تواصل معنا

مقالات

هل هناك حرب قادمة بين إسرائيل وايران ؟

نشر

في

كتب: ياسر منّاع

منذ عقود تشهد العلاقات الدولية مع إيران بشأن مشروعها النووي حالة بين المد والجزر ولاسيما مع  “إسرائيل” التي ترى فيها العدو الأخطر أو المنافس الأقوى في الشرق الأوسط، وشكل الإتفاق النووي الدولي خيبة أمل كبرى لـ “إسرائيل” في ظل عهد الرئيس السابق أوباما، مع تولي دونالد ترامب سدة الحكم تبددت الخيبة ووجدت فيه الأمل المنشود في إلغاء الإتفاق، أو التعديل عليه وفق ما يتناسب مع رؤيتها، كان من الواضح جداً وخلال الأيام الماضية سلسلة عمليات الإستهداف المنظمة بنوعيها الإعلامي والعسكري من قبل المحور “الاسرائيلي -الأمريكي -الأوروبي” ضد إيران وحلفائها في سوريا مضافاً إليه ما قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من معلومات حول سعي ايران الدائم لإمتلاك السلاح النووي، حتى في ذروة الإتفاق الدولي وذلك خلال مؤتمر عقده في مقر وزارة الدفاع قبل إيام.

والسؤال في هذا المقام هل تشكل هذه الأحداث مقدمة لــ “حرب الجبابرة” كما سميت، أم أنه ومع كل تلك الأحداث الجارية والمتغيرات في المنطقة لازالت احتمالية نشوب حرب بعيدة نوعاً ما عن الواقع قريبة في أذهان المحللين والمراقبين وخصوصاً بعد الولاء الخليجي المطلق لرئيس ترامب؟.

كان اسقاط المقاتلة الإسرائيلية حدثاً لافتاً وأعتبر عاملاً في تسريع أي مواجهه جديدة، ولكن الحدث الأخطر والأهم كان في الهجوم الجوي الإسرائيلى على قاعدة “تي فور” التى سقط فيها عدد من مقاتلي الحرس الثوري الإيراني، وتوعدت طهران بالرد على الهجوم الإسرائيلي الأول من نوعه على القوات الإيرانية فى سوريا.

ظل تأخر الرد الإيراني أو خشيتها من الرد محل جدل واسع في الأروقة الإعلامية، مع أن البعض استبعد وقوعه واعتبره ضرباً من ضروب الحرب الإعلامية الباردة بين الطرفين، والجدير بالذكر أن هناك عدة عوامل تحدد وتقيد السياسة الإيرانية في المنطقة بشكل عام وفي سوريا على وجه خاص، ومنها:

أولاً: تعلم ايران بأن أي معركة بينها وبين “إسرائيل” هي بمثابة فرصة حقيقية للتدخل الأمريكي المباشر لاستهدافها، سواء فوق أراضيها أو على الأراضي السورية وإنهاء حلمها النووي بالإضافة الى التهديدات التي تواجهها في الخليج التي تسعى لتقويض النفوذ وإسقاط وحليفيها الحوثي في اليمن و حزب الله في لبنان.

ثانياً : على ضوء ما ذكر سابقاً تخشى إيران أن تفقد بعض مكاسبها المتراكمة في سوريا، على الرغم من أن إيران لا تعرف بوجود أي قوة أو قاعدة عسكرية لها في سوريا كي لا تمنح “إسرائيل” ذريعة جديدة للمطالبة بعقوبات دولية أو مناقشة الأمر في مجلس الأمن بدعوى التهديد الوجودي “لإسرائيل”.

ثالثاً : الوجود الروسي في قلب المعادلة السورية، والذي يشكل عاملاً مانعاً لأي حرب قد تحدث على المدى القريب، والذي يهدف الى ايجاد موطئ قدم دائم في حوض البحر المتوسّط وبذلك تكن قادرة على صياغة تحالفات إقليمية جديدة، والسيطرة على جزء من تصدير السلاح والطاقة، إذاً لن تسمح روسيا لأي أحد كان أن ينهي مصالحها في سوريا من خلال الحرب وإلا أن ذلك هوما تسعى إليه الولايات المتحدة.

رابعاً : الوضع الداخلي الإيراني حيث يعاني المجتمع الإيراني من تدهور حاد في مستويات معيشته وعدم استقرار الوضع الاقتصادي والاجتماعي، بالإضافة الى وجود بعض الخلافات والنزاعات الحدودية بينها وبين دول جوارها.

ضجت وسائل الاعلام الاسرائيلي أمس في الحديث عن خطة إيرانية انتقامية من “إسرائيل” على خلفية إستهداف جنودها، مع أن ارتفاع وتيرة الهجمات ضد القواعد الإيرانية قام على تقدير بأنها لن ترد ، فهل من الممكن أن تفعلها طهران ؟.

بالتأكيد لن تبقى إيران مكتوفة الأيدي ولن تنجرالى حرب شاملة فمن الممكن أن تسير وفق مبدأ “ضربة مقابل ضربة” فقد تلجأ الى خيار العمليات تفجيرية على الحدود السورية مع أن هذا لا يليق بدولة تعتبر ذاتها قوة إقليمية ، وهناك احتمالية الرد من بوابة خلفية عبر تنفيذ عمليات إغتيال لبعض الشخصيات الإسرائيلية في الخارج أو تفجير بعض الكنس والسفارات “الإسرائيلية” في عدة عواصم من العالم، ولكن الأمر مستبعد في ظل وضعها الدولي الغير متزن فهي لا تريد أن تضيف عدواً علنياً الى قائمتها.

يمثل عدول أمريكا عن الانسحاب من الاتفاق النووي سبباً مساعداً في الحد من الحرب الباردة بين الدولتين وهذا ما تسعى إاليه الدول الأوروبية وروسيا والصين.

أما فيما يتعلق ” بحرب الحلفاء ” فمن الواضح أن هذا خيار غير موجود أصلاً، فلا أحد يخوض حرباً بالنيابة عن أحد، فمن المعلوم أن حزب الله يأتمر بأوامر ايران لكن هو الاخر لديه موازنات داخلية وارتفاع وتيرة التأثير الخليجي في الساحة السياسية اللبنانية، ولاسيما عقب فوزه في الإنتخابات اللبنانية الأخيرة.

ومن الجدير ذكره بأن شخصيات وزانة داخل “اسرائيل” حذرت من خطورة الإنسحاب من الاتفاق النووي في هذه الفترة، حيث أكدت دراسة لمعهد أبحاث الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب بأنه من الخطأ الآن التفكير بإلغاء الإتفاق لأنه يحتوي على مخاطر إستراتيجية، ووصفت الاتفاق بالجيد لأنه أفضل من البدائل الأخرى ذات العواقب الوخيمة ودعت الدراسة الى تأسيس استراتيجية مناسبة تهدف لإلغاء الاتفاق مستقبلاً.

ختاماً : تتعامل “إسرائيل” مع الملف الإيراني حسب نظرية بيغن والتي تتمحور حول عدم امتلاك اي طرف بالمنطقة لسلاح النووي فمن الواضح ان “اسرائيل” تفضل الضربات العسكرية المحدودة، كخيار مرحلي في تحقيق الاهداف المطلوبة تزامنناً مع إستخدام الطرق الدبلوماسية وخلق ظروف دولية ضاغطة على إيران لمنعها من تطوير وامتلاك سلاح نووي، أما بالنسبة لإيران فسوف يبقى البحث عن أسلوب غير مغضب لروسيا تكفل من خلاله حق الرد على الإنتهاكات الإسرائيلية التي تجاوزت الخطوط الحمراء هو الخيار.

أكمل القراءة
اضغط هنا للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات

فتح وحماس هيدروجين وأوكسجين القضية

نشر

في

بواسطة

كتب: وليد الهودلي

حتى أن أبحاثا ودراسات صهيونية (أعداء الطرفين) خلصت بأن الفصيلان هما الأقرب ايدولوجيا وهما الأقرب لتشكيل وحدة سياسية لتقود العمل السياسي الفلسطيني، وأضف الى ذلك أن تركيبة كل منهما في سياقها الفكري والنضالي ومن حيث الغايات والاهداف تقول بأنهما كانا متقاربان كثيرا، وحتى من حيث تركيبة القيادات الفكرية المؤسسة لكل منهما تجد الكثير من المساحات المشتركة، فالفكرة واحدة والهمّ واحد والمصاب واحد والعدوّ واحد والهدف واحد.

وحتى لا نبتعد كثيرا في المشتركات التي يجتمع عليها الفصيلان ولا نكون حالمين أكثر من اللزوم، لنا أن نقف على هذا السؤال، طالما أن الأمر هكذا: المساحة المشتركة واسعة، المسافة بينهما قريبة وسهلة الانطواء لو أردنا ذلك، فما المعيقات إذا؟؟ سأحاول حصر ذلك في ثلاث نقاط رئيسية:

• في سياق تاريخي كانت فتح تتهم حركة الاخوان المسلمين وهي التي خرجت من رحمها حماس بانها لا تنتهج الكفاح المسلّح لتحرير فلسطين، وكان الاخوان المسلمون لا يرون في فتح أنها حركة تنتهج الإسلام كمرجعية فكرية لها، يعني ذلك خلاف في المبادئ، ثم إنه مع انتفاضة الحجارة وصل الطرفان الى ميدان مشترك، خرجت حماس لتشتبك مع الاحتلال وتخرج من دائرة اتهام فتح لها، وفي ذات الوقت تبدي الاستعداد للتعاون مع كل الفصائل على قاعدة مقاومة المحتل مهما كانت الخلفيات الفكرية والايدولوجية، حلّت هذه الاختلافات المبدئية وأصبح البعد الوطني للانتماء لفلسطين والمقاومة والاشتباك مع الاحتلال كافية للوحدة.

• الصراع على السلطة فجّر الاختلاف من جديد، المخاض العسير في عملية الانتقال من الثورة للدولة لم يكن سهلا خاصة وأن هذه الدولة تحت حراب الاحتلال وقد كبّلها باتفاقات ومعاهدات تجعل منها كلّ شيء إلا الدولة، أضافة الى أنها صُمّمت لتكون ذيلا تابعا لا حول له ولا قوّة الا ما يفيض عليها الاحتلال من رحمته وجميل بركاته، وبالفعل آلت الأمور لتكون سلطة هزيلة أو محاصرة حصارا خانقا جعلت من الوضع الفلسطيني بائسا مريرا لا يسرّ صديقا ولا يبهج إلا عدوّا متربصا، الان بعد انكشاف وهم السلطة وحدود الدولة وهشاشة الأحوال التي أفرزتها، بعد أن ساح الثلج وبان المرج ليس لأطراف هذه السلطة الوهمية الا أن يعيدا النظر ويبدآ العمل من جديد وبروح جديدة قادرة على طيّ هذه الصفحة من صفحات التاريخ الفلسطيني التي أقلّ ما يقال فيها أنها لم تكن مشرقة.

• سياسة الاحتلال في التعامل مع الضفة وغزة على أساس الأولى قد استحوذ عليها خيار التفاوض والثانية خيار المقاومة فتكيل تارة بالعصا حيث العدوان والحصار وتارة بالجزرة والمراوغة في ذات المكان مع التوغّل في الاستيطان وانتهاك كل الحرمات والمقدسات للشعب الفلسطيني والتي كان أخرها أن يصل الى ذروة الغطرسة فيما يسمّى بالضم ضاربا بعرض الحائط اتفاقات أوسلو والتي كانت أصلا هي فرصة ذهبية له بأن حصل على 78% من الأراضي الفلسطينية التاريخية وجاء ليقضم مما تبقى بعد أن أشبعه استيطانا وعدوانا.

وبعد أن انكشفت حدود هذه القرصنة جهارا نهارا لم تعد اتفاقية أوسلو وتداعياتها عائقا في وجه وحدة الفصيلين الكبيرين، فقد هتك عرضها المحتل بيديه وداسها بقدميه، ولم يعد هناك ما يبرّر أي تباعد أو انقسام أو حتى اختلاف برامج.

فتح وحم_اس هما الان في واقع جعلهما قصرا أو طوعا في فلك واحد، وكان لا بدّ من انتاج الماء الذي يروي قضيتنا التي طال ظمؤها في صحاري الانقسام والفشل السياسي، من السهل إذا الان دمج الاوكسجين مع الهيدروجين لإنتاج الماء بدل ذلك المشتعل والمساعد على الاشتعال الذي يحرق البيدر.

أكمل القراءة

مقالات

المطفّفين والمتقاعدين؟!

نشر

في

بواسطة

 

وليد الهودلي

وقد وصلنا من أخبار تلك البلاد في ذاك الزمان، زمان عجب العجاب أنّ الناس قد ابتدعوا نظاما لرعاية موظفي البلاد يقتضي بخصم مقتطعات من رواتبهم تصل الى ستة عشر بالمائة ، وتؤخذ هذه الى صندوق خاص وضعوا عليه هيئة إشراف وإدارة تسمى هيئة شئون التقاعد، ومن مهمة هذه الهيئة أن تحفظ هذه المدّخرات لسنوات الشيخوخة، ولتضمن لهم حياة كريمة بعد أن تتقوّس عظامهم ويبلغون من الكبر عتيّا ويصبحون غير قادرين على العمل بعد أن أفنوا جلّ أعمارهم وزهرة شبابهم في أعمالهم ووظائفهم ، ولهذه الهيئة أيضا أن تستثمر هذه الأموال وتنمّيها لتضمن فوق العيش الكريم رفاهية محمودة إن نجحت في إدارة الاستثمار.

ودارت الأيام واجتاحت البلاد والعباد جائحة وبائية جعلت الحكومة والناس في ضائقة مالية، واكتشف المتقاعدون أنّ مدخراتهم لم تكن في صندوق هيئة التقاعد وانما كانت في صندوق الحكومة العام، وقد جرت العادة على خلاف كل الحكومات ودول الجوار، أن تُصدّر وزارة المالية كلّ شهر شيكا بالمبلغ الذي يفي المتقاعدين رواتبهم. ولمّا أفلس صندوق الحكومة ولم يكن لديه من السيولة والكاش( كما يزعمون) ما يفي بالتزاماته لهيئة شئون التقاعد، نكص على عقبيه، فانقطعت السبل بهؤلاء المسنين، فلا حفظت أتعابهم ولا استثمرت، ووجدوا أنفسهم بين السماء والطارق قد طارت مدّخراتهم ولم يجدوا قوتهم ولا قوت عيالهم، ولأنها لم تحظ بالاستثمار فقد كانت بالكاد حتى تبقيهم على قيد الحياة الى نهاية الشهر عندما تصرف فكيف اذا توقّفت وانقطعت وانضم المتقاعدون الى قوافل المنقطعين الحائرين، ولم يعد كذلك تأمينهم الصحيّ التقاعديّ فيه دواء إلا البيبي اسبرين وما رخص وخفّ ثمنه ، بينما ما غلي وارتفع سعره فقد تبخّر وطار وشحّ من صيدليات صحة الحكومة والتأمينات. أحد المتقاعدين على سبيل المثال أثمان الدواء له ولزوجته المسنة تتجاوز الالف شيكل شهريا لان دواءهم مفقود من صيدليات الصحة، بينما راتبه التقاعدي 1700 شيكل. ما يفعل هذا عليه أن يختار إما الغذاء أو الدواء، فإذا كان الدواء بعد الاكل مثلا؟!

وقد علم المتقاعدون مما تأتيهم من أنباء حكومات بقية البشر في عالم غير عالم بلاد عجب العجاب، أن أولئك المتقاعدون لديهم من صندوق تقاعدهم ما يكفيهم لأمنهم المعيشي والصحّي ويكفي عيالهم، وزيادة على ذلك لهم من السياحة والترفيه ما لهم لانّ إدارة تلك الصناديق بأيدي أمينة وأناس يحسنون الاستثمار.

وحتى من أخبار بلاد قريبة من ذات الناس والطينة، عرب أقحاح لدول فقيرة ولكن لا أحدّ يمس صندوق التقاعد فلا يفتقر المتقاعدون اذا افتقر الناس ولا يضيرهم شيء مهما كانت أحوال البلاد، إنها الطبقة المسنّة التي إن لم تحظ بحسن الرعاية وأقلّ الواجب والحماية فلا رعى الله تلك البلد ولا بارك الله في أرزاقها.

وهنا تحضرنا هذه الايات التي تطرق جدران كل الخزانات : ” ويل للمطففين، الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين “. هؤلاء المطففين كلّ مشاكلنا عندهم، عندما يكون الامر له او لعظام رقبته، عند المكيال يستوفي حقه على داير مليم، بينما اذا كال لغيره يُخسر الميزان ويسحق الغلابى والمعتّرين وفقيري الحال والمال والجاه والسلطان.

يا جماعة للمتقاعدين من أموالهم ومدخراتهم راتب معلوم، “ولا جميلة لأحد عليهم” بل هو مالهم وحقّهم فلا يجوز لاحد أن يتصرّف به الا بعلمهم وأخذ إذنهم وهذا لم يحصل أبدا.

 

أكمل القراءة

مقالات

عاصم الفارس الذي نزّل تطبيق: لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة؟!

نشر

في

بواسطة

وليد الهودلي

هناك أمور لا تحتمل التأجيل ثانية واحدة، فعندما انكفأ جيش الأحزاب الذي هاجم المدينة بقضّ الجاهلية وقضيضها لاستئصال شأفة المؤمنين، وضعت الحرب أوزارها وراح الناس لاستراحة المجاهد والتحلّل من أدران المعركة وأهوالها، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كلمته: لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة، هناك من نكث العهد وطعن ظهر المقاومة، وبقيّة القصة معروفة فيما نزل بمن خانوا البلاد والعباد.

بنو قريظة لم يكن من الحلول معهم الا ما كان ولا ينبغي البحث عن حلول غير هذا الحلّ، وكل الحلول التي جُرّبت بعيدا عن هذا الحلّ هذه الايام باءت بالفشل، لقد كان الحلّ واضحا حاسما قاطعا لا لبس فيه: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.

عاصم قرّر في هذا الزمان أن ينزّل هذا التطبيق النبويّ الشريف: “لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”.

عندما تحرّر من حبسة طويلة قوامها اثنتا عشر سنة، لم يسمح لنفسه أن تسترخي طويلا، أو أن يطيب له المقام طويلا في استراحة المجاهد، أخرج سلاحه الذي انتظره هذه السنوات الطويلة بفارغ الصبر، قرّر أن يستمر في ذات الطريق قبل أن يلين جنبه ويهدأ هدير قلبه، عزم على ذات الشوكة وانطلق منافحا عن كرامة شعبه والذود عن حياض قدسه وأقصاه الذي استغاث كثيرا من تدنيسات بني قريظة.

نحن الفلسطينيين الذين نصلّي كل صلواتنا مشتبكين مع بني قريظة، ولكن دون اشتباك عاصم بكثير، بيننا وبين الذين نفروا ولم ينزعوا عنهم لامة الحرب مسافة كبيرة، وهناك اشتباك دون اشتباك، وهناك من ينأى بنفسه ولا يرى ما يفعله فينا بنو قريظة، وهناك من يرابط في خنادق المواجهة ويده على الزناد، وهناك من يلعب بأوراق السياسة التي لا شان لها بالمقاومة، وهناك وهناك وهناك.

عاصم لم يلتف الا لشيء واحد وهو صفع المجرم وتلقينه درسا ليعلم فيه باس الفلسطيني القادم له من عمق سجونه، لقد أرادوا له هدم روحه ثم إخراجه من السجن لا يفكر إلا في نفسه ولا يدور الا في رحاها بعيدا عن قضية شعبه وقلب أمته. فالشمس لا تلتفت الا لمهمتها الخالدة، مهما ادلهمت الظلمات وأغلقت الافاق إلا أن هناك من يعرف كيف يبدّد هذه الظلمات ويضيء عتمة الليل.

ومرّة ثانية ارتكب بنو قريظة جريمتهم النكراء، رموا بأوزارهم على أخيه صالح ليرتقي شهيدا، سمع عاصم من جديد نداء نبيّه الكريم: “لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة”، لم ينتظر لحظة واحدة، لم يفكّر في الامر ثانية، انطلق منفردا معلنا الحرب والمواجهة، وصل بني قريظة فصلّى العصر هناك، صلّى صلاة خاصة لا يعرف سرّها الا من أدرك نداء النبوّة وأدرك من أعماقه معنى حريّة وكرامة الانسان، ذاق كيف يكون المؤمن حقّا ، ذاق وعرف وفعل، عرفت فالزم طريقك فإنك تشتري بذلك نفسك وتحرّرها من أغلالها، تنطلق من حدود الدنيا الفانية لتحلّق عاليا في كل السموات العالية.

لقد صلى العصر هناك وعرف كيف تكون الصلاة، صلاة لا تنفصل عن الوطن ولا تعرف الخضوع الا لربّ واحد هو ربّ كلّ الخلائق، صلاة لا ينبغي لمصلّيها أن يعطي الدنيّة في دينه أو دنياه، صلاة يرى من خلالها جبروتهم هباءة منثورة في فضاء الله الواسع، صلاة لا يذلّ صاحبها ولا يستكين ولا يعرف الا الانتقام من الطغاة والجبارين.

عاصم اليوم يرفع رأسه عاليا ويدوس بقدمه على محاكمهم التي فاحت ريحتها النتنة، عاصم اليوم يتمنى قادة الاحتلال أن لا ينتشر نموذج عاصم ولا يعرف أحد عن هذا التطبيق النبوي الذي أنزله عاصم على صفحة قلبه ، ان لا تتمدّد هذه الروح العالية في سماء الوطن ولا يكون لها إلا التغييب والسجن فيحدث العكس تماما.

لقد أضيفت شمس جديدة في سماء فلسطين، القلوب ترقبها قبل العيون، نموذجا عاليا يتمنى كلّ حرّ أن يستضيء من نور هذه الشمس، أن يسير في ركابها وأن لا تعدو العين لسواها ، وإذ تعلّق على كتفه اليوم أربعة أوسمة يسمونها مؤبدات فهي بمثابة دليل ساطع على بطولات خارقة وسعت الوطن كلّه ووصلت الى كلّ أحرار العالم.

هنيئا لك يا عاصم هذه الروح العالية وهذا المعدن الأصيل الذي ثبت في زمن ولّى كثير من الناس عن تطبيق صلاة العصر وراحوا خارج العصر يرتعون بملاعبهم الصغيرة، أنت فتحت ميدان واسعا للفروسية الخارقة، وطرت بفرسك لتوسّع هذا الميدان الى هذا الأفق الفسيح العظيم.

أكمل القراءة

آخر المقالات

مقالاتمنذ 9 ساعات

فتح وحماس هيدروجين وأوكسجين القضية

كتب: وليد الهودلي حتى أن أبحاثا ودراسات صهيونية (أعداء الطرفين) خلصت بأن الفصيلان هما الأقرب ايدولوجيا وهما الأقرب لتشكيل وحدة...

مقالاتمنذ أسبوع واحد

المطفّفين والمتقاعدين؟!

  وليد الهودلي وقد وصلنا من أخبار تلك البلاد في ذاك الزمان، زمان عجب العجاب أنّ الناس قد ابتدعوا نظاما...

مقالاتمنذ أسبوعين

عاصم الفارس الذي نزّل تطبيق: لا يصلين أحد العصر الا في بني قريظة؟!

وليد الهودلي هناك أمور لا تحتمل التأجيل ثانية واحدة، فعندما انكفأ جيش الأحزاب الذي هاجم المدينة بقضّ الجاهلية وقضيضها لاستئصال...

مقالاتمنذ أسبوعين

الاحتلال والقفص؟!

    وليد الهودلي لمّحت في مقال سابق عن سياسة القفص الاحتلالية، وحيث أتانا بعد قفص أوسلو سياسة الضم أو...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

في مواجهة الضمّ وسياسة القفص؟!

  وليد الهودلي أبدأ بهذه القصة التي حصلت معي قبل يومين أرويها لكم كما حصلت بالكمال والتمام دونما أي فضاء...

مقالاتمنذ 3 أسابيع

رسالة من أم الأسير نضال زلوم الى مصر العروبة والاحرار.

وليد الهودلي أنا أم الأسير نضال زلوم حيث أطلق سراحه برعاية مصرية في صفقة وفاء الاحرار، بعد أن حفيت أقدامي...

مقالاتمنذ 4 أسابيع

جريمة قتل اياد الحلاق وصمة عار وماركة مسجلة لهذا الاحتلال؟!

الاستاذ وليد الهودلي هي ذات الجريمة التي تمارسها حكومة الاحتلال مع الشعب الفلسطيني على مدار الساعة منذ نشأة هذا الاحتلال:...

مقالاتمنذ شهر واحد

ماذا بعد أن نُشيّع أوسلو إلى مثواه الأخير؟!

كتب وليد الهودلي\ مركز القدس لقد أضاع الاحتلال فرصة ذهبية من شانها أن تطيل عمر كيانهم، جاءهم اتفاق يمنحهم ثمانية...

مقالاتمنذ شهر واحد

قرارات الرئيس الأخيرة.. ما بين القدرة على التطبيق والمُعيقات

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي.   تأخرنا كثيراً، ربّما هذا العنوان الأبرز والأكثر ملائمة للحالة الفلسطينية،...

مقالاتمنذ شهرين

المتدينون والعلمانيون في الكيان، صراعٌ على شكل الدولة

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس لدراسات الشأن الفلسطيني والإسرائيلي العلاقة التي باتت أكثر توتراً في “إسرائيل” هي تلك التي تندرج...

الأكثر تفاعلا