نتنياهو واستمرار الأزمة الإسرائيلية

-

عماد أبو عواد
آخر تحديث: منذ أسبوعين
تحميل المادة بصيغة PDF

رأي

نتنياهو واستمرار الأزمة الإسرائيلية

عماد أبو عواد

نفتالي بنت، رئيس وزراء دولة الاحتلال ومن على منصة الكنيست قبل نحو أسبوعٍ من الآن، وبعد تسلمه لمنصبه بنحو ثلاثة أسابيع، يفضح لسانه ما يجول في خاطره، فقد وصف بنيامين نتنياهو بأنّه رئيس الوزراء، قبل أن تقوم آيليت شاكيد بتصحيحه، وليس هذا فحسب، بل لم يستطع نفتالي بنت أن يُخفي ملامح ارتباكه أثناء الجلسات الحكومية، فقد التقطته الكاميرات في غير مرة ويداه ترتجفان، وهو ما فسره خبراء لغة الجسد بأنّه فقدان الثقة بالذات، والشعور بوجود ظلّ نتنياهو ملاحقًا له في كل سلوكياته.

كان الأمل الأكبر لشريحة المنتمين لليسار والمركز في "إسرائيل" أن تُمثل هذه الحكومة نقطة الانطلاق نحو التغلّب على المأزق الداخلي، فقد كانت قناعات أطراف يمينية كنفتالي بنت وجدعون ساعر أنّ تشكيل حكومة بعيدًا عن نتنياهو، ستدفع حلفاءه الأساسيين للانفضاض من حوله وتركه يلاقي مصيره، ليتوسع بعدها الائتلاف الحكومي بضم بعض الشخصيات من الليكود أو ربما دفع المتدينين الحريديم للانضمام للحكومة.

انفضاض شركاء نتنياهو من حوله لم يحدث كما المتوقع (على الأقل لغاية الآن، وفي ظل الظروف الحالية)، لكنّ الذي بات أكثر ترجيحًا هو انهيار الحكومة الحالية بقيادة نفتالي بنت، فقوّة الشرخ ما بين تيار نتنياهو وتيار لا لنتنياهو بات ينعكس على القضايا المُجمع عليها، فمن كان يتخيل أن يصوت نتنياهو وتكتله ضد قانون تمديد منع لم شمل الفلسطينيين، في إشارة واضحة إلى أنّ الصراع بين الطرفين وصل إلى حدود الجهوزية بالتضحية بأمن الدولة، في سبيل إسقاط الطرف الآخر.

البيبزم (نسبة إلى الانتساب لتيار نتنياهو) بات يُشكل حالة فريدة في التعاطي مع الاختلاف الداخلي، فهذا التيار استأثر بكلّ مفردات التخوين والتكفير للطرف الآخر، فنتنياهو يعتبر أنّ هذه الحكومة تخون أمن "إسرائيل" ويقودها اليسار المتطرف، الذي يريد التضحية بالأمن وقدرة الدولة العبرية على اتخاذ القرار المستقل، في إشارة إلى تحكم الولايات المتحدة في القرار الإسرائيلي، فيما يتهم المتدينون هذه الحكومة بأنّها حكومة غير يهودية وتتنكر للديانة اليهودية، معتبرين أنّ رئيس وزراءها الذي يلبس الكيبا قبعة (المتدينين) هو رأس الكفر ورأس الإساءة لليهودية.

بنيامين نتنياهو الذي لطالما استخدم سياسة فرق تسد، استطاع تاريخيًّا الاعتماد على أربعة مكونات أساسية بقيت مخلصة له ولطريقه، وهم: اليهود من أصول شرقية، والمتدينون الحريديم، والمتدينون القوميون، وكذلك أتباع الحركة الرفيزيونية القديمة (مؤسسها اليميني زئيف جيبوتنسكي)، فمن خلال تقديم الكثير من الخدمات والامتيازات لتلك التيارات، استطاع إبقاء تعلّقها به بصورة ملفتة، وفي ظل استمرار حكمه لسنوات طويلة دفع تلك التيارات إلى تبنيه رغم فساده، واستطاع أن يزرع بذور الفساد داخلها، من خلال قدرته على تحديد الوجوه القيادية فيها، ودعم قيادات لها تاريخ جنائي كأريه درعي زعيم حزب شاس.

لن يرفع نتنياهو الراية البيضاء، حتى أنّ خصومه يقرون بأنّه لا يستطيع العيش خارج السلطة، وربما يستطيع خلال الفترة المقبلة العمل على المزيد من تشويه الحكومة القائمة، وإثبات أنّه الشخصية الأفضل لرئاسة الوزراء في ظل استطلاعات لا زالت توضح بأنّه الأفضل في نظر الشارع الصهيوني، وتُعطي خصومه نفتالي بنت ويائير لبيد درجات أقل مع مرور الوقت، وهذا انعكاس طبيعي لحالة الإرباك التي تحيياها الحكومة الحالية، وقدرة نتنياهو استغلال أي نقطة ضعف كعودة الكورونا مثلاً، من أجل العودة للتأكيد أنّه الأفضل.

بالعودة قليلاً للوراء نجد أنّ القيادات التي واجهت لوائح اتهام مباشرة، أخلت الساحة السياسية مباشرةً دون الإصرار على الاستمرار، كما يفعل نتنياهو الآن، ليس فقط بإصراره على البراءة بل اتهامه للمنظومة القضائية بالتجني وفقدان العدل، وهذا بالمناسبة انعكس على مكانة القضاء في عين الجمهور الإسرائيلي الذي بات يُشكك في نزاهة قضائه، ويغتنم الفرصة تلو الأخرى لمهاجمته والتقليل من شأن التُهم الموجهة لنتنياهو، معتبرين أن تاريخه الطويل يشفع له تلك التهم إن كانت بالأصل موجودة.

تقسيم الساسة، واتهام التيارات الأخرى، والتقليل من شأن القضاء، والسيطرة على الجيش، نهج نتنياهو لمنع وجود تحالفات طبيعية بعيدة عنه، صحيح أنّ "إسرائيل" استطاعت تشكيل حكومة بعيدًا عن عباءة نتنياهو، لكنّ الائتلاف القائم حاليًّا يضم كلّ المتناقضات المعلومة في الساحة الصهيونية، والتي من المرجح أن تنهار في أي لحظة، فتيار نتنياهو الذي يضم 45% من الساحة السياسية، سيبقى في ظل تماسكه علامة الانقسام الداخلي، والضعف الذي يُسيطر على المجتمع من الداخل، وعلامة استمرار تفاقم الأزمات والشروخ الداخلية، التي دفعت الصهاينة للاعتماد على الفلسطينيين في تشكيل الحكومة، في سابقة تاريخية ربما تُشير إلى حجم التناقضات الداخلية، والانقسام الذي لا يُرى له دواء.