المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة

جودت صيصان
آخر تحديث: منذ شهر
رأي

المقدسيون يُعيدون توجيه البوصلة

جودت صيصان

بينما كان من يتحكمون بالمشهد السياسي الفلسطيني حائرين وتائهين وعاجزين عن مواجهة الغطرسة الصهيونية التي لا تعبأ بأي اتفاقيات ومعاهدات والتزامات، والتي كان آخرها طلب السماح لحوالي 6500 مقدسي بالاقتراع في مكاتب بريدٍ إسرائيلية للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية الموعودة، انتفض المقدسيون بقوة مجددًا في شوارع القدس وأزقتها، ليصدوا بسواعدهم الطاهرة جنود الاحتلال وقطعان مستوطنيه، معبرين عن غضبهم العارم من حالة التهميش والعجز الفلسطيني الرسمي من التعامل مع قضية القدس من جهة، ومن جهةِ أخرى جاءت هذه الهبة ردًّا على محاولات الاحتلال الانتقاص من حقوقهم وسلخهم عن مدينتهم وهويتهم ومقدساتهم، ليعيدوا توجيه البوصلة من جديد إلى وضعها الطبيعي والصحيح وهو الصراع بين محتلِ غاصبِ للأرض وشعبِ واقعِ تحت الاحتلال، وليؤكدوا بأن الحقوق لا تُستجدى بل تنتزع إنتزاعا.

أما رسالتهم إلى الفصائل الفلسطينية والقوائم الانتخابية وللشعب الفلسطيني برمته فقد تمثلت بأن المقدسيين قادرون على الحشد بأكثر مما تحشده الفصائل التي تدعي تزعمها للمقاومة السلمية، لا بل مستعدون للمواجهة والاشتباك مع هذا المحتل بشكلِ يسر الصديق ويفاجئ بل يُغيظ العدى، وأن الاحتفاء والدعاء لنا لم يعد كافيًا، وأن المطلوب من الكل الفلسطيني استثمار هذه الفرصة لرفع سقف تحركاتهم ولتحويل هذه الهبة العفوية إلى الحالة المنظمة التي تنخرط فيها كل قوى المقاومة والشعب في مختلف القرى والمدن الفلسطينية، وأن يكون لها رؤية سياسية واضحة مرتبطة بإسقاط الاحتلال ومخططاته.

إن ما جرى في القدس جاء عكس ما كان مخططًا له، فهناك من كان يُروج ويُمهد ويتكتك من أجل إصدار  قرار إلغاء أو تأجيل الانتخابات الفلسطينية بحجة رفض الاحتلال السماح بإجرائها في القدس، للعودة إلى منطقة الراحة والمنافع والامتيازات الخاصة به، حيث لا هوية ولا حقوق ولا نضال ولا إرادة إلى الأبد، لكنه فوجئ بالرمال المتحركة التي تموج بها الأرض المقدسة، والتي تمثلت بانتفاضة هذا المارد المقدسي بكل قوة وعزة وشموخ ليبرهن بكل وضوح على قدرته على فرض الإرادة الفلسطينية وعدم الارتهان لإرادة المحتل وداعميه، مما أربك جميع مخططات هذا الفريق وخلط كل أوراقه، وجعل من هذه الهبة جرس إنذار للقادة الفلسطينين والعرب والأمريكان والأوربيين بأن القدس هي أرض فلسطينية عربية، وأن السيادة فيها لأهل الأرض الذين سيدافعون عنها مهما كلف ذلك من ثمن.

في ضوء ما سبق هل من اللائق أن يكتفي البعض الفلسطيني بالثناء على ما يقدمه المقدسيون، أو أن يكتفي بتحميل الاحتلال المسؤولية، أو مطالبة ومناشدة العرب والمسلمين لبيان موقفهم مما يحدث في القدس قبل أن يُعلن هو موقفه الواضح والصريح والمطلوب ؟ّ! أليس لدى هذا الفريق غير سلاح الشجب والتنديد والاستنكار في التعامل مع الصلف الصهيوني؟!

إن تحرك فصائل المقاومة السريع والحاسم عبر الغرفة المشتركة وإعلانها بأنها ستكون في حالة انعقاد دائم، لوقف تغول الاحتلال على القدس وأهلها، وترجمة ذلك بعد ساعات قليلة في قصفِ صاروخي للمستوطنات الواقعة في غلاف غزة، يؤشر إلى أن الفلسطينيين لن يهدروا هذه الفرصة لتوحيد صفوفهم وكلمتهم وكذلك دعم إخوانهم في مواجهة هذا العدوان الصهيوني ومنعه من الاستفراد بأيقونة الصراع وأهلها، ليعيدوا بذلك بريق قضيتهم على كل الساحات العربية والإسلامية والدولية، وردع الاحتلال وداعميه وسحق كبريائهم.