معارضة وأزمة اليسار ودروس هبة النفق

-

سري سمور
آخر تحديث: منذ 4 أسابيع
تحميل المادة بصيغة PDF

رأي

معارضة وأزمة اليسار ودروس هبة النفق

سري سمور

 

حين نتحدث عن اليسار الفلسطيني، لا نتحدث عن مجموعة أو كتلة متجانسة، فثمة يساريون أيدوا اتفاق أوسلو منذ البداية، بل منهم من كان مشاركًا في إعداده، ولكن أبرز فصيل أو فصيلين من اليسار عارضا الاتفاق وبلهجة قاسية، هما الجبهتان الشعبية والديموقراطية لتحرير فلسطين، مع تسجيل صوت معارضة أعلى للأولى، ومشاركة أكثر في المقاومة.

ولقد جاء اتفاق أوسلو في وقت كانت التيارات اليسارية جميعها تعيش أزمة كبيرة، على المستوى الدولي أو العربي، وتلقائيًّا الفلسطيني، فغالبية اليسار كان يُروّج أن الاتحاد السوفياتي ومن معه من دول حلف وارسو وغيرها هم (الحليف الاستراتيجي) للشعب الفلسطيني، وحينما بدأت قوافل المهاجرين اليهود تجتاح أرض فلسطين، بعد سماح آخر زعيم سوفياتي لهم بذلك (ميخائيل غورباتشوف) في ذروة انتفاضة الحجارة، شعر اليسار بالحرج، وانتقل من مرحلة التباهي الهجومي المزايد إلى الدفاع والتبرير الخجول المرتبك، الذي لم يكن ليقنع الجمهور الفلسطيني وهو يرى من يريدون احتلال أرضه تقدم لهم حكومة السوفييت (كرت العبور)، وجاء موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لتدمير العراق وتقديم معلومات ثمينة عن الجيش العراقي للأمريكان ليزيد حرج القوم، ثم جاء انهيار المعسكر الاشتراكي تمامًا بتفكك الاتحاد السوفياتي لترث روسيا بزعامة (بوريس يلتسين) كيانًا يمالئ الأمريكان بطريقة مقززة، عاملاً إضافيًّا من عوامل ضعف وتراجع شعبية قوى وفصائل اليسار الفلسطيني.

عارضت الجبهات أوسلو في وقت كانت تعاني من أزمة فكرية، لم تجرؤ حتى الآن على حسمها وتقديم مراجعات حقيقية لمسيرتها، وبالتزامن مع أزمة مالية خانقة لفصائلها، لدرجة العجز عن تغطية تكلفة احتفال هنا أو هناك أو تمويل حملة انتخابات طلابية بطريقة مكافئة للكتل الأخرى في غير جامعة فلسطينية.

ووجد يساريون ضالتهم في الانخراط في منظمات ومؤسسات العمل الأهلية غير الحكوميةNGO'S) )، ولأن سلطات الاحتلال تشن حاليًّا حملة شرسة عدوانية على مجموعة منظمات أهلية فلسطينية، فقد أجلتُ أو ربما ألغيتُ -لحساسية الموقف- التوسع في الحديث عن مجمل المنظمات الأهلية، حتى لا يساء فهم المغزى، وأكتفي بالإشارة إلى أن الممولين الغربين حتى لو افترضنا أنهم يتعاطفون مع مظلومية الشعب الفلسطيني، ويؤيدون حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود 67 إلا أنهم لن يقدموا أموالهم لأي نشاط مقاوم؛ ذلك أن الغربيين مهما اختلفوا وتباينت وجهات نظرهم حول القضية الفلسطينية، فإنهم يتفقون على أن أية مقاومة فلسطينية تصنف على أنها (إرهاب).

في المحصلة لم تنفذ الجبهات عمليات عسكرية تذكر في فترة أوسلو (1994-2000) مما يعني ما ذكرته سابقًا، أن العمل العسكري، خاصة العمليات الاستشهادية، كانت حكرًا على حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مع أن الجبهات أيدت ما تقوم به الحركتان وتحالفت معهما أحيانًا في انتخابات مجالس الطلبة في بعض الجامعات، ولكن ظل التأييد إعلاميًّا، وظل اشتعال الميدان بنار حماس والجهاد في حقيقة الأمر.

وبدأ الإعلام يتحدث عن أهمية، بل مركزية وأولوية، العمل من داخل الأرض المحتلة، وقيادة الجبهات في الخارج، فجرى تداول حديث عن نية الأمين العام للجبهة الديموقراطية (نايف حواتمة) الدخول إلى الأراضي المحتلة والإقامة في المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، والمشاركة في السلطة، ولكن لم يحدث هذا.

وما جرى هو أن (جورج حبش) تنازل عن منصب الأمانة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، للأمين العام المساعد (أبو علي مصطفى) الذي دخل إلى الأراضي المحتلة، بعد ترتيبات قادت إلى موافقة إسرائيلية (للتذكير :إسرائيل تتحكم بالدخول والخروج إلى فلسطين)، وقد ظل أبو علي مصطفى حتى استشهاده لاحقًا يؤكد أن دخوله ولو كان في سياق مخرجات أوسلو، لا يعني تخليه عن الثوابت وأنه متمسك بخيار المقاومة.

وعلى مستوى الاستنهاض التنظيمي، لم يحدث تطور يذكر بدخول الأمين العام للجبهة الشعبية إلى فلسطين، ولم يكن هناك تغير ملموس في أوضاع الجبهة التي ظل خصومها (مع بعض الإعلاميين العرب) يتهمونها بأنها تنازلت وتراجعت عن معارضتها المبدئية لأوسلو، وبقي حال الجبهة الشعبية كما هو في تلك المرحلة حتى اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول/ سبتمبر 2000، حيث استطاعت الجبهة النهوض من جديد والمشاركة الفاعلة في تلك الانتفاضة.

الأمريكيون يصنفون الجبهتين الشعبية والديموقراطية ضمن قوائم المنظمات الإرهابية ويشترطون لرفعهما من تلك القائمة شروطًا تعجيزية للغاية، وسلطات الاحتلال ظلت تتعامل مع الجبهتين كتنظيمات محظورة، يعاقب بالسجن من ينتمي إليهما، حتى لو أنها بين الحين والآخر تغض الطرف عنهما، ولكن هذا يخضع لمعايير وحسابات أمنية، وسيف القضاء العسكري الصهيوني الجائر مسلط على منتسبي الجبهتين.

هبة النفق...دروس وعبر 

إذا كانت حماس والجهاد الإسلامي قد احتكرتا العمليات الاستشهادية، وكانتا الأبرز في المقاومة العسكرية عمومًا في تلك الفترة، مثل عمليات إطلاق النار ومحاولات خطف جنود لتبديلهم بأسرى فلسطينيين (مثل الجندي شارون إدري الذي أسرته وقتلته خلية تابعة لكتائب القسام في منطقة الخليل) فإن فتح والسلطة طوال الوقت وعند كل أزمة سياسية كانت تطرح الشعار المشهور "كل الخيارات مفتوحة أمام شعبنا" وتلوح باستخدام القوة كخيار مطروح.

ومن الأحداث البارزة في 1996 وبعد شهور من توتر العلاقات بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة والسلطة الفلسطينية وفتح من جهة أخرى، ما يعرف بانتفاضة أو هبة النفق؛ حيث قامت سلطات الاحتلال في عهد حكومة بنيامين نتنياهو المنتخب حديثًا آنذاك، بفتح نفق أسفل المسجد الأقصى وبمحيط مبان إسلامية في القدس.

وهنا أعطى الرئيس عرفات أوامره بالتصدي والاحتجاج على هذه الخطوة الاستفزازية، التي تريد حكومة الاحتلال من خلالها إحداث تغيير في وضع ومعالم القدس والمسجد الأقصى، فاندلعت مواجهات عنيفة جدًّا في عدة نقاط تماس مع قوات الاحتلال ومستوطنيه في القدس وكافة مدن الضفة تقريبًا وفي مواقع مختلفة من قطاع غزة، امتازت بمشاركة شبابية تنوعت فيها انتماءات المشاركين من مختلف الفصائل (فتح وحماس والجهاد والجبهات) مما أدرى إلى ارتقاء بضع وستون شهيدًا فلسطينيًّا ومقتل حوالي 20 جنديًّا إسرائيليًّا، وأيضًا شاركت قوات الأمن الفلسطيني في عدة نقاط في الاشتباكات بقوة وارتقى منهم شهداء، في مشهد أعاد الشعور بوحدة الموقف من جهة، ومن جهة أخرى أظهر وحشية وإجرام الاحتلال، فهذه أول مرة خلال كل الهبات والانتفاضات الشعبية منذ الاحتلال، يكون فيها المشهد بهذا الحجم من الدموية.

وقد رأى الفلسطينيون لأول مرة منذ 1967 دبابات الاحتلال ومدافعها والطيران المروحي، في إشارة/ رسالة صهيونية واضحة عما سيكون عليه حال المواجهات المستقبلية، وتم منع الفلسطينيين من التنقل بين المدن لمدة أسبوعين، مع أن الهبة استمرت بضعة أيام فقط.

ومن الملاحظات المهمة والدروس المستفادة عند تقييم تلك الهبة ما يلي:

1)        المسجد الأقصى خط أحمر والفلسطينيون لن يتوانوا عن تقديم أرواحهم فداء له عند تعرضه لأي اعتداء، وهو صاعق التفجير الأهم للمواجهات.

2)        حماس والجهاد الإسلامي برغم كل الألم والأذى الذي سببتاه للاحتلال ومنظومته الأمنية، لم تتمكنا في تلك المرحلة من إحداث حالة اشتباك جماهيري مع الاحتلال يتفاعل معها قطاع واسع من الجمهور الفلسطيني، ولكن فتح بقيادة عرفات فعلت ذلك بسهولة، مما يدل على أن مقاليد التفجير للمواجهات على الأقل المراحل الأولى منه كانت بيد فتح حصرًا.

3)        إضافة إلى قدرة فتح على تفجير الموقف، كان لها القدرة آنذاك على إعادة الهدوء وتحديد مدى وحجم وطبيعة المواجهة، وقد أرسلت بذلك رسائل داخلية وخارجية بأنها تمتلك مفتاح الهدوء والمواجهة، على الأقل على المستوى الشعبي ورقعة الاشتباكات وحجمها.

4)        كان النفوذ الأمريكي بزعامة (بيل كلينتون)، الذي يميل إلى سياسة الاحتواء للتوتر، كبيرًا وواضحًا، رغم صلف نتنياهو وحلفائه في المؤسسة الأمريكية، فقد سارعت الإدارة الأمريكية إلى دعوة عرفات ونتنياهو إلى واشنطن لاحتواء الأزمة وتبريد الأجواء بعد حمام الدم الذي رآه العالم. لم يغلق النفق ولكن تم توقيع ما عرف ببروتوكول الخليل لاحقًا لدفع مسار التسوية المتعثر، وفي كل الأحوال الأمريكان وقتها كان يهمهم استمرار الهدوء ولو بالحقن السياسية المهدئة.

5)        مع أن المشاركة في المواجهات كانت كبيرة، ولكن شعور وتفاعل وتأييد الجمهور الفلسطيني بجدوى هذا الخيار لم يكن بذات حجمه إبان انتفاضة الحجارة مثلاً، فالجمهور الآن لم يعد بذات التجانس النفسي والسياسي الذي كان سابقًا (سأناقش هذه المسألة في مقال قادم إن شاء الله).

قدرة فتح التي تقود السلطة الفلسطينية على التحكم وضبط حجم المواجهات من هذا النوع ظلت هكذا حتى زمن طويل، وهو ما أدركته حماس والجهاد الإسلامي، أي أن المفتاح ليس بيدهما مع كل ما نفذتاه من عمليات نوعية، فكانتا دومًا تحضان على تبني خيار المقاومة وتحاولان استثارة العاطفة عند فتح كي تتبنى رؤيتهما بأن لا جدوى من المراهنة على ضغط أمريكي على الكيان كي يلتزم بما وقع عليه، مع الاستمرار بالحديث عن جرائم الاحتلال التي تنم على أنه لا يعبأ ولا يكترث بمسيرة سلمية أو غيرها. طبعا هذه المحاولات باءت بالفشل.

وأحيانًا كانت المواجهات تأخذ حيزًا جغرافيًّا محددًا، وكذلك زمنيًّا، يخضع لخيارات فتح؛ فمثلا في أحد أيام نيسان/ أبريل 1997 دعت شبيبة فتح إلى مسيرة احتجاجية إلى مفرق قوصين قرب نابلس تنطلق من جامعة النجاح تخللتها مواجهات كانت الشبيبة قد حضرت لها، فارتقى الشاب (هيثم منصور) شهيدًا، وصار الحدث يعرف في أدبيات الشبيبة الفتحاوية بـ(مسيرة قوصين الخالدة)، وعاد الهدوء مساء ذلك اليوم إلى نابلس ولم يمتد التوتر إلى مناطق أخرى. رسالة جديدة أو متجددة حول  من يمسك بزمام الأمور ومفتاح المواجهات ذات الطابع الشعبي الواسع.

سأواصل الحديث عن تلك المرحلة من زوايا مختلفة في مقالات قادمة بمشيئة الله، وهذا مهم لبلورة تصور كامل غير مبني على العواطف أو المعلومات الناقصة أو الخاطئة والآراء المسبقة.

  • المواد المنشورة في موقع مركز القدس للدراسات تعبر عن وجهات نظر كتابها، وقد لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز.