أدب الحرية وعام الرواية الفلسطينية

-

جودت صيصان
آخر تحديث: منذ أسبوع
تحميل المادة بصيغة PDF

رأي

أدب الحرية وعام الرواية الفلسطينية

جودا صيصان

نقف اليوم في الربع الأخير من عام 2021، العام الذي اعتبرته الحكومة  الفلسطينية عام تعزيز الرواية الفلسطينية  في مواجهة الرواية الصهيونية التي تدعمها مراكز الأبحاث، ومؤسسات الإنتاج الأدبي والفني، بالإضافة إلى وسائل الإعلام الغربية وغيرها، وبجردة حساب بسيطة وسريعة، نجد أن حصيلة الجهود الرسمية التي تسير حسب خطط مدروسة وموازنات مالية قد ألحقت أفدح الأضرار بالرواية الفلسطينية بشكلٍ لم يسبق له مثيل، بالرغم من تزامن تنفيذ هذا لمشروع مع تحولات تدريجية متزايدة وملحوظة في الرأي العام الدولي على المستوى الشعبي تجاه الإقرار بالرواية الفلسطينية .

إن العمل على تعزيز الرواية الفلسطينية، ونقض الرواية الصهيونية، لا يمكن أن يتم فقط من خلال بعض الخطابات وإعداد وتقديم بعض الأبحاث التاريخية في المؤتمرات على أهميتها، بل  يجب العمل على توظيف أدوات أدبية وفنية فعّالة تدعمها حقائق وسلوكيات على الأرض تُعزز صدقية هذه الرواية.

ما حصل منذ بداية هذا العام كان عكس ذلك تمامًا، فقد تعرضت الرواية الفلسطينية إلى التشويه والتزييف والتزوير، فالتاريخ يبدأ بالانحدار حين تتبنى الضحية رواية جلادها وتشارك في سلب نفسها بنفسها، ماديًا ومعنويًا.

على سبيل المثال اشترطت السلطة الفلسطينية قبل أيام على "حماس" للحوار معها وتحقيق المصالحة والشراكة السياسية، إعلان إسماعيل هنية (رئيس المكتب السياسي لحماس)، الالتزام بما يُسمى بقرارات الشرعية الدولية، التي تعترف "لإسرائيل" بأحقيتها في 78% من أرض فلسطين، وهذا ينقض الرواية الفلسطينية ويُعزز الرواية الصهيونية وخاصة فيما يتعلق بالنكبة، وحق العودة وحق الشعب الواقع تحت الاحتلال بالمقاومة بكافة أشكالها، بالإضافة إلى قيام السلطة الفلسطينية بإلغاء الانتخابات الفلسطينية للعام 2021، وكذلك التضييق على الحريات وخاصة المثقفين والأدباء والصحفين والنشطاء، كما ضاعف ارتهانها للمساعدات الدولية إلى تعميم ثقافة هبطت بالخطاب الوطني من المقاومة والتحرر إلى السلام والتعايش وغيره من المفاهيم الرائجة مما أفضى إلى زعزعة الرواية الفلسطينية.

وبشكل عام فإن القبول بلقاءات مع الاحتلال يقتصر الحديث فيها على قضايا أمنية ومعيشية وليست سياسية، كموضوع لم الشمل بين الفلسطينين وتحويل المستحقات الضريبية للسلطة أو الحصول على قرض مالي من سلطات الاحتلال، ومحاولة ترويجها على أنها انتصارات عظيمة من قبل بعض المسؤولين والكتاب والمثقفين الفلسطينين، قد ساهم في تقزيم الحقوق الوطنية ووضعها في صياغات ركيكة مضللة أدت بشكل تراكمي إلى استهداف السردية الفلسطينية الكبرى وتغيير بعض مفرداتها وسياقاتها التاريخية.

ومما لا يختلف فيه اثنان أننا عشنا منذ بداية هذا العام ما بين الألم والأمل، وكانت المُفارقة بأن التحركات الشعبية الفلسطينية على الأرض والتي جرت دون تخطيطٍ مسبق وبلا موازناتٍ أو مخصصاتٍ مالية قد ساهمت وبشكلٍ  يُثير الإعجاب بترسيخ الرواية الفلسطينية، حيث  لم تكن حادثة نفق الحرية (حادثة تمكن ستة أسرى فلسطينيين من الهرب من سجن جلبوع) سوى واحدة منها، ومن قبلها كانت معارك الشيخ جرّاح، باب العمود وسيف القدس وغيرها من الأحداث، التي عززت من وحدة وتلاحم الشعب على امتداد أرض فلسطين التاريخية، تبعها تجاوب سريع وتفاعل كبير من قبل الشعب الفلسطيني عامة، والكتاب، والشعراء، والمغنين والرسامين خاصة، تمثلت في كتابات ونصوص نثرية، وشعرية، وأغنيات ورسوم كاريكاتورية وغيرها، لتسلط الضوء من جديد على أهمية أدب الحرية باعتباره  الجبهة الثانية، أو إن شئت قل الجبهة التالية في معارك الشعوب الطامحة للحرية والاستقلال، لتأسيس عالم جديد من التفاؤل والزخم الثوري، الذي يوحد فلسطين وشعبها، ويعكس أوجاعها وآلامها وطموحاتها وأحلامها بالمستقبل السعيد .

إن ما تملكه فلسطين يمثل رصيدًا كبيرًا ومخزونًا هائلاً من قصص الصبر والتضحية والتحدي والإنجاز التي لم تستثمر بعد، وهذا  يضع على عاتق أدباء الحرية وخاصة الشباب منهم مسؤولية كبيرة تتمثل في تكريس جل طاقاتهم الإبداعية لتحويل هذه النصوص إلى نسق إبداعي آخر، قد يكون فيلمًا سينمائيًا أو عملاً أوبراليًا أو مسرحيًا أو رواية أو قصة قصيرة أو صورًا متحركة.... الخ ، والتي يمكن توظيفها لدعم رصيدنا من القوة الناعمة وزيادة وتعزيز العناصر التي نمتلكها وإبرازها بشكل جذاب وممتع ومؤثر باعتبارها نموذجًا يحتذى، ومصدرًا للإلهام، لإحداث التأثير والجاذبية والإقناع على الصعيدين الداخلي والخارجي مما يؤدي إلى الاحترام والتقدير والإعجاب في قلوب الناس حيال القضية والنضال الفلسطيني.

  • المواد المنشورة في موقع مركز القدس للدراسات تعبر عن وجهات نظر كتابها، وقد لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز.