مراجعة كتاب "درب الأشواك" للأسير سليم حجة

-

عوني فارس
آخر تحديث: منذ أسبوع
تحميل المادة بصيغة PDF

مراجعة كتاب

كتاب "درب الأشواك" للأسير سليم حجة

عوني فارس

باحث في التاريخ

 

تكتسب سِيَر ومذكرات قادة وكوادر المقاومة الفلسطينية المسلحة أهمية كبيرة، كونها واحدة من أبواب التدوين لجوانب من حكاية الكفاح الفلسطيني المسلح ضد الاحتلال، وتزداد أهميتها، إذا عرفنا أنَّها تتمحور حول المقاومة في الأرض المحتلة، تحديدًا تلك التي سطَّرتها كتائب القسام منذ تأسيسها عام 1992[1]، وإذا ما أدركْنا أنَّها رأت النور في ظل شُحّ الوثائق[2]، وضخامة التفاصيل غير المعروفة عن تجارب المقاومين، ولهفة الأجيال الفلسطينية الصاعدة وأحرار العالم للتعرف عليها، تتبين الحاجة الماسة للوفاء بدَيْن يترتب على المُطَّلِعين والقادرين على الكتابة في تدوين ونشر سير رموز المقاومة وصنَّاعها، ومواجهة خطاب الاحتلال المشوِّه لهم ولأفعالهم الخالدة.

ورغم جدارة مقاومي الأرض المحتلة بالثقة الراسخة والطمأنينة العالية عند قراءة نصوصهم، إذ يكفيهم أهدافهم الكبرى، وأفعالهم العظيمة الدالة على صدقهم، إلا أن المطلوب من القارئ الجاد أن لا ينظر لكل تفصيلٍ في المذكرات باعتباره حقيقة مطلقة لا يمكن مناقشتها، فكتب السِيَر والمذكرات في العموم تواجه بعض التحديات التي قد تدفع القارئ لإعادة النظر في بعض ما ورد فيها، لأنها تعتمد بالأساس على الذاكرة التي يعتريها النسيان أحيانًا والخلط بين الوقائع والأسماء في أحايين أخرى، كما أنَّها معرَّضة للوقوع تحت تأثير التوجهات الأيديولوجية لكاتبيها، وموقفهم الشخصي من الأحداث التاريخية التي يسردونها، وعلاقاتهم بالفاعلين على مسرح الأحداث، والشحنات النفسية التي رافقتهم أثناء كتابتهم للمذكرات، وبناءً على ذلك على القارئ أن لا يستهجن إذ اكتشف اختلاف الروايات حول تفصيل معيَّن لحدث ما في مكان ما، ورد في مذكرات أشخاص نحتوا هذا التفصيل معًا بالدم والعرق والدموع، وعليه أن لا يسارع إلى اتهام الرواة بالكذب أو وصمهم بالادعاء دون تَحَقُّقْ وتبَيُّن.   

جاء كتاب درب الأشواك صفحات من تاريخ المقاومة في فلسطين لمؤلفه سليم حجة القائد الميداني في كتائب القسام، والقيادي في الحركة الفلسطينية الأسيرة، في سياق موجة من التذكر المهم والمفيد التي تفاعل معها عدد من قادة وكوادر المقاومة، فأنتجت مجموعة من المذكرات[3]، تناول فيها ناحتوها مساهماتهم في العمل المقاوم داخل الأرض المحتلة في تسعينيات القرن الماضي وما بعدها، منها: مذكرات حسن سلامة (2000)، ومذكرات عوض سلمي(2001)، ومذكرات محمد عرمان (2006)، ومذكرات حسام بدران (2010)، ومذكرات عبد الله البرغوثي( 2012)، ومذكرات زاهر جبارين (2012)، ومذكرات محمد أبو طير (2017)[4].

نُشرت مذكرات حجة بعد خمسة وعشرين عامًا من انضمامه لحركة حماس، وبعد تجربة غنيَّة في العمل المسلح ضد الاحتلال ناهزت عشر سنوات[5]، وقد كانت تجربته في الانتفاضة الثانية أكثر تأثيرًا، وأغزر فاعلية في حياته الجهادية، فقد كان من أبرز القادة الميدانيين في كتائب القسام في نابلس وشمال الضفة الغربية، ولعب دورًا محوريًا في تفعيل العمل المقاوم، وتوجيه ضربات قاسية للعدو، كما سنرى في السطور القادمة.

تكمن أهمية الكتاب في كثافة تفاصيله حول المقاومة المسلحة أثناء الانتفاضة الثانية والدور الريادي لكتائب القسام فيها كما عايشه حجة وشارك في صنعه، فقد تناول بإسهاب زوايا مهمة من العمل المقاوم تتعلق بإعادة بناء الكتائب بعد أعوام من الملاحقة من قبل الاحتلال وأجهزة أمن السلطة، وعمليات تجنيد العناصر، وربط الخلايا، والتدريب، والتخطيط لضرب العدو، وأبرز العمليات ضد مواقع الاحتلال ومستوطنيه[6]، كما أنَّه احتوى، لحسن حظ جمهور القراء والباحثين، سِيَرًا مكثَّفة لعدد كبير من شهداء القسام من القادة والكوادر والاستشهاديين[7]، ضمت تاريخ مولدهم، ومكانه، ومؤهلهم العلمي، وهواياتهم، وصفاتهم، وحياتهم الاجتماعية، وكسبهم الاقتصادي، وتجربتهم الجهادية، وأهم العمليات التي شاركوا فيها، ومعاناتهم مع الاحتلال وأجهزة أمن السلطة، وخاتمتهم، والكثير منذ ذلك يروى لأول مرة.

إن هذه التراجم والسِّيَر التفصيلية لشهداء كتائب القسام على جانب كبير من الأهمية خصوصا إذا عرفنا، بأن "الكتابة عن الشهداء هي في الحقيقة كتابة عن أحد القيم العليا للشعب الفلسطيني الذين كانت دماؤهم بوصلة الضمير الجماعي للشعب والقضية "[8]، كما أن من يكتب عنهم لم يكن "مجرد صديق لهم، بل كان واحدًا منهم، وعندما يكتب عنهم فإنما يكتب بتلك الحميمية التي تعكس الوفاء والصدق، وصراحة الروح والضمير، وهو إذ يكشف لنا بعض الستار عن تلك الطليعة من مجاهدي" كتائب الشهيد عز الدين القسام" في منطقة نابلس وشمال الضفة الغربية، فإنما يكشف لنا المقدار الذي تُتيحه المعلومات التي أضحت متداولة في أروقة محاكم الاحتلال العسكرية وحكم أصحابها بمقتضاها".    

سليم حجة.. سيرة مثابرة وعنيدة

ولد سليم محمد سعيد حجة في بلدة بُرْقَة في محافظة نابلس في الحادي والعشرين من تموز/ يوليو عام 1972. نال شهادة الثانوية العامة عام 1991، والتحق بكلية الشريعة في جامعة النجاح عام 1991، لكنَّه لم يكمل دراسته بسبب اعتقاله لدى الاحتلال، وحصل أثناء وجوده في الأَسْر على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى في غزة، ودرجة الدبلوم في تأهيل الدعاة من كلية العلوم التطبيقية في غزة.

التحق حجة بحركة حماس عام 1989، ونشط في صفوفها، وشكَّل خلية عسكرية خلال الانتفاضة الأولى استهدفت مواقع للاحتلال حتى عام 1994، وساهم في إعادة بناء الجناح العسكري لحركة حماس في شمال الضفة الغربية أثناء الانتفاضة الثانية، وتشكيل عدد من الخلايا العسكرية التابعة لكتائب القسام والتي نفذت عمليات استشهادية منها عمليات "ميحولا" عام 2000، وحيفا عام 2001، و"التلة الفرنسية" و"مطعم سبارو" في القدس المحتلة عام 2001، و"ملهى الدلفناريوم" في "تل أبيب" عام 2001.

تعرض حجة لسلسلة من الأعمال الانتقامية من قبل قوات الاحتلال ومخابراته، إذ اعتقل عدة مرات منذ عام 1993، وتعرض للتعذيب الشديد أكثر من مرة في أكثر من مركز تحقيق، وكان مطاردًا خلال انتفاضة الأقصى، واعتقلته أجهزة السلطة في الثاني عشر من كانون الثاني/ يناير عام 2002، وقام الاحتلال باعتقاله من داخل سجن بيتونيا التابع لجهاز الأمن الوقائي في الثاني من نيسان/ أبريل عام 2002، وحكم عليه بالسجن المؤبد ستة عشر مرة إضافة إلى ثلاثين عامًا، وأعاده الاحتلال للتحقيق أكثر من مرة خلال سجنه، ومنع أهله من زيارته أكثر من مرة.

محتويات الكتاب

افتتح الكتاب بالإهداء والشكر والتقدير، ثمَّ بمقدمة للقائد إسماعيل هنية رئيس حركة حماس في قطاع غزة في حينه، وبتقريظين من القائدَيْن الأسيرَيْن إبراهيم حامد وعبد الناصر عيسى، ثمَّ بمقدمة من المؤلف.  

حوى متن الكتاب على ستة وثلاثين عنوانًا فرعيًا، قدَّم في الأول توطئة حول انتفاضة الأقصى، وتحدَّث في الثاني عن "مهندسو الحياة" مبتدئًا بمجموعة "شهداء من أجل الأسرى" وبجوانب من سيرة الشهيد القائد أيمن أبو حلاوة[9]، وسرد عملية الانتقال من مرحلة قلة خبرات كوادر القسام وضعف إمكانيتهم إلى مرحلة جديدة اتسمت بـ "بداية التفوق" في نيسان عام 2001، فقد تعلَّم أبو حلاوة تصنيع مادتي "أم العبد" و"قسام 19"، وقدَّم فواز بدران خبرات جديدة في التصنيع، ورُفِد خط التصنيع بنسيم أبو الروس وجاسر سمارو، ثمَّ جرى العمل على نشر الخبرات الجديدة في أغلب مدن الضفة.

واستعرض في العنوان الثالث جملة الصعوبات والمعوقات التي واجهت القساميين خصوصًا في البدايات، مثل ضعف خبرة التصنيع، ومشكلة التدريب، وقلة الدراية بالعلوم الأمنية والعسكرية، وعدم الاستفادة من التجارب السابقة لمجموعات الكتائب، وعدم كفاية الإمكانات المادية والسلاح والبنية تنظيمية، والملاحقات من أمن السلطة والاحتلال، وتحدث في العنوان الرابع عن مقرات القسام، تحديدًا الشقة في "شارع 10" في منطقة رأس العين قرب مسجد طارق بن زياد التي شهدت بدء العمل العسكري في الانتفاضة الثانية في نابلس، وكانت أول مركز تدريب لمهندسي القسام في نابلس، وعُقدت فيها الاجتماعات، ونُفِّذت فيها أهم تجارب التصنيع، وفيها كتب الاستشهاديون وصاياهم وناموا ليلتهم الأخيرة.

وتناول العنوان الخامس جوانب من سيرة القائد عبد الرحمن حماد، ودوره في نسج العلاقة بين القساميين في قلقيلية وإخوانهم في نابلس، ورغبته في تحرير الأسرى من سجون الاحتلال، عبر تنفيذ عمليات خطف للجنود الصهاينة، ثم دخوله على خط العمليات الاستشهادية، وأفرد العنوان الخامس جوانب من سيرة بلال البرغوثي، وعلاقته بحجة، وتشكيل مجموعة القدس، والتفكير بخطف الجنود، وتنفيذ العمليات في القدس، سيما عملية مطعم سبارو، واعتنى العنوان الخامس بمحمود أبو هنود ومسيرته في المقاومة، والظروف التي جمعته بحجة، وشرح فلسفته في العمل، وذكر جوانب من تجربته في المطاردة فيما يُعرف بـ "مدرسة الريف"، ولقائه بالقائدين دروزة وأبو حلاوة، وخصَّ العنوان السادس لتفاصيل عملية حيفا التي نُفِّذت بعد أسبوع من اغتيال القائد أبو هنود، وعاد في العنوان السابع للحديث عن جوانب أخرى من حياة أيمن أبو حلاوة الجهادية وبعض مواقفه مع الشهيد علي علان، وتحدَّث في العنوان الثامن عن الغطاء السياسي والمالي للعمل العسكري ودور كل من صلاح دروزة وجمال منصور وحسام بدران في هذا المجال، وركَّز العنوان التاسع على سيرة القائد نصر جرار وعمله مع الأسيرين عصام ومحمد جرار، أما العنوان العاشر فكان عن صور ومواقف من تجربة المؤلف في المطاردة، وتجارب مطاردين آخرين مثل نصر الدين عصيدة ومحمود أبو هنود ونصر جرار.

وأمَّا العناوين من الحادي عشر إلى الرابع والثلاثين فاختارها المؤلف لسرد تفاصيل من سِيَر قادة وكوادر القسام وهم بالترتيب : نصر الدين عصيدة وعاصم عصيدة وسامي زيدان، والأسير القائد جمال أبو الهيجا، والمجاهد مازن فقها ، والشهداء: عاصم صوافطة، وقيس عدوان، وإبراهيم هواش، ومحمد زياد الحنبلي، وسامي زيدان، وسعيد الحوتري، وطاهر جرارعة، وعاصم ريحان، وعاصم عصيدة، ومحمد عزيز حاج علي، وكريم مفارجة، ومحمد الحنبلي، ومحمد ريحان، ومهند الطاهر، ونائل رمضان، ونصر الدين عصيدة، وهاشم النجار، وياسر عصيدة، ونسيم أبو الروس وجاسر سمارو، ومازن فريتخ، ويوسف السركجي، وكان العنوان الخامس والثلاثون عن اعتقال حجة لدى الأمن الوقائي، والعنوان السادس والثلاثون عن إضاءات لجيل المستقبل، وخُتم الكتاب بسيرة ذاتية للمؤلف.

أبرز شخصيات الكتاب

أولت المذكرات اهتمامًا كبيرًا بسرد جوانب من حياة عددٍ كبيرٍ من قادة وكوادر القسام، خصوصًا أثناء الانتفاضة الثانية، كما هو مشار أعلاه، وقد ركَّز المؤلف على بعض القادة المؤثرين، في تأكيدٍ إلى عِظم كدحهم في المقاومة، وعلاقته المتميزة بهم، وسأذكر هنا شخصيتين حضرتا بكثافة في متن الكتاب:

  • أيمن أبو حلاوة

آثر المؤلف منح القائد أيمن أبو حلاوة مساحةً كبيرةً في الكتاب، وهذا عائد أساسًا لأهمية دور أبو حلاوة، ولارتباط مسيرة حجة في المقاومة في الانتفاضة الثانية به، فقد عملا معًا، حتى استشهاد أبو حلاوة في تشرين أول عام 2001، وقدَّما نموذجًا من العمل المشترك المتفاني، وتحقيق الإنجازات. كان ترتيب أبو حلاوة الثالث بين مهندسي القسام بعد يحيى عياش ومحي الدين الشريف. درس الهندسة في بيرزيت، وتأثر بشكل كبير بإرث العياش وشخصيته الآسرة. امتاز أبو حلاوة، كما أوردت المذكرات، بكونه صاحب السبق في تطوير القدرات القتالية لدى الكتائب، خصوصًا في مجال التصنيع منذ نيسان عام 2001، والمدرِّب المتمكن الذي عمل بجد لنقل خبراته لأكبر عددٍ من المهندسين، والمخطط للعديد من العمليات الكبرى ضد العدو، والموجِّه لأكثر من مجموعة قسَّامية، والشخصية المنفتحة على عددٍ كبيرٍ من القادة الميدانيين في أكثر من محافظة في الضفة الغربية، والذي يتواصل بشكل مباشر مع قيادات عليا في المقاومة في الضفة الغربية مثل القائد صلاح دروزة، والمقاوم الصبور مهما اشتد البلاء وعظم الخطب.

 

  • محمود أبو هنود

أولى الكاتب اهتمامًا كبيرًا بأبي هنود، فأتى على جوانب من سيرته في أكثر من مكان في الكتاب. ظهر أبو هنود في المذكرات باعتباره من رواد مدرسة البرِّية في المقاومة، التي تميزت بعملياتها الموجعة للعدو داخل الضفة الغربية (مواقع قوات الاحتلال والمستوطنين)، وكان لها استراتيجيتها الخاصة في كيفية العيش في الجبال والوديان بعيدًا عن مراكز المدن، كما قدَّمه بوصفه صاحب القدرات العالية على الإفلات من كمائن العدو، وصاحب رصيد عال في الصبر على البلاء، إذ عايش الأسر في سجون الاحتلال وأجهزة السلطة، وتعرض للتعذيب القاسي، وجرَّب الإبعاد خارج فلسطين، والإصابة بالرصاص من قوات الاحتلال، والمطاردة لفترة طويلة، وختم حياته بالشهادة.    

الانتفاضة الثانية والدور الميداني للخارج.

أوردت المذكرات القليل من التفاصيل حول دور الخارج في الانتفاضة الثانية، تركَّزت في الإشارة إلى نموذجَيْن من المساهمات الجدِّية للخارج، تحديدًا في تطوير القدرات في مجال التصنيع، فقد حضر مهندس من أبناء رام الله من الخارج في شهر نيسان عام 2001، وقدَّم للكتائب نشرات أمنية، ودوائر كهربائية، وقام بتدريب أيمن أبو حلاوة على تصنيع مادة "نيتروجلاكول" و"أم العبد" و"قسام 19" والعبوات الجانبية المضادة للمركبات، والعبوات التلفزيونية، وتفخيخ السيارات، والتفجير عن بعد باستخدام الهاتف الجوال، أمَّا النموذج الثاني فتمثل في تلقي فواز بدران تدريبات على صنع المتفجرات من إحدى الشباب الذين شاركوا في الحرب في الشيشان أثناء إقامته في الأردن، ومنحه الشاب دفترًا يحوي إرشادات على تصنيع عشرات المواد المتفجرة.

الاهتمام بقضية تحرير الأَسْرى

حضرت قضية الأسرى وضرورة تحريرهم في ذهن قادة القسام وكوادرها في مرحلة الانتفاضة الثانية، ويلفت النظر افتتاح حجة كتابه بالحديث عن علاقة أيمن أبو حلاوة بمجموعة "شهداء من أجل الأسرى"، ثم حديثه عن تخطيطه مع أبو حلاوة لتحرير الأسرى عبر خطف الجنود على أن توكل المهمة لعبد الرحمن حماد الذي كان موضوع تحرير الأسرى شغله الشاغل، ومن المهم هنا الإشارة إلى ما ذكره حجة من أن حماد كان يضع صورة أبو السكر في مكان ظاهر في بيته حتى لا ينسى قضية الأسرى، وكان ضمن المخطط، أن يقوم حماد باختطاف جندي صهيوني وتسليمه الجندي إلى المؤلف الذي سيتولى أرساله إلى مخبأ في بلدة بيت ريما في محافظة رام الله والبيرة، أعدَّه عبد الله البرغوثي.

حضور النقد الذاتي

شكَّل النقد الذاتي جزءًا من المذكرات، وقد ظهر بجلاء في أكثر من مكان أثناء التعليق على بعض الأحداث، وقد تناول المؤلف بالنقد جوانب تتعلق  باستراتيجية المقاومة في العمل مثل تغليب العمليات الاستشهادية على ملف الأسرى، كما في إقحام مجموعة عبدالرحمن حماد "في التجهيز  للعمليات الاستشهادية، على الرغم من أن الهدف من التنسيق معهم هو أن يتخصصوا بالخطف لتحرير الأسرى"[10]، والوقوع في دائرة ردَّة الفعل على اغتيال الاحتلال للقادة الكبار والجرائم التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني عمومًا، التي كانت "سببًا في الانشغال بعمليات أقل أهمية مما ينبغي التخطيط له"[11]، وجوانب تتعلق بالأخطاء الأمنية أثناء العمل كما في حادثة اغتيال أبو هنود، ومحاولة اغتيال علي علان، وعملية سعيد الحوتري، واعتقال حجة لدى الأمن الوقائي.

الخاتمة

أحسن حجة بكتابة مذكراته ونشرها، وقد أفاد بفعله جمهور القراء والمهتمين، وحجز كتابه مكانة مرموقة ضمن قائمة الأدبيات التي وثَّقت للانتفاضة الثانية، وسيكون من المجدي مقابلة روايته برواية رفاق دربه ممن كانت لهم مساهمات جليلة في تلك المرحلة من تاريخ الكفاح الفلسطيني، ومقارنتها بما توصلت له الدراسات والأبحاث التي أرَّخت للانتفاضة الثانية بشكل عام ومسيرة كتائب القسام فيها بشكل خاص.   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] تعتبر البيانات الصادرة عن كتائب القسام منذ تأسيسها من أوائل وأهم المراجع التي دوَّنت نشاطات الكتائب ومواقفها، كما أولت بعض الإصدارات اهتمامًا كبيرًا في رصد أعمال الكتائب وتوثيقها منذ البدايات مثل مجلة "فلسطين المسلمة"، بالإضافة إلى منشورات "فلسطين المسلمة" التي لعبت دورًا طليعيًا في تناول تفاصيل عمل الكتائب منذ انطلاقها، ومن أوائل إصداراتها في هذا الشأن ثلاثة كتب لغسان دوعر هي: حرب الأيام السبعة أسود حماس (1993)، وموعد مع الشاباك دراسة في النشاط العسكري لحركة حماس وكتائب عز الدين القسام خلال عام 1993 (1995)، وعماد عقل أسطورة الجهاد والمقاومة (1994).

[2] ترجع ندرة الوثائق المتعلقة بالمقاومة المسلحة داخل الأرض المحتلة إلى عدة أسباب، يأتي في مقدمتها السبب الأمني، فالحذر من وقوعها في يد العدو يستدعي التقليل منها، وعدم الاحتفاظ بها لوقت طويل، والحرص على تداولها في نطاقات ضيقة جدًّا، وإخفائها، واللجوء إلى اتلافها في حال الشعور بالخطر، كما أن شحّ الوثائق عائد أيضًا إلى استيلاء الاحتلال على بعضها وامتناعه عن إتاحتها لجمهور القراء والباحثين.

[3] لابد من الإشارة هنا أن موجة التذكر شملت مجالات أخرى غير كتابة المذكرات مثل مقابلات مصوَّرة مع قادة وكوادر من الكتائب على بعض الفضائيات مثل الأقصى والقدس والجزيرة، تناولوا فيها تجاربهم في المقاومة، وقد شاعت بكثرة بعد صفقة وفاء الأحرار عام 2011.

[4] امتازت مذكرات أبو طير عن باقي المذكرات المدونة أعلاه في تتبعها الطويل للعمل المقاوم منذ سبعينيات القرن الماضي، كما أنَّها تناولت تفاصيل حياة أبو طير داخل الأَسْر ونشاطه السياسي خارجه وجوانب من حياته الاجتماعية.

[5] شكَّل حجة خلية عسكرية تابعة لحركة حماس في الانتفاضة الأولى ثم انخرط في العمل العسكري في الانتفاضة الثانية حتى اعتقاله عام 2002.

[6] تناول الكتاب تفاصيل ما يقارب الـ 25 عملية ضد الاحتلال، وقد خصَّ بعضها بتفاصيل إضافية دوَّنها في المتن، فذكر أسماء المسؤولين عنها، ودوافعها، وكيفية التخطيط لها، والمنفذين، وتاريخ حدوثها، وطبيعتها، ومكانها، ونتائجها.

[7] ترجم الكتاب لقرابة 120 اسمًا من قادة وكوادر وعناصر القسام، وقد استأثر بسير تفصيلية في المتن لـ 31 ، سأذكرهم تباعًا وفقا لترتيبهم في الكتاب: عبد الرحمن حماد ( قلقيلية)، بلال البرغوثي ( بيت ريما)، محمود أبو هنُّود (عصيرة الشمالية)، أيمن أبو حلاوة ( نابلس)، علي علان (مخيم عايدة)، نصر جرار (وادي برقين)، والأخوان عصام ومحمد جرار(وادي برقين)، نصرالدين عصيدة ( تِل)، عاصم عصيدة (تِل)، سامي زيدان (تِل)، جمال أبو الهيجاء ( مخيم جنين)، عاصم صوافطة (طوباس)، قيس عدوان (جنين)، إبراهيم هواش (نابلس)، محمد زياد الخليلي، سعيد الحوتري (الأردن)، طاهر جرارعة (نابلس)، عاصم ريحان ( تِل)، مازن فقها (طوباس)، كريم مفارجة ( بيت لقيا)، محمد الحنبلي (نابلس)، محمد ريحان (تِل)، مهند الطاهر (نابلس)، نائل رمضان (تِل)، هاشم النجار (الخليل)، ياسر عصيدة (تِل)، نسيم أبو الروس (نابلس)، جاسر سمارو (نابلس)، مازن فريتخ (نابلس)، يوسف السُّرَكْجي (نابلس).        

[8] هذه العبارة والتي تليها مقتبستان من تقريظ القائد إبراهيم حامد للكتاب ص 11-12.

[9] اعتمدتُ توصيفات الشخوص الواردة في هذا النص مثل قائد وشهيد وغيرها على توصيفات حجة.

[10] درب الأشواك، ص 59.

[11] المصدر نفسه، ص 60.