تواصل معنا

مقالات

ماذا بعد أن نُشيّع أوسلو إلى مثواه الأخير؟!

نشر

في

كتب وليد الهودلي\ مركز القدس

لقد أضاع الاحتلال فرصة ذهبية من شانها أن تطيل عمر كيانهم، جاءهم اتفاق يمنحهم ثمانية وسبعين بالمائة من أرض فلسطين التاريخية على طبق من ذهب، بينما يعطي أصحاب فلسطين الحقيقيين اثنان وعشرين بالمائة من فلسطين، وهذا على أفضل التقديرات والتوقعات التي جعلت سقف الفلسطيني المفاوض: الانسحاب من الأراضي التي احتلت عام سبعة وستين، هذا ان لم يجر تعديلات في المفاوضات النهائية تنقص من حصة الفلسطينيين مع ضمانات واشتراطات تضمن امنهم وتفوّقهم وتمنحهم الحق بما ليس لهم حق فيه والشرعية بما لا شرعية لهم فيه، ما الذي جرى وأعمى قادتهم الى هذه الدرجة بان فوّتوا هذه الفرصة الذهبية؟!

يقولون أنّ الطمع يعمي الابصار والقلوب فماذا لو أضفنا له غطرسة القوة وعنجهية الباطل وصلف المحتلّ؟ ثم إن براغماتية المفاوض الفلسطيني الفائضة عن الحاجة والضرورة وقبوله بالتخلّي عن نقاط قوّته على أمل أن يحسّن هذا من صورته عالميا بما يبعده عن شبهة الإرهاب وأن يعزّز بذلك من قوّته التفاوضية وكسب الضغط الدولي على سلطات الاحتلال، كلّ هذا تبخّر أمام ذاكرة الاحتلال القصيرة التي لا يوقظها سوى الخسارة اليومية وكلفة احتلالها الباهظة، نحن وفّرنا للاحتلال بيئة سهلة ومريحة ورفعنا عنه ضغط المقاومة وبقائه في حالة استنزاف مستمرة تجبره على التفكير بحقوق الاخرين، فمثلا لم تترك المقاومة الفيتنامية مقاومتها للمحتل الأمريكي فترة المفاوضات بل بقيت على صفيح ساخن يشكل الضغط المطلوب على صانع القرار لسلطات الاحتلال الامريكية. على مرّ التاريخ لم يسترجع مُستعمر بفتح الميم حقه الى بعد أن يكسر شوكة مستعمره ويمرّغ أنفه في التراب ويجعل من كلفة استعماره باهظة بشريا وماديّا.

نحن (بحق ولاستخلاص العبر بعيدا عن أية مزاودة) تخلينا عن نقاط قوّتنا وراهنا على خيار وحيد هو خيار التفاوض (وبموضوعية مجرّدة) قلنا لا مانع من بعض المقاومة الشعبية السلمية ثمّ ساهمنا بقوة في تقويض تلك المقاومة التي تجعل من الاحتلال مكلفا وتدفعه للتفكير بحق من يفاوضه، وهذا بدل أن يحظى بالتقدير كما توقّع البعض بحسن نيّة في غير موضعها صنع العكس تماما، زاد من طمعهم فينا وزاد من استقوائهم علينا وتوغّلهم في حقوقنا: استيطانا وعدوانا واستهانة بنا وبمقدّساتنا وبكل مكوّنات كرامتنا، شعروا شعور ذئب مفترس أمامه أرنب يستجدي حقوقه بالحسنى وطيب النوايا.

يجب ان ينتابنا شعور كم كنا مخطئين ونحن نطارد المقاومين ونقول أن هذا مصلحة وطنية وأن علينا أن نعطي فرصة للتفاوض السلمي، صحيح أتفهم أن على صوت السلاح أن يخبو قليلا وقت استحقاقات تفاوضية في أوقات حرجة ولكن أن يتم استئصاله وملاحقته استراتيجيا على مدار عقدين من الزمن على أمل ابليس في جنة التفاوض فهذا غير معقول أبدا. كم كنا مخطئين ونحن نطمئن الإسرائيلي بأن هذا خيارنا الوحيد، كم كنا مخطئين وبعضنا يروّج لثقافة بديلة عن ثقافة المقاومة وذات الشوكة ونعتبر هذا مصلحة وطنية.

كنا نتساءل ماذا لو لم نصل الى حقوقنا عبر هذا التفاوض؟ أو على ربع حقوقنا حسب اتفاق أوسلو؟ ماذا عسانا نفعل؟

وكنّا نناقش سياسيا ان طبيعة هذا الاحتلال ومن يعرف تركيبته العنصرية الاحلالية لا يمكن أن يخرج من جلده ويصبح احتلالا محترما يعيد الحقوق لأصحابها أبدا، وحتى دينيا رغم أن اليهود اليوم بفكرتهم الصهيونية يختلفون عن سابقيهم بالأمس ومع هذا قال القران فيهم:” أم لهم نصيب من الملك فاذا لا يأتون الناس نقيرا”. نناقش سياسيا بتركيبتهم التي تزداد تطرفا يوما بعد يوم، وتاريخيا قياسا بكل اشكال الاستعمار والانتدابات والاحتلالات التي لم ينفع معها الا القوة ودينيا بما قص علينا القران من قصصهم رغم انهم اليوم هم النسخة الأسوأ من هذه الطبيعة البشرية النكدة، كل ذلك يقودنا الى أن مسارات التفاوض ما قبل قصة البقرة التي حملت اسم أطول سورة في القران لن تختلف أبدا بعد أن قست قلوبهم وصارت أشد قسوة من الحجارة بعد قصة البقرة بثلاثة الاف عام.

لقد وصلنا الان الى هذه المآلات الماساوية فما هي السيناريوهات البديلة اليوم وبعد ان وصلت تجربتنا المريرة الى ما وصلت اليه؟

  • لا بدّ أن نغسل أيدينا ثلاثا من خيار التفاوض وكل ما ترتّب عليه، وأن نُخلّل ما بين الأصابع كما نفعل مع فيروس الكورونا. تطهيرا وبراءة لا عودة عنه أبدا.
  • شحذ الهمم والعمل على الاستعداد النفسي والثقافي للإنسان الفلسطيني النقيض المشتبك مع المحتل بكل الابعاد المطلوبة.
  • جمع الصف على قاعدة “المقاومة توحّدنا” وهي بالفعل كذلك لأن الانقسام في الأصل كان على برنامجين مقاوم ومفاوض، فاذا وضعنا هذه القاعدة للبرنامجين فانهما يصبحان برنامجا واحدا وبالتالي يصبح الانقسام من تداعيات مرحلة مضت.
  • اهتبال الفرصة التاريخية المواتية للعودة الى أصول القضية إذ أن تحديات الضمّ وغطرسة المحتل بهذا الشكل غير المسبوق ما هو الا فرصة تاريخية لنا بعد أن ضيّع هو فرصته التاريخية التي لن تتكرّر أبدا لان التاريخ لا يعيد نفسه.

ولان القادم مهما كان لن يكون أسوا من المرحلة السابقة التي وقفنا فيها طويلا أيتاما أمام طاولة اللئام دون أن نأخذ الفتات، لقد آن الآوان أن نعود كما كنّا أسودا يخشاها اللئام ولا نامت أعين الجبناء.

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

احراق مسجد البر والاحسان في مدينة البيرة، داعشية صهيونية متوحشة؟!

نشر

في

بواسطة

 

كتب وليد الهودلي

لم يكن حدثا عابرا ولا يجوز ابدا ان يكون عابرا، أن تتسلّل مجموعة من المستوطنين الى مدينة البيرة في غسق الليل وتحرق مسجدا، وبالطبع لا يمكن أن تخرج من المستوطنة القريبة الا بمباركة أمن المستوطنة المسئول عن الشأن الأمني لهؤلاء المستوطنين الموتورين، فالمسألة ليست من فعل فتية مراهقة وانما هي إرادة الاجرام تتحرّك من أعلى مستوى وهي بحاجة الى تغطية سريعة من قوى الجيش في المنطقة لتامين الانسحاب وللتدخّل عند حدوث أي طارئ يهدّد أمن التوحش هذا أو يضعه في خطر.

وهناك رسالتان واضحتا المعالم في هذه الجريمة:

الأولى رسالة المستوطنة:

أنتم أيها الفلسطينيون لا شيء، لا أرض لكم ولا وطن ولا حق لوجودكم في هذه البلاد، هي لنا وحدنا نفعل بها ما نشاء، أمّا أن تقيموا حياتكم في أرض شعب الله المختار وتحسبون أنكم بشر مثلنا فهذا محال، حتى لو بدى منكم السلام ولم تؤذوا الجيران، مهما توادعتم وتسالمتم وكففتم اذاكم وحفظتم حق من جاوركم الا أنكم ألدّ الأعداء، ليس لكم الا الهجرة والفرار وترك هذه البلاد خالصة مخلصة لأهلها نحن شعب الله المختار، اخترنا رمز وجودكم هنا وهو جامعكم الذي تدّعون فيه صلتكم بالله، حرقناه لكم لنحرق هذا الشعور الكاذب في قلوبكم، هذا الاله لنا وحدنا وأنتم ليس لكم الا الشيطان، نحن لا نطيق وجودكم ولا يمكن أن يستمر نهيق أبواق مساجدكم الذي تسمونه أذانا، ألم تعتبروا كم مسجدنا أخرسناه منذ قيام دولتنا وانتصارنا عليكم؟ أين هي مساجدكم في مئات المدن والقرى التي طهّرناها منكم؟ أين ذهب نهيقها؟ نعدكم أن هذه المساجد التي ما زالت تنهق سنتبعها بأخواتها عاجلا أم آجلا. هذا الحرق رسالة سريعة ولكن الفعل القادم لن يبقي منكم ولا من مساجدكم ولن يذر. وابشركم أن أول المساجد التي سنقيم هيكلنا المجيد على أنقاضها هو جبل الهيكل والذي تسمونه المسجد الأقصى، اختصروا المعاناة والالم وهاجروا طائعين قبل أن تهاجروا مكرهين من أرض الميعاد والتي لا حق لأحد في ذرة من ترابها سوى شعب الله المختار، اعرفوا حقيقة قدركم ووزن وجودكم في هذه البلاد أيها الأميين ( الجويم)، وإن لم تفهموا بفصيح الكلام فألسنة اللهب في مساجدكم خير من يجيد البيان.

وكان الرد من رسالة المسجد الخالدة:

أيها المتوحشون العنصريون، لم تتركوا شيئا الا وصببتم عدوانكم السادي عليه، حتى وصل الى المسجد الذي ما أقيم الا لينشر الحق والعدل والسلام، مسجد البرّ والإحسان ، أنتم بطبيعتكم العنصرية المجرمة لن تدركوا هذا المسمّى لهذا المسجد، يسمونه أهله كي تكون رسالته في الحياة مطابقة لمسمّاه، فنحن دعاة برّ واحسان، أنتم تصدرون للناس العنصرية والقتل والعدوان بتوحّش فاق توحّش داعش، الذين قام عليهم العالم ولم يقعد رغم أنكم سبقتم داعش بقرابة سبعين عاما حينما ارتكبتم المجازر وشرّدتم شعبا بأكمله من مدنه وقراه ثم سكنتم مساكنه، وسبقتم داعش في حجم الاجرام كمّا نوعا ثم بقيتم مستمرين على ذات التوحّش الى يومنا هذا ، وما تفعلونه في مساجدنا هو أنكم تحرقون صرحا من البرّ والإحسان وهذا يعكس صورتكم ويعجل خلاص البشرية من شرّكم.

أنتم بهذا العدوان تتعرّون وتبدون كيوم ولدت صهيونتكم أفكاركم العنصرية المدمّرة، أنتم بهذا لا تتركون مجالا للشكّ بان المصير الذي حظيت به كل النماذج البشرية الشاذة التي مارست التوحش عبر التاريخ قد بات لكم وشيكا، تسارعون نحو ناركم التي أوقدتموها للحرب والخراب، وتظهرون بذلك غباء دولتكم رغم أنها شريكة معكم حتى النخاع، كيف ستبدو صورتها وهي تترك الحبل على غاربه لشرذمة معتوهة موتورة تتلبّسها العقد العنصرية الحاقدة، لتفعل ما تشاء، لقد تركتم حجة دامغة على كل ما نقوله عنكم أنه أقل من حقيقتكم ولم يستطع قلمنا الذي يكتب بالحبر الأسود ان يصل الى سواد قلوبكم.

المسجد ورسالته النورانية ناصعة البياض، تواجه الصهيونية المتوحشة حالكة السواد، هكذا هو المشهد وهذه هي حقيقة الصراع، والمساجد هي خير شاهد سواء ما يجري على ساحة المسجد الأقصى أو المسجد الابراهيمي أو كل المساجد المعتدى عليها، لن ننسى مساجدنا في كل القرى والمدن الفلسطينية قبل قيام هذا الكيان العنصري المتوحش، فمنها ما هدّم ومنها ما حوّل الى كنيس او بار أو نادي ليلي أو مزرعة أبقار، الاف المساجد كان آخرها حرق مسجد البرّ والإحسان في مدينة البيرة.

وفي ظلّ حالة الغياب والنوم حتى الصباح، نحن رواد المساجد لا خير فينا ان لم نحم مساجدنا، ولا خير في صلاة لا نخوة فيها ولا رجولة ولا كبرياء.

 

أكمل القراءة

مقالات

ما الذي يشجع الاحتلال على ضرب سوريا والمصالح الإيرانية؟

نشر

في

بواسطة

كتب: علاء الريماوي

سؤال متكرر مع كل ضربة وتجاوز إسرائيلي تجاه إيران ومصالحها، يطرح في الاعلام، فتكون الإجابة متناقضة بين تيار كاره لإيران وتيار محب لها، فتضيع بذلك الرؤية وتختلط بذلك الصور.

بين ذلك لابد من توطئة معرفية عن الاستهداف للمصالح الإيرانية.
اولا: تعرضت المصالح الإيرانية لـ ٢٩٣ اعتداء إسرائيلي أو اتهمت به إسرائيل خلال السنوات الخمس الماضية.
ثانيا: توزعت الضربات على كل من لبنان سوريا، إيران العراق.
ثالثا: الاستهدافات استراتيجية لقواعد عسكرية مهمة في سوريا، مفاعلات نووية واحد في سوريا قاعدة لأغراض التصنيع النووي، مفاعلين في ايران، اغتيال سمير القنطار، قاسم سليماني، وشخصيات عسكرية وازنة من حزب الله، استهداف ارتال في العراق وسوريا ومعسكرات، عدا عن استهداف الضاحية.
رابعا: اختراق تجسسي في الأجواء بشكل متكرر ويومي.

أبرز ردود إيران خلال المرحلة الماضية على الهجمات الإسرائيلية.
اولا: إطلاق قذائف هاون ١٩ مرة على المنطقة الحدودية.
ثانيا: إطلاق نار من أسلحة خفيفة على الحدود مع سوريا ١٦ مرة.
ثالثا: تنفيذ ٤ هجمات لحزب الله على الحدود مع لبنان.
” إسرائيل” كيف تفكر في التعاطي مع مشهد التصعيد على الأرض؟
“إسرائيل” ترى بأن ما حققته من قدرة على الاستهداف دون الرد الإيراني مهم، خاصة على الأرض السورية، والعراقية والإيرانية، لتظل الساحة اللبنانية مساحة متماسكة في الحصانة من الاستهداف وهذا يرجع إلى سرعة رد حزب الله المنضبط والمتبادل بين الجانبين.

إسرائيل وفق هذه القاعدة أقنعت الإيراني بشكل غير مباشر أو مباشر من خلال الروس حرمة تجاوزه في المناطق الحدودية مع سوريا، منع نقل الأسلحة لحزب الله، استهداف المفاعلات والمصانع في كافة المناطق.
في المقابل عدم إعاقة التقدم الإيراني في سوريا العراق لبنان.

لعبة التفاهمات الميدانية التي تحفظ للجميع خطوطه الحمراء مع ميزان قوة يملكها الجانبين.
كما ترى دولة الاحتلال انها بفضل هذه القوة وسعت القناعة بدورها الوظيفي لدى الولايات المتحدة، أوروبا والعرب وهي بذلك قد تحولت إلى اللاعب الأهم لدى الغرب في منطقة ارتبك فيها هذا التحالف التقليدي.

في المقابل ترى إيران بأنها الرابح على الرغم من جرح الكبرياء من خلال تمدد النفوذ على الأرض في لبنان، سوريا العراق اليمن، باكستان وافغانستان، لذلك فإن افتعال اي مواجهة مع الاحتلال سيعيق التقدم الاستراتيجي الإيراني لتبقي شكل الرد بحسبها استراتيجيا في جانبين:
اولا: تسليح قوى مهمة مختلفة معها حزب الله، حماس الجهاد وتشكيلان في سوريا.
ثانيا: امتلاك ساحات مواجهة قريبة من العمق الإسرائيلي بقوة قادرة على الاستخدام.
في البعد الاستراتيجي على الأرض يدرك الجانبين بأن كل منهما يملك أدوات مميتة للآخر لذلك تتماسك قواعد الاشتباك حتى الساعة.

فلا ترى إيران بأنها قريبة من مواجهة مفتوحة ولا كذلك “إسرائيل” لكن وعلى الرغم من ذلك فإن عناصر التفجير قائمة، إذ يمكنها تفجير المنطقة باتجاهات مختلفة.
الأمر الذي سيجعل قواعد الانفجار أكثر اتساعاً من توقعاتنا، وكذلك شكل ذلك وأطرافه.

تركيا في هذا الواقع سيكون لها دور ستعززه الأيام القادمة في حال استقر حكم العدالة، فالقناعة لدى الأتراك بأن الساكن خاسر ومترنح.

أكمل القراءة

مقالات

ابن سلول بنسخته الجديدة؟!

نشر

في

بواسطة

 

وليد الهودلي

يُحكى أنّ هناك حراكا اجتماعيا معاكسا لحركة تغيير مجيدة لامة العرب، كان يقوده شخص يدعى ابن سلول، شكّل معارضا يظهر في العلن أحيانا قليلة، ويعمل كثيرا في السرّ بمكر شديد يحبك خيوطه مع يهود المدينة وصناديد العرب.

ومع كرّ الأيام ومرور قرون من الزمان لا يفتأ ابن سلول الا ويعود الينا من جديد بحلله القشيبة وزينته الانيقة، وكما يطوّر فيروس كوفيد  نفسه19 وكما هو الحال مع كل الفيروسات والميكروبات هو أيضا ابن سلول، ليس أقلّ منها ذكاء ولا أقلّ قدرة على التمحور والتطور والخروج بتجليات جديدة، تذهل العقول وتخطف الابصار، كان في نشأته الأولى يسلق بلسانه الحادّ حركة التغيير المجيدة التي تمرّ بها أمّة العرب، كان التحرّر على أشدّه وكانت هناك عملية نشطة دؤوبة لميلاد أمة سيكون لها شانها وستسود العالم بسنوات قلال، وكانت هناك مقاومة لجحافل الجاهلية والظلام والتثاقل الى الأرض والذلّة والمهانة والرضى بالدون من الناس والركون الى تقاليد بالية ترتكس فيها أمة العرب، حركة المقاومة تسير بخطى ثابتة وتراكم إنجازاتها وترفع من قدر الناس للخروج من شرنقة الظالمين المستبدّين ومن عبادة العباد كما قيل حينها الى عبادة ربّ العباد.

لم ترق لابن سلول حركة التحرّر الشاملة والعمل على تحقيق السيادة الحضارية الكاملة، فكانت في حينها أدواته قدرات لسانه على السلق الحادّ، والقادر على قلب الموازين والتلاعب بها بشكل مريع، فمثلا: من يرفع لواء العزّة ويعمل ليل نهار لتحقيقها في حياة الناس ولرفع شانها ولصناعة مجد حضاريّ تسود فيها هذه الامة على غيرها من الأمم، هؤلاء يجب أن يطلق عليهم وصف الاذلّ، بينما من يصرّ على البقاء في مراتع الجاهلية لا يعرف الا العصبية القبلية والتناحر والارتكاس النفسي الى درجة عبادة الصنم في مجتمع المدينة وتحكّم اليهود بأسواقها وارزاقها والرضى بسيادتهم على تناقض قبيلتي الاوس والخزرج ، هؤلاء عند ابن سلول هم الاعزّ، وبالتالي ينفخ البوق الإعلامي له بضرورة تحقيق المصالح العليا في المجتمع وهي اخراج الاعزّ منها الاذلّ.

هكذا يقلب المفاهيم ويضرب الخير كله بالشرّ كله بعد اطلاق تسمية الخير بالشر المطلقّ والشرّ بالخير المطلق، لا باس فهذا هو شان ابن سلول الذي يتقن صناعة المادة الإعلامية الى درجة توظيف المثل العربي ونحت الكلم وتصدير الصورة ” سمّن كلبك يأكلك”، فالصورة هنا أن أهل المدينة هم صاحب الكلب العاقّ، ودعاة التحرّر والانعتاق من شرنقة الجاهلية وفساد ذاك الزمان هو هذا الكلب العاق. ابن سلول يتقن صناعة الاعلام وتصدير الصورة التي يريدها لقلب الأمور وتصوير الحق باطلا والباطل حقا.

على ذات النهج وبنفس هذه الكفاءة الإعلامية وروحها السامّة يخرج لنا ابن سلول هذه الأيام، نفس الالسنة الحادّة التي تسلق دعاة التحرّر والمقاومة، أضف لذلك أنه قد تحوّل على شكل مؤسسة ضخمة تملك المال الكثير وأدوات الاعلام الحديثة من فضائيات ومنصات إعلامية الكترونية كثيرة وذات صخب وجلبة، ابن سلول اليوم فريق عمل متكامل الأركان، فاذا كان في ذاك الزمان يتسلل الى بني قريظة وبني قينقاع فاليوم لا يحتاج الى هذا التسلّل، تأتيه التعليمات ويتلقّى الأوامر والتوجيهات عبر وسائل سريعة ونافذة، وكانت دوافع ابن سلول ذاك الزمان ذاتية وبتمويل ذاتي، اليوم دخلت عليه قوى إقليمية وعالمية بكل إمكاناتها لتسخرها بين يديه، أرصدة مالية مفتوحة وشاشات تضخ كلمة الاعز! في كل مكان لتصل كلّ الناس، خذ ما تريد وافعل ما نريد. فقط شغّل ماكينتك الإعلامية باسم عربيّ واضح المعالم قويّ البيان، انت عليك السّلق بلسانك الحادّ ونحن علينا كلّ شيء من لوجستيّاتها الى فضاءاتها الواسعة الانتشار.

فهذه المقاومة الفلسطينية الناجزة ما عليك إلا أن تحيطها بنقيق الضفادع المضادة وتجمع عليها كلّ ذباب الأرض ليسلقوها معك بألسنتهم الحادّة، اصنع يا ابن سلول من جديد ما كنت صانعه بالأمس فأنت القادر على اللعب بالمصطلحات والمشاعر، هذه صنعتك الإعلامية المجيدة، زيّن كذبك وأعده المرّة تلو المرّة ليصبح على أنه حقيقة، لا تخجل من كذبك فإن الكذب وسيلة مشروعة، اصنع من العبيد أسيادا ومن الفئران أسودا، شيطن هؤلاء الذين يقاومون وقد غرّهم دينهم واعتبروا ان لهم حقا في وطنهم ومقدساتهم، اجعل منهم شكل الكلب الذي سمّنه صاحبه فتطاول عليه واراد أن يأكله، اليس هم كذلك ينكرون الجميل! ولا يقبلون على تقبيل يد من امتدّت إليهم! ويسعون في الأرض فسادا وتشويشا لحياة بني إسرائيل؟

اجعل شعارك يا ابن سلول الجديد: ليخرجن الاعزّ منها الاذلّ. وإياك أن تسمّن كلبك فيأكلك.

وتقول الرواية التاريخية: أنه سرعان ما باء ابن سلول بفشله الذريع فتخزبل وخاب وخسر المعركة، كانت قوّة نور الحق حينها أقوى من كلّ ضجيجهم واعلامهم المفتري الكاذب.

وتقول أيضا أن عودة ابن سلول الجديدة بكل حلله القشيبة لم تعد خافية على أحد ولن يكون لها مصيرا الا ذاك المصير الذي واجهته أوّل مرة بإذن من الله ثم بيقظة أهل الحق وانتصار المقاومة.

 

 

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 4 أيام

احراق مسجد البر والاحسان في مدينة البيرة، داعشية صهيونية متوحشة؟!

  كتب وليد الهودلي لم يكن حدثا عابرا ولا يجوز ابدا ان يكون عابرا، أن تتسلّل مجموعة من المستوطنين الى...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

ما الذي يشجع الاحتلال على ضرب سوريا والمصالح الإيرانية؟

كتب: علاء الريماوي سؤال متكرر مع كل ضربة وتجاوز إسرائيلي تجاه إيران ومصالحها، يطرح في الاعلام، فتكون الإجابة متناقضة بين...

مقالاتمنذ أسبوعين

ابن سلول بنسخته الجديدة؟!

  وليد الهودلي يُحكى أنّ هناك حراكا اجتماعيا معاكسا لحركة تغيير مجيدة لامة العرب، كان يقوده شخص يدعى ابن سلول،...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

أسيراتنا يتقنّ صناعة الذات الثورية ؟!

    وليد الهودلي بيان فرعون تتحرّر من حبسة أربعين شهرا.. نموذجا وشاهدا.. جرائم مركّبة يقترفها الاحتلال عند اعتقاله للفتاة...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

فتح وحماس هيدروجين وأوكسجين القضية

كتب: وليد الهودلي حتى أن أبحاثا ودراسات صهيونية (أعداء الطرفين) خلصت بأن الفصيلان هما الأقرب ايدولوجيا وهما الأقرب لتشكيل وحدة...

مقالاتمنذ شهر واحد

المطفّفين والمتقاعدين؟!

  وليد الهودلي وقد وصلنا من أخبار تلك البلاد في ذاك الزمان، زمان عجب العجاب أنّ الناس قد ابتدعوا نظاما...

مقالاتمنذ شهر واحد

عاصم الفارس الذي نزّل تطبيق: لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة؟!

وليد الهودلي هناك أمور لا تحتمل التأجيل ثانية واحدة، فعندما انكفأ جيش الأحزاب الذي هاجم المدينة بقضّ الجاهلية وقضيضها لاستئصال...

مقالاتمنذ شهر واحد

الاحتلال والقفص؟!

    وليد الهودلي لمّحت في مقال سابق عن سياسة القفص الاحتلالية، وحيث أتانا بعد قفص أوسلو سياسة الضم أو...

مقالاتمنذ شهر واحد

في مواجهة الضمّ وسياسة القفص؟!

  وليد الهودلي أبدأ بهذه القصة التي حصلت معي قبل يومين أرويها لكم كما حصلت بالكمال والتمام دونما أي فضاء...

مقالاتمنذ شهرين

رسالة من أم الأسير نضال زلوم الى مصر العروبة والاحرار.

وليد الهودلي أنا أم الأسير نضال زلوم حيث أطلق سراحه برعاية مصرية في صفقة وفاء الاحرار، بعد أن حفيت أقدامي...

الأكثر تفاعلا