قراءة في الملف النووي الإيراني

حذيفة حامد
آخر تحديث: منذ 3 أشهر
كتب: حذيفة حامد

يكتسب البرنامج النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط منذ كشف المعارضة الإيرانية عنه في مؤتمرٍ صحفي بالولايات المتحدة العام 2002، زخمًا سياسيًّا وإعلاميًّا، حوّل تركيز السياسة الخارجية الأمريكية ودور القوى الدولية تجاه المنطقة إلى الاهتمام بالملف وتعقيدات.

يعرف المختصون أن لإيران طموحًا، في مجالي الطاقة والطاقة "الكهرونووية" منذ ستين عامًا، زمن حكم الشاه بهلوي-حليف أميركا السابق، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي انطلق ماراثون السباق النووي في منطقة الشرق الأوسط، وتمكنت "إسرائيل" -إضافةً إلى باكستان- من امتلاك قدرات نووية، بمساندة دول عظمى كفرنسا.

كانت إيران، بدورها، تسعى إلى ذلك برعاية الولايات المتحدة، لكن التحول المفاجئ والجذري، وهو الثورة الإيرانية 1979، عطّل المشروع برمته، وانعكس في علاقات إيران "الخمينية" دوليًّا وإقليميًّا، ضمن محددات الثورة وشعاراتها: "الولايات المتحدة الشيطان الأكبر".

بعد انتهاء الحرب الإيرانية- العراقية عام 1988، شرعت الإدارة الإيرانية في سياسات أمنية وعسكرية، جراء هزيمتها على يد العراق. وكانت أهمها: إعادة الاعتبار للمشروع النووي وسبل تطويره واستخدامه. وهي ركيزة في رؤية النظام ومؤسساته لمكانة إيران الدولية وتمددها في الخليج والمنطقة العربية عمومًا.

خلال الفترة 2002-2015 التي سبقت توصل إيران ومجموعة 5+1، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، لصيغ التفاهم المشترك بين الأطراف المعنيين حول الأزمة (اتفاق لوزان)، لعبت الهوية الإيرانية دورًا هامًّا في الخطاب الرسمي للدولة (المرشد ورئيس الجمهورية) تجاه "الآخر"، وهي مزيج مركب من القومية الفارسية والوطنية الإيرانية إضافةً للصبغة الدينية الشيعية. والأخيرة أرساها ورسّخها في منظومة الحكم، آية الله الخُميني في مخياله، "ولاية الفقيه"، وتاليًا علي خامنئي مرشد إيران منذ العام 1989.




تتحرك مراكز صنع القرار في إيران داخليًّا، وعلى مستوى العلاقات الدولية في إطار يُقيد السياسات بـِ "خطوط حمراء" لا تخرج عنها، لاعتبارات تُذكّرهم بالإمبراطورية الفارسية وتراثها الرافض للخضوع، والتمسك بثوابت "إيران الثورة" المحرك الرئيس لمفاوضاتها مع الدول والحكومات.

تعي إيران أن النظام الدولي الحالي يشهد صعودًا لدولٍ في مناطق مختلفة، اقتصاديًّا وعسكريًّا، وأن لموقعها الجيوسياسي مكانة تتطلب المواءمة بين وضعها الداخلي والعالمي، فهي من جهة تتمسك بثوابت إيديولوجية ترفض "الاستكبار والهيمنة الإمبريالية" وإن تغيرت أساليبها، ومن جهة أخرى تدرك بأن تحقيق مصالحها يأتي بسياسة تفاوضية مدروسة، عُمرها آلاف السنين.

لا شك بأن إيران وظّفت الملف النووي في علاقتها المتوترة مع الولايات المتحدة، وتمكنت من استجلابها لدائرة "الأمر الواقع"، الذي صنعته. وتعرف إيران خطورة فشلها في الملف النووي، فبدونه تهوي إلى قاع المحيط، وتخسر فرصة التفاوض.

لذلك راوغت إيران طيلة العقدين الفائتين، فتسببت بتشتيت دول الجوار عبر هاجس "الردع النووي"، وقلبت معادلات الصراع في العالم العربي إثر تدخلها في العراق وتفكيكه، بتقديم المساعدة للقوات الأمريكية، بحسب ما يقول النائب السابق للرئيس الإيراني، علي أبطحي: "لولا الدور الإيراني المتعاون لما تمكنت أميركا من إسقاط [...] بغداد"، وتنعكس هده العلاقة المركبة في سياسة الرئيس أوباما الذي انتهج سياسة الاحتواء والدبلوماسية مع إيران وليس الرئيس بوش (الابن). هنا تتقاطع مصالح البلدين في مبادئ المرشد الإيراني وعقيدة باراك أوباما.

القناعات التي تُسّير إيران للمُضي قُدمًا في المشروع النووي لها عدة دلالات استراتيجية، في أغلبها، وتنفيذًا لمخططاتها، فأولها إرث إيران الفارسي وأحلام الإمبراطورية (جامعة الأقليات والإثنيات)، وضرورة توسيع جموحها وتوجهاتها في محيطها العربي، تحديدًا، ولعل تهديدها لبلدان الخليج العربي، ونفوذها في سوريا، ودعم الجماعات الشيعية التابعة لها في العراق، واللعّب على توازنات الحرب اليمنية، دليل على نظرة إيران لمنطقة العرب وابتلاعها لاحقًا.

ثانيها، إدراك طهران لمحيطها الإقليمي، فتركيا السُنية في صعود سياسي وعسكري واقتصادي يؤتي أُكله، وطموح ومساع لقيادة العالم الإسلامي، و"إسرائيل" دولة عدوة ودخيلة للمنطقة، وتملك قدرات تكنولوجية واقتصادية ونووية، وأحلام بالهيمنة على المنطقة أيضًا، وحتى دول الخليج العربي، فهي محط اهتمام دولي لاحتوائها على النفط والغاز الطبيعي، ووقوعها على منافذ بحرية تجوب فيها أساطيل حلفائها الغربيين.

ثالثها وأهمها، أن إيران روّضت مساعيها النووية لتقوية استراتيجيتها المدعّمة من برنامجها النووي، وحاولت فرض الشروط وطرح الأفكار في المحافل الدولية، والتعنت في تقديم التنازلات فيما يخص اتفاق 2015، فأفضى انسحاب إدارة ترامب منه إلى ترقُب دولي بأيهما (بايدن وإيران) يبدأ بوقف "انتهاكه"، ويعلن التنازل، وتجدر الإشارة هنا إلى أن "استئناف" الاتفاق الإيراني (5+1) لا يعني ترطيبًا للعلاقة بين طهران وواشنطن؛ إنما قطع شوط في جولات المواجهة الأمريكية- الإيرانية.

في العلاقات الدولية ليس هنالك رابح دائم وخاسر دائم، ورغم أن إيران عوقبت اقتصاديًّا وحوصرت سياسيًّا، لكنها حققت بعضًا ممن تبتغيه، فالمشروع النووي الإيراني يقطع جولات للوصول إلى النهاية ولا رجعة عن ذلك، والولايات المتحدة ضغطت على طهران لكنها لم تدمر منشآتها النووية (على الأقل في آخر عقدين)، على خلاف ما جرى للعراق الذي ضربت "إسرائيل" مواقعه النووية عام 1981؟

تعطينا التجربة الإيرانية وسياستها الخارجية، أن الدول مهما افتقدت للمقومات التي تحتاجها في مسعى "فرض الذات"، إلا أن الإرادة الوطنية والحنكة السياسية، ضرورتان وخياران في لعبة الأمم، ولا ضير إذا كانت المراوغة استراتيجية العرب.