كيفَ تحضرُ انتفاضةُ الأقصى فينا الآن؟!

-

ساري عرابي
آخر تحديث: منذ أسبوعين
تحميل المادة بصيغة PDF

كيفَ تحضرُ انتفاضةُ الأقصى فينا الآن؟!

ساري عرابي

تعود الأوساط الصهيونية لوصف عملياتها التي تلاحق بها المقاومين الفلسطينيين في الضفة الغربيّة، بـ "جزّ العشب"، وهو مصطلحٌ أخذ بالظهور مع عملية "السور الواقي"، التي اجتاحت بها قواتُ الاحتلال، مناطق (أ) في الضفّة الغربيّة. وإذا كانت العملية قد استمرّت من آخر مارس/ آذار 2002 وحتى يوليو/تموز من العام نفسه، فإنّ تبعاتها مستمرّة حتى اللحظة، فقد سحقت حكومة الاحتلال حصانة مناطق (أ)، المنبثقة عن اتفاقية أوسلو، ولا يبدو أنّ الاحتلال في وارد التراجع عن هذا التجاوز الجوهري لتلك الاتفاقية، ولاسيما في مستوياته الأمنية والعسكرية. بفعل هذا الوضع فإنّ ملاذات المقاومة المحتملة تخضعُ لاستهدافٍ مُزدوج مكثّف، فالسلطة التي شاركت قطاعاتٌ منها في الانتفاضة الثانية؛ تتجرّد من هذا الموقف الآن تماماً.

لا تقتصر عمليةُ الربط بين ملاحقة المقاومة في هذا الوقت، وبين ملاحقتها أثناء انتفاضة الأقصى، على مجرّد استدعاء مصطلح "جزّ العشب"، بل بالربط المباشر بين النشاط الأمنيّ الصهيونيّ الجاري، وبين لحظة عملية "السور الواقي". وذلك كما في مقالة ليوآف ليمور، في صحيفة "إسرائيل اليوم"، يقول فيها، معلقاً على العمليات الأمنيّة التي شنّها الاحتلال ليلة 26 سبتمبر/أيلول، في كلٍّ من منطقتي شمال غرب القدس، وبرقين/ جنين، وأدّت إلى ارتقاء خمسة شهداء، إنَّ حملة "جزّ العشب" المفتوحة منذ عملية "السور الواقي" هدفها "اجتثاثُ" المقاومين ومنعُ انبعاثِ العمليات.

يبني الاحتلال، في تحفّزه الأمنيّ الجاري، على لحظةِ انتفاضة الأقصى والتي عدّها في حينه استمراراً لحرب "استقلاله"، مما يعني أنّها كانت واحدةً من أهمّ مفاصل قلقه الوجوديّ المزمن. وإذا كان هذا القلق يستدعي كياناً أمنيّاً خالصاً، فإنّ المراكمة على لحظة الخبرة الأمنيّة المكثّفة في الانتفاضة الثانية، ستكون واحدةً من أهمّ سياسات الاحتلال في الضفّة الغربيّة.

يمكن تقسيمُ سياسات الاحتلال، المتراكمة على لحظته الأمنيّة القصوى في انتفاضة الأقصى، إلى ثلاثة مستويات، الأوّل: الهندسة الاستعماريّة التأسيسية، والثاني: تطوير أدوات الرصد والمراقبة وتوسيع دوائر عملها، والثالث: استنزافُ كوادر فصائل المقاومة وعناصرها. ومن نافلة القول إنّ هذه المستويات متداخلة للغاية، كما أنّها مرتبطة على نحوٍ وثيقٍ وعضويٍّ بسياسات الهندسة الاجتماعيّة، والتي يأتي في القلب منها مشروعُ "السلام الاقتصادي"، وإعادة هندسة المجتمع الفلسطينيّ بالارتكاز إلى دور السُّلطة في تحييد الجماهير عن الاشتغال بالشأن العام، وهذه الاستفادة الأهمّ للاحتلال من استمرار مشروع السلطة، الذي أُعيد إنتاجه بعد العام 2007.

يُقصد بالهندسة الاستعماريّة التأسيسيّة منظومة الإجراءات التي شقّها الاحتلال وبناها في الواقع الجغرافيّ للضفّة الغربيّة. ومن أهمّ مفرداتها: الحواجز الثابتة الكبرى والصغرى، وأبراج المراقبة والبوّابات الحديديّة، والجدار العازل، والطرق الالتفافية، وإعادة تنظيم خطوط المواصلات بين تجمّعات الفلسطينيين، وإعادة تنظيم خطوط المواصلات بين تجمّعات المستوطنين، وعزل بعض القرى بنظامٍ أمنيٍّ خاص، وإحكام فصل الضفّة الغربية، عن القدس وعن الأراضي المحتلة عام 1948، فضلاً عن التوسع الاستيطاني.

وهذه الإجراءات منها ما يتّسع إلى الدرجة التي تتيح القول بأنّ مشروع الضمّ منجزٌ في الواقع إلى حدّ بعيد. بيد أنّه، وإلى جانب الأهداف السياسية الاستيطانيّة، والعسكريّة الإستراتيجية، من مجموع هذه الإجراءات، فإنّ الأهداف الأمنية الرامية إلى شلّ الحركة الفلسطينية قابعةٌ في عمقها، من تقسيم الضفّة إلى معازل كبرى، وتعزيز أدوات الضبط والسيطرة في مفاصل الحركة الفلسطينية، ممّا يجعل حركة الفلسطينيين بين تجمعاتهم دون المرور بأدوات الرصد مستحيلة.

يتَّصلُ بهذا المستوى من البناء الهندسيّ، البناءُ التقني، والذي يظهر للفلسطينيين طرفٌ منه، يتمثل بالدرجة الأولى بالكاميرات فائقة القدرة، والتي تفترشُ طول الطرق الالتفافية، ولاسيما، مفاصلها، بالإضافة إلى عموم "المفارق"، ونقاط الوصل، في العديد من الطرق الفرعيّة والثانويّة، وعلى عديد الأبراج والحواجز المتحكّمة بمفاصل الحركة. وهو ما يفسّر عجز جميع أصحاب العمليات على الطرق والحواجز عن إطالة أمد مطاردتهم، والمراكمة على أعمالهم، فضلاً عن إخفاء هوياتهم. وغير بعيدٍ عن ذلك، رصد أحاديث الشخصيات الفلسطينيّة المنظورة لدى الأمن الإسرائيلي، والمتوقع منها استئناف نشاطها، بالتجسس على هواتفها، وبزرع أجهزة تنصتٍ في بيوتها، يصعب إيجادها، وذلك أثناء اقتحام البيوت.

الكثير من هذه الإجراءات متوقّعة بطبيعة الحال، لكن يجدر القول إنّها تراكمت وتضاعفت منذ انتفاضة الأقصى، ولا تنفكّ عن سياسات "جزّ العشب"، فالاحتلال يسعى إلى تقليص الدوائر الخطرة، بالاستنزاف المتواصل لعناصر فصائل المقاومة، بما يفضي إلى تحييد أكثرهم، بعمليات الاعتقال المستمرّة، التي تراهن على إنهاك المعتقل، وتقدّمه في العمر، مما يحرم تجربةَ العمل المنظّم من مراكمة الخبرة، على عكس الاحتلال الذي لم يزل يراكمُ في خبراته وقدراته.

ألقت فصائلُ المقاومة كادرها وصفّها الأوّل في أتون الانتفاضة الثانية، وهو ما انتهى بهم إمّا إلى الشهادة، أو الاعتقال الطويل، أو إبعاد بعضهم لاحقاً خارج الضفة في صفقة "وفاء الأحرار"، ليقوموا بدور قياديّ للداخل من الخارج، دون القدرة الكافية على إدراك المشكلات المعيقة، بمعاينتها كما هي في الواقع، فضلاً عن مفارقة الانغماس في واقعٍ مباينٍ للميدان الفعلي. ومن تبقى؛ إمّا استنزفته الملاحقةُ المستمرّة، فحدّت من فاعليته، أو حرمته الاعتقالات المتتابعة من مراكمة أيّ عمل ذي جدوى.

يُستخلص من ذلك، أنّ فصائل المقاومة في الضفّة الغربيّة، التي تفكّكت بناها في ضربتين متصلتين، في حملة "السور الواقي"، ثمّ فيما تلا الانقسام في العام 2007، عانت من قصوريْن مزمنَيْن، الأول: في العجز عن مواكبة المراكمة الأمنية الاستعمارية، أو التكيف الإيجابيّ معها، بابتكار أساليب عمل تتحايل على المنظومة الأمنيّة الصهيونيّة المركّبة في مستوياتها الثلاثة المذكورة، وما يمكن أن يضاف لها فلسطينيًّا كذلك. وهو أمرٌ يحتاجُ إلى إعادة النظر في البنى التنظيمية العامّة لهذه الفصائل، والتركيز بالبحث في هذه الساحة الأساسية، والمساءلة عن الإنجاز فيها، واستعادة العمل التكاملي داخل التنظيم الواحد، بما يكسرُ سياسات الفصل الاستعمارية الكبرى ما بين (ضفة، وغزة، وقدس، وخارج)، وتحديد أولويات العمل وفق حاجة برنامج المقاومة، ولتعويض عمليات الاستنزاف في الكادر الأساس، ولاستيعاب العناصر الجديدة المتأثّرة بالدعاية العامّة للمقاومة أكثر ممّا هي متّصلة مباشرة بفصائل المقاومة.

وأمّا القصور الثاني، ففي تعزيز صمود الكادر المرابط داخل الضفّة والقدس، والذي يعاني سياسات الاستنزاف والحصار والإفقار والحرمان، وضيق الفرص. وينبغي لأجل إنجاح سياسات تعزيز الصمود، تحويل هذا الكادر إلى رأس المال الحقيقي الذي يُستثمر فيه، فاستنزاف الكادر، هو العامل الأهمّ في المنظومة الأمنية الصهيونية المركّبة، وعملية تعزيز الصمود هذه، ينبغي أن تكون متعدّدة العناصر، وفي طليعتها العنصر الاقتصادي، بالإضافة إلى العناصر المعنويّة والثقافيّة، وإعادة الدمج والاستنهاض المستمرّة.

 

وإذا كانت انتفاضة الأقصى ما تزال حاضرة في عمليات البناء الأمنيّ الاستعمارية، والتي تجاوزت في أهدافها مقاصد "كيّ الوعي" كما بدت أوّل الأمر، إلى أهداف أمنية واستراتيجية، وحاضرةً في استمرار عمليات الاستنزاف على الكادر الذي يمتلك الخبرة والتجربة، فإنّها من جهة أخرى مستمرّة في بنية المقاومة في غزّة، فتباين سياسات الاحتلال بين الضفّة الغربية وغزّة، أفضى بالاحتلال إلى استكمال انسحابه من غزّة عام 2005، في ذيول انتفاضة الأقصى.

لقد دخل شارون المسجد الأقصى، وبدأت الجماهير بالزحف من الجامعات والمساجد ومراكز المدن، إلى حواجز الاحتلال، ونقاط الاشتباك معه، وفصائل المقاومة، في غزّة والضفّة، غير قادرة، على مواكبة حركة الجماهير عسكريّاً، أو تعويض الخسائر البشرية، الناجمة عن سياسات القتل الواسع التي انتهجها الاحتلال بحقّ الجماهير العزلاء في مطلع الانتفاضة، وذلك للضعف والتفكيك الذي عانته فصائل المقاومة بعد دخول السلطة الفلسطينية غزّة عام 1994، والضفة الغربية أواخر 1995، حتّى وفّرت انتفاضة الأقصى في ذلك الحين، بما أتيح لها من شروطٍ موضوعيّة، للفصائل فرصة إعادة البناء والانغماس فيها.

دخلت فلسطين معركتها تلك بكلّيتها. ساهمت في مطلعها جماهير الأراضي المحتلّة عام 1948، ثم تكثفت في الضفّة الغربية، والقدس، وقطاع غزّة، وساهمت كوادر عائدة من الخارج في تنظيم مجموعات الداخل وتدريبها، فخاض الجميع المعركة الواحدة معاً، وفي حين فرضت جغرافيا قطاع غزّة وطبوغرافيته، نمطاً من العمل المنظّم اتّسع في تشكيلات شبه نظاميّة، ساعد على نظمها وضبطها المركزي إمكانية التواصل التنظيمي الناجمة عن التحرّر النسبي من الوجود البشري للاحتلال، وهو ما استكمل لاحقاً في انسحاب 2005، فإنّ تداخل الضفّة، في حينه، مع القدس والأراضي المحتلة عام 1948، وموقع الضفّة من الرؤية الاستعمارية والإستراتيجية للاحتلال، وهو ما تأكد في اجتياحات 2002، فرض على الضفّة نمطًا من عمل العصابات، والمجموعات الضيقة الصغيرة هشّة الاتصال المركزي، وحمّلها عبء سدّ الفارق بين قتلى الاحتلال وشهداء الفلسطينيين، مما كثّف من استفراغها وِسعَها في صبّ كادرها الأساس، وصفّها الأوّل، في أتون الانتفاضة الملحمي، والتركيز على النمط الاستشهادي، سعياً وراء الإثخان، ولردع آلة القتل الصهيوني الواسعة.

كانت المعركة واحدة، ولم يكن ثمّة سؤال عن الضفّة أو غزّة، بيد أن مآلاتها تفاوتت، على النحو الذي ذكرناه أولاً في الضفّة، وعلى النحو الذي أفضى بالاحتلال للانسحاب من غزّة، مما وفّر للمقاومة فيها فرصة تعظيم قدراتها، ومراكمة خبراتها، واستيعاب الضربات وتعويض الناجم عنها، ولاسيما الخسائر البشرية. وهي الفرصة التي تعزّزت بعد الانقسام الفلسطيني، والذي كانت مآلاته بدوره متفاوتة كذلك، لا بسبب تفاوت رؤية الاحتلال الإستراتيجية والاستعماريّة للموقعين فحسب، ولكن أيضاً لتفاوت السياسات المحلية كذلك، بين سياسات داعمة للمقاومة، وأخرى معاكسة لها تماماً.

لكن الشاهد في الأمر كلّه، أنّ بنية المقاومة التي في غزّة الآن تأسّست على لحظة كفاحيّة واحدة، خاضتها الجماهير الفلسطينيّة في الضفّة الغربية وغزّة معاً، فما تراكم للمقاومة في غزّة، وما خاضت به حروبها، كلّه مبنيٌ على تلك اللحظة الواحدة، مما يعني استمرار انتفاضة الأقصى بنحوٍ ما في غزّة، وبما يستدعي إعادة النظر في كيفيات عمل فصائل المقاومة لتستعيد رؤيتها التكاملية المتجاوزة للتقسيم الجغرافي الاستعماري، ولتستفيد من عِبَر التجربة، وتجعل في أولوياتها تعزيز صمود كوادرها في مواقعهم.

  • المصدر: موقع متراس