عرض كتاب.. "يوميات أكرم زعيتر.. سنوات الأزمة 1967-1970"

-

عوني فارس
آخر تحديث: منذ 4 أشهر
تحميل المادة بصيغة PDF

عرض كتاب

"يوميات أكرم زعيتر.. سنوات الأزمة 1967-1970"

عوني فارس

باحث في التاريخ

 

عنوان الكتاب: يوميات أكرم زعيتر.. سنوات الأزمة 1967-1970

إعداد: معين الطاهر، ونافذ أبو حسنة، وهبة أمارة

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- الدوحة

تاريخ النشر: 2019

عدد الصفحات: 672

 

صدر كتاب "يوميات أكرم زعيتر سنوات الأزمة 1967-1970" عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن مشروع ذاكرة فلسطين، وقد أعدَّه كل من معين الطاهر والراحل نافذ أبو حسنة وهبة إمارة، وهو بالمناسبة ليس الأول لزعيتر، إذ ظهرت مجموعة من مذكراته ويومياته وأرواقه في حياته، منها يومياته الشهيرة حول الحركة الوطنية في ثورة عام 1936 الصادرة عام 1992، وكتابه بواكير النضال: من مذكرات أكرم زعيتر 1909-1935 الصادر عام 1994، أما هذه اليوميات فهي الأولى التي تصدر بعد وفاته، وقد احتوت على مقدمة وأربعة فصول تعاين سنوات الأزمة الأربع، وفي نهايتها ملحق بالوثائق والصور وفهرس عام.

اليوميات في الكتابة التاريخية.. خصائص عامة

اليوميات نوعٌ من الكتابة قديم، وحسب المؤرخ جورج مقدسي فإنَّ أقدم يوميات معروفة تعود للمؤرخ الحولي المسلم الهيثم بن عدي في القرن الثامن الميلادي، في حين أن أقدم يوميات كُتبت بالإنجليزية عام 1442 وبالفرنسية عام 1449.

ترتبط اليوميات بما هو يومي ومعاش، وتتصف بطراوتها، وصدق مشاعرها، وعفويتها، وتخففها من الاعتبارات النفسية والاجتماعية، وتحررها من هيمنة الأيديولوجيا، وقدرتها على منح الباحثين تفصيلات تفتقر لها المصادر الوثائقية، وتحللها من الصياغات الاعتذارية والتبريرية التي تنتشر في المذكرات، وغالبًا ما يكون صاحب اليوميات أكثر قدرة على التفصيل إن أراد، فالحدث ابن يومه وساعته، وذاكرة المؤلف تكون غضة لم تُقهر بالهموم اللاحقة أو بفعل بشري آخر، في المقابل يمكن له أن لا يقصد التأريخ لحدث ما، فلا يدوِّن كل ما يعرفه عنه، وقد لا يكون همه تقديم تحليل دقيق للأحداث، خصوصًا وأنَّه يكتب في الغالب على عجل، ويضع أحيانًا انطباعاته أو تقيمه دون تدقيق، ولا يعود لتصحيح ما كتبه[1].

أما اليوميات عند الفلسطينيين ففعلٌ نخبوي معاصر، درج عليه جماعة من الناس، غالبًا ما امتازوا بكونهم متعلمين، وقد ساعدهم موقعهم المهني أو ظروفهم الخاصة على الكتابة، وما نشر من اليوميات في فلسطين حتى الآن قليل، وتبقى على قلَّتها أداة تأريخية مهمة، ليس بسبب الاعتراف بها جزءًا من المصادر التاريخية وتصاعد أهميتها للمؤرخين وللدارسين للتاريخ الاجتماعي فقط، ولكن لأهميتها في دراسة التاريخ الفلسطيني المعاصر الذي يعاني من ضياع قسم كبير من مصادره التاريخية بحكم وقوع فلسطين تحت الاحتلال منذ بدايات القرن الماضي.

يوميات زعيتر (1967-1970) ... نظرة عامة

تضمنت يوميات زعيتر تفاصيل كثيرة تتعلق باهتماماته السياسية ودائرة علاقاته مع النخبة السياسية الأردنية والمناصب السياسية التي اطلّع بها، وجملة مواقفه وآرائه حول المستجدات المحلية والإقليمية والدولية، وكذا مواقف وآراء النظام السياسي الأردني، وجوانب من سير عمل المؤسسات الحكومية الأردنية.

لكن ما يكسب هذه اليوميات أهميتها، برأيي، يتعلق أساسًا باحتوائها على تفاصيل مرحلة حسَّاسة من تاريخ القضية الفلسطينية وسيرة مقاومتها المعاصرة، فهي تغطي فترة صعود المقاومة الفلسطينية في الأردن واشتداد عودها وتعزيز قدراتها على إيلام الاحتلال، ومضاعفة عدد منتسبيها من بضع خلايا تحوي عشرات الشباب الموزعين بين المغارات والكهوف إلى كتائب تحوي آلاف الفدائيين المرابطين في قواعدهم "الآمنة" على طول نهر الأردن، وتوتر علاقاتها مع النظام الأردني وصولًا إلى مواجهته ميدانيًا وخسارتها الساحة الأردنية، وستركِّز هذه المراجعة بشكل أساسي على ما أورده زعيتر بخصوص هذه المرحلة.    

واليوميات مهمة أيضًا بسبب صاحبها، إذ إنَّ صاحبها مرجع مهم في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وصاحب تجربة سياسية طويلة زمنًا وثرية كسبًا، وهو ابن البدايات وممن عاشوا الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل الانتداب، وكان لهم جهدهم فيها بحلْوه ومره، وابن النكبة، وما واكبها من أحداث جسام أثَّرت على مسار القضية الفلسطينية في عقودها اللاحقة، وهو ابن المرحلة التي كتب فيها يومياته، وكان حينها ما يزال وسط معمعان السياسة ودهاليزها، وهو يُمَثِّل فيما كتب جزءًا من النخبة الفلسطينية التي انحازت إلى النظام الأردني لكنَّها لم تناصب المقاومة الفلسطينية الفتية العداء.

كما أنَّها مهمة لكونها مصدرًا تاريخيًا، يضيء زوايا مسكوت عنها في الروايات الرسمية الأردنية والفلسطينية، وتتضمن تفاصيل تساهم في ترجيح رواية هنا أو سردية هناك، لهذا الطرف أو ذاك.

سيَّج زعيتر يومياته حول سنوات الأزمة بعددٍ من المسلمات، شكَّلت خيارًا استراتيجيًا وقناعات حكمت مواقفه في تلك المرحلة، وهي لا تقتصر عليه وحده، وإنما يشاركه فيها عدد من الفلسطينيين المشتغلين في بالشأن السياسي العام، ومن هذه المسلمات إيمانه بشرعية العرش الهاشمي وحكمه للأردن، وهذا عائدٌ لكونه وحدويًّا وعروبيًّا ينظر إلى التحالف مع أي دولة عربية باعتباره مكسبًا لقضيتي تحرير فلسطين والوحدة العربية، ويعتبر الأردن بارتباطاته الوثيقة بالقضية الفلسطينية، وبقربه الجغرافي من فلسطين والتصاقه القوي بشعبها، الدولة العربية الأكثر ملائمة للعمل انطلاقًا منها، رغم ضعفه داخليًا وهشاشة موقفه الإقليمي وعلاقاته بالغرب، إضافة إلى تبني النظام الأردني لمشروع سوريا الكبرى الذي آمن به زعيتر، ولا ننسى العلاقة التاريخية التي ربطت الوحدويين الفلسطينيين، بالعائلة الهاشمية وجدّها الأول الشريف حسين وابنه فيصل، والتي ساهمت في سلاسة انصهار بعضهم في النظام الهاشمي لاحقًا، كما أن زعيتر السياسي الخارج لتوه من النكبة ومآلاتها المدمرة، والمحتاج، كما عناصر النخبة التي ينتمي إليها، إلى الركون إلى قوة إقليمية، تحمي ما تبقى من مشروعه أو حتى تحميه على المستوى الشخصي، رأى في الأردن مآلًا وملجأً، إضافة إلى أنَّ الأردن كان وقتها دولة فتية تبحث عن الكفاءات ويمكن لها أن تشكل الحاضنة القريبة التي توفِّر لزعيتر وأمثاله الدور والمكانة.

وتتعلق المسلمة الثانية بقناعته بشرعية الحركة الفدائية في الأردن، وهذه مرتبطة بفلسطينيته ومنطلقاته الوطنية وتجربته السياسية ونضاله في الحركة الوطنية، وبالبعد العربي في القضية الفلسطينية، وإيمانه بحركة التاريخ وبقدرة الشعوب المحتلة على مواجهة الاحتلال والانتصار عليه.

أمَّا مصادر اليوميات، فقد توزعت بين ما كان شاهدًا عليه، أو سمعه من الإذاعة ورآه في التلفاز، أو قرأه في الصحف، أو سمعه من أصدقائه، ورغم أن النظام الأردني بمفاصله المختلفة شكَّل أهم مصادر معلوماته، فإنَّه لا يبدو متأثرًا به كثيرًا، ولا يتبنى روايته كاملة دون تحقق، ونراه يخالفها في بعض المحطات والمواقف، ويوجه لها النقد مما يمنح يومياته مزيدًا من المصداقية والموثوقية.  

المقاومة الفلسطينية في يوميات زعيتر

شكَّلت المقاومة الفلسطينية موضوعًا بارزًا في اليوميات، وجرى تناولها بشكل واضح في أغلب فصولها، وقد ذُكرت أول مرة في سياق حديث زعيتر عن رؤية النظام الأردني للحركة الفدائية، حيث ينقلُ قلقًا أردنيًا مبكرًا من الوجود الفدائي في الأردن وتوقيته، باعتباره عامل توتر مع الاحتلال، ينذر بتصعيدٍ يربك، ما وصفه، بحالة الإعداد على الجانب الأردني، ويؤدي إلى أعمال انتقامية بحق سكان الضفة الغربية، ويتحدث عن تصاعد الخشية الأردنية من تقاطر الفدائيين إلى الأردن وبداية تنفيذ هجمات ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقًا من أراضيه، في المقابل يكشف عن جانبٍ من النقاشات الدائرة في الأوساط السياسية الأردنية حول الحركة الفدائية والموقف منها، وعن وجود مقترحات للتنسيق معها، إضافة إلى تبلور قناة اتصال سرية بين النظام وحركة فتح بمبادرة من القيادي الإخواني كامل الشريف الذي سعى إلى المساهمة في تكريس الوجود الفدائي وشرعنته.  

وتكشف اليوميات عن موقف متوازن لزعيتر تجاه المقاومة الفلسطينية المسلحة في الأردن، فهو إذ يُسِّلم بحقها في مقارعة الاحتلال انطلاقًا من الأراضي الأردنية، ولا يتردد في نقد من وقفوا ضدها أو عملوا على إفشالها أو استئصالها من الأردن، فإنَّه ينتقد خطابها تجاه النظام الأردني، وسلوكها الميداني وما واكبه من مظاهر فوضى وعَبث مثل إطلاق النار في الهواء أثناء تشييع  جثامين شهداء الفدائيين، وحالات التخريب التي رافقت التظاهرات، والمواجهات التي اندلعت إثرها بين قوات الأمن الأردنية والفدائيين، وينتقد بعض استراتيجياتها الكفاحية مثل العمليات الخارجية، خصوصًا خطف الطائرات، لما لها من تداعيات سلبية، ويحمل على مبالغاتها في بياناتها العسكرية، ومطالبات بعض فصائلها بأن يتولى الفلسطينيون مهمة تحرير فلسطين في خطوة قد تؤدّي، حسب رأي زعيتر، إلى تملّص الدول العربية من تبعات التحرير ويعطيها الضوء الأخضر للدخول في تسويات سياسية مع الاحتلال.

 وتركِّز اليوميات على تجربة حركة فتح في الأردن، وتبرزها باعتبارها قوة مؤثّرة وصاعدة، تمتلك خطابًا وطنيًا تحرريًا، وتتصف بالانفتاح والمرونة على القوى المحلية والإقليمية، لكنَّها تعاني من مظاهر خلل بنيوية وسلوكية تتمثل في تردد قياداتها في اتخاذ القرارات الحاسمة، ومبالغتها في التنصّل من أي ارتباط لها بحركة الإخوان المسلمين، وابتعادها عمّا أسماه "أصولها الإيثارية"، وخضوعها لسحر الأضواء، وانتشار الفوضى والعنتريات في صفوفها، وتأثّرها بمواقف بعض القوى الفلسطينية المعادية جذريًا للنظام الأردني.

وتشير اليوميات إلى أنَّ استراتيجية فتح أثناء مرحلة الأردن قامت على إدراكها لأهمية الساحة الأردنية، كون الأردن يمتلك أطول حدود مع فلسطين، وإلى عدم اكتراثها لأية انعكاسات سلبية لعملياتها ضد الاحتلال على الأردن بما في ذلك قيام دولة الاحتلال باجتياح الأردن واحتلاله، وتبنِّيها خيار الانفتاح على رأس النظام وإبدائها رغبة في التنسيق معه، رغم عدم ثقتها به، وتواصلها مع بعض قيادات وكوادر الجيش الأردني وعناصره في الميدان، ومرونتها في التعاطي مع الإجراءات الحكومية الصارمة بحق بعض المحسوبين على المقاومة ممن اصطدموا بالنظام الأردني، وتعاملها بحكمة ورصانة وجنوح نحو التهدئة في ظلّ بعض الأحداث المؤسفة التي جرت بين النظام والفدائيين، مع نقمتها على بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية ممن مارسوا دورًا معطلًا للعمل الفدائي.

ومع تفاؤل زعيتر بحركة فتح وبسلوكها الثوري إلا أنَّه ما لبث أن ساورته الشكوك خصوصًا فيما يتعلق بإدارتها للشأن الفلسطيني الداخلي، وما وصفه بأنَّه محاولة منها للاستئثار بالمجلس الوطني، وقد وصل إلى قناعة أنها أخذت سريعًا تبتعد عن طهرية البدايات وتتخلى عن أصولها الإيثارية الزهدية. واتضح ذلك أكثر في تناوله لأبي عمار إذ امتدحه لما يتحلّى به من صدق وإيثار، ثمَّ عاد وانتقد بعض مواقفه مثل تلكئه في الاجتماع مع الملك حسين بُعَيْد معركة الكرامة، وتدخله في شؤون تكليف الوزارة، وشبَّهه بسلفه أحمد الشقيري من موقع الذَّم والتخطيء، وأصدر حكمًا نهائيًا عليه، بعيد أحداث أيلول سنة 70، معتبرًا أنَّه ليس الزعيم المنشود للحركة الوطنية الفلسطينية كما كان يظنُّ في البداية.

التوتر قانونًا ناظمًا للعلاقة بين المقاومة الفلسطينية المسلحة والنظام الأردني

تزخر اليوميات بتوثيق أجواء التوتر التي سادت العلاقة بين النظام الأردني والفدائيين، وتسجّل العديد من المواقف والأحداث الساخنة بين الطرفين من مشاحنات إعلامية إلى صدامات واشتباكات بالأسلحة وصولاً إلى لحظة الذروة في أحداث أيلول ما بين 17- 28 عام 1970، وتبيِّن مواقف كلّ من النظام الأردني والفدائيين وبعض القوى المدنية، وتسرد جملة المحاولات الرامية لرأب الصدع بين التطرفين، واللجان التي شُكّلت، والوساطات التي تدخّلت، والاتفاقيات التي وُقّعت، وتذكر بإسهاب الشخصيات التي صنعت الأحداث ومواقفها مثل الملك حسين ووصفي التل وبهجت التلهوني وياسر عرفات وأبو اياد وغيرهم، وتقدّم خلاصات وتقييمات للأحداث.

وتؤرّخ اليوميات لبدء التوتر بين الفدائيين والنظام الأردني، بحادثة تطويق القوات الأردنية لمخيم الكرامة في الثاني من شهر شباط عام 1968، وتعطي انطباعًا بعدم وجود إجماع داخل النظام الأردني حول التخلص من الفدائيين في تلك المرحلة، أمَّا الفدائيون فقد بدأوا بالرد على ممارسات قوى الأمن والضغط على الحكومة.

لا يتردد زعيتر في نقد الاشتباكات بين قوات الأمن الأردنية والفدائيين، ويقدم في يومياته تحليلًا لتصاعد الاحداث وصولًا إلى مواجهات أيلول فيرجعها إلى تجاوزات الفدائيين وضياع الحكم الأردني فيما وصفه بـ "متاهات اللاإبالية والهلهلة والجهل والتدجيل"، ويعتبر بأن الملك لم يتمكن من كسب ثقة الفدائيين، وأنَّ الفدائيين لم يكسبوا ثقة الملك.

وقد كان وقع أحداث أيلول على زعيتر شديدًا، ووصف اندلاعها بالقول: "يومان اكتوى فيهما قلبي بنار الألم، يومان لم أقوَ فيهما على كفكفة دمعي، ووددت لو لم يمرّا قبل أن يواريني التراب؛ أولهما يومَ صكّ مسمعي نبأ سقوط القدس بيد الصهيونيين، وثانيهما هذا اليوم الذي اشتعلت فيه نار حرب ضروس بين الجيش الأردني وبين الفدائيين، أي بين الجيش المرتجى لأعظم دور في إنقاذ البلاد المقدسة، الجيش الذي خاض معركة الكرامة ببسالة، الجيش الذي ظلّ مدة طويلة يحمي ظهور الفدائيين ويشتبك في قتال كل يوم مع القوات الإسرائيلية حماية للفدائيين، وبين الفدائيين الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم ليقدموها في سبيل إنقاذ الوطن. أُولئك الفدائيون الذين رفعوا الاسم الفلسطيني وبرهنوا للدنيا على أن الفلسطينيين لايزالون حراسًا لقضيتهم؛ أولئك الذين أحيوا الآمال ورفعوا معنويات الفلسطينيين، واليوم تقع الحرب بين الطرفين"[2] .

يسرد زعيتر بعضًا مما جرى في أيلول، ثمَّ يناقش إحصائيات الضحايا، ويرى بأن ما أوردته قيادة منظمة التحرير من إحصائيات غير دقيق، ويورد في يومياته إحصائيات الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث قدّر عدد القتلى بـ 3000، أمّا الحكومة فقدرته بـ700 قتيل من جميع الأطراف، ويثبت إحصائيات وزير الإعلام الأردني والتي أشارت إلى أن عدد القتلى 700 وعدد الجرحى 1300، والأسرى 6500، وعدد المحتجزين الذين أطلق سراحهم بجهود لجنة المتابعة بلغ 20 ألفًا.

وقدَّم تقييمًا مقتضبًا لتعاطي رموز المقاومة مع أحداث أيلول فأثنى على أبو إياد وعلى أبو اللطف، ولكنَّه انتقد تصريحات أبو عمار أثناء الأحداث ووصفها بأنَّها مستفزة وتحريضية، وغير دقيقة، ورأى بأنَّ كمال ناصر كان غير موفق في عمله ناطقًا رسميًا باسم الفدائيين، وجاء انتماء حواتمة للفدائيين بالبلاء العظيم على المقاومة.

وختم يومياته حول أيلول بتحديد مسؤولية كل طرف، فقد تمثلت مسؤولية الحركة الفدائية، برأيه، في  بعض شعارتها التي ألزمت نفسها بها والتي لا تمت للتحرير بصلة، من قبيل "أن الطريق إلى تل أبيب هي عمان" وشعارات " الخيانة" و"العمالة" و"الرجعية"، وإعلامهم التحريضي وممارساتهم غير المقبولة، وغرور بعض قادتهم، وتدخّلهم في  كل أمر وكأنهم هم الدولة، وانقسامهم إلى منظمات  بحيث استحال انقيادهم لقيادة واحدة، وتمكينهم لبعض السياسيين من الاتجار بالحركة الفدائية، وتنازعهم الصلاحيات مع الجيش، واتهامات لقيادته بالعمالة، وعجز زعيم فتح عن فرض انضباط الفدائيين، في حين تمثلت مسؤولية النظام الأردني في انتشار الفساد والرشوة والبحث عن المنافع الخاصة، وغياب الحكومة، وتزلف الحكومة للفدائيين، وتعطيل الحياة البرلمانية، كما أن الملك يتحمل بعض المسؤولية فهو الذي يختار الحكومة، واختيار أفراد حاشيته من أهم العوامل، وبعض أفراد حاشيته لا يترددون في الحملة على الحركة الفدائية والتشهير بها. أمَّا الدول العربية فتتمثل مسؤولياتها في أن بعضها لديه منظمات فدائية تابعة لها، تأتمر بأمرها، الأمر الذي حرم المنظمات الفدائية من الوحدة، وجعل أجندة بعضها تجاوز مسألة التحرير، وبعض الدول كانت تحرّض على الفتنة ولم تكن واسطة خير[3].

خاتمة  

نحن أمام نصٍ ممتعٍ وجذابٍ وجديرٍ بالقراءة، ويثري النقاش خصوصًا حول التجربة الكفاحية للشعب الفلسطيني في مرحلة الأردن، وما فاجأني فيه حقيقةً، ليس ما احتواه من تفاصيل على أهميتها، وإنما في قدرة كاتبه على الوصول إلى تحليلات رصينة وخلاصات دقيقة حول الواقع في الأردن والفاعلين السياسيين فيه، وأثبتت الأحداث اللاحقة وما تبعها من دراسات صدقها، كما أن النص بما احتواه من آراء ومواقف لزعيتر يُعَدّ بعضها شُجاعًا واستثنائيًا تدفع المهتمين إلى إعادة النظر في الموقف من جزءٍ من النخبة الفلسطينية التي انضوت تحت عباءة النظام الأردني بعد النكبة من أمثال صاحب اليوميات وقاسم الريماوي وداود الحسيني وغيرهم، ومحاولة تقديم فهم أعمق لطبيعة هذا الجزء ودوافع خياراته وسلوكه ومستوى تأثيره في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ فلسطين.  

 

 

 

 

[1] هذه الفقرة خلاصة لكتابات نظرية حول اليوميات لخيرية قاسمية ووجيه كوثراني وسميح حمودة وألكس ويندر وكامبرلي كاتز ونقاشات سابقة مع بلال شلش.

[2] يوميات أكرم زعيتر سنوات الأزمة (1967-1970)، ص 442.  

[3]يوميات أكرم زعيتر سنوات الأزمة (1967-1970)، ص 570-575.