رسالة من أم الأسير نضال زلوم الى مصر العروبة والاحرار.

وليد الهودلي
15-06-2020
وليد الهودلي

أنا أم الأسير نضال زلوم حيث أطلق سراحه برعاية مصرية في صفقة وفاء الاحرار، بعد أن حفيت أقدامي وأنا أتنقل من سجن لآخر من سجون القهر والعذاب الصهيونية مدة ثلاث وعشرين سنة بالكمال والتمام، منّ الله علينا وعانقت ولدي الحبيب في فضاء الحرية بعيدا عن حجرات الزيارة وشباكها وزجاجها الذي يفصل الارواح عن الاجساد، وفرحنا فرحة لا يعلم حجمها الا الله حيث عانقت السماء بكل نجومها وزينتها أرضا اشتاقت طويلا لنسائم العزّة والحرية والكرامة، ولقد كنتم مصر العروبة حاديا لهذا العناق العظيم بين السماء والأرض، سقتم سحب الحريّة فروت ربوع فلسطين بأحرارها ورجالها الشجعان، ما من مدينة ولا قرية ولا مخيم الا كان له نصيب من طهر عروبتكم وجميل شهامتكم وأصالة نخوتكم ، وكان أن عانق ابني الحرية من بين ما يزيد عن الف تنسّموا عبق روح عروبتكم المجيدة العالية.

بعد سنتين وبعد أن تزوج  وأنجب ابنتين حيث تنفّس قبسا من حياة عزيزة كريمة جاءته زبانية الاحتلال، كعادتهم ليس لهم الا أن ينقضّوا على سعادتنا ويعقروا العهد والميثاق وكل التفاهمات ، لم يرعوا فينا إلا ولا ذمّة ولم يحترموا رعايتكم العظيمة لهذه الصفقة ولم يقيموا وزنا لعروبة مصر التي تسري في عروقنا، وقد أخذونا بجريرة لا علاقة لنا فيها وإنما انتقاما وتفريغا لأحقادهم وابتزازا لنا ولكم ، لم يثبت أي دليل يبرر هذا الاعتقال الشرس وإنما هو البحث عن ورقة ضاغطة ليلعبوا فيها لعبتهم السافرة، أعادونا الى مدفن الاحياء من جديد، هو بالفعل مدفن لهم تحت وقف التنفيذ لان أغلبهم الان مسنّين، منهم من تجاوز الستين ومنهم من تجاوز الخمسين، ساقوهم الى حيث الموت البطيء قطرة قطرة بما يحملوا من أمراض السجون من حبساتهم الطويلة الماضية، فنضال مثلا يحمل عدة أمراض أقلّها خطرا غيبوبة تأتيه بين الحين والأخر ولا يدري سيقوم بعدها أم يبقى في غيبوبته، هم الان في مدافن الاحياء ظلما وزورا لا سابقة لها، وقد دخلوا في السنة السادسة في اعتقال لا ناقة لهم فيه ولا بعير.

أنا كأم خوّلت نفسي الحديث باسم الأمهات اللواتي اعيد اعتقال أبنائهن، من هذه الأمهات من قضت نحبها وهي تنتظر افراجا عن درّة قلبها، ومنهن ما زالت تنتظر هذه اللحظة التي تحتضن فيها ولدها قبل أن تفتح لها السماء أبوابها وتلحد في قبرها، وما أقسى من أن يتلقى الأسير العزاء بأمه وهو غارق في مدافن الاحياء، قرّرت أن أرفع صوتي باسمهن جميعا وكلّي أمل أن تلامس نخوة المعتصم وعزّ العروبة ووفاء الاحرار وحيث أنكم كنتم الراعي والحادي والميسّر للصفقة التي حرّرت هؤلاء الابطال من براثن تلك السجون العاتية وأشرقت شمسنا حينها من عمق ظلماتهم الحالكة.

هناك مثلا ممن أعيد اعتقالهم من ووريت أمه الثرى قبل أن يشمّ شذى قلبها مثل نائل البرغوثي الذي وصل مجموع حبستيه ( ما قبل الصفقة وما بعدها) أربعين سنة، وهناك ضرير لم ير أمه الا بنور بصيرته لا وهي حية ولا بعد أن فارقت الحياة ، علاء البازيان الذي وصلت مجموع حبساته الست والثلاثين سنة ،وهناك من تجاوزتهم كلّ الافراجات وما زالوا يعقدون الامل على الصفقة القادمة وهم إخواننا من فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين، وعميدهم  كريم يونس يقترب في سجنه من أربعين سنة، أرقام فلكية غير مسبوقة تنوء عن حملها الجبال ولكن الانسان الفلسطيني يحملها صابرا محتسبا ولا يفقد الامل البتّة.

لقد أطبق ظلامهم علينا وأحكم الخناق على صدورنا، لم نعد نرقب الفجر القادم إلا بإيماننا بربنا ثم بنور قلوب أحرارنا، لم يعد لنا أمل إلا بهذا النور الذي يلوح لنا في أفق مصر كنانة العرب وأحرار هذه الامّة الخالدة، كلنا أمل أن نطرق جدران الخزّان وأن لا نموت صامتين وبيننا وبين حريّة أبنائنا خطوة واحدة، الامل كبير ومن عمق مدافن الاحياء نصنع الحياة باذن الله وما ذلك على الله بعزيز.