فلسطينيو الداخل.. المعركة المؤجلة

إسلام أبو عون
آخر تحديث: منذ 4 أشهر



كتب:   إسلام أبو عون

يعيش الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة عام 1948 هذه الأيام واقعًا صعًا، وتتصدر أخباره وسائل الاعلام المحلية من عدة نَواح، فقد باتت ظاهرة العنف لدى العرب منتشرة بشكل كبير، وقلما يمر أسبوع  دون سقوط  ضحايا جدد وبطرق قتل مروعة أحيانًا، ويضاف لذلك انتهاكات الحكومة الإسرائيلية والتمييز وملاحقة النشطاء وتغييبهم في السجون بذريعة التواصل والتفاعل مع محيطهم العربي والاسلامي. بالإضافة إلى هدم الأبنية ومحاصرة التمدد الطبيعي للقرى والمدن الفلسطينية، كما لا يغيب عن المشهد حالة التشرذم بين القوى السياسية؛ ويظهر ذلك جليًّا في السباق الانتخابي المتكرر خلال العامين الماضيين.

و تعد ظاهرة العنف والفلتان من أبرز الظواهر المقلقة  لفلسطينيي الداخل، فقد أظهرت الإحصائيات تضاعف معدلات الجريمة بشكل كبير، وقد شهد العام 2020 تحديدًا، حسب الإحصائيات مقتل 113 شخصًا، في ارتفاع بلغ 20% عن العام الذي سبقه والذي قتل فيها 94 شخصًا،  فيما وصل مجموع الضحايا منذ العام 2000 وحتى نهاية العام الماضي لى 1517، ويلاحظ، حسب المركز العربي المناهض للعنف "أمان" المعد للإحصائية، أن معظمهم قتلوا بالأسلحة النارية.

وتتعدد أسباب انتشار الجريمة في القرى والمدن العربية منها: سياسات التمييز والعنصرية التي تقوم بها حكومة الاحتلال، حيث تولي مكافحة العنف في المناطق اليهودية اهتمامًا كاملاً بينما تغض الطرف عن الفوضى في المناطق الفلسطينية المحتلة، وتتعامل الشرطة مع تلك المناطق بمنطق العدو وليس المواطن الذي من حقه الحصول على الأمان، وساهم ذلك في فرض الأتاوة وانتشار جماعات الجريمة المنظمة، والتي باتت المناطق العربية مناطق عمل مريحة لها مقارنة مع التشديد في الإجراءات في المناطق اليهودية. كما تساهم الظروف الاقتصادية في زيادة معدلات الجريمة وخاصة في ظل تراجع القيم الاجتماعية والدينية ودور المؤسسات والأحزاب السياسية لصالح الفردية وبسط النفوذ والمجد الشخصي.

وبالتزامن مع حالة الفوضى الداخلية تشدد دولة الاحتلال الخناق على الفلسطينيين هناك، حيث يتم محاصرة الأصوات الوطنية والرافضة لدولة الاحتلال وملاحقتها وافتعال قضايا لمحاسبتها ومنعها من التأثير، ومن مظاهر ذلك حظر الحركة الاسلامية الشمالية والاعتقال المتكرر لرئيسها وعدد من كوادرها، ووصل الأمر إلى محاولات التصفية الجسدية التي أودت بمسؤول الحركة في يافا، وكادت تقتل رئيس بلدية أم الفحم سابقًا سليمان اغبارية.

لا تقتصر الانتهاكات على الحركة الإسلامية، فيضاف إلى ذلك وقوع اعتقالات متكررة لنشطاء وكتّاب تحت مبررات واهية كالتواصل مع أقرانهم في الدول العربية ومحاكمتهم عليها، وتحارب الحكومة الوسط الفلسطيني بالضرائب المتكررة والتعنت في إصدار تراخيص البناء ومحاصرة امتداد المدن والقرى العربية عبر زرع المستوطنات والقرى الزارعية في محيطها، كما تقوم بهدم القرى البدوية بشكل متكرر سعيًا منها لتهجيرهم وتقليل المساحة التي يتحرك فيها الفلسطينيون في الداخل، ويأتي ذلك في ظل تصاعد اليمين الصهيوني وتلاشي أصوات اليسار ومنظمات السلام التي كانت تحاول جسر الهوة وإعطاء الأمل للعرب لاندماجهم في الكيان الإسرائيلي كمواطنين كاملي الحقوق وهو ما يستحيل في ظل مطالبة قانون القومية وإصرار "إسرائيل" على معاملتها دولة يهودية.

وفوق ذلك تزيد التشرذمات السياسية في الداخل الواقع سوءًا، وتتلاعب الحكومة الصهيونية بالأحزاب العربية، والتي تنحصر خياراتها بين التوصية ببني غانتس أو الدعم الخفي لنتنياهو، الذي بات يرى  نفسه، بعد موجة التطبيع العربية، أحق بأصوات العرب من القوى السياسية العربية المنخرطة في انتخابات الكنيست، وفي ذلك إغلاق آخر أمام الحياة السياسية ولو بالحد الأدنى الذي كان سائدًا.

يستخلص من الواقع الصعب للفلسطيينين في الداخل المحتل استحالة التعايش مع الاحتلال، واقتراب لحظة الانفجار في وجه دولة الاحتلال، والذي بدأت إشاراته بالمظاهرات الواضحة شعاراتها في أم الفحم وطمرة وغيرها، والتي تعطي أملاً أكبر في عودة الفلسطينيين في مجملهم في الداخل لعمقهم العربي والإسلامي بعد تبخر احتمالات الاندماج مع دولة الاحتلال لدى شريحة معينة، مع الإقرار بالدور البطولي لشريحة واسعة من فلسطينيي الداخل ساهمت بشكل كبير في النضال ضد الاحتلال، وفي ذلك  مصلحة للقضية الفلسطينية، والتي ستتحصل على مراكز قوة في الخاصرة الرخوة لدولة الاحتلال، وستساهم بشكل كبير في تعزيز نقاط القوة أملاً في دور مركزي في معركة التحرير الشاملة سابقًا.."وَيَقولونَ مَتى هُوَ قُل عَسى أَن يَكونَ قَريبًا"