النضال في القدس والضفة الغربية.. مشكلات راهنة

-

ساري عرابي
آخر تحديث: منذ أسبوعين
تحميل المادة بصيغة PDF

النضال في القدس والضفة الغربية.. مشكلات راهنة

ساري عرابي

واجه النضال الفلسطيني، في الضفّة الغربية، في ممكناته وآفاقه، معضلتين جوهريتين، الأولى تأسيس سلطة في ظلّ الاحتلال، منبثقة عن اتفاقية أوسلو، التي سمحت للاحتلال بالتخلص من الاحتكاك بالفلسطينيين، مع استمرار احتلاله للضفّة الغربية و(قطاع غزّة حتى العام 2005)، كما فرض هذا الواقع (الجديد في حينه) أولويات اجتماعية واقتصادية على الفلسطينيين انعكست، سلبا، في مستوى التعبئة الوطنية وإرادة النضال، والثانية التغطي بالانقسام الفلسطيني، الذي وقع في العام 2007، لتعزيز الدور الوظيفي الشارط لوجود السلطة واستمرارها في الاتفاقية المنشئة للسلطة، أي اتفاقية أوسلو.

هذه مشكلات لطابعها الجوهريّ، ستبقى مؤثّرة في عمق إرادة النضال وأدواته، وبالرغم من أنّ القدس، متحرّرة من تلك المعضلة الجوهرية، فإنّ هذا التحرّر نسبيّ، ويتجلّى في القدرة على الاشتباك المباشر اليومي والمفتوح مع الاحتلال، بيد أنّ تلك المعضلة تلقي بمؤثّرتها على آفاق الاستمرارية في القدس، فلا يمكن لها الاستمرار وحدها لفترة مفتوحة بلا إسناد قويّ ومفتوح من بقية الضفّة الغربية، وهذا فضلاً عن التداخلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بين القدس والضفّة الغربية، وانعكاس التوجهات السياسية وما يتصل بها من سياسات متعددة، لقيادة السلطة، والتي هي نفسها قيادة حركة فتح، على كلّ الساحات الأخرى.

في الأساس، ستبقى هذه المعضلة الجوهرية حاضرة، لفهم الواقع وتفسيره، بالرغم من التحوّلات التي طرأت على ساحتي الضفّة والقدس من بعد العام 2014، كما شرحنا جانبا من ذلك في مقالتنا الماضية "تحوّلات أنماط النضال في القدس والضفّة الغربية"، فالسنوات التي فصلت بين عاميّ 2007 و2014، قد تكون هي الأكثر هدوءا، والأقلّ فاعلية كفاحية، منذ انتهاء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إلا وأنّه ومن بعد العام 2014، بدأت الفاعلية الكفاحية باستعادة حضورها، من هبّات متتالية في القدس، لها امتداداتها في الضفّة، أو بؤر اشتباك، منفصلة، وعمليات فردية أو منظمة متقطعة، وظهور مطاردين جدد لفترات قصيرة، ويمكن القول، إنّ هذه الصورة، هي انتقال من حالة شلل، إلى حالة حركة.

يمكن الحديث عن مشكلتين راهنيتين، في حالة الحركة الجارية، الأولى مشكلة بنوية مركبة من عدد من المستويات، والثانية مشكلة في قراءة الحالة الجارية.

لم تتحوّل حالة الحركة، المستمرة منذ العام 2014 إلى حالة مفتوحة بلا انقطاع، أو إلى حالة شاملة تستغرق شرائح شعبية واسعة، والسبب في ذلك يرجع إلى عاملين، الأوّل سياسات السلطة، فهي المعضلة الجوهريّة الكامنة في روح الفلسطينيين الآن، والثانية عجز الفصائل الفلسطينية، عن استعادة عافيتها، إذ لا يمكن لأيّ هبّة الاستمرار، أو التوسع، دون أدوات التنظيم والحشد والتعبئة والتأطير والتطوير، فالنَفَس الجماهيري، يمكن امتصاصه بعد هبوط ذروة الهبّة، لوجود أولويات متعدّدة، اجتماعية واقتصادية، لا يمكن التعويض عن إلحاحها، إلا بالعمل المنظّم، الذي يستثمر في الكوادر المستعدّة للتضحية والتجاوز من الملحّ الشخصي لصالح العامّ، ويضمن قدرا من الاستمرارية للحالة الكفاحية، ويستمرّ بذلك في رفع الحالة المعنويّة والتعبويّة للجماهير.

بنظرة عامة، على مشهديات الحالة الكفاحية الجارية، يمكن ملاحظة أنّها هبّات متفرقة، وبؤر اشتباك أشبه بالجزر المعزولة، غير قادرة على الاتصال ومن ثمّ التعاظم، وعمليات فردية متفرقة، تستثير العاطفة الكفاحية، ولا تملك من الكثافة النسبية ما تحفظ به الروح المعنوية عند لحظة الحدث الكفاحي. هذه المشكلات البنيوية التي يقع في عمقها سياسات السلطة وعجز الفصائل، وهو عجز غير منفك عن سياسات السلطة، تؤدّي (أي المشكلات البنيوية)، إلى القدرة على استنزاف الجماهير، أو تنفيس حالتها المعنوية، أو إرجاع إنجازها إلى نقطة سابقة، كما حصل أخيرا في اقتحام المسجد الأقصى في 8 ذي الحجة الموافق 18 آب/ أغسطس، من بعد مشهدية عارمة كانت ما بين القدس وغزّة، مرورا بكامل الجغرافيا الفلسطينية، في معركة "سيف القدس".

قطاع غزّة غير منفصل عن هذه المشكلة البنيوية، إذ لا يمكن للقطاع الدخول في مواجهات مدمّرة مفتوحة، لاستنهاض الجماهير في بقية الساحات، أو للحفاظ على روحها المعنوية، ولا تنفصل هذه المشكلة، عن الوجود الأصلي للسلطة، أو تلبّس المقاومة في غزّة بحالة سلطة، وما فرضه الاحتلال، من انفصال جغرافي وتباين ظروف، وإن كانت المقاومة في غزّة صاحبة الدور الأبرز في استنهاض حالة الحركة الموجودة الآن، منذ العام 2014، إلا أن الانفصال، والجزر المعزولة، والمعضلات الجوهرية، تجعل المراكمة، وإمكانيات التطوير، محدودة وبطيئة.

في المشكلة الثانية، أي في قراءة الحالة الجارية، ثمّة غفلة عن كونها، تحوّلا من حالة شلل إلى حالة حراك، وهي حالة حركة مستمرة منذ سبع سنوات، تخللتها هبّات كبيرة، مثل (هبة القدس/ ثورة السكاكين)، وعودة مؤثّرة للعمليات الفردية، ما يعكس تحولا مجتمعيّا، ولو نسبيّا، يسعى للتخلص من سياسات الهندسة والتدجين الاجتماعي، ووعيّا بالواجب العام وطبيعة سياسات الفاعلين في المشهد الفلسطيني، وهي بهذا الاعتبار بالغة الأهمية، وتستوجب ملاحظة مقدّرة، ومواكبة تعبوية مستمرّة، وهو ما يلاحظه الاحتلال بتحفّزه المستمر، وجهده الأمني العالي، الذي يتتبع أيّ حركة أو جهد تعبوي، ويمكن التمثيل على ذلك أخيرا باعتقاله 45 طالبا وطالبة من جامعة بيرزيت لمجرد زيارتهم لعائلة منتصر شلبي منفذ عملية زعترة، ومصادرة الحافلة التي أقلتهم، والأمثلة التي من هذا النوع أكثر من أن تُحصى.

غياب المشهديات الكبيرة والمكثفة، يحول دون إعطاء حالة الحركة الجارية، قدرها الحقيقي، فالجاري ليس انتفاضة شعبية شاملة، ولا انتفاضة مسلحة مكثّفة، ولا هي حرب طاحنة تواجهها مقاومة كفؤة لأسابيع أمام كاميرات العالم، ولا هي حشود ضخمة لفترات طويلة تُركَّز عليها الكاميرات كما كان في الثورات العربية، وإنما هي أعمال متفرقة، من الاشتباك، والعمليات، والهبّات، ترتفع معها المتابعة في لحظتها، ثم يخبو تفاعل المراقبين والمعقّبين على الحدث، بعيد فراغ الزمن من الحدث، ويرضخ الجميع بعد ذلك للأولويات الاجتماعية والاقتصادية الملحّة.

مع وجود سلطة لم تغيّر سياساتها، يصعب توقّع هبّة شاملة، أو طويلة، فالفترة الفاصلة بين دخول السلطة غزّة ثم الضفّة منذ العام 1994، وبين انفجار الانتفاضة الثانية عام 2000، مثلت قَطْعا مع الانتفاضة الأولى، وحصارا لحالة المقاومة، ولكن تخللتها عمليات متفرقة مهمّة، نظمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، يوازي تلك المرحلة، المرحلة الجارية، مع فارق تحفّز شعبي أكبر هذه المرّة، ففي حين اقتصر الفعل المقاوم في تلك الفترة على الحركتين (باستثناء هبّة النفق)، فإنّ الفعل الآن يتسم بقدر من الشعبية والجماهيرية، ولكن يعوزه التنظيم الذي يحفظ استمراره.

ما يمكن لهذه القوى فعله، بعد إدراك واجبها ومسؤولياتها عن ساحة الضفّة والقدس، ومراجعة عملها خلال السنوات الماضية منذ العام 2007، ومحاسبة نفسها على قصورها، أن تضع في رأس أولوياتها تعزيز صمود الفاعلين في القدس والضفّة، وإدراك جسامة الدور الذي يقومون به، وفداحة سياسات الاستنزاف التي ينتهجها الاحتلال، بالاعتقالات والإبعادات والمسّ المؤثّر بقوت الناس، ثمّ، وبعد مغالبة العقبات الموضوعية، بابتداع ما يمكن أن يحافظ على وتيرة متصلة من الحالة المعنوية المرتفعة.

أمّا بالنسبة للمعقّبين على الشأن العام، فينبغي أولا تطوير أدوات التعقيب على الحدث، بتجاوز المتابعة الإخبارية، إلى التعبئة المعنوية، غير المتأثرة، في جَلَدِها، بالمجريات على الأرض، بمعنى أن يتحلّى المشتغلون بهذا الشأن، والنشطاء، بمسؤولية مستمرّة، وواجب دائم، وعمل يومي، يتعالى على مشاعر اليأس والإحباط وجلد الذات، ويعاين سمات هذه المرحلة ضمن شروطها الموضوعية، ويلاحظ ما فيها من تحولات ومبشّرات بإمكانيات التطوير والبناء عليها.

  • المصدر: عربي21