دراسة: كيف فشل مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي والجيش أمام حركة "حماس"

مقدمة:
في أعقاب الهجوم المفاجئ الذي شنّته حركة حماس على جنوب (إسرائيل) يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أجرى الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) تحقيقات داخلية موسّعة لكشف أسباب الإخفاق في التنبؤ بالهجوم والتصدي له. وقد كشفت التقارير الرسمية لهذه الجهات عن سلسلة من الإخفاقات الجسيمة على كافة المستويات – بدءاً من جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها، وصولاً إلى عملية صنع القرار وإجراءات الاستجابة المسبقة. وفيما يلي عرض لأبرز نتائج تلك التحقيقات، وطبيعة الثغرات الاستخباراتية التي تم تحديدها، وكيفية التعامل مع المؤشرات السابقة للهجوم، والتداعيات التي خلّفها الحدث داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بالإضافة إلى تقييمات محللين استراتيجيين إسرائيليين، وانعكاسات كل ذلك على العقيدة الأمنية الإسرائيلية ومستقبل التنسيق بين أجهزتها الأمنية.
نتائج التحقيقات الرسمية للجيش والشاباك والاستخبارات العسكرية
تحقيق الجيش الإسرائيلي (هيئة الأركان): نشر الجيش الإسرائيلي تقريره الرسمي حول أحداث 7 أكتوبر، والذي أقرّ فيه بسلسلة إخفاقات كارثية في توقع الهجوم ومنعه والتعامل معه. خلص التحقيق العسكري إلى أن الجيش استخفّ بشكل كبير بقدرات حركة حماس قبل الهجوم، وأنه “فشل في مهمة حماية المدنيين الإسرائيليين” في ذلك اليوم. وأشار التقرير إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية ركّزت بشكل مفرط على تهديدات أخرى (مثل جبهة حزب الله في لبنان) واعتمدت على المعلومات الاستخباراتية والعوائق الدفاعية وحدها في غزة، مما جعلها عرضة للمفاجأة. وبينما لم يشعر القادة العسكريون بوجود تهديد وشيك قبيل الهجوم، ولم يعزّزوا القوات عند الحدود، نجحت حركة حماس في اختراق السياج الأمني والقيام بما وصفه التقرير بأنه “حدث كارثي لا يمكن تغطيته بأي إنجازات ميدانية”. وقد اعترف الجيش أن كل التدابير المتخذة حتى 7 أكتوبر لمواجهة هجوم محتمل من غزة فشلت على أرض الواقع وأن مستوى الاستعداد كان شبه معدوم. وعلى ضوء ذلك، تحمّل رئيس الأركان هرتسي هاليفي (الذي اعتُبر أعلى مسؤول يستقيل على خلفية الإخفاق) المسؤولية قائلاً إنه كان جزءاً من الفشل، وقد قدم استقالته مع انتهاء الحرب. يجدر بالذكر أن تحقيقات الجيش تناولت أربع مجالات رئيسية هي: التصورات الاستخباراتية قبل الهجوم، وآليات اتخاذ القرار ليلة 6/7 أكتوبر، والأداء العملياتي للجيش خلال الهجوم، ونتائج المعارك اللاحقة. وقد أظهرت تلك التحقيقات اعترافاً بأن الفشل أعمق من مجرد تقصير في يوم الحدث نفسه، بل قصور منهجي تاريخي يتحمل الجيش مسؤوليته الكاملة (مع الإقرار بأن نطاق الخطأ يتجاوز الجيش وحده).
تحقيق جهاز الشاباك: إلى جانب الجيش، أجرى جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) تحقيقاً داخلياً ركز على أسباب الإخفاق المباشر في توقع هجوم 7 أكتوبر. أظهرت النتائج التي نُشرت في أوائل مارس 2025 أن الشاباك فشل في توفير إنذار مبكر للهجوم واسع النطاق، وأقرّ رئيس الجهاز رونين بار بأنه “لو تصرف الشاباك بشكل مختلف لكان بالإمكان تجنب المجزرة”. ورغم اعتراف التحقيق بوجود إخفاقات داخلية خطيرة في عمل الجهاز، فإنه وجّه في الوقت نفسه أصابع اللوم إلى عوامل خارجية إلى حد كبير. أبرز هذه العوامل كانت ضعف التنسيق الاستخباري بين الشاباك والجيش وعدم وضوح تقسيم المسؤوليات بينهما فيما يخص التحذير من الحرب، خاصة مع تحول حركة حماس إلى قوة عسكرية شبه نظامية. كما انتقد تقرير الشاباك بشكل حاد المستوى السياسي الإسرائيلي، مشيراً إلى أن سياسة الحكومة في غزة التي اتسمت بـ“الهدوء مقابل السماح بتدفق الأموال القطرية” وإهمال مواجهة تعاظم قوة حركة حماس، إضافة إلى الانتهاكات في المسجد الأقصى والتضييق على الأسرى الفلسطينيين وتآكل الردع الإسرائيلي – كلها عوامل ساعدت حركة حماس على بناء قدراتها العسكرية بسرية. وكشف الشاباك أنه تلقى مؤشرات تحذيرية ليلة 6 أكتوبر (مثل قيام عناصر حركة حماس بتفعيل عشرات شرائح الهاتف الإسرائيلية دفعة واحدة داخل غزة) إلا أنها لم تُترجم إلى إجراءات ملموسة أو استنفار أمني قبل الهجوم. وأوضح التحقيق أن عدداً من نتائجه سيبقى سرياً لارتباطها بأساليب عمل استخبارية حساسة. في أعقاب نشر هذه الخلاصات، اندلع جدل واسع في (إسرائيل) حول تحديد المسؤوليات؛ فقد تحمّل رونين بار شخصياً مسؤولية الفشل الأمني قائلاً: “بصفتي رئيساً للجهاز، سأحمل هذا العبء الثقيل على كتفي لبقية حياتي”، لكنه في الوقت نفسه لم يقدم استقالته فوراً بحجة ضرورة بقاء القيادة الأمنية خلال الحرب واستكمال التحقيقات بعد انتهائها. وقد تركزت الانتقادات على أن تقرير الشاباك حمّل الحكومة نصيباً كبيراً من اللوم، مقابل انتقادات أخف للجيش، ما أثار حفيظة المقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذين اعتبروا أن الشاباك وقائده يتحملون قدراً أكبر من الفشل في التعامل مع تهديد حركة حماس.
تحقيق شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان): أما شعبة “أمان” التابعة لهيئة الأركان، فهي الجهة المسؤولة عن الاستخبارات العسكرية وتقدير التهديدات الخارجية. أظهرت التحقيقات أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية انهارت فعلياً صباح 7 أكتوبر وعجزت عن تقديم أي إنذار استباقي. وقد تبين أن لدى أمان معلومات ثمينة تم تجاهلها مسبقاً – أبرزها وثيقة خطة حركة حماس للهجوم البري واسعة النطاق المعروفة باسم “أسوار أريحا” التي حصل عليها الجيش قبل سنوات، لكن لم يُتعامل معها بالجدية الكافية على مدى سنوات ولم تُحوَّل إلى سيناريو تدريب مشترك للجيش والشاباك. كما أن تقديرات أمان الاستراتيجية قبل الحرب انطلقت من فرضيات خاطئة بشأن نوايا حركة حماس، إذ سادت القناعة بأن الحركة مردوعة وغير معنية بمواجهة شاملة، وانصب التركيز على اضطرابات محتملة في الضفة الغربية أو تهديدات أخرى. هذه الفجوة المفاهيمية كانت عاملاً محورياً في فشل الاستخبارات. ومع تكشّف حجم الإخفاق، أعلن رئيس أمان اللواء أهارون هاليفا تحمّله المسؤولية عن فشل جهازه في مهمته الأساسية. وفي أبريل 2024 قدّم هاليفا استقالته قائلاً إن إدارته “لم ترق إلى مستوى مهمتها في 7 أكتوبر”، معترفاً بأن هذا اليوم الأسود سيبقى معه إلى الأبد. جدير بالذكر أن هاليفا كان من أوائل القادة الأمنيين الذين استقالوا صراحة على خلفية الهجوم، مصرحاً: “إخفاق سلاح الاستخبارات كان خطئي” وداعياً إلى تحقيق وطني شامل لفهم أسباب الحرب مع حركة حماس. وقد بدأت شعبة أمان بالفعل تنفيذ “ثورة استخباراتية وتنظيمية” داخلية لاستخلاص الدروس من هذا الفشل، تضمنت تشكيل فرق تحقيق متخصصة داخل كل وحدة استخبارية، إلى جانب لجنة خارجية من خبراء سبق لهم العمل في الجهاز. وعلى مستوى النتائج، تتقاطع خلاصات أمان مع ما توصل إليه تحقيق الجيش؛ إذ تم التأكيد على أن فشل 7 أكتوبر كان إخفاقاً تاريخياً ممتداً لسنوات وليس مجرد عثرة مفاجئة، وأن الصورة الكاملة التي تكشّفت للجمهور عن ظروف هذا الفشل “مخيفة وغير مسبوقة” وتتطلب معالجات جذرية لتفادي تكرارها.
الثغرات الاستخباراتية وأوجه الإخفاق
جمع المعلومات (القصور الميداني والتقني): أبرز التحقيقات وجود ثغرات كبيرة في منظومة جمع المعلومات الاستخباراتية قبيل الهجوم. فعلى صعيد الاستخبارات البشرية (HUMINT)، تبيّن أن (إسرائيل) لم يكن لديها عملاء فعليين داخل قطاع غزة يمكنهم اختراق أسرار حركة حماس. فوفق التحقيق، لم تُشغّل وحدة تجنيد العملاء التابعة لأمان (“الوحدة 504”) عميلاً واحداً في غزة حتى 7 أكتوبر، ما ترك ثغرة خطيرة في المعرفة المباشرة بنوايا العدو. واعتمدت (إسرائيل) بشكل شبه كامل على الاستخبارات التقنية (التنصّت الإلكتروني والمراقبة عن بعد)، إلا أن الاعتماد المفرط على هذه الوسائل التقنية وعلى التحصينات الحدودية أثبت قصوره. فقد تمكنت حركة حماس من تحييد أجهزة المراقبة وكسر السياج الإلكتروني المتطور باستخدام جرافات وعبوات ناسفة، متجاوزة جميع العوائق التي ظنّ الجيش أنها ستحبط أي تسلل. كما أظهرت التحقيقات ضعف التكامل بين مصادر المعلومات المختلفة؛ فحتى المعلومات القليلة التي استُقيت – كاعتراض اتصالات أو رصد تحركات مريبة – لم تدمج بصورة فعّالة ضمن تقييم موحّد ليلة الهجوم. على سبيل المثال، سُجلت فجوات في “التعامل مع المعلومات ودمج الاستخبارات” خلال ليلة 6-7 أكتوبر مع عدم اتباع البروتوكولات المعتادة وعدم وجود اندماج بين معلومات الشاباك والاستخبارات العسكرية لحظتها. يضاف إلى ذلك قصور في نشاط وحدات الاستطلاع والمراقبة الميدانية؛ إذ على الرغم من انتشار مراقبين عسكريين على الحدود، لم تُنقل تقاريرهم عن استعدادات غير عادية لدى حركة حماس بشكل فعال إلى المستويات العليا. وأشارت تحقيقات أمان تحديداً إلى أن تقارير المراقبين وفرق الاستطلاع القتالي بشأن استعدادات حركة حماس لهجوم “طوفان الأقصى” لم تصل إلى رئيس شعبة الاستخبارات ولم تُدرج في تقييماته الاستخبارية قبل الهجوم. هذا الخلل في تدفق المعلومات ساهم في حرمان صانعي القرار من صورة دقيقة مسبقة عما كان يجري على الأرض.
الإخفاقات التحليلية والمفاهيمية: إلى جانب مشاكل جمع المعلومات، كشفت التحقيقات عن تصدعات في تحليل المعلومات وتقييم التهديدات. فقد ترسخت لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قناعة خاطئة بأن حركة حماس لا تسعى لمواجهة واسعة وأن أي تصعيد محتمل سيكون محدوداً ويمكن احتواؤه. هذه “المفهوميات” (أو ما يسميه البعض الـ«كونسبتسيا») جعلت المحللين يتجاهلون سيناريو الحرب الشاملة مع غزة. وأحد الأسئلة المركزية التي بحثتها لجان التحقيق كان: “كيف وصلت (إسرائيل) إلى وضع تتعرض فيه لهجوم بهذا الحجم دون أي تحذير؟”. الإجابة تجلّت في سلسلة افتراضات خاطئة وجو من الثقة المفرطة. على سبيل المثال، كان التقييم الاستخباري قبل الهجوم يؤكد أن حركة حماس معنية بالتصعيد في الضفة الغربية وليس في غزة، وأن الهدوء السائد في غزة خادع لكنه سيستمر. لم يتم تحدي هذه الفرضيات بالقدر الكافي داخل أجهزة التحليل، مما يشير إلى غياب ثقافة التشكيك وندرة الآراء المعارضة (Groupthink). في هذا السياق، أوصت التحقيقات بتعزيز التنوع في الآراء داخل أجهزة الاستخبارات وتشجيع النقد الداخلي بحيث لا تبقى التقييمات أسيرة التصورات الجماعية. من أوجه الإخفاق المفاهيمي الأخرى الاستخفاف بنمط تفكير العدو ودوافعه. فقد اتضح أن كثيراً من ضباط الاستخبارات لم يدرسوا بعمق الثقافة العربية أو الدين الإسلامي الحديث العهد، مما أثّر على فهمهم لذهنيات قادة حركة حماس. اعترفت أمان بأنها تخلّت تدريجياً عن تدريب كوادرها على اللغة العربية والدين الإسلامي عبر السنوات، باستثناء بعض المختصين اللغويين. وبالتالي ربما لم تُفسَّر إشارات صادرة عن حركة حماس – سياسية أو دينية – على نحو صحيح بسبب هذا النقص المعرفي. أخيراً، برز عامل قصور رقابي داخلي في جهاز الاستخبارات؛ فقبيل الهجوم كانت دائرة الرقابة في أمان تتألف من شخصين فقط بصلاحيات محدودة تقتصر على مراجعة تقديرات قسم الأبحاث دون كافة أجهزة الاستخبارات. هذا يعني أنه لم تكن هناك آلية فعّالة لمراجعة سلامة الاستنتاجات أو تحدي الفرضيات السائدة. وأقرّت التحقيقات بأن آليات الرقابة تلك كانت غير كافية إطلاقاً، ما سمح باستمرار القراءة المتفائلة الخاطئة لتحركات حماس دون اعتراض يُذكر.
الإخفاق في اتخاذ إجراءات استباقية: نتيجة للثغرات آنفة الذكر، فشلت أجهزة الأمن الإسرائيلية في ترجمة ما توفر من إشارات تحذيرية إلى خطوات استباقية على الأرض. فحتى حين ظهرت بعض الدلائل المقلقة قبل الهجوم (كما سنفصّل أدناه)، لم يتم رفع درجة التأهب على الحدود ولم تُتخذ قرارات بتعبئة احتياط أو توجيه ضربات وقائية. ومما كشفه الإعلام الإسرائيلي أن جهاز الشاباك نفسه كان قد قدّم تصورات لاستهداف قادة حركة حماس الكبار – وفي مقدمتهم قائد حماس في غزة يحيى السنوار – في ست مناسبات على الأقل قبل الهجوم، لكن لم تحظ هذه المقترحات بالمصادقة من المستوى السياسي. وذكر تحقيق الشاباك أنه حتى سبتمبر 2023، نبّه مسؤولو الجهاز إلى دخول البلاد “فترة غير مستقرة” وأوصوا باتباع سياسة أكثر هجومية واستباقية لشل قدرات العدو، بما في ذلك تنفيذ اغتيالات وقائية في غزة، إلا أن هذه التوصيات لم تترجم إلى أفعال ملموسة. يتضح هنا وجود فجوة بين المعلومات والاستخدام العملاني لها – فالمعلومات كانت موجودة جزئياً لكن القرار الاستراتيجي بالتعامل معها كان غائباً أو بطيئاً. وبشكل عام، خلصت تحقيقات الجيش إلى أن غياب التحذير الاستخباري والمفاجأة التامة شكّلا العامل الأول في نجاح الهجوم وفشل الدفاعات، وهو ما يعكس تقصيراً في آليات الإنذار المبكر واستجابة صناع القرار للإشارات التحذيرية.
المؤشرات السابقة للهجوم: تجاهل أم سوء تقدير؟
توفرت مؤشرات عديدة قبل 7 أكتوبر كان يمكن أن تنبّه لخطر قادم، إلا أنها إما أسيء تفسيرها أو لم تحظ بالاهتمام الكافي. فيما يلي أبرز تلك المؤشرات وكيف تم التعامل معها:
خطة “أسوار أريحا”:ربما يعد هذا أهم دليل استراتيجي مغفل. فقد كشفت التحقيقات أن الجيش الإسرائيلي كان بحوزته وثيقة تفصيلية لخطة حركة حماس لغزو بري شامل – أطلق عليها اسم “أسوار أريحا” – حصل عليها قبل عدة سنوات (ربما عبر عميل أو ضبط مواد سرية). لكن على مدار سنوات، لم يتم التعامل مع هذه الخطط بجدية ولم تُحوَّل إلى فرضية يتدرب عليها الجيش والشاباك لمواجهة هجوم من هذا النوع. بعبارة أخرى، تم إهمال سيناريو اجتياح غزة في العقلية الأمنية لصالح سيناريوهات تقليدية أقل خطورة. هذا التجاهل ساهم في غياب أي تصوّر مسبق لدى القوات الإسرائيلية لكيفية التصدي لهجوم كاسح كالذي وقع.
تدريبات وتحضيرات حركة حماس العلنية:خلال السنوات التي سبقت الهجوم، قامت حركة حماس بعدة مناورات عسكرية علنية في غزة، تضمنت محاكاة لاختراق الحدود وأسر جنود. ووفق تقرير في صحيفة يديعوت أحرونوت، فمنذ عام 2016 طوّر الجناح العسكري لحماس خطة تدريجية لكسر دفاع فرقة غزة (المنتشرة على حدود القطاع) عبر هجوم واسع يهدف لسحق الفرقة واحتلال مناطق في غلاف غزة وتنفيذ عمليات قتل وخطف داخلها. هذه الخطة تسارعت تحضيراتها بشكل كبير قبل حرب مايو 2021 (معركة “حارس الأسوار”). إلا أن قراءة الجانب الإسرائيلي لتصرفات حركة حماس بعد 2021 كانت خاطئة؛ فعندما امتنعت حماس عن الانخراط المباشر في جولات تصعيد لاحقة (مثل معركة “الفجر” ضد الجهاد الإسلامي في 2022، وعملية “درع وسهم” في 2023) اعتقدت أجهزة الاستخبارات أن حركة حماس مردوعة وتجنّبت المواجهة خوفاً من الضربة الإسرائيلية. لكن في الواقع، كما أوضحت التحقيقات، كان هذا الامتناع التكتيكي جزءاً من خطة التضليل الاستراتيجي التي اعتمدتها حركة حماس لتحييد يقظة (إسرائيل). بمعنى أن حركة حماس تظاهرت بالهدوء لبناء قوتها سرّاً، فيما استنتجت الاستخبارات الإسرائيلية خطأً أن الحركة فقدت رغبتها بالقتال.
نشاط الاتصالات المشبوه ليلة ما قبل الهجوم:أحد المؤشرات المثيرة التي جرى تداولها داخل الأوساط الاستخبارية هو ما حدث في ليلة 6 أكتوبر. فقد فعّل عناصر حركة حماس عشرات من شرائح الهواتف الإسرائيلية بشكل متزامن خلال ساعات الليل. يُذكر أن مقاتلي حركة حماس استطاعوا في السابق الحصول على شرائح إسرائيلية مهربة لاستخدامها عند الحاجة لتجنب المراقبة. تفعيل 45 شريحة هاتف دفعة واحدة – وهو رقم كشفت عنه تحقيقات الشاباك – كان إشارة غير عادية. ورغم تداول هذه المعلومة على نطاق واسع داخل الأجهزة الأمنية، فإنها لم تُترجم إلى إنذار عملي أو رفع درجة الجاهزية. وبالفعل، صباح 7 أكتوبر تم استخدام تلك الهواتف من قبل مجموعات المهاجمين للتنسيق فيما بينهم دون أن ترصدهم أنظمة التنصت الإسرائيلية التقليدية (التي تركز على اتصالات معروفة أو أجهزة محددة). يعتبر هذا النموذج مثالاً واضحاً على “إشارة تحذيرية تم التقليل من شأنها”. فبدلاً من أن يدق ناقوس الخطر، بقي هذا التطور مجرد معلومة تقنية معزولة لم تغيّر من قناعة الأجهزة بأن شيئاً كبيراً لن يحدث.
تحذيرات استطلاع ميداني:أشارت بعض التقارير (التي تسرّبت للصحافة الإسرائيلية) إلى أن وحدات استطلاع القوات البرية المنتشرة حول غزة رصدت بوادر غير اعتيادية قُبيل الهجوم. مثلاً، شوهدت تحركات لمقاتلي حركة حماس فجر 7 أكتوبر بالقرب من السياج، وربما لاحظ الجنود زيادة في عمليات نصب الكاميرات أو قص السياج في نقاط معينة قبل الهجوم بقليل. بل إن مواقع المراقبة الإسرائيلية الأمامية أبلغت عن نشاط غريب، ولكن هذه الإخطارات لم يتم تجميعها في صورة شاملة توصل لصناع القرار العسكريين. التحقيقات أكدت أن تقارير مراقبي الحدود حول استعدادات حركة حماس لم تصل إلى رئيس الاستخبارات العسكرية ولم تدخل ضمن تقييمات الموقف. هذا يعني أن المستوى القيادي بقي “أعمى” عن إنذارات قدمتها العيون الميدانية. وبالفعل، تظهر صور غرفة العمليات في مقر رئاسة الأركان في تل أبيب صباح ذلك اليوم حالة الذهول والارتباك: عند الساعة 6:29 صباحاً، لم يكن في مركز القيادة سوى ضابط برتبة رائد وضابط صف مناوب. وبعد نحو نصف ساعة، اضطر رئيس قسم العمليات لإعلان عبر مجموعة واتساب لكبار الضباط “نحن في حالة حرب” في ظل غياب معلومات واضحة.
محاولات هجومية سابقة أُحبطت ذاتياً:كشفت تحقيقات الجيش معلومة بالغة الأهمية وهي أن حركة حماس كانت قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ نفس خطة الهجوم مرتين قبل 2023: الأولى في أكتوبر 2022، والثانية في أبريل 2023 خلال عطلة عيد الفصح اليهودي. في كلتا المرتين، أعدّت حركة حماس نفسها للهجوم ثم قررت تأجيله قبل التنفيذ بوقت قصير. المثير أن أياً من المحاولتين لم ترصده أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية؛ فلم يصدر تحذير لا من أمان ولا من الشاباك حيال التحركات التي سبقت تلك المواعيد. هذا يدل على أن الفجوة الاستخباراتية لم تكن ظرفية، بل مزمنة – أي أن حركة حماس استطاعت الحفاظ على سرّية خطتها وخداع (إسرائيل) أكثر من مرة. كما ألمحت تحقيقات الجيش إلى أن حركة حماس أرسلت إشارات واضحة عن نواياها أهملتها عين (إسرائيل). من تلك الإشارات مثلاً تسارع تسلّح حركة حماس وتطويرها لطائرات مسيّرة وقدرات كوماندوز بحرية خلال السنوات الأخيرة، ما كان ينبغي أن يُقرع جرس الإنذار بشأن نوايا استراتيجية بعيدة المدى.
تحذيرات خارجية أو سياسية:من الجدير بالذكر أنه ترددت أنباء (غير مؤكدة رسمياً ضمن التحقيقات) عن أن جهاز الاستخبارات المصري نقل تحذيراً إلى الجانب الإسرائيلي قبل الهجوم بأيام، يشير إلى معلومات عن تصعيد خطير محتمل من غزة. وقد نفى مسؤولون إسرائيليون في حينه تلقي إنذار محدد، لكن مجرد تواجد هذه المعلومة في السياق الإعلامي يطرح تساؤلاً: هل تجاهلت القيادة الإسرائيلية أي تحذيرات من هذا النوع بسبب ثقتها في “هدوء” غزة؟ وفي السياق ذاته، يُذكر أن رئيس الشاباك رونين بار اجتمع مع نتنياهو قبل أيام من الهجوم ولم يبرز في تقييمه أي تهديد فوري، بل على العكس أوصى “بمنح حماس تسهيلات مدنية مقابل الهدوء” في 3 أكتوبر . هذا يشير إلى أن صنّاع القرار الإسرائيليين كانوا مطمئنين بشكل خاطئ إلى استحالة إقدام حركة حماس على الحرب، مما جعلهم ربما يتهربون حتى من التفكير في احتمال كهذا. وحين تجمعت بعض المؤشرات المقلقة عشية 7 أكتوبر (مثل نشاط الشرائح الهاتفية)، تردد المستوى الأمني في إيقاظ نتنياهو لإبلاغه بها ليلاً – ربما خوفاً من أن تكون إنذاراً خاطئاً – فكان القرار المصيري عدم دق ناقوس الخطر لدى القيادة السياسية في الوقت المناسب.
باختصار، رسمت هذه المؤشرات في مجملها صورة إنذار كان يمكن تمييزها لو وُجدت الجاهزية الذهنية لذلك. إلا أن سوء التقدير والاستهانة غلّفا رد الفعل الإسرائيلي. وكما لخّص أحد التقارير: “حركة حماس ألمحت عبر إشارات واضحة أهملتها العين الإسرائيلية، وهذا جانب آخر يتعلق بالفشل الاستخباري”. النتيجة كانت أن فجر 7 أكتوبر باغتت (إسرائيل) مفاجأة تامة، بحيث لم يكن أحد في هيئة الأركان أو الجيش كله مستعداً لها إطلاقاً.
التداعيات داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية
أحدثت صدمة 7 أكتوبر زلزالاً داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، تمثل في استقالات وتغييرات هيكلية ومراجعات عميقة للعقيدة والتوجهات. ويمكن تلخيص أبرز التداعيات فيما يلي:
استقالات وتحمل للمسؤولية: في الأيام والأسابيع التي أعقبت الهجوم، أعلن عدد من كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين تحمّلهم لمسؤولية الإخفاق مع تقديم استقالاتهم أو تنحيهم من مناصبهم. على رأس هؤلاء رئيس الأركان هرتسي هاليفي الذي أقر علناً بأنه يتحمّل جزءاً من المسؤولية عن فشل 7 أكتوبر، وصرّح في مراسم تنحيه بأن تلك الإخفاقات سترافقه دائماً. ويُعتبر هاليفي أعلى مسؤول إسرائيلي يترك منصبه عقب أسوأ اختراق أمني في تاريخ (إسرائيل). كذلك، جاء تنحي رئيس شعبة الاستخبارات أهارون هاليفا في أبريل 2024 استكمالاً لموجة المساءلة؛ حيث قال في خطاب استقالته: “أحمل هذا اليوم الأسود معي منذ ذلك الحين، يوماً بعد يوم وليلة بعد ليلة، وسأحمل معي آلام الحرب الرهيبة إلى الأبد”، مؤكداً أن جهازه فشل في أداء مهمته الأساسية. وعلى مستوى القيادة الميدانية، تقدم رئيس القيادة الجنوبية اللواء يارون فينكلمان باستقالته أيضاً، قائلاً إن فشله في الدفاع عن جنوب (إسرائيل) في ذلك اليوم سيظل محفوراً في ذهنه بقية حياته. كما شهد الجيش استقالات أو إقالات أخرى شملت قادة ألوية ووحدات في فرقة غزة ممن وقعت الكارثة في نطاق مسؤوليتهم. بالمقابل، فإن رئيس الشاباك رونين بار – رغم إقراره السريع بالمسؤولية – لم يستقل فوراً وبقي في منصبه خلال فترة الحرب على غزة، مفضلاً انتظار انتهاء العمليات قبل عملية المحاسبة، وقد دعمته القيادة السياسية في ذلك على ما يبدو. تجدر الإشارة إلى أن وزير الدفاع يوآف غالانت نفسه الذي كان يشغل منصبه خلال الأحداث تعرض للإقالة في نوفمبر 2024 بقرار من رئيس الوزراء نتنياهو، على خلفية خلافات حول إدارة الحرب. ورغم أن إقالة غالانت ارتبطت بأمور سياسية (كونه طالب بتحقيق عام في الإخفاقات وانتقد أسلوب نتنياهو)، إلا أنها تعكس جانباً من الاضطراب السياسي بعد الهجوم. بالمجمل، حمل عدد من كبار القادة الأمنيين علناً مسؤولية التقصير – وإن لم يفعل ذلك بعض آخرون ممن فضلوا تأجيل أي تحقيق رسمي إلى ما بعد الحرب.
تغييرات في العقيدة والاستراتيجية: على صعيد العقيدة الأمنية والعسكرية، فرضت دروس 7 أكتوبر على الجيش الإسرائيلي إعادة نظر شاملة في فرضياته وعقيدته العملياتية. وقد بدأ الحديث في (إسرائيل) عن “نظرية حرب جديدة” صاغها الجيش في ضوء صدمة الهجوم. تقوم هذه النظرية على مبدأ أساسي هو منع نشوء أي تهديد جسيم بالقرب من الحدود في المقام الأول، وعدم السماح للعدو بامتلاك زمام المبادرة. عملياً، يعني ذلك التخلي عن سياسة الاحتواء والردع السلبي التي اتبعت مع غزة لسنوات، وتبنّي نهج استباقي هجومي يقضي بتوجيه ضربات إحباطيه كلما بدأ تهديد ما يتنامى. وأكد الجيش أنه لا بد أن يكون مستعداً في كل وقت لمواجهة هجوم مفاجئ واسع النطاق ومن عدة اتجاهات، وفق منظور متعدد السيناريوهات. هذا التغيير الفكري يتطلب رفع جاهزية الجيش بشكل دائم، مما دفع القيادات للمطالبة بتوسيع حجم القوات بشكل كبير، وزيادة التدريبات والتمارين على سيناريوهات لم تكن محل تركيز من قبل (مثل اقتحام آلاف المسلحين لبلدات حدودية وأخذ مئات الرهائن دفعة واحدة). كذلك تم مراجعة عقيدة انتشار القوات على حدود غزة؛ فلم يعد مقبولاً تركيز وحدات نوعية كبيرة في الضفة الغربية أو الشمال وإبقاء قوة صغيرة في الجنوب كما حدث سابقاً. وأكدت التحقيقات العسكرية أن كل أساليب الدفاع التي اعتُمدت قبل 7 أكتوبر ثبت فشلها – من السياج الإلكتروني، إلى أجهزة الاستشعار، إلى انتشار القوات المحدود – لذا يجب تطوير مزيج جديد من الدفاع والهجوم يضمن ردعاً فعالاً. أحد الجوانب المهمة في هذه العقيدة الجديدة هو تبني أسلوب “الضربة الحاسمة” السريعة فور اندلاع أي هجوم، لمنع العدو من تحقيق أهدافه. وهذا يستدعي وجود خطط جاهزة باستمرار لدى الجيش لتنفيذ هجوم معاكس ساحق في أي جبهة – وهو ما بدأ الجيش بإعداده فوراً بعد الحرب.
مراجعة أنظمة الإنذار المبكر: نتيجة الإجماع على أن الإنذار الاستخباري المبكر فشل فشلاً تاماً يوم 7 أكتوبر، شرعت أجهزة الاستخبارات في إصلاح شامل لمنظومات التحذير والتقييم لديها. في شعبة أمان، يتم الآن تطوير مركز إنذار استراتيجي مركزي في مقر الاستخبارات، مع تكثيف تدريب الضباط على كيفية التقاط الإشارات الأولية وتحليلها وتقديم “إنذارات مبكرة” فعالة. بل إن التدريب يشمل قيادات الفرق والألوية الميدانية أيضاً على فهم الإنذار الاستخباري والتعامل معه، إدراكاً أن الاستجابة يجب أن تكون مشتركة بين الاستخبارات والميدان. إضافة لذلك، قررت أمان توسيع دائرة الرقابة والتقييم الداخلي بشكل غير مسبوق؛ فبدلاً من ضابطين إثنين برتبة متوسطة، سيتم إنشاء دائرة رقابة تضم عدداً أكبر من الضباط وترأسها شخصية رفيعة برتبة عميد. مهمة هذه الدائرة ستكون مراجعة دورية لكل تقديرات الاستخبارات في كافة الوحدات، لضمان عدم استمرار أي فرضية أو تقييم خاطئ دون تدقيق واعتراض. بكلمات أخرى، بناء خط دفاع داخلي ضد الخطأ التحليلي حتى لا تتكرر حالة “الكل مقتنع ولا أحد يشكك” التي ساهمت في مفاجأة أكتوبر.
إصلاحات هيكلية وتنسيقية: إلى جانب تحسين العقيدة والإنذار، شرعت الأجهزة في تعزيز التنسيق والتكامل فيما بينها. فمن الدروس المؤلمة التي أظهرتها التحقيقات أن ضعف التنسيق بين الشاباك والجيش حال دون اتخاذ خطوات استباقية. الآن، يتم العمل على آليات دمج أفضل: تدرس شعبة أمان تعيين ضباط ارتباط منها ضمن فرق جمع المعلومات الميدانية في كل فرقة قتالية، بحيث يضمنون إيصال أي معطيات مقلقة فوراً إلى قادة الاستخبارات. وكذلك، سيعمل باحثو الاستخبارات جنباً إلى جنب مع القوات الميدانية لربط ما يراه الجنود على الأرض مع ما تتلقاه الاستخبارات من مصادر أخرى. الهدف هو إنشاء صورة موقف موحدة ومحدثة بشكل مستمر، بدل بقاء المعلومات مجزأة بين الأطراف المختلفة. على صعيد الاستخبارات البشرية، تقرر بعد 7 أكتوبر توسيع نطاق تجنيد العملاء في قطاع غزة بشكل كبير. فقد أدرك الإسرائيليون أن غياب المصادر البشرية جعل حركة حماس عدواً خفياً رغم أنه على مرمى البصر. لذلك، أُعيد تفعيل الوحدة 504 وغيرها للعمل على اختراق القطاع وتجنيد عملاء محليين. كما تم إنشاء وحدة جديدة للاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) ضمن أمان لتعويض ما فقدته بعد إغلاق وحدة “حاتساف” سابقاً – ما يعني متابعة أدق لما ينشره إعلام العدو ووسائل التواصل لرصد أي نوايا أو تلميحات. وفي السياق نفسه، يجري تطوير التنصّت والتشويش التقني بحيث لا تتكرر حادثة استخدام حركة حماس لشرائح إسرائيلية دون رصد. كل ذلك يجري تحت مظلة ما أسماها مسؤولون في أمان “ثورة استخباراتية داخلية” فرضتها دروس المعركة.
هذه التغييرات الداخلية واكبها أيضاً حراك مدني وسياسي للمحاسبة. فقد ارتفعت أصوات عائلات الضحايا والجنود مطالبين بلجنة تحقيق وطنية مستقلة مثل لجنة "أغرانات" التي شكلت بعد حرب 1973. وحتى بعض قادة الجيش المتقاعدين ومحللي الأمن تبنّوا هذه الدعوات، معتبرين أن المساءلة يجب ألا تتوقف عند اللجان الداخلية للجيش أو الشاباك. ورغم أن الحكومة الإسرائيلية – في ظل رئاسة نتنياهو – لم تكن متحمسة خلال الحرب لتشكيل لجنة حكومية (ربما خشية الاضطرار لتحمّل المسؤولية السياسية)، فإن الضغوط الاجتماعية تتزايد في هذا الاتجاه. وفي استجابة ضمنية، أعلن الجيش في مارس 2025 تشكيل فريق من كبار ضباط الاحتياط لمراجعة كل تحقيقات الجيش واستخلاص الدروس. ويمكن القول إن المؤسسة الأمنية تدرك أنها تواجه أزمة ثقة تتطلب شفافية أكبر مع الجمهور الإسرائيلي، الذي فوجئ بأن جيشه ومخابراته وقعوا في غفلة بهذا الحجم.
آراء المحللين والتقييمات الاستراتيجية
اعتُبر فشل 7 أكتوبر مادة لتحليلات معمّقة في (إسرائيل)، سواء في مراكز الأبحاث أو وسائل الإعلام. وأجمع كثير من المحللين العسكريين الإسرائيليين على وصف ما جرى بأنه “أكبر إخفاق استخباري وأمني منذ حرب أكتوبر 1973” – بل ذهب البعض أبعد واعتبره الأسوأ في تاريخ (إسرائيل) على الإطلاق. فقد انهارت صورة “الجيش الذي لا يُقهر” و“الاستخبارات التي لا تغفل شيئاً” خلال ساعات، الأمر الذي تطلّب تفسيراً يتجاوز التفاصيل التكتيكية إلى نظرة نقدية أشمل. في هذا السياق، شبّه محللون ما حدث بـتكرار لخطأ المفهوميات عام 1973 حين تمسّكت الاستخبارات الإسرائيلية آنذاك بقناعة خاطئة حول نوايا مصر وسوريا. وبالمثل، تمسكت استخبارات اليوم بقناعة أن حركة حماس مردوعة ولن تغامر بحرب، رغم توفر دلائل عكس ذلك. وأشار عاموس هرئيل وآخرون في هآرتس إلى أن الخلل لم يكن في نقص المعلومات، بل في تفسيرها؛ إذ تكدست الإشارات التحذيرية لكن جرى التقليل من خطورتها ضمنياً بسبب الاعتقاد الراسخ بأن “حماس لن تجرؤ”. ووصف خبير أمني في يديعوت أحرونوت الهجوم بأنه “لم يكن فقط فشلاً استخبارياً فادحاً، بل أيضاً فشل في الخيال” – بمعنى أن ضباط التحليل لم يتخيلوا أصلاً سيناريو اقتحام آلاف المسلحين للمستوطنات، فلم يُعِدّوا له. ويرى هؤلاء أن جوهر المشكلة كان غياب التفكير “خارج الصندوق” لدى أجهزة التقييم.
من جهة أخرى، أكدت التقييمات الصادرة عن مراكز بحثية مثل معهد دراسات الأمن القومي (INSS) وغيره، على ضرورة إعادة هيكلة مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي. فبعد حرب 1973، أُنشئت آليات مثل “هيئة الاستخبارات التقديرية” وجرى إشراك الموساد وأمان والشاباك معاً في تقديرات استراتيجية مشتركة لتفادي هيمنة رأي واحد. لكن يبدو أنه بمرور الزمن عاد الانغلاق الفكري ليتسلل. ويوصي الخبراء اليوم بتعزيز “التعددية الاستخبارية” – أي وجود فرق تحليل مستقلة ومتوازية تقدّم آراء بديلة، وبث ثقافة النقد الداخلي بحيث يتجرأ المحللون على مخالفة الإجماع عند الضرورة. وقد أظهرت إحدى التحقيقات بالفعل وجود ضابطين اعتُبرا غير ملائمين في مواقع حساسة قبل الهجوم، ما يعني اعترافاً ضمنياً بتقصير بشري وربما بتأثير عوامل غير موضوعية في العمل الاستخباري. وينادي البعض بالاقتداء بنماذج “الفريق الأحمر” (Red Team) الذي يتولى التفكير من منظور العدو وطرح أسوأ السيناريوهات، لتعزيز مرونة التقدير.
انتقاد آخر تردد كثيراً في الأوساط الإسرائيلية هو تقصير المستوى السياسي في استيعاب الإنذارات. فقد لفت محللون إلى أن قيادة الحكومة انشغلت بقضايا داخلية (مثل مشروع إصلاح القضاء الذي سبب انقسامات حادة في 2023) وأهملت التركيز على الجبهة الجنوبية. ورأى مركز القدس للشؤون العامة ومعلقون في صحيفة(إسرائيل) هيوم أن انقسام المجتمع الإسرائيلي وضعف تماسكه الداخلي ظهرا كعوامل شجّعت حركة حماس على اتخاذ قرار الحرب، حيث اعتقدت قيادة الحركة أن (إسرائيل) “أصبحت مجتمعا ضعيفاً” يمكن مباغتته. كما أشاروا إلى أن حكومة نتنياهو ارتكبت خطأ فادحاً بالاعتماد على “صفقة الهدوء” مع حركة حماس – أي السماح بتحسينات اقتصادية في غزة مقابل الهدوء الأمني – دون إدراك أن حركة حماس استغلت الهدوء لبناء قوة هائلة بالخفاء. وقد لخّص تقرير الشاباك هذه النقطة بوضوح حين أشار إلى أن السياسة الدفاعية المبالغ بها تجاه غزة على مر السنين مكنت حركة حماس من تعزيز قوتها. وعليه، دعا خبراء إلى عدم تكرار سياسة “غزة أولا” بمعنى إهمال خطر غزة لصالح جبهات أخرى، فمن الواضح الآن أن حركة حماس قادرة على تهديد (إسرائيل) بقدر ما تفعله دول معادية.
على صعيد آخر، تناولت مراكز فكرية مسألة الردع الإسرائيلي وكيفية إعادة بنائه بعد هذه الضربة. رأى باحثون أن على (إسرائيل) استعادة صورتها الردعية بسرعة عبر إظهار قدرة على التكيف والتعلم من الخطأ، وإجراء تغييرات هيكلية جريئة في أجهزتها الأمنية. كما شددوا على أن الثقة الشعبية بتلك الأجهزة يجب أن تُستعاد عبر الشفافية والمحاسبة. ولاحظ البعض أن سمعة الاستخبارات الإسرائيلية تلقت ضربة قاسية عربياً ودولياً، ما قد يغري خصوماً آخرين (مثل حزب الله أو إيران) لمحاولة اختبارها. لذا، فإن من مصلحة (إسرائيل) إظهار أنها استوعبت الدرس ولن تسمح بتكراره. وهذا يتفق مع ما قاله اللواء حاليفا في حفل تنحيه حين دعا إلى تحقيق وطني واسع لفهم جذور الفشل، بما يشير إلى إدراك القيادات أن العلاج لا بد أن يكون بحجم الكارثة.
بصورة عامة، يمكن تلخيص رأي المجتمع التحليلي الإسرائيلي بأن فاجعة 7 أكتوبر كانت نتيجة تراكم عدد من الإخفاقات على مدى سنوات، أوجه الإخفاق:
1.استخباراتية (في بناء الصورة الصحيحة)
2.عملياتية (في الجاهزية الميدانية).
3.سياسية (في السياسات المتبعة تجاه غزة).
وبقدر ما شكل ذلك اليوم صدمة أليمة، فإنه قد يكون “جرس إنذار” يؤدي في النهاية إلى إحداث إصلاحات ضرورية في منظومة الأمن القومي الإسرائيلي، تماما كما قاد إخفاق 1973 إلى إصلاحات جذرية في حينه. التحدي هو أن تتم ترجمة التوصيات النظرية إلى أفعال ملموسة، وألا تُنسى الدروس مع مرور الزمن.
انعكاسات على العقيدة الأمنية ومستقبل التنسيق بين الأجهزة
إن الدروس المستخلصة من تحقيقات إخفاق 7 أكتوبر مرشحة لإحداث تغيير طويل الأمد في العقيدة الأمنية الإسرائيلية وطريقة عمل أجهزتها:
تغييرالعقيدة الأمنية – التي كانت ترتكز تقليدياً على مزيج من الردع والإنذار ثم الضربة الوقائية إن لزم الأمر – بات يُعاد صياغتها اليوم بتركيز أكبر على عنصر المبادأة والهجوم الوقائي. فلن تعتمد (إسرائيل) بعد الآن على افتراض بقاء عدوها “مردوعاً” لمجرد أنه يمر بفترة هدوء أو لأنه يتلقى بعض الحوافز الاقتصادية. لقد أثبتت حماس أن فترات الهدوء يمكن أن تُستغل للإعداد للحرب. لذلك، أحد المبادئ الجديدة هو “عدم السماح للعدو بأن يراكم تهديداً خطيراً” دون تدخل. وهذا قد يعني تنفيذ عمليات استباقية بشكل دوري (سواء ضربات جوية نوعية أو اغتيالات أو اعتقالات) لإبقاء العدو في حالة دفاعية ومنعه من امتلاك قدرات مفاجئة.
التنسيق بين الأجهزة الأمنية، هناك إدراك بأن التعامل مع تهديد مركب مثل حركة حماس يتطلب إزالة الحواجز بين المؤسسات. في السابق، كان هناك فصل نسبي: الشاباك يركّز على فلسطين (الضفة وغزة) والشؤون الداخلية، وأمان على التهديدات الخارجية والجيوش النظامية، والموساد على الاستخبارات الخارجية. لكن حركة حماس كيان ذو طبيعة مزدوجة – فهو حركة مسلّحة داخل الأراضي التي تسيطر عليها (إسرائيل) (قطاع غزة)، لكنه يمتلك قدرات عسكرية شبه نظامية. هذا الواقع جعل الخط الفاصلضبابيا بين اختصاصات الشاباك وأمان فيما يتعلق بالإنذار بالحرب.
إنشاء قنوات تنسيق دائمة ومباشرة بينالشاباك وشعبة الاستخبارات فيما يخص غزة. مستقبل التنسيق قد يشهد مثلاً غرفة عمليات استخباراتية مشتركة بخصوص قطاع غزة، يجلس فيها ضباط من الجانبين (وربما من سلاح الاستخبارات الميدانية أيضاً) لتبادل المعلومات بشكل آني واتخاذ قرارات تقديرية مشتركة. وقد يتم تحديد “مسؤولية مزدوجة” عن التحذير الاستراتيجي من أي حرب قادمة – فلا يترك الأمر لأمان وحدها كما كان الحال تقليدياً في التنبؤ بالحروب، بل يشترك الشاباك بموارده ومصادره الميدانية لتقييم نوايا العدو. بهذا تقل احتمالية أن يغفل أحد الجهازين معلومة حاسمة اعتماداً على افتراض أن الآخر سيتولاها.
تعزيز التنسيقبين الأجهزة والاستفادة من الإصلاحات الداخلية. فمثلاً، عندما تقوم أمان بضم ضباطها إلى فرق الاستطلاع الميداني في كل فرقة قتالية، فإن هؤلاء سيمدون الشاباك أيضاً بتقارير ميدانية كونهم جزء من المنظومة المعلوماتية على الحدود. وعندما تتوسع دائرة الرقابة الاستخبارية لتشمل كافة الأجهزة، سيكون هناك تقييم مشترك لأي قصور سواء في معلومات الشاباك أو تحليل أمان. ومن المتوقع أيضاً زيادة الاجتماعات الدورية بين قادة الشاباك والأمان وتبادل التقارير التحليلية بانتظام، لضمان وحدة الصورة الاستخبارية على المستوى الوطني.
تكامل العقيدة العسكرية العامة لإسرائيل، فمن الدروس المستفادة أن الاستخبارات لا تجدي نفعاً إذا لم تُترجم إلى أوامر وتحركات ميدانية فورية. لذا قد تُدخل العقيدة الجديدة بنداً ينص على الاستجابة الفورية لأي إنذار استخباري موثوق،حتى لو كان ذلك على حساب بعض الكلفة والجهد. بمعنى آخر، تبنّي فلسفة “أسوأ احتمال” (Worst-case Scenario) في التخطيط العسكري: إذا قدّمت الاستخبارات احتمالاً ولو ضعيفاً لهجوم واسع، فعلى الجيش أن يتصرف احترازياً وكأن الهجوم سيقع فعلاً. هذا تغيّر في العقلية كان غائباً يوم 7 أكتوبر، حيث فضّل القادة عدم “إزعاج” المستوى السياسي بتحريك قوات احتياط إلا بعد فوات الأوان.
تحسين(إسرائيل) الترابط بين مكونات دفاعها المختلفة. مثال ذلك: تفعيل خطة “حنيبعل” (منع الاختطاف) بسرعة وبشكل منسق كما حصل جزئياً يوم 7 أكتوبر حين اضطر الجيش لقصف مناطق فيها رهائن لإحباط اختطافهم – ولكن مع تجنب الفوضى التي حدثت حيث ضرب الجيش أحياناً مركبات مدنية إسرائيلية بالخطأ لغياب صورة واضحة. لتحقيق ذلك، لا بد من تبادل المعلومات في الزمن الحقيقي بين وحدات المشاة، والمدرعات، والطيران، والاستخبارات. وهذا التنسيق اللحظي سيتم تعزيزه عبر تقنيات القيادة والسيطرة الحديثة (الجيش كان قد استثمر بها لكنه اكتشف أنها لم تعمل جيداً تحت ضغط المفاجأة).
الخلاصة:
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقف عند مفترق طرق بعد 7 أكتوبر. وهي تحاول الموازنة بين تصحيح الأخطاء الداخلية، وبين استعادة الردع الخارجي في محاولة منها لمنع من تصفهم بالأعداء من استغلال لحظة الوهن. وتُشخص التحقيقات أن هجوم 7 أكتوبر كانت بصمته الاستخبارية عالية وذلك في نجاح حركة حماس في كسر سلاسل تبادل المعلومات داخل مجتمع الاستخبارات وهو الذي عطل التنبؤ الناجح وأدى لوقوع الهجوم " الكارثة" كما تصفه المصادر الإسرائيلية. وتشير كافة الدلائل – من نتائج التحقيقات الرسمية إلى نقاشات مراكز الأبحاث – إلى أن (إسرائيل) تمضي نحو تبني تغييرات جذرية في عقيدتها الأمنية وطريقة عمل أجهزتها الاستخبارية، لضمان ألا تتكرر ثغرة بحجم تلك التي نفذت منها حماس في صبيحة يوم 7 أكتوبر 2023.
المصادر:
الجزيرة نت – نتائج تحقيقات الجيش الإسرائيلي (28/2/2025)
الجزيرة نت – تحقيقات الشاباك بعد طوفان الأقصى (9/3/2025)
تايمز أوف إسرائيل (نسخة عربية) – ملخص تحقيق الشاباك (7/3/2025)
التلفزيون العربي – إصلاحات أمان بعد الإخفاق (25/2/2025)
رويترز – استقالة رئيس الاستخبارات العسكرية (21/8/2024) ؛الجزيرة نت – الشاباك في مواجهة نتنياهو (9/3/2025).
العربي الجديد – استمرار الاستقالات (8/2/2025) وغيرها من المصادر المذكورة أعلاه.