لماذا تتأخر الحرب على الجبهة الشمالية؟

-

عماد أبو عواد
آخر تحديث: منذ شهر
تحميل المادة بصيغة PDF

تقدير موقف

لماذا تتأخر الحرب على الجبهة الشمالية؟

عماد أبو عواد

منذ ما يزيد على سبع سنوات، ورياح المواجهة على الجبهة الشمالية قائمة ما بين إيران وحلفائها من جانب، وما بين "إسرائيل" التي تسرح وتمرح في الساحة السورية، من جانب آخر. لم تُخف "إسرائيل" استهدافها المُستمر لما تُسميه الخطر القادم من الشمال، ليس من حزب الله فحسب، بل ممن تصفهم بالميليشيات الموالية لإيران والتي توجد بالقرب من الحدود السورية، ولكن رغم ذلك يبقى حزب الله من وجهة النظر الإسرائيلية، الخطر الأهم الموجود على شمال الحدود الفلسطينية المُحتلة.

صحيح أنّ دولة الاحتلال ثبتت معادلة ردع مهمة مقابل حزب الله ما بعد العام 2006، وهي ذات معادلة الردع التي استطاع الحزب كذلك تثبيتها، الأمر الذي قاد إلى قناعات متبادلة أنّ التصعيد والعودة إلى حرب طويلة كتلك التي كانت في العام 2006 قرارٌ ليس بالسهل، وأمر عواقبه قد تكون أكثر سوءًا من نتائج الحرب الأخيرة ما بين الجانبين. فهناك الكثير من العوامل التي تؤخر الحرب ولا تنفي احتمالية وقوعها على المدى المتوسط أو البعيد.

  1. قدرات حزب الله الصاروخية، فبحسب التقديرات الصهيونية، فإنّ الحزب يمتلك مخزونًا صاروخيًّا كبيرًا، الأمر الذي يعني شلل الحياة في "إسرائيل"، ودخول ملايين المستوطنين إلى الملاجئ، في صورة مشابهة لتلك التي كانت في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وهذا يأتي في ظل عدم جاهزية الجبهة الداخلية الإسرائيلية للحرب وفق تقديرات المستويات المختلفة.
  2. الواقع الداخلي في لبنان، فالأزمة الداخلية والتي انسحبت على كافة القطاعات، في ظل انتشار كبير للفقر، ونقص غير مسبوق في الكهرباء والخدمات العامة، والأزمة السياسية اللبنانية، تجعل حزب الله أكثر تحفزًا للحرب، التي قد تكون عاملاً من عوامل ترتيب الأوراق الداخلية في لبنان، بل ويُمكن فهم ردّ الحزب على الانتهاكات في سياق رغبته في إشعال الجبهة الشمالية، خاصة في ظلّ تربص العديد من الأطراف الداخلية به.
  3. الحرب الأخيرة على قطاع غزة أثبتت جوانب ضعف كثيرة لدى "إسرائيل"، أهمها عدم قدرتها على خوض حرب برية، وعدم جاهزيتها لحرب طويلة المدى، وهذا السياق ينسحب أيضًا على الجبهة الشمالية، فحرب طويلة المدى مهما كان ثقل القصف الصهيوني فيها، بفعل امتلاكه التكنولوجيا والذخيرة، فإنّ الحرب لن تُحسم إلّا بدخول برّيّ إلى الأراضي اللبنانية، التي وفق تقديرات الجيش الصهيوني ستحصد عددًا كبيرًا من القتلى في صفوف الجيش، وستحتاج ربما إلى شهور طويلة، وهذا يتنافى مع الفكر الجديد لقيادات الجيش الصهيوني، إلى جانب أنّ خوض الحرب البرية بات مرفوضًا شعبيًّا في دولة الاحتلال، فمن الجانب الأول لا يتقبل الأهالي فقدان أبنائهم، ومن الجانب الآخر فالحرب الطويلة تتعارض مع نمط الحياة المرغوب، خاصة لسكان منطقة "جوش دان".
  4. التدمير ليس حلاً، قناعة المقاومة بأنّ أكثر ما ستقوم به "إسرائيل" هو التدمير الذي لم يعد عاملاً مؤثّرًا أو حاسمًا في الحروب، بل على العكس تمامًا، ورغم أنّه يُشكل حالة ردع تمنع المقاومة من التفكير بخوض الحروب المتقاربة، لكنّه في ذات الوقت لم يمنع الحرب أو الاستعداد لها، والأهم أنّ أي تصعيد قادم ربما يتمكن حزب الله من الحد من القدرة التدميرية للاحتلال من خلال استخدام مضاد الطائرات، أو ربما استخدام مسيرات حربية تؤدي هي الأخرى مهام قتالية تردع الاحتلال، يُضاف إلى ذلك أنّه رغم حجم الدمار الذي أحدثته "إسرائيل" في لبنان عام 2006، لم يمنع الحزب من امتلاك ذخيرة أضعاف ما كان لديه وفق التقديرات الإسرائيلية، الأمر الذي حول الدمار إلى رادع مؤقت ولكن ليس حاسمًا، وبالتالي هذا أيضًا انعكس على قرار "إسرائيل" في الحرب، فقد باتت أقل تلهفًا واستعدادًا لها، كون أدواتها لم تأتِ بالهدوء الذي تطمح اليه.
  5. وجود إيران في المعادلة، فجهوزية إيران الكبيرة في مساندة حزب الله، عامل إضافي مهم من أجل تخفيف توجهات "إسرائيل" الحربية، فالأخيرة تخشى من وجود دعم كبير للحزب أثناء الحرب، قد يؤدي إلى إشعال جبهة الجولان من خلال دعم إيران لبعض حلفائها هناك، كما أنّ إيران لن تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي في حال المواجهة، خاصة في ظل المعادلة السورية المعقدة، وكذلك التربص الداخلي بحزب الله، لأنّ خسارة كبيرة لحزب الله ستنعكس سلبًا، ليس فقط على صورة إيران، بل على وجودها في المنطقة.
  6. اللاعبون الكبار ودورهم في رسم حدود المواجهة. وجود اللاعب الأمريكي والروسي في المنطقة، يجعل من اتخاذ القرار أمرًا معقدًا، فالدولتان الكبيرتان غير معنيتين بحرب واسعة وشاملة، وأمريكا ستكون أكثر ضغطًا على "إسرائيل" لمنعها من الذهاب باتجاه الحرب، خاصة مع التوجه الأمريكي الجديد بتخفيف وجودها في المنطقة. كما أنّ روسيا المعنية جدًّا بالساحة السورية، هي الأخرى تملك أوراق منع الحرب من خلال علاقاتها المُميزة بكلّ من إيران و"إسرائيل"، خاصة في ظل القناعات المختلفة أنّ الحرب الشاملة لن تكون مضمونة النتائج.
  7. جبهة غزة ليست مأمونة الجانب. حرب في الشمال قد تقود إلى فتح الجبهة الجنوبية مرّة أخرى، ويأتي ذلك في ظل تذمر الشارع الفلسطيني في غزة وفصائل المقاومة من عدم تطبيق الوعود التي قدمها الوسطاء للوصول إلى تهدئة، فربما الحرب في الشمال ستكون فرصة للمزيد من الضغط على الاحتلال وتخفيف الضغط عن غزة، كما أنّ الحرب قد تؤدي إلى تصاعد الأحداث في الداخل المحتل والضفة الغربية بما في ذلك القدس، الأمر الذي تؤكد الدراسات الإسرائيلية والتقديرات الأمنية عدم قدرة الدولة العبرية على احتماله.
  8. الائتلاف الحكومي الهش، يجعل القرارات المصيرية في غاية الصعوبة والدقة، فالحرب قد تؤدي لانهيار الائتلاف، والفشل فيها يعني اندثار بعض الأحزاب عن الساحة السياسية، ويأتي ذلك مع وجود انسجام كبير بين القرار الإسرائيلي والأمريكي فيما يتعلق بالخطوات تجاه إيران، فلم تخفِ إدارة بايدن ارتياحها من التعامل مع حكومة بنت، التي رأت النور بعد زيارة بيني جانتس للولايات المتحدة بثلاثة أيام. من هُنا فقرار الحرب الشاملة لن يكون قرارًا اسرائيليًّا خالصًا، فيد الولايات المتحدة ستكون فيه بوضوح كبير.

يبقى سيناريو الحرب على الجبهة الشمالية مستبعدًا خلال الفترة الحالية، لكنّ حدثًا واحدًا كبيرًا، قد يُخرج الأمور عن السيطرة والأوضاع عن القدرة على ضبطها، ورغم أنّ المواجهة غير المباشرة بين إيران و"إسرائيل" ازدادت وتيرتها خلال العامين الأخيرين، في ظل العداء الإستراتيجي بينهما، لكنّ ذلك لا ينفي وجود مصلحة مشتركة لكلا الطرفين بتأجيل الحرب لأطول مدى ممكن، خاصة أنّ برنامجيهما في المنطقة يتحققان إلى حد كبير.