حكومة صهيونية بلا رأس والبناء في المستوطنات

-

عماد أبو عواد
آخر تحديث: منذ 6 أيام
تحميل المادة بصيغة PDF

تقدير موقف

حكومة صهيونية بلا رأس والبناء في المستوطنات

عماد أبو عواد

 

ربما يُمكن القول إنّ الوصف الأكثر دقة للحكومة الصهيونية، حكومة بلا رأس، فكل وزير فيها يفعل ما يحلو له، في إطار محاولة صريحة وواضحة من أجل تحقيق كلّ حزب من الأحزاب الثمانية المشكلة للحكومة برنامجه الانتخابي الذي وعد به ناخبيه، فحزب يمينا الاستيطاني والذي يتزعم الحكومة، يجد نفسخ غير قادر على إلزام حزب ميرتس اليساري ببرنامج سياسي رافض لمجرد لقاء الفلسطينيين، كما أنّ ميرتس لا يملك حولاً ولا قوة في إطار مساعيه لتحقيق حلّ الدولتين الذي يبدأ على الأقل بتجميد الاستيطان ولو مرحليًّا.

يُناقش تقدير الموقف هذا، توجه نفتالي بنت رئيس وزراء هذه الحكومة؛ فيما يتعلق بالبناء الاستيطاني في الضفة الغربية، لكن قبل ذلك لا بدّ من عقد مقارنة مهمّة بين من سبقوا بنت ومسيرتهم الاستيطانية وحجم بنائهم الاستيطاني، حيث سنجد، وبمقارنة بسيطة، أنّ أحد أقطاب اليسار، من وجهة نظر الفلسطينيين، إيهود باراك، كان أكثر من دشن وحدات استيطانية بواقع 3200 وحدة سنويًّا، فيما كان كلّ من بنيامين نتنياهو وأرئيل شارون وحتى إيهود أولمرت متقاربين من حيث عدد الوحدات السنوية، بواقع 1100 وحدة سنويًّا، رغم أنّ ثلاثتهم كانوا من أقطاب اليمين.

وهنا يكمن التساؤل، لماذا كان باراك الأكثر بناءً ولماذا كان نتنياهو في ولايته الثانية من 2009 إلى 2013 الأقلّ بناءً للوحدات الاستيطانية؟ يُمكن فهم ذلك في إطار الضغوط الداخلية، حيث إنّ تولي شخصية يسارية لرئاسة الحكومة تدفعه لمجاملة اليمين والمستوطنين، لتخفيف حدّة النقد والضغوطات في هذا الملف، ومحاولة الموازنة ما بين تيارين، وربما هذا السلوك ينطبق كذلك على نتنياهو اليميني الذي حاول الموازنة من خلال تطبيق برنامج يميني معتدل ومحاولة عدم إغضاب المركز واليسار، ولعلّنا إن قلنا إنّ اليميني في "إسرائيل" أكثر قدرة لقمع جماح اليمين لكنّا أكثر قربًا لملامسة الحقيقة.

لكن الحكومة الحالية بزعامة نفتالي بنت، قد يكون من الصعب إطلاق مسمى واضح عليها، فهي ليست باليمين ولا باليسار، متعددة الرؤوس يُمكن لأي حزبٍ إسقاطها، وبالتالي هذا يولد حاجة ملحة لكلّ حزب لمحاولة تحقيق أكبر قدر ممكن من برنامجه الأيدولوجي والانتخابي، ليكون مقنعًا لجمهوره في أي انتخابات قادمة ربما قد تكون قريبة. وبالنظر إلى حزب يمينا فإنّ أكثر ما يُمكن تطبيقه لتثبيت أركان الحزب وإعادة الروح لزعيمه رئيس الوزراء بنت، هو إشباع رغبات المستوطنين، الذين يشعرون بالغضب ويتهمونه بالتقصير في ملف البناء الاستيطاني، وبأنّه انصاع إلى رغبات جون بايدن بالحد من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

نخلص في هذا التقدير إلى أمرين أساسيين، الأول أنّ مسيرة البناء في الضفة الغربية مستمرة بغض النظر عن تغيّر رأس الحكومة أو طبيعة الحكومة، فإسحاق رابين (حمامة السلام وفق بعض الفلسطينيين) وقع اتفاق أوسلو ووقع على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية، ولم يزد نتنياهو (اليميني المتطرف وفق التصنيف الفلسطيني) عن معدل بناء رابين، وتفوق على كليهما إيهود باراك، فيمكن لبنت العودة إلى سياسة التوسع هذه، لاسيما وأنّ عجلة البناء مرتبطة بعوامل داخلية منها وجود الحاجة لذلك، وإيجاد الراغبين للسكن في مستوطنات الضفة في ظل حقيقة أنّ غالبية عظمى لا تفضل الانتقال إليها.

فيما الثاني أنّ نفتالي بنت لن يبتعد كثيرًا عن السياق العام في البناء الاستيطاني، على أن يحاول الظهور بأنّه يميني أكثر من نتنياهو، ومخلص للمشروع الاستيطاني بشكل أكبر، وهذا سيظهر من خلال محاولته البناء أكثر في التجمعات الاستيطانية الكبرى، دون الذهاب بعيدًا في تثبيت بؤر استيطانية جديدة، كون ذلك سيغضب ربما الولايات المتحدة، الأمر الذي بات يتضح من خلال مشاريع البناء المُعلن عنها في بعض المستوطنات الكبرى كمستوطنة بيت إيل، والتي تبعد عن بيت الرئيس الفلسطيني محمود عباس بضع مئات من الأمتار.