عرض كتاب.. تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية

-

عوني فارس
آخر تحديث: منذ شهر
تحميل المادة بصيغة PDF

عرض كتاب

تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية

عوني فارس

باحث في التاريخ

عنوان الكتاب: تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية

مؤلف رئيس: ماهر الشريف
مؤلف مشارك: عصام نصار

الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية

مكان النشر: بيروت

تاريخ النشر: 2018

عدد الصفحات: 379

 

هذه مراجعة لكتاب تاريخ الفلسطينيين وحركتهم الوطنية، لمؤلِفَيْه ماهر الشريف، رئيس قسم الأبحاث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وعصام نصار، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهد الدوحة للدراسات العليا، وهو كتاب في تاريخ فلسطين الحديث، ومن إصدارات مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وقد أُعدَّ ليكون كتابًا دراسيًّا مخصصا للطلبة في المرحلة الجامعية.

أحسن المؤلفان حين حددا نقطة البدء في تناولهما لتاريخ فلسطين الحديث من اللحظة التي وقعت فيه فلسطين تحت الحكم العثماني في العقد الثاني من القرن السادس عشر، إذ لا يمكن فهم المحطات المختلفة من تاريخ فلسطين منذ الاحتلال البريطاني دون الرجوع إلى الفترة العثمانية وما جرى فيها من أحداث وما شهدته من تحولات، وأحسنا أيضًا حينما حاولا بجِدّ أن يشمل الكتاب الجوانب المختلفة للتاريخ الفلسطيني سواء السياسي أو الاجتماعي أو الإداري أو الاقتصادي، مع تركيزهما على اللحظات المُؤَسِّسَة والمحطات الفارقة في القرون الأربعة الفائتة، وقد ظهر بجلاء استفادتهما من إرثهما البحثي في إعداد الكتاب، إذ لكليهما أبحاث ودراسات تتعلق بالتاريخ الاجتماعي لفلسطين في المرحلة المتأخرة للحكم العثماني وفترة الاحتلال البريطاني، كما أن للشريف اهتمامًا بحثيًّا بتاريخ القضية الفلسطينية وحاضرها، ويُعدّ من أهم المتخصصين بالحزب الشيوعي في فلسطين، وإن لم يستندا في إعداد الكتاب إلى مصادر أولية، كما ذكرا في المقدمة، فإنَّ ما اعتمدا عليه من كتب ودراسات وأبحاث يشير بوضوح إلى جديتهما في الرجوع إلى مصادر ومراجع رصينة وباللغات الثلاث العربية والإنجليزية والفرنسية.  

يتكون الكتاب من قسمين. خُصِّصَ القسم الأول للحديث عن فلسطين زمن الحكم العثماني، وقد تناول في واحد وثلاثين عنوانًا فرعيًّا الفترة التاريخية من لحظة وقوع فلسطين بيد الحكم العثماني عام 1516 إلى اكتمال احتلالها من قبل بريطانيا عام 1918.

استعرض القسم السياسات العثمانية في فلسطين من النواحي الإدارية والعمرانية، وأعطى أمثلة على الشبكات الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع الفلسطيني، وأحوال الريف وتقسيماته الإدارية، وغطَّى بروز العائلات المتنفذة مثل آل رضوان وآل طرباي وآل الفروخ في القرن السابع عشر، وصعود الحكام المحليين مثل ظاهر العمر الزيداني وأحمد باشا الجزار في القرن الثامن عشر، وظهور قرى الكراسي وتقسيماتها في مناطق جبل نابلس وجبل القدس وجبال الخليل، وصولاً إلى القرن التاسع عشر وما واكبه من أحداث كبرى مثل الحكم المصري لفلسطين والتحولات التي أحدثه من قبيل زيادة الانفتاح على الأقليات الدينية، وفتح أبواب فلسطين للنشاط الأوروبي التبشيري والدبلوماسي، ثم دخول فلسطين في عهد التنظيمات العثمانية وما عناه من زيادة في نفوذ السلطة المركزية في استنبول، وتراجع دور الريف والزعماء المحليين، وإدخال بعض الإصلاحات ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية مثل قانون الأراضي العثماني الصادر عام 1858 والذي سمح بالملكية الخاصة، وتعزيز النفوذ الأوروبي في فلسطين عبر استغلال الأقليات الدينية والاهتمام بالأماكن المقدسة.

وركَّز القسم على أحوال المدن الفلسطينية اجتماعيًّا واقتصاديًّا، وجملة التحولات التي شهدتها خصوصًا في القرن التاسع عشر والتي أدت إلى صعود مكانتها، مثل يافا وحيفا وغزة ونابلس والقدس، وختم بالحديث عن نهاية عهد التنظيمات وعهد السلطان عبد الحميد الطويل، والتغيرات الحداثية التي شهدتها فلسطين في تلك المرحلة، خصوصًا إنشاء سكة الحديد، ودخول خدمات التلغراف، والتصوير الفوتوغرافي وشبكات المياه والكهرباء ومكاتب البرق والبريد، بالإضافة إلى التفاعل الفلسطيني مع التغيرات في النظام السياسي العثماني، والمشاركة في مجلس المبعوثان، ودخول فلسطين مرحلة الحرب العالمية الأولى.  

أما القسم الثاني فتناول، في تسعة فصول، فلسطين من الاحتلال البريطاني حتى يومنا هذا. تحدث الفصل الأول عن تبلور فكرة دولة اليهود في فلسطين في الدوائر الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، وأشار إلى الجدل حول إذا ما كانت فرنسا أول من طرحها إبان الغزو النابليوني لفلسطين، وأوضح أن أوساطًا مسيحية بريطانية تبنَّت الفكرة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، واستعرض الجهود التي بُذلت من أجل البدء بالاستيطان اليهودي في فلسطين، وسلَّط الضوء على موقف السلطان عبد الحميد الرافض للاستيطان اليهودي، وذَكَرَ محاولات الدولة العثمانية إداريًّا وقانونيًّا إعاقة حركة الاستيطان وسعيها لتحجيمها، وركَّز على نشوء الحركة الصهيونية العالمية ودور تيودور هيرتسل فيها، وشرح مساعي الحركة للسيطرة على فلسطين، وتنامي شعور أهل فلسطين بالخطر الصهيوني وأشكال مقاومتهم له، وبداية تبلور الوعي الوطني.   

 غطَّى الفصل الثاني مرحلة الاحتلال البريطاني لفلسطين، وأشار إلى دور الإنجليز في دعم  مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وتناول نشوء الحركة الوطنية والحواضن المؤسساتية التي عبرت عنها منذ المؤتمر الفلسطيني الأول عام 1919، وتحولات موقفها من الإدارة البريطانية، والمحطات النضالية المختلفة التي مرت بها فلسطين أثناء الاحتلال البريطاني، من هبة القدس عام 1921، مرورا بثورة البراق عام 1929، واحتجاجات عام 1933، وإضراب عام 1936، والثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939).

شرح الفصل الثالث مراحل تنفيذ خطة التطهير العرقي الصهيونية عام 1948، ودوَّن أماكن توزع اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة في فلسطين وخارجها، وأعدادهم، وأشكال تفاعل الفلسطينيين مع الحياة السياسية والفكرة بعد النكبة، من قبيل انخراطهم في التيارات القومية والإسلامية والشيوعية، وتأسيس حركة فتح، وإنشاء منظمة التحرير.

توقَّفَ الفصل الرابع عند صعود العمل الفدائي وموقف التيارات السياسية والفكرية منه، وحرب عام 1967 ونتائجها، ومعركة الكرامة وتداعياتها، وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأشكال النضال الوطني داخل الأرض المحتلة، وخطاب الحركة الوطنية في تلك المرحلة، وأطروحات حل القضية الفلسطينية.

 بيَّن الفصل الخامس التداعيات السياسية لحرب عام 1973، والتحولات في خطاب منظمة التحرير بما في ذلك تبنيها للحل المرحلي عام 1974، ورهانها على التسوية السياسية، وتعاطيها مع فكرة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/ يونيو، وتوقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد، والتغيرات في البنية المسلحة للفلسطينيين من حركة فدائيين إلى منظمة تمتلك جيشًا نظاميًّا يتوزع أفراده على وحدات، وصولاً إلى حصار بيروت عام 1982، وخروج قوات منظمة التحرير من لبنان.

تناول الفصل السادس دور المؤسسات الثقافية والصحفية والجامعات في بلورة الوعي السياسي لدى الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وأشار إلى ظهور أجسام سياسية تمثيلية مثل الجبهة الوطنية الفلسطينية التي تأسست عام 1973، ولجنة التوجيه الوطني التي تأسست عام 1978، وصعود دور رؤساء البلديات منذ انتخابات عام 1976، وكشف عن مساعي منظمة التحرير للاتصال مع مسؤولين في دولة الاحتلال منذ عام 1974، وانتباهها للمرة الأولى لأهمية الزعامات السياسية الفلسطينية داخل أراضي عام 1948.

 ناقش الفصل السابع تداعيات خروج منظمة التحرير من لبنان، ومشاريع التسوية، وتَتَبَّعَ تطور المقاومة الشعبية داخل الأرض المحتلة عشية اندلاع الانتفاضة الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1987، وكيف أنَّها شكَّلت "خشبة خلاص" لمنظمة التحرير، وكانت بمثابة إعلانٍ عن انخراط التيار الإسلامي في الحالة الوطنية، وذكر تداعياتها إقليميًّا ودوليًّا، وتناول الفصل انعكاس الأحداث في المنطقة العربية على سلوك منظمة التحرير واصطفافاتها الإقليمية، كما في أزمة اجتياح العراق للكويت، وأظهر تمايز موقف حركة حماس من الأزمة عن فصائل منظمة التحرير.

ركَّز الفصل الثامن على مبادرات السلام، وأشار إلى حيثياتها ونتائجها خصوصًا مؤتمر مدريد، ومفاوضات واشنطن، واتفاق أوسلو، وجولات المفاوضات بعد تأسيس السلطة الفلسطينية وصولاً إلى قمة كامب ديفيد واندلاع الانتفاضة الثانية، وتوقَّفَ الفصل التاسع عند العوامل التي أفضت إلى فشل مسار التسوية، وتحول الموقف الأمريكي من إدارة الأزمة إلى تصفية القضية الفلسطينية، والتغيرات التي طرأت على بينة النظام السياسي الفلسطيني ما بعد أوسلو، وحالة الضعف التي وصلت لها الحركة الوطنية، وتراجع أهمية القضية الفلسطينية عربيًّا، وابتعاد أفق قيام دولة فلسطينية مستقلة، وختم بالحديث عن الاستراتيجية الكفاحية المستقبلية للحركة الوطنية في ضوء ما آلت إليها الأوضاع في فلسطين.

وقفة مع بعض المصطلحات المستخدمة في الكتاب

اختار المؤلفان استخدام مصطلحات معيَّنة للتعبير عن مناطق جغرافية أو فئات اجتماعية أو تكتلات بشرية أو كيانات سياسية، كما في  استخدامهما لمصطلح حائط المبكى، للإشارة إلى قسم من السور الغربي للحرم القدسي الشريف، والإقطاعيين لتوصيف فئة اجتماعية لها أدوار اقتصادية وإدارية داخل المجتمع، وفرق الأنصار للتعبير عن المجموعات العسكرية المنضوية في إطار المقاومة الفلسطينية، والصليبيين للتعبير عن الغزاة الفرنجة، والشرق الأوسط لتوصيف منطقتنا ومحيطها،  و"إسرائيل" للإشارة إلى التجلي السياسي للمشروع الصهيوني في فلسطين، وكل هذه المصطلحات وغيرها مرتبطة بدلالات تاريخية وسياسية وثقافية وجغرافية محدَّدة، ولها ما يقابلها من المصطلحات النقيضة، وهي مفردات متعلِّقة بالقضية الفلسطينية وتاريخ فلسطين حيث تتكثَّف المعاني وتبقى طازجة ومتفاعلة مع الواقع مهما أوغلت في التاريخ، والسجال حولها ساخن ولا يتوقف، والأصل في مثل هذه الحالات الحذر والتأني ودراسة المصطلحات بعمق وفهم أبعادها ودلالاتها قبل استخدامها، وإذا قرَّر باحث ما أن يغترف من بحر هذه المصطلحات، فعليه على الأقل الأخذ بعين الاعتبار حساسيتها وتبيان الأسس التي اعتمد عليها لاختيارها وعدم اختيار نقيضها.

ولمزيد من التوضيح سآخذ مصطلح حائط المبكى مثالاً لما ذكرته أعلاه، فقد اختار المؤلفان استخدام حائط المبكى بدلاً من حائط البراق، وهذا استخدام مستهجن، خصوصًا وأنَّ مصطلح حائط المبكى يحمل دلالات سياسية وثقافية ودينية توظَّف في خدمة المشروع الصهيوني في فلسطين، ولنا أن نسأل كيف لم يلحظا أن هذه التسمية فيها انحياز لطرف على حساب طرف آخر في ظل صراع مرير يومي يخوضه الفلسطينيون منذ عقود للحفاظ على الإرث الحضاري لبلادهم بما فيها من حجر وشجر وكلمات وأسماء ومرويات؟ وكيف امتنعا عن استخدام مصطلح حائط البراق، رغم إشارتهما في الكتاب في صفحة 107 إلى أن الحائط يسمى عند العرب حائط البراق، وهما عربيان والكتاب موجه للطلبة العرب؟ ولِمَ لم يوضحا المنهجية التي اتبعاها لاعتماد هذه التسمية دون غيرها؟ ولو افترضنا جدلاً أنهما لا يريدان استخدام التسمية العربية للحائط، لأسبابهما الخاصة، ألم يكن الأجدى اختيار مصطلح آخر أقل حساسية وأبعد عن شبهة الانحياز؟

تضخيم الوجود اليهودي في فلسطين

 أشار المؤلفان إلى الوجود التاريخي لليهود في فلسطين في الإيجاز التاريخي الذي خُطَّ في المقدمة في الصفحة الأولى من الكتاب، وقد كان هذا الوجود أول ما استحضره المؤلفان للإشارة للمجموعات البشرية التي كان لها حضور سياسي ما في فلسطين في العصور القديمة، وقد كلفهما الحديث عنه عدة أسطر تشابه بالعدد الأسطر التي خُصِّصَت للوجود الروماني الممتد لقرون.

إن إبراز الوجود اليهودي في فلسطين بهذا الشكل قد يدفع بعض القراء للاعتقاد خطأً بأن الشريف ونصار أرادا تضخيم الوجود اليهودي في فلسطين في العصور القديمة وإظهاره على من سبقه ومن لحق به، دون مراعاتهما إلى مناقضة ذلك للحقائق التاريخية والوقائع السياسية، خصوصًا وأن الكتاب لم يأتِ على ذكر إمارات وممالك سابقة على الوجود اليهودي في فلسطين؟ فلم يشر إلى الكنعانيين مثلاً، ولم يراعِ أنَّ الوجود اليهودي في فلسطين كان قصيرًا زمنًا، وقليلاً أثرًا، ولم ينتبه إلى أنَّ الكتاب مُعَدّ أساسًا لطلبة فلسطينيين جامعيين هم في طليعة المناضلين من أجل حرية شعبهم، وربما يتسبب ذلك التضخيم بردة فعل عاطفية من قبلهم مشككة بنوايا المؤلّفَيْن، ومستخفة بالكتاب، وبالجهد المبذول فيه، وبجدوى قراءته.    

تضخيم دور ومكانة الحزب الشيوعي في الحركة الوطنية

بالغ المؤلفان في المساحة الممنوحة في الكتاب للحديث عن الحزب الشيوعي في فلسطين، وكان واضحًا عدم تناسبها مع حجمه ومكانته ودوره في الحركة الوطنية، خصوصًا وأنَّ  تأثيره في القضية الفلسطينية ومحطاتها المفصلية كان محدودًا، باستثناء فاعليته في الأرض المحتلة في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ورغم هذه المحدودية فقد حرص المؤلفان على إظهار موقفه من الأحداث التاريخية التي مر بها النضال الوطني قَبْل النكبة وبعدها مثل الثورة الفلسطينية الكبرى (1036-1939)، وظاهرة الكفاح المسلح بعد عام 1965، وادَّعيا أدوارًا له بحاجة إلى مزيد من التَّثبت والتَّحقق مثل إشارتهما لدور عسكري مقاوم أداه الحزب في قطاع غزة أثناء احتلاله عام 1956، كما أنَّهما تعاملا مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي وكأنَّه جزء من الحركة الوطنية الفلسطينية، فاستعرضا بإسهاب مواقفه من القضايا التي شغلت بال الفلسطينيين على مرّ تاريخ حركتهم الوطنية، مثل ظاهرة الكفاح المسلح منذ عام 1965، في خطوة طوّعا فيها التاريخ والمتفاعلين معه لصالح الأيديولوجيا والموقف الفكري، وخضعا بوعي أو بدون وعي لتأثير اهتمامات ماهر الشريف الأكاديمية وتجربته في العمل الحزبي طوال عقود، إذ لا يمكن بحال اعتبار الحزب الشيوعي الإسرائيلي مكونًا طبيعيًّا من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية أو الإيحاء بذلك لمجرد أنه قدَّم برنامجًا مناقضًا في بعض مبادئه وبنوده التفصيلية لسياسات دولة الاحتلال، أو لكونه شكَّل حاضنة سياسية وثقافية استوعبت عددًا من الفلسطينيين في الداخل المحتل في فترة كان ممنوعًا فيها على الفلسطيني أن يعبر عن طموحاته السياسية ومواقفه الفكرية إلا من خلال الأحزاب الصهيونية.

في النهاية يبقى الحزب الشيوعي الإسرائيلي ابن مشروع سياسي واقتصادي وفكري مناقض لطموحات وأهداف الفلسطينيين الاستراتيجية، ولا يخرجه عن هذا المشروع كونه ابنًا عاقًّا له أو متمردًا عليه، وحتى في ظل عدم إمكانية تجاوز موقف الحزب الشيوعي من مربع البحث والدراسة الأكاديمية، خصوصًا وأنَّه حوى في فترة ما أبرز قيادات الأقلية الفلسطينية في الداخل المحتل، فإن بالإمكان تبيان مواقف هذه القيادات دون المرور على مواقف الحزب.    

تجاهل تجربة المقاومة الفلسطينية المسلحة

على الرغم من مركزية تجربة المقاومة الفلسطينية المسلحة في تاريخ النضال الفلسطيني منذ الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى يومنا هذا، ورغم العدد الكبير من الثورات المسلحة التي شنَّها الفلسطينيون ضدّ محتليهم، وتأثيرات هذه الثورات في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية ومواقفهم السياسية ونتاجهم الثقافي والفكري ومستقبلهم، فإن ذكرها في الكتاب جاء دون المستوى المطلوب، يظهر ذلك جليًّا في إشارة الكتاب المقتضبة جدًّا لدور الشيخ عز الدين القسام في النضال الوطني، وتجاهله لقادة الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، وعدم ذكره لأي من المعارك الشهيرة التي جرت في فلسطين وقتها، وتجاهله للمقاومة المسلحة التي جرت أثناء أحداث النكبة، فلم يتطرق لأيّ من المعارك ولأيّ من قادة المقاومة، سوى ذكره لمعركة القسطل وقائدها الشهيد عبد القادر الحسيني دون أيّ من التفصيلات، وقد جاء هذا الذكر في إطار الحديث عن مراحل تنفيذ خطة التطهير العرقي، وعدم تطرقه لاستراتيجية المقاومة المسلحة في مواجهة العدو الصهيوني أثناء مرحلة الأردن، مثل استخدام المقاومة لاستراتيجية الدوريات، والقصف عبر الحدود وغيرهما، سوى حديثه عن العمليات الخارجية، ولا أثناء مرحلة لبنان، ولا يتوسع في استعراض الاستراتيجية العسكرية التي استخدمها الفلسطينيون في الانتفاضة الثانية، ناهيك عن قوله بأن اتساع نفوذ ومكانة حركات المقاومة المسلحة عند جمهور الفلسطينيين في مرحلة ما بعد أوسلو مرتبط بحالة الإحباط والقنوط التي أصابت الفلسطينيين (ص 294)، وبالتالي ليس تطورًا طبيعيًّا اقتضته نجاحات المقاومة في استراتيجيتها في الصمود والتصدي لعدوان الاحتلال وقدرتها على تطوير أدائها مما أثار اعجاب القسم الأكبر من الفلسطينيين.

الخاتمة

نجح مؤلفا الكتاب في تتبع المحطات التاريخية التي مرت بها فلسطين طوال ما يزيد عن خمسة قرون، وجاء سردهما سلسًا وسهلاً ومفهومًا، ولغته مناسبة للطلبة الجامعيين، وقد امتازت خلاصاتهما في أكثر من فصل بالوجاهة والمنطقية، وتمكَّنا من كسر جوانب من النمطية التي تعاني منها الأدبيات المتخصصة، كما أنَّه احتوى بعضًا من الصور التي تمثِّل مراحل تاريخية متعددة، وما وُجِّه للنص من نقد أعلاه، ورغم أنَّه قد يبدو قاسيًا، إلا أنَّه لا ينتقص من مكانة الكتاب العلمية، ولا يقلل من الجهد المبذول في إعداده.