تعديل قانون السلطة القضائية.. نظرة قانونية وواقعية

عاصم كعك
آخر تحديث: منذ 4 أشهر
ورقة موقف:

تعديل قانون السلطة القضائية

نظرة قانونية وواقعية

عاصم كعك

محام، وباحث قانوني

تعديل قانون السلطة القضائية نظرة قانونية وواقعية

أثار القرار بقانون رقم (40) لسنة 2020 بشأن تعديل قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة   2002 حفظية  المهتمين في المجال الحقوقي والسياسي على حد سواء، فقد جاء هذا التعديل في وقت الحديث عن الانتخابات التشريعية  والرئاسية الفلسطينية، و لعل أكثر المحتجين على هذا التعديل هم المحامون الفلسطينيون بما يشكلون ممن ركيزة مهمة من ركائز منظومة العدالة.

تعالج هذه الورقة البعد القانوني لهذا القرار بقانون، وأثره على منظومة العدالة في المجتمع الفلسطيني.

تتناول الورقة هذا القرار بقانون من ناحية شكلية ومن ناحية موضوعية.

أولاً- نقد القرار بقانون من ناحية شكلية

منح القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003 (والذي هو بمثابة الدستور الفلسطيني)  للرئيس في حالة الضرورة إصدار قرارات لها قوة القانون، فقد جاء في نص المادة 43 منه "لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في حالات الضرورة، والتي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات، وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، وأما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو سابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون".

هذا هو المستند القانوني والدستوري الذي يستطيع من خلاله رئيس السلطة الوطنية إصدار قرارات بقانون خلال عدم انعقاد المجلس التشريعي، وبعيدًا عن استغلال هذه المادة لتمرير قرارات مخالفة للقانون والدستور وغير داخلة في حالة الضرورة المنصوص عليها، و بعيدًا عن تعقيد الحالة الفلسطينية وعن سبب عدم انعقاد المجلس التشريعي، وحيث تورطت السلطة التنفيذية في عرقلة انعقاده، فإننا وفي الحالة التي تتناولها هذه الورقة نجد أن شروط هذه المادة لا تنطبق إطلاقًا على القرار المعدل  لقانون السلطة القضائية لعدة أسباب من أهمها انعدام حالة الضرورة.

فما هي حالة الضرورة الملحة لتعديل قانون السلطة القضائية ؟ وهل فعلاً هذه التعديلات قد عالجت مشاكل واقعية تسبب بها القانون المعَدل؟ أم هو مجرد تعديل يجعل سيفًا على عنق القضاء ومحاولة وضع القيود على عمل السادة القضاة ؟ والذي نراه من خلال دراسة هذا القرار بقانون أنه لم يؤدّ إلا لتقيد عمل القضاة ولم يتناول الإشكاليات الواقعية التي تساهم في تأخير البت في القضايا .

هذا من جانب و من جانب آخر نجد أن نص المادة 43 من القانون الأساسي المعدل قد منح رئيس السلطة الفلسطينية الحق في إصدار قرارات لها قوة القانون لمواجهة حالة الضرورة الملحة، ولم تمنحه الحق في تعديل القانون الصادر عن المجلس التسريعي الفلسطيني لأن القوانين الصادرة عن المجلس التشريعي لا يمكن أن تعدل إلا عن طريقه.

إن تعديل القوانين الصادرة عن المجلس التشريعي، من طرف آخر، هو تعدٍّ على إرادة الشعب الممثلة بالمجلس التشريعي المنتخب، فلا يحق لرئيس السلطة الفلسطينية  دستوريًّا التعدي على إرادة الشعب بتعديل قوانين صدرت وفقًا لإرادته، وكذلك القرارات بقوانين التي تصدر إنما هي قوانين مؤقتة خاضعة لإرادة الشعب بعد انعقاد المجلس التشريعي المنتخب.

وبذلك نستنتج أن تعديل قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 غير دستوري لا من حيث تحقق حالة الضرورة المنصوص عليها في القانون الأساسي، ولا من حيث إمكانية إصدار قرار بقانون يعدل القانون الصادر من المجلس التشريعي.

ثانيًا: نقد  القرار بقانون من ناحية موضوعية

  1. يعيب هذا القرار بقانون ضعف الصياغة القانونية، ففي ديباجته (وهي المقدمة لكل قانون) نجد أن القرار قد صدر بناء على كتاب رئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي. وبغض النظر عن الإشكالية في هذا المجلس الانتقالي وعدم شرعية تشكيله من السلطة التنفيذية، إلا أنه يُعدّ القانون، أو القرار بقانون الوحيد، الذي يصدر بناء على كتاب توصية! فالقوانين لا تبنى على كتب التوصية بل تبنى على إرادة الشعوب ومصلحتها وفقًا لما هو مقرر في القانون الأساسي من إجراءات لإصدار القوانين ومراحل صدورها بداية من اقتراحها من أعضاء المجلس التشريعي ثم المباحثة والمناقشة لهذا المقترح ثم التصويت على إقراره أو لا؟ أما إخراج قرار له قوة القانون بكتاب توصية من شخص معين من السلطة التنفيذية  لهو أمر لا يعرفه الفقه الدستوري من قبل.

  2. يلاحظ أن هذا القرار بقانون قد خلق نظام التجربة عند القضاة، وجعل القضاة خاضعين لفترة تجربة مدتها ثلاث سنوات، ويشمل هذا النظام القضاة الذين سيجري تعيينهم وأولئك الذين عينوا قبل هذا القرار بقانون ولم تتجاوز مدة تعيينهم مدة التجربة المنصوص عليها.


عند مراجعة المادة 3/5 من القرار بقانون نجد أنه يمكن إنهاء خدمة القضاة في حال تبين عدم كفاءتهم أو لياقتهم الشخصية أو الخلقية، وهنا يطرح التساؤل حول مفهوم الكفاءة وعدم اللياقة وما هو المعيار التي يخضع لتحديد الكفاءة؟ هل هي الكفاءة المهنية و العلمية أو مجرد الانتماء السياسي والخضوع لأوامر السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية؟

إنّ تحديد مفهوم الكفاءة المهنية صعب في مجال عمل القاضي، إذ إنّه لا يخضع في عمله لقواعد صلبة وواضحة ومحددة في استنباط الأحكام القضائية، بل إنّ قسمًا كبيرًا من عمله خاضع للاجتهاد في استنباط الحكم القضائي من العديد من القرارات والقوانين والأوامر العسكرية المبعثرة منذ العهد العثماني حتى هذا الوقت ومن ضمنها قوانين انتدابية وأردنية وأوامر عسكرية من الحاكم العسكري الإسرائيلي والقوانين التي صدرت من المجلس التشريعي  الفلسطيني.

ونلاحظ أن هذا العموم يراد منه ترك القاضي تحت وطأة الخوف على وظيفته، لأن اجتهاده القضائي قد يكون ذريعة لإنهاء خدماته.

ثم إنّ هذا القانون لم يجب عن أثر الأحكام التي يصدرها القاضي خلال هذه الفترة؟ فالمفروض بالحكم القضائي أن يكون قرينة على الحقيقة، وفي حال إنهاء خدامته هل يعتبر حكمه معبرًا عن الحقيقة أو سيكون قابلاً للنقض حتى لو انتهت الطرق القانونية للنقض واستنفدت جميع وسائله؟

فإن كان الطعن ممكنًا في الأحكام النهائية الصادرة عن القاضي بعد قرار إنهاء خدمته فهذا مما يسبب عدم استقرار للأحكام القضائية مما يلحق ضررًا بالغًا في المراكز القانونية المكتسبة. و إن كان لا يحق الطعن في هذه القرارات النهائية فكيف سيقتنع الجمهور بأن هذه الأحكام هي معبرة عن الحقيقة في حين يُفصل القاضي لعدم كفاءته؟!

  1. كذلك نجد أن نص المادة 1/8 من القرار بقانون قد جعل تعيين رئيس المحكمة العليا ومحكمة النقض بقرار من رئيس دولة فلسطين، في حين أنه لم يوجد مثل هذا الأمر في قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 خصوصًا في المادة 20 منه والتي نصت على تعيين رئيس المحكمة العليا ومحكمة النقض وفقًا للأقدمية و لسنوات خدمته. مما يجعل هذا التعديل في القرار بقانون رقم 40 لسنة 2020 تحكمًا من السلطة التنفيذية بأعلى الهرم القضائي وبأعلى محكمة، بنصه على تعيين رئيسها من رئيس الدولة ومن ثمّ سيعارض هذا الأمر مبدأ الفصل بين السلطات، وسيجعل من رئيس المحكمة العليا ومحكمة النقض تابعًا لرئيس دولة فلسطين دون استقلالية فعلية وحقيقية يمكن أن يعمل ضمنها.

  2. كما أن هذا القرار بقانون جعل من حق مجلس القضاء الأعلى إحالة أيّ قاض إلى التقاعد إذا أكمل الحدّ الأدنى المنصوص عليه في قانون التقاعد العام، ويكون هذا القرار من لجنة مختصة بعد الاطلاع على ملف القاضي وأوراقه، وقد جاء في نص القرار "على أن تكون اللجنة قد اطلعت على ملفه ومرفقاته".


وهذا النص جاء عامًّا يحمل في طياته، سيفًا مسلطا على عنق القضاة، فما هو المعيار لإحالة القاضي للتقاعد؟ ثم هل الاطلاع على ملف القاضي وما يشمل من شهادات وخبرة هكافٍ لمنع التقاعد المبكر؟

الملاحظ على هذا النص أنّه جاء عامًّا، وقد جعل الاطلاع ملزمًا من حيث هو، لا من حيث تأثيره على توصية اللجنة؛ فحتى لو كانت أوراق القاضي تدلّ عن كفاءته فإنّها لا تمنع إحالته للتقاعد.

  1. كما أن هذا القرار قد تفنّن في إيجاد الحلول لتقييد السادة القضاة. فالقضاة الذين لم يصلوا للحد الأدنى، ولا يوافقون مزاج السلطة التنفيذية، إما أن يحولوا للاستيداع (وهو وقف مؤقت لخدمة القاضي لمدة لا تزيد عن خمس سنوات قبل إحالته للتقاعد وذلك حسب المادة 8 من القرار بقانون) أو يُنتدبوا للقيام بأعمال غير قضائية متى قضت ذلك مصلحة وطنية حسب نص المادة 9 من هذا القرار.


فلا مجال إذن إلا لقمع أي صوت قضائي حر يرفض تحكم السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية به.

  1. وأخيرًا، إنّ القرارات الإدارية التي ستصدر عن مجلس القضاء ومن رئيس المحكمة العليا، والتي تشمل إحالة القضاة للتقاعد المبكر للإحالة للاستيداع أو الندب، لا يمكن الطعن بها قضائيًّا، بل يجري التظلم أمام الجهة التي أصدرت تلك القرارات مما يخالف مبدأ عدم تحصين القرارات الإدارية ويخالف مبدأ حق التقاضي.


نلاحظ من خلال هذه المقالة، أن القرار بقانون الذي يحمل رقم 40 لسنة 2020 يهدف إلى إحكام القبضة على السلطة القضائية من السلطة التنفيذية، وجعل جميع السلطات بيد رئيس السلطة الفلسطينية.

إنّ أثر هذا الأمر كبير جدًّا إذ إنه سيفقد ثقة الناس بالقضاء مما ينذر بعصر الخاوات والعصابات واستيفاء الحقوق باليد بعيدًا عن الدولة ومؤسساتها، فالقاضي الذي يرى السيف مشهرًا عليه لن يتحاكم للقانون أو لقناعته بل لرغبات السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية حتى في الأمور التي لا تتعلق بالقضايا السيادية والسياسية، بل في القضايا اليومية بين عموم الناس فمن يملك واسطة عند السلطة التنفيذية يصبح مالكًا للقضاة.