحركتين برئاسة جبريل الرجوب وصالح العاروري، وفي نفس السياق كان الشارع الفلسطيني ينتظر منذ بداية العام المرسوم الرئاسي بالدعوة للانتخابات التشريعية بعد ماراثون التفاوض الداخلي حولها وجولات حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات العليا بين الضفة والقطاع،  وتم التعذر لاحقا باستحالة قيام العملية الانتخابية في ظل منع الاحتلال لإجرائها في مدينة القدس بعد الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة موحدة للاحتلال ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها، وهنا يأتي التساؤل الأوضح هل ستحل الانتخابات معضلة الانقسام الممتد لسنوات طويلة، وما الوصفة السحرية التي ستجعل من هذه العقبة الشائكة سهلة بمجرد حدوث الاقتراع؟

 

في بداية نقاش الأمر لا بد من التأكيد على الحق الكامل في الانتخابات لكل الشعوب،  وسقوط أي شرعية لأي نظام لم يأت بصناديق الاقتراع.  وتعد معضلة الشرعية من أعمق المعضلات التي تواجه النظم السياسية منذ فجر التاريخ،  وكانت تحصل عليها لأسباب دينية وتاريخية وقبلية وحتى ثورية واقتصادية لاحقاً، وفي العصر الحالي بات الانتخاب جزءا رئيسيا من وعي الناس بحقوقهم وذلك باختيار ممثليهم بطريقة شفافة بغض النظر عن الطريقة المتبعة، وينطبق ذلك على الشعب الفلسطيني الذي يحتاج أن يضيف إلى ذلك رسالة حضارية بوجوده واستحقاقه لقيام دولة من خلال قيامه بنموذج الحكم الراشد، والتداول السلمي للسلطة, والأهم في الحاجة للانتخابات هو انتهاء الشرعيات الفلسطينية  والتي جاءت عبر صناديق الاقتراع بعد توافق الجميع على أن تلك الطريقة المناسبة لحصول إي جهة على حق قيادة الشعب الفلسطيني , بالتالي تكون الحاجة لاجراء  انتخاب ملحة في الواقع الفلسطيني.

 

تم طرح الانتخابات المبكرة حتى قبيل الانقسام الفلسطيني، وذلك بسبب الحالة السائدة بعد انتخابات عام 2006 والخسارة المدوية لحركة فتح المؤسسة والمسيطرة على السلطة منذ انشائها، وطرحت الانتخابات لاحقاً بعد فشل جولات الحوار الوطني، وكان طرحها يظهر على انها بديل عن حوار لن يأتي بنتائج، وكانت الفكرة على ما يبدو أن التجربة القاسية لآخر انتخابات وما شهدته المناطق الفلسطينية من حصار واقتتال وانقسام كافية لعدم تكرار النتائج، ولكن مع تجذر الانقسام وبناء جسمين كاملين منفصلين بشكل شبه كامل وفشل المحاولات اللاحقة للمصالحة وتشكيل حكومة توافق تم اعادة طرح الفكرة ولعدة مرات آخرها في الجولة الأخيرة،  رغم أنها لم تكن على جدول الاعمال حسب ما ذكره صالح العاروري نائب المكتب السياسي لحركة حماس.

و معضلة الانتخابات ليست  في شكلها او حتى اجرائها؛ اذ يمكن اجراؤها في حالة تهدئة داخلية ورقابة من لجنة الانتخابات الوطنية المعترف بها من جميع الأطراف، مع الاتفاق على آليات حدوثها في القدس عبر الضغط على الاحتلال او ابتداع طرق أخرى تمكن المقدسيين من اعطاء أصواتهم.

وتظهر المشكلة الحقيقة في تحقيق ذلك  للهدف المرجو بتوحيد الجهاز الحكومي وانهاء الانقسام الفلسطيني، فالمعضلات التي يجب التوافق عليها ما زالت قائمة، وقد حاولت حكومة التوافق حل بعضها وفشلت بسبب عدم البناء على فكرة التوحيد وانما ضم القطاع للضفة دون الاعتراف بما بني خلال اكثر من عقد من جهاز اداري وأمني، وفي ذلك الجيش الكبير من العاملين الذي سيجدون أنفسهم خارج الوظيفة الحكومية مقابل انشاء او اعادة جهاز حكومي جديد شبيه للموجود في الضفة الغربية، أما الحكومة المنتخبة الجديدة ستجد نفسها أمام ادارتين مختلفتان في اللون والثقافة وطرق الأداء وحتى في القوانين فكيف ستقوم بالتوفيق بينهما وخاصة أن التجربة القاسية السابقة كان فيها أن مجرد الانتخاب لا يعطي حقا بتغيير أوضاع الموظفين.

ومن معضلات وضع الانتخابات حلاً للحالة الفلسطينية الراهنة أيضا، عدم وجود ضمانات لما بعد الانتخابات، فما هو الضامن لعودة الحريات وحرية العمل السياسي؟ وهل سينصاع الأمن الفلسطيني سواء في الضفة أو القطاع للحكم الجديد اذا كان من خارج لونه الحزبي؟ وما مصير آلاف الوظائف التي استحدثت خلال سنوات الانقسام؟ وكذلك مئات القوانين؟ وما ضمان الحياة التشريعية في ظل وجود المحكمة الدستورية التي أصبحت سيفاً مسلطاً عليها وقامت بحل المجلس التشريعي بدون اختصاص بذلك؟ وقبل ذلك ما ضمانة القبول بنتائج الانتخابات للخاسر على اعتبار أن نصف المصوتين تقريباً أجروا الاقتراع في مناطق حكم خصمه اللدود وحدث قبل ذلك ان اتهمت الحكومة المعارضة في عام 2005 بتزوير الانتخابات في بعض مناطق قطاع غزة رغم حكمها الكامل لتلك المناطق.

 

وفي ذلك السياق اسئلة كثيرة حول ضمانات اكمال المتفق عليه من الانتخابات وعدم التوقف عند التشريعية وكذلك الاتفاق على طبيعة النظام السياسي برلماني أو رئاسي وخاصة أن تلك المعضلة كانت من أسباب الانقسام .

 

مما سبق تظهر عدم الثقة عامل أساسي سيفشل أي مسعى لعقد الانتخابات دون تغيير جوهري في طرق التعامل مع الاوضاع الانتخابات إلا اذا كانت مناورة وقنبلة جاهزة تفجر كل حالة توافق وتوحيد الموقف، ويبقى الانقسام موجودا طالما يوفر الحكم المطلق وعدم المساءلة ويكون شماعة تعطيل الحياة السياسية او الاجراءات بحق المعارضين، ولا يظهر في الأفق حلاً غير توفر  النية الصادقة والتوافق الكامل على كل تفصيل مع اعطاء بوادر حسن النية المسبقة من الطرفين .

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 5 أيام

ارتفاع نسبة جرائم القتل في فلسطين.. والأسئلة الأكثر إلحاحًا

لم تكد تجف دماء ضحايا جريمة كفر عقب التي قُتل فيها أربعة شبان من عائلة الرجبي في شجار عائلي بين...

مقالاتمنذ 6 أيام

المقاومة الفلسطينية.. جدل الدعم والشكر

           إسلام أبو عون يستند كثير من النقاش، في وسائل التواصل الاجتماعي خاصة، إلى الاحتكام للأفكار الشعبوية، بعيدًا عن...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

هل تحل الانتخابات معضلة الانقسام الفلسطيني؟

    اسلام أبو عون تبادلت حركتا حماس وفتح الاتهامات حول المتسبب بفشل الجولة الأخيرة من المفاوضات الداخلية الفلسطينية لانهاء...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

أهالي القدس ينقذون أمانة صلاح الدين الأيوبي، في مقام النبي موسى

  كتب: جودت صيصان   لقد أفاق أهل فلسطين عامة وأهل القدس خاصة على مشاهد صادمة استفزت مشاعرهم وأثارت غضبهم...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

نظام التعليم عن بُعد يحرم نحو 650 ألف طالب فلسطيني من التعليم … فما الحل ؟

    جودت صيصان مع إعلان رئيس الوزراء محمد اشتية عن إغلاق جميع المدارس الحكومية والأهلية والخاصة مع التحول إلى...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

وقفات في ذكرى انطلاقة حماس

       كتب:     اسلام أبو عون تحتفل حركة المقاومة الاسلامية حماس في الرابع عشر من ديسمبر من كل...

مقالاتمنذ شهر واحد

بين حق الراتب وحُلم التحرر.. حكاية وطن

  كتب: جودت صيصان ” الحمد لله رجعوا التنسيق والرواتب بدهم ينزلوها ” كانت هذه رسالة صادمة وصلت أحد الموظفين...

مقالاتمنذ شهر واحد

الاديب الفلسطيني فرج عبد الحسيب.. فارس فذّ من فرسان أدب المقاومة

    وليد الهودلي ” لا يكفي مقال واحد للحديث عن هذا الفارس الفذّ من فرسان أدب المقاومة، فقط خصّصت...

مقالاتمنذ شهر واحد

        لماذا لم تنجز المصالحة الفلسطينية حتى الآن

    كتب: اسلام أبو عون   تتزايد الإشارات التي تنعى الجولة الاخيرة من جولات المصالحة الفلسطينية والتي بدت للوهلة...

مقالاتمنذ شهرين

آثار فوز بايدن فلسطينياً.. بين التوقعات والواقع

            كتب:  إسلام أبو عون يختلف الاهتمام العالمي بأي انتخابات عامة تبعا لأهمية الحكومة المنبثقة...

الأكثر تفاعلا