الانتخابات الفلسطينية في العين الصهيونية

عماد أبو عواد
آخر تحديث: منذ شهرين
الانتخابات الفلسطينية في العين الصهيونية

عماد أبو عوّاد\ مركز القدس

حمّل الملف BDF

مقدمة

القناعات الراسخة لدى شريحة واسعة من الفلسطينيين، أنّ دولة الاحتلال غير معنية بوجود انتخابات في الساحة الفلسطينية، لا تلك المرتبطة بالمجلس التشريعي ولا أخواتها للرئاسة والمجلس الوطني، ومن هُنا اعتبر الكثيرون بأنّ إجراء الانتخابات بحد ذاته تحدٍّ للاحتلال وهيمنته، ويُمكن الإيمان بهذا التوجه إذا ما أفرزت مرحلة ما بعد الانتخابات مسيرة جديدة من الشراكة والعمل الفلسطيني، الذي يتبنى برنامجًا سياسيًّا حده الأدنى مواجهة المُحتل.

تُحاول هذه القراءة الوقوف على العديد من التساؤلات فيما يتعلق بالانتخابات الفلسطينية في العين الصهيونية، وما هي أبرز القراءات لهذه الانتخابات على المستويات الإعلامية وكذلك البحثية الخالصة، وكذلك الوقوف على المخاوف التي يراها الاحتلال إفرازًا للعملية الانتخابية، وتُختتم القراءة باستنتاجات حيال المطلوب فلسطينيًّا.




الدافع للانتخابات واحتمالات إجرائها

قدّم الاحتلال أكثر من قراءة فيما يتعلق بذهاب الفلسطينيين باتجاه الانتخابات العامة، فقد رأى كوبي ميخال ويوحنن تسورف من معهد الدراسات الأمنية، أنّ ذهاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس باتجاه الانتخابات مناورة سياسية، يريد من خلالها الضغط على العديد من الأطراف والتلويح بحماس من أجل تحقيق أهداف سياسية[1]، وما يدلل على ذلك إبقاءه العديد من المعيقات التي من المُمكن أن يتذرع بها من أجل تأجيل الانتخابات، ورأى كوبي وصديقه أنّ واقع حماس أفضل رغم الكثير من المُعيقات التي تواجهها.

في هذا السياق يُمكن فهم الذهاب للانتخابات وسيلة لتثبيت الذات وليس إيمانًا بالشراكة أو الوحدة، فسيناريو فقدان الأغلبية أو السلطة يُسيطر على ذهنية الرئيس الفلسطيني كما يرى كوبي ورفيقه، واللذان أشارا بأنّ عباس بيت نوايا سابقة تجاه إمكانية القضاء على المسار الانتخابي قبل انطلاقه، أو حتى بعد ذلك من خلال المحكمة الدستورية والتعيينات القضائية التي تُخوله ذلك[2] وأبقت السلطات التنفيذية والتشريعية بيديه.

في قراءة ثانية هناك من رأى أنّ عباس لم يكن يريد المناورة ولا حتى الذهاب إلى الانتخابات، لكنّها جاءت في إطار متطلبات خارجية خاصة بعد فوز بايدن في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد علّل اليئور ليفي ذلك كون النظام الديمقراطي في الولايات المتحدة من أبجدياته أن يتعامل مع أنظمة ذات طابع ديمقراطي خاصة بعد وجود محمود عباس على رأس السلطة منذ خمسة عشر عامًا دون انتخابات[3].

وهناك من رأى بأنّ إعلان عباس للانتخابات جاء في إطار محاولة لفت انتباه نظام بايدن، وعربونًا للتعامل معه وليس استجابة لضغط من النظام، فردة الفعل الباردة من الإدارة الأمريكية بعد إعلان عباس عن الانتخابات تُشير إلى ذلك[4]، وفي هذا إشارة إلى أنّه لا ضغط أمريكيًّا من وجهة نظر "إسرائيلية" حيال ضرورة إجراء الانتخابات الفلسطينية، الأمر الذي قد يُفند أنّ الغاء الانتخابات غير وارد كونها طلبًا أمريكيًّا.

وما شجع عباس على إعلان الذهاب إلى الانتخابات هو تنازل حماس عن تزامن الانتخابات، فتنازلها عن هذا الشرط والبدء فقط بالانتخابات التشريعية، وفّر لعباس إمكان الاحتفاظ بخطّ الرجعة وفق اليئور ليفي[5]، بمعنى أنّه من المُمكن أن يناور حتى ما بعد الانتخابات التشريعية إن أجريت، وشعر بأنّ رياح التغيير قادمة إلى المقعد الرئاسي.

فيما التيار الثالث ذهب إلى اعتبار أنّ الإعلان عن الانتخابات جاء في إطار التخلص من الجمود العام الذي تُعانيه الساحة الفلسطينية، ومحاولة لإعادة إحياء الدعم الأوروبي للقضية الفلسطينية، ولتحريك الملف السياسي من خلال وساطات أوروبية ضاغطة على "إسرائيل"[6]، فغياب المسار السياسي يُفقد السلطة الفلسطينية جزءًا من مشروعيتها، في ظل التغوّل الكبير للاحتلال وزيادة رقعة المساحة الاستيطانية والعملية التهويدية للقدس.

وحول السؤال المحوري، هل يرى الاحتلال بأنّ الانتخابات الفلسطينية ستُعقد في موعدها، رأى كوبي بأنّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبقى في يده الكثير من المداخل التي من شأنها أن تُفجر إجراء الانتخابات في أي لحظة، ومن ذلك[7]:

  1. التذرع بمنع "إسرائيل" إجراء الانتخابات في القدس.

  2. انتشار الكورونا الواسع في الضفة الغربية.

  3. تحميل الأطراف الأخرى بما في ذلك حماس عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه.


ويرى كوبي ويوحنن أنّ عباس رغم أنّه بلغ من العمر ما يزيد عن 85 عامًا، لكنه شخصية لا تستطيع اتخاذ قرارات فيها الكثير من المُغامرة، من هنا يرجحان أنّ تأجيل الانتخابات الفلسطينية وإلغائها هو الاتجاه الأرجح الذي سيسلكه عباس[8]، وهو الأمر الأكثر قبولاً لدى "إسرائيل" التي لا ترى ضرورة في إجراء الانتخابات الفلسطينية.

وأيضًا يذهب أساف جبور إلى أنّ الرئيس محمود عباس فاقد للكثير من الشعبية وأنّ اقتراب الانتخابات يُشير إلى تدني حظوظه في الفوز في انتخابات الرئاسة، الأمر الذي يعني أنّ البدء بإجراء الانتخابات أمر مستبعد، خاصة في ظل بروز دور لمحمد دحلان والإمارات تحديدًا فيما يتعلق بالقدس[9]، بمعنى أنّ هذه الانتخابات قد تؤدي إلى وجود دحلان قوّة على الأرض، الأمر الذي لا زال أبو مازن يرفضه بالمطلق.

ماذا تخشى "إسرائيل"؟

وفق باراك ربيد فإنّ محادثة وزير خارجية الاحتلال جابي اشكنازي مع نظيره الأمريكي بلينكن، والتي تناولت الانتخابات الفلسطينية، دارت حول رغبة كلا الطرفين بعدم إجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية، ويأملان أن يقوم الفلسطينيون من ذاتهم بإلغائها دون تدخلات إسرائيلية أو أمريكية[10]، خوفًا من فوز حركة حماس[11].

مشاركة 36 قائمة انتخابية، ودخول حماس في قائمة موحدة على خلاف فتح التي دخلت في قوائم متعددة، اعتبره وزير الخارجية الصهيوني اشكنازي، أنّه سيُساهم في فوز حركة حماس في الانتخابات[12]، وهو الأمر غير المرغوب إسرائيليًّا ولا حتى أمريكيًّا، لكن تخشى "إسرائيل" أن تظهر أمام العالم كمن يعمل على القضاء على الانتخابات الفلسطينية، الأمر الذي يعني دخولها في مأزق مع العديد من الدول خاصة دول الاتحاد الأوروبي.

كذلك فإنّ فوز حماس وفق اللواء في الاحتياط ديفيد حاخام، ليس هو الأمر الوحيد الذي تخشاه "إسرائيل"، بل هناك العديد من المخاوف التي تعتريها إذا ما أًجريت الانتخابات التشريعيةو ومن ذلك[13]:

  1. الانتخابات ستجري في الضفة الغربية بما في ذلك القدس، وكذلك في قطاع غزة، الأمر الذي سيُظهر وحدة جغرافية للفلسطينيين، ووحدة كيانية لهم.

  2. فوز حماس ربما سيؤدي مع مرور الوقت إلى سيطرتها على الضفة الغربية، كما هو الحال في قطاع غزة.

  3. مشاركة حماس في الانتخابات وتحقيقها نسبة عالية من المقاعد، سيعني تبييض الحركة دوليًّا وشرعنتها وهذا ما لا تريده "إسرائيل".

  4. إجراء الانتخابات في شرقي القدس سيمنح السلطة الفلسطينية إنجازًا رمزيًّا، وهنا "إسرائيل" في مأزق، فإن منعت الانتخابات في شرقي القدس ستمنح عباس سلّمًا للنزول عن الشجرة وإلغاء الانتخابات، وإن سمحت بها تمنح السلطة نصرًا معنويًّا.

  5. إجراء الانتخابات سيمنح السلطة الفلسطينية صورة النظام الديمقراطي أمام العالم.


خلاصة واستنتاجات

تخلص المراكز البحثية والإعلامية في دولة الاحتلال، إلى أنّ السلطة الفلسطينية غير جادة في إجراء الانتخابات، وأنّ هناك الكثير من المُعيقات التي ستكون حافزًا لتأجيلها، وبغض النظر عن الموقف الحقيقي للاحتلال من إجراء الانتخابات، كون هناك سيناريوهات إن حصلت ستُدخل الساحة الفلسطينية في مأزق جديد، وبالتالي ستكون "إسرائيل" من بين المستفيدين، ومن المؤسف القول أنّ السيناريوهات الإيجابية التفاؤلية قليلة ما بعد إنجاز المرحلة الانتخابية، ويُمكن تقديم مجموعة من الاستنتاجات ما بين يدي القراءة أعلاه:

  1. لا تحظى الانتخابات الفلسطينية بالكثير من القراءة المُعمّقة في مراكز بحث الاحتلال وإعلامه، مما يؤشر على أنّ الحالة الفلسطينية وكذلك القضية الفلسطينية التي تآكلت إقليميًّا ودوليًّا، تأثيراتها قليلة في الحسابات "الإسرائيلية".

  2. "إسرائيل" ليس لديها مانع قوي في إجراء الانتخابات الفلسطينية، وإن كان هناك بعض النتائج السلبية على الاحتلال، فربما توّلد نتائج إيجابية قد تقود إلى ترسيخ الانقسام، كما لا يُمكن إغفال قدرة الاحتلال على تثبيت معادلات يرغبها، حتى ما بعد إجراء الانتخابات، ولذلك يُمكن القول بأنّ الاحتلال يعتبر أنّ الانتخابات إن لم تُسبب له الفائدة فإنّ منع ضررها مُمكن.

  3. هناك حاجة لنفس وحدوي فلسطيني حقيقي ما بعد الانتخابات، لأنّ غياب هذا التوجه سيعني العودة إلى ذات المربع، لا بل ويُمكن الوصول إلى مرحلة أكثر سوءًا، من تجسيد الانقسام إلى مرحلة انفصال تام.

  4. رغبة بعض الأطراف الإسرائيلية في إلغاء الانتخابات، يُشير إلى أنّ حالة الفساد وغياب الشرعية عن مؤسسات السلطة كانت الخادم الأكبر للاحتلال، الذي استطاع ترسيخ مفاهيم تخدمه في الساحة الدولية.


على إيجابياتها ورغبة الجمهور الفلسطيني بها، وحاجة الساحة الفلسطينية إلى تقبل الآخر والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ستكون الانتخابات القادمة الأكثر خطورة على القضية الفلسطينية إن غابت الإرادات الداخلية والنوايا الصادقة لإصلاح البيت الفلسطيني، لأنّ دخول الانتخابات بهدف الفوز، دون القدرة على التسليم بالهزيمة، يعني تثبيت الأمر الواقع بالقوّة وتغييب نتائج الانتخابات التي انتظرها الشعب الفلسطيني 15 عامًا.






















[1]  كوبي ميخال ويوحنن تسورف، فبراير 2021، انتخابات فلسطينية، مغامرة، أمل أم يوجد مناورة سياسية، معهد دراسات الأمن القومي https://www.inss.org.il/he/publication/pa-elections/

[2]  كوبي ويوحنن 2021.

[3]  اليئور ليفي، 16.01.2021، لماذا الآن وهل ستُجرى فعلاً، كل شيء عن الانتخابات الفلسطينية، معاريف، https://www.ynet.co.il/news/article/ryIQkIeJ00

[4]  يعكوب مجيد، 14.02.2021، الفلسطينيون أعلنوا عن الانتخابات كاحترام لبايدن، لكن ليس شرطاً أن يبدي نظام بايدن انتباه، زمان يسرائيل، https://www.zman.co.il/197527/

[5]  اليئور ليفي 2021.

[6]  اساف جبور، 10.01.2021، بغطاء من الأزمة العامة، في السلطة الفلسطينية يُخططون للانتخابات، https://www.makorrishon.co.il/news/302389/

[7]  كوبي ميجال ويوحنن تسورف، 2021.

[8]  كوبي ميخال ويوحنن تسورف، 2021.

[9]  اساف جبور، 7.04.2021، هل اجراء الانتخابات في مناطق السلطة الفلسطينية في خطر، مكور ريشون، https://www.makorrishon.co.il/news/334403/

[10]  باراك بيد، 9.04.2021، إسرائيل والولايات المتحدة متخوفتان من الانتخابات الفلسطينية القريبة خوفا من فوز حماس، ويلا، https://news.walla.co.il/item/3428328

[11]  باراك ربيد، 9.04.2021.

[12] باراك ربيد، 9.04.2021.

[13]  ديفيد حاخام، 12.04.2021، كيف يُمكن لإسرائيل أن تخرج من مأزق الانتخابات الفلسطينية، كيبا، https://bit.ly/3ssBiJI