قراءة مركز القدس للتقدير الاستخباري لشعبة الاستخبارات الصهيونية (أمان)

ياسر مناع
14-02-2019
إعداد: ياسر مناع - مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني




نشرت شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، تقديرها الاسترايتجي الاستخباراتي لعام 2019، حيث تطرق الى قضايا أمنية عدة كان أبرزها الجبهتين الجنوبية والشمالية، بالاضافة الى الملف الإيراني، وأبزر ما ورد في التقدير هي احتمالية الحرب المرتفعة مع قطاع غزة، وانخفاضها على الجبهة الشمالية، اضف ذلك التحسينات التي يحاول رئيس هيئة الأركان الجديد "افيف كوخافي" اضافتها على قدرات الجيش،وخاصة الوحدات البرية، وتزويدها بوسائل قتالية جديدة، واللافت في هذه الجزئية من التقدير بأن المؤسسة العسكرية قد اقامت " قسم بنك الاهداف الحيوية"، وهو الاول من نوعه.

على ما يبدو بأن " كوخافي" سوف يسير على نهج سلفه "آيزنكوت" في استكمال خطط الاصلاح والتكتيك في الجيش بشكل عام كخطة "جدعون" مثلاً، وتعزيز بطارية القبة الحديدية، والارتقاء بالقدرات العملياتية الميدانية، مضافاً اليه العمل على دمج القوات الجوية والاستخبارات العسكرية من أجل تحقيق عمل ميداني ناجع وفعال.

وفي هذا الورقة نقدم قراءة وتعليق على أهم القضايا التي تطرقت لها شعبة الاستخبارات في تقديرها، للوقوف على خطوات الكيان لمواجهة التهديدات والتحديات خلال هذا العام:

الجبهة الجنوبية الحرب مع قطاع غزة

اشار التقدير الى أن احتمالية الحرب مع قطاع غزة مرتفعة، حيث وصف العام الحالي بالعام " القابل للانفجار"، ويعود ذلك الى تغيرات عميقة قد حدثت، وان هنالك توقعات في أن تقوم حماس بشن هجمات ضد جيش الاحتلال، وتشير التوقعات أنه وفي وقوع مثل هذا الحدث فإن الرد سيكون محدود، لكن الاوضاع الحالية قد تؤدي الى جولة حقيقية من التصعيد مع القطاع.

وان اسباب تلك التوقعات تعود الى صعوبة حماس في حكم قطاع غزة، وبسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعاني منها سكان القطاع، بالاضافة الى تبني الجهاد الاسلامي موقف التصعيد خلال الاشهر الاخيرة.

أما بالنسبة لميسرات العودة فيرى التقدير بانها قد حققت لحماس بعض الانجازات مع قطر، وان قائد حماس في قطاع غزة يحيى السنوار لا زال يسيطر على ألسنة اللهب في القطاع، لكن "اسرائيل" تأخذ بعين الاعتبار بأن فرصة المواجهة آخذة بالازدياد.

وتطرق التقدير ايضاً الى استعدادات حماس للحرب المقبلة التي تتمثل في التركيزعلى الجهد الاستخباراتي، بالاضافة الى تطوير البنية التحتية للانفاق، وتحسين القدرة القتالية تحت الارض، وأضاف في هذا الجانب بأن التقديرات الاسرائيلية تشير الى أن حماس قد تقدمت في هذا الجانب بشكل ملحوظ، لا سيما بعد الحرب الاخيرة على قطاع غزة في صيف 2014.

وفي ضوء ذلك قرر رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال "أفيف كوخافي" تحسين استعدادات الجيش للمواجهة المحتملة مع غزة، بعبارة اخرى فان قطاع غزة هو محور عمل الجيش من برامج الأسلحة حتى التدريب، وإنشاء هيئة لإعداد بنك الأهداف، من أجل زيادة وتحسين مجموعة الأهداف التي يمتلكها جيش الاحتلال لاستهدافها من الجو بشكل أساسي بالاضافة وسائل أخرى.

مضافاً الى ذلك تحسين قدرات القوات البرية، وامداد الجيش بأسلحة جديدة متطورة متنوعة.




الضفة الغربية

يرى التقدير بان هنالك احتمالية مرتفعة ايضاً لحدوث مواجهة في الضفة الغربية، وذلك بسبب المحاولات التي تقوم بها حماس في الضفة لتكثيف نشاطاتها، والحالة الصحية لرئيس أبومازن، وخطة السلام الأمريكية  ويضف التقدير بأن هنالك عدة عوامل يمكنها ان تحافظ على استقرار الأوضاع منها المصالح الامنية المشتركة مع السلطة الفلسطينية، وان اي تصعيد سيلحق ضرراً بالجانب الاقتصادي لسكان الضفة بشكل خاص.




الجبهة الشمالية التواجد الإيراني في سوريا

يشير التقدير الى أن التهديدات الأمنية والتحديات الجوهرية لـ "إسرائيل"، هي من إيران والتهديدات في الشمال، بما في ذلك احتمالية استئناف الاتفاق النووي، والتمركز الإيراني في سوريا والعراق، ومشاريع صاروخية دقيقة في سوريا ولبنان ، والتي يمكن أن تشكل معضلة أمام "إسرائيل" في حالة اي نشاط عسكري.

ويرى التقرير بأن الضغط الأمريكي  على ايران ذات أهمية وله آثار عميقة، وكان التساؤل ما إذا كانت التطورات الأخيرة لديها القدرة على انتفاضة شعبية في إيران، وهل سيكون هنالك تغيير في الخطاب المدني الداخلي.

ويذكر التقدير بان ايران مستعدة لانتهاك الاتفاق بسبب الضغوط التي تمارس عليها، وذلك في محاولة لتخفيف من العقوبات أو الوصول إلى النظام الجديد، ان  التقديرات الإسرائيلية حول الأنشطة الإيرانية في العراق آخذة في الزيادة والتوسع ذات أبعاد رئيسية وهي: ايجاد أنظمة صواريخ متنوعة، والتي من الممكن أيضا تهديد استقرار الحكومة الأردنية.

بالاضافة الى ان ايران تحاول من خلال المليشيات العاملة في سوريا، ايجاد نوع من الردع مقابل "اسرائيل"، كما ان وجود روسيا في سوريا، وامدادها للجيش السوري بالصواريخ المتقدمة عمل على تقليص مساحة العمل في الساحة السورية، وذلك يعود لسببين:

  1. حالة النقاش و الجدال على الساحة الايرانية الداخلية.

  2. الرغبة الروسية في هدوء الاوضاع واستقرارها في سوريا.


تدرك "إسرائيل" أنه في أعقاب الهجمات الإسرائيلية في مطار دمشق ، يعتزم الإيرانيون نقل مركز نقل الأسلحة إلى سوريا إلى قاعدة T-4 ونقل مراكز المهمة إلى امكان اخرى.

وتشير المعطيات الى أن هناك بالفعل انخفاض كبير في عدد المقاتلين الإيرانيين في سوريا ، ويمكن ملاحظة انخفاض في الميزانية وفي نطاق استثمار موارد إضافية واهتمام بالمصلحة الإيرانية، وهناك تحد آخر في السنوات المقبلة متمثل في إعادة تأهيل جيش الأسد مما يشكل تهديداً لــ" اسرائيل".

الجبهة الشمالية - حزب الله

وتطرق التقدير الى أن حزب الله يعمل في تعزيز القدرات العسكرية في مرتفعات الجولان، حتى يتمكن من فتح جبهة أخرى ضد "إسرائيل" في حالة نشوب حرب، أو كجزء من رد فعل ضد اي أستهداف إسرائيلي في لبنان.

وقدرت إسرائيل أن احتمال حدوث مواجهة مع حزب الله ليست مرتفعة، ولكن في ضوء الأفعال المنسوبة لــ "إسرائيل" ضد حزب الله على الاراضي السورية في المقام الأول ،وتعتقد "إسرائيل" أن حزب الله اذا اراد اختيار رد فلن يؤدي إلى مواجهة شاملة مع "إسرائيل".

القراءة لتقدير

لم يأتي التقدير الاستراتيجي هذا العام بالشيء الجديد، على صعيد الجبهتين الجنوب والشمالية، بالاضافة الى الايراني.

الجبهة الجنوبية

ترى المؤسسة الاسرائيلية بان قطاع غزة، في ظل الاوضاع الانسانية والاقتصادية المتفاقمة و الآخذة بالسوء، مكان قابل للانفجار في اي لحظة، لا سيما بالتزامن مع فشل الجهود المستمرة في ايجاد نوع من التفاهمات التي تكفل الهدوء النسبي المؤقت مقابل التخفيف من وطأة الحصار .

وبالتالي فإن الخيارات على الطاولة في غزة محدودة جداً، اما مواصلة الجهود الدبلوماسية سواء الحكومية او الشعبية العربية وبعض الاجنبية للضغط على "اسرائيل" بهدف التخفيف من حصارها، و هذا الخيار صعب تطبيقه لوحده منفردا في ظل وجود مسيرات العودة ومفرزاتها على الارض.

وإما ان يكون الخيار هو الاستمرار  في مسيرات العودة على طول الحدود مع قطاع غزة، مع التحكم بمستوى التصعيد فيها بما يتناسب مع تعامل الاحتلال معها، وهذه نوع من حروب الاستنزاف التي لا طاقة لـ "اسرائيل" بها، ما يعني بان القرار الاسرائيلي بشأنها اما ان يبادر في الحرب او يتعامل معها بنوع من الانضباط المؤقت.

اما الخيار الثالث فهو الاتجاه نحو حرب غير مسبوقة، لفك الحصار، في ظل القدرات التي باتت تمتلكها غزة، ومستوى التنسيق المرتفع بين فصائل المقاومة، اضف الى ذلك الخبرة المتراكمة في ادارة الحروب و العملية من هذا النوع، لكن لا احد من الطرفين يحبذ خيار المواجهة.

اما فيما يتعلق بالضفة الغربية، فهي الساحة الاكثر غليانا، في ظل ما تعيشه من واقع صعب على المستويين الامني والاقتصادي، فعلى المستوى الامني يواصل الجيش والمستوطنين امعاناً في الاعتداءات على الفلسطينيين، سواء بالاقتحامات والحواجز المنتشرة في جميع ارجاء الضفة والتي تعمل على فصل المناطق السكانية عن بعضها البعض، وتغول المشروع الاستيطاني الساعي لضم الضفة باسرها.

اما على المستوى الاقتصاد فهو آخذ بالازدراء بالتزامن مع القرارات الاقتصادية التي تفرضها السلطة الفلسطينية، وارتفاع نسبة البطالة فيها.

ذلك كله دفع المؤسسة العسكرية الى العودة مجدداً الى معضلتها الرئيسية المتجددة في الجيش والمتمثلة في ضعف القوات البرية والعمل على تسليحها و تحسين قدراتها.







الملف والتموضع الايراني في سوريا و حزب الله

تعلم "اسرائيل" بأن اندلاع مواجهة في الشمال مع ايران وحزب الله امراً بات مستبعداً في اصله، وخصوصاً بعد تقاسم الادوار بي الولايات المتحدة وروسيا في المنطقة والذي في ضوءه قررت الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا.

فوجود روسيا - التي تمتلك القاعدة العسكرية الواحد في البحر المتوسط - في سوريا احد اهم العوامل الكفيلة لخلق هدوء لا يخلو من مناورات اعلامية، وتصريحات تصعيدية، عدا عن الازمات الداخلية التي تعاني منها كلاً من ايران و حزب الله الغارق في المستنقع السوري.

خلاصة

لن نشهد تغيراً ميدانياً على الجبهة الشمالية، مع الاستمرار بالتصعيد التصريحي والكلامي بين الاطراف.

اما على الجبهة الجنوبية، فما دام الحصار يطبق على قطاع غزة في ظل تعنت "اسرائيل" في ايجاد او تطبيق اي اتفاق يهدف التخفيف من الحصار، فإن الحرب قادمة لا محلة مع غموض وقتها، لكن الجدير بالذكر أن الجيش ومن خلفه "كوخافي" مرتبط بالمستوى السياسي الذي لا يسعى حالياً لخوض غمار مواجهة في القطاع.