"كوخافي" في رسائله إلى الداخل: بِتنا في ورطة!

أحمد أشقر
05-04-2020



أحمد أشقر- باحث في الدراسات الدينية ومترجم 

يعبّر أي نصّ من النصوص المقروءة والمسموعة عن بنيّة محددة في سياق محدد. لذا فهو خطاب ((discourse. يكتسب أهميته من قائليه وكاتبيه والموضوع الذي يتحدث عنه. وتزداد أهميته من تدرج قائليه وكاتبيه في الاختصاص المهنيّ والفكريّ ومكانتهم في تراتبيّة البنيّة المعنيّة في سياقها المحدد. وتكمن الفكرة الأساسية في ملتقى طبقات نصّ الخطاب، كما عبّر عنه الفيلسوف واللغوي الروسي ميخائيل باختين (1985- 1975)- وهي الفكرة التي ينطلق منها الخطاب للتعبير عن حالة البُنيّة التي تحدث عنها دون سواها. لذا يمكن القول إن أهم ما جاء في  خطاب رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، "أفيف كوخافي"، في المؤتمر الخامس عشر الذي عقده المركز المتعدد المجالات في هرتسليا في الخامس والعشرين من شهر كانون الأول من عام 2019 تحت عنوان "الجيش الإسرائيلي- التحديات والأجوبة"، هو إعادة "إسرائيل" إلى المربع الوجودي الأول، أي استمرار وجود اليهود في فلسطين بدليل قوله: "كي يرغب شعب إسرائيل [اليهود] بالبقاء هنا [في فلسطين]، كي يريد الناس بناء عائلاتهم، والتطور، والازدهار، والإنتاج، يتوجب علينا الاهتمام بوجود فترات من الأمن والاستقرار". وما تلاها من تفصيلات وتفاصيل عن الأمن والردع والحرب جاءت لتعزز هذه الفكرة القائلة إن وجود اليهود في فلسطين ليس مفروغاً منه وهو مشروط بهزيمة كل الدول والقوى في الدوائر الأولى والثانية والثالثة كما فصّلها "كوخافي" في محاضرته التي يمكن وصفها بمحاضرة مدرسية يحاول صاحبها شرح قضية معينة أمام أشخاص لا يعرفون عن الموضوع شيئاً، وإلّا لما أتحفنا بمفهوم ومنهج الاستراتيجية علماً أن المُستمعين إليه هم من المنظرين والأساتذة في الموضوع!

*     *     *     *

جاء خطاب "كوخافي" على خلفيّة يدركها ويعي تداعياتها وعياً تاماً، إلا أنه لم يذكر تفاصيلها التي ستساعدنا في شرح وجهة نظرنا، والدفاع عنها والتشبث بها:

1- لم تتمكن "إسرائيل" من استمرار احتلال جنوب لبنان والسيطرة عليه لأكثر من عقدين (1982- 2000). علماً أنها شكلّت جيشاً رديفاً لجيشها ألا وهو جيش لبنان الجنوبي، المعروف بجيش لحد. فضربات المقاومة اللبنانية متمثلة في حزب الله أجبرتها على الانسحاب سنة 2000 دون مفاوضات أو تفاهمات. وقد أحيط الانسحاب بسريّة لم يعلم بها جميع الوزراء أو وسائل الإعلام فاستيقظ العالم صبيحة الخامس والعشرين من أيار من تلك السنة على انسحاب الجيش من جنوب لبنان وعودته إلى فلسطين المحتلة. وبتقدير العقيد الدكتور "يجيل ليفي" من قسم الإدارة في جامعة "بن جوريون" في بئر السبع، عبّر الانسحاب من جنوب لبنان عن تغيّرات جوهرية في الجيش من حيث التآكل في قدرته وانسجام قيادته مع القيادة السياسية الذي انفجر في الحادي عشر من شهر تموز 2015، حينما حذّر "مئير دجان" الرئيس الأسبق لجهاز "الموساد" (2002- 2011) في محاضرة له أمام ضباط سلاح الجوّ قائلاً فيه: إن الثنائي نتنياهو، (رئيس الحكومة)، وبراك (وزير الحرب والعدوان)، قررا شنّ هجوم على إيران. وأضاف: إن الاثنين لا يدركان حجم المخاطر الناتجة من هذا الهجوم غير المحسوبة نتائجه، لأن من المتوقع أن يتحول الهجوم إلى حرب إقليمية يشترك فيها (إلى جانب إيران) حزب الله وحماس وسورية، وأضاف محذراً: إن بإمكان إيران أن تمطر "إسرائيل" بالصواريخ لعدة أشهرّ! ويمكن القول إن تحذير دجان جاء بناء على مُهمة أرسلته إليها قوى "الأمن" والاستخبارات والدولة العميقة. لذا ردّ عليه نتنياهو بسحب جواز السفر الديبلوماسي منه. قبل هذا الانفجار كان "الموساد"- بحسب وكالة "بلومبرغ" الإخبارية في 22. 1. 2015- قد بعث برسالة رسميّة إلى المشرّعين الأميركيين يؤكد فيها أنّ فرض عقوبات إضافية على إيران سيمسّ بالمفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وذلك خلافاً لموقف نتنياهو. ونذكر هنا أن "كوخافي" القادم من الاستخبارات العسكرية كان قد بارك الاتفاق النووي مع إيران. لذا جاء موقف "كوخافي" عن القدرة النووية لإيران في خطابة المذكور غير واضح المعالم بدليل قوله: "طالما أنه لا يوجد رد على توسع المشروع النووي، وطالما أن العلماء يعملون حالياً على تطوير الرؤوس الحربية وإنتاج قنبلة بدون رد، فإنه في وقت ما يمكن أن يخرج عن مجال الحوار الاستراتيجي وأن ينتقل إلى قدرة حقيقية، منذ الآن وحتى بعد بضعة أشهر، يمكن أن تنطلق قدماً وتقوم بإنتاج قنبلة" (ترجمة صحيفة الأيّام الفلسطينية)، كيّ لا تنشب مواجهة أخرى مع القيادة السياسية التي يسيطر بالمطلق عليها "نتنياهو". ومن يتابع وسائل الإعلام الإسرائيلية ويقرأ بين السطور يفهم أن وزراء الحرب الذين هم من خلفيات غير عسكرية يثيرون حفيظة قيادة الجيش وقلقها لأنهم لا يفهمون التقارير المقدمة كما كان الحال مع كل "عمير بيريتس" و"ليبرمان" على سبيل المثال و(بينيت) حاليّاً.

2- بعد ستّ سنوات، في شهر تموز سنة 2006، من الانسحاب المذكور شنّ الجيش "الإسرائيلي" عدواناً آخر على لبنان لمدة شهر اضطر بعده لإيقاف عدوانه والانسحاب من مشارف القرى اللبنانية الحدودية التي دخلها. وعلى خلفية نتائج ما حصل في ذلك الشهر تمّت كتابة آلاف المقالات والعديد من التقارير العلنيّة والسريّة عن هزيمة إسرائيل وانتصار المقاومة أو عدم تمكن إسرائيل من تصفية حزب الله. لكن التقارير الأهم التي لم تتناولها وسائل الإعلام بالقراءة والتحليل هما التقريران الإسرائيل والأمريكي اللذان أشارا إلى عدم قدرة الجيش الإسرائيلي على الانتصار في معركة قادمة في المستقبل دون مشاركة مباشرة من الجيش الأمريكي الذي لا يزال حتى الآن يرفض الالتزام بالمشاركة الفعلية. فقد أفادت التقارير التي تطرقت إلى لقاء "نتنياهو" ووزير الخارجية الأمريكي "بومبيو" في العشرين من شهر آذار من عام 2019 أن صوت "بومبيو" ارتفع على "نتنياهو" رافضاً تقديم التزام بمشاركة الجيش الأمريكي في أي عدوان قد تشنه إسرائيل على إيران ومحور المقاومة مستقبلاً.

هزّت هزيمة إسرائيل في العدوان المذكور وجدان اليهود ممن يعتبرون أنفسهم علمانيّين، ومسّت لاوعيهم من الأعماق. حينها بدأت الصحافة الإسرائيلية، ممثلة بصحيفة النخبة الأشكنازية "هآرتس" الحديث عن مجيء "المشيح" مستحضرة بذلك "شبتاي تسفي" من القرن السابع عشر في تركيّا الذي ادعى أنه "المشيح". فقد دبجّت الصحافة الإسرائيلية عشرات المقالات عنه وعن حركته (...). فاستحضار إمكانية مجيء "المشيح" (علماً أن هذه الإمكانية غير واضحة المعالم في اليهودية التي وضع أركانها ومحدداتها موسى بن ميمون) من قبل صحيفة النخبة تحديداً يعبّر عن عمق الأزمة التي تسبب بها انتصار حزب الله في الوجدان اليهودي. لهذا السبب لا أزال أعتقد أن التقارير التي سمعنا عنها أو قرأناها بصورة كاملة أو جزئية، لها ملاحق ستبقى سريّة إلى وقت طويل، تُشخصّ الشرخ وتبحث تداعياته في بُعد صمود اليهود نتيجة هذه الهزيمة أو هزائم مستقبلية. وبناءً على هذه المعطيات المادية لم يعد بإمكان "إسرائيل" شنّ عدوان على محور المقاومة دون التزام أمريكي بالمشاركة الفعّالة. والذي يعزّز من هذه النتيجة الأحداث التالية:

في الثامن عشر من كانون الثاني 2015 شنت إسرائيل هجوماً على موقع عسكري في القنيطرة السورية فقتلت ستّة من العسكريين الإيرانيين (...). وبعد أسبوعين في التاسع والعشرين من الشهر ذاته قام حزب الله بردّ على العدو الإسرائيلي الذي صمت دون أي يردّ. وفي الحادي عشر من شهر شباط 2018 قامت سورية بإسقاط طائرة عسكرية لإسرائيل في غرب مرج ابن عامر دون أن تردّ (...). وفي الثامن من شهر أيّار 2019 قامت سورية بإطلاق 55 صاروخاً إلى الجولان المحتل (...). وإسرائيل التي اعتادت الردّ العسكري على كل صبيّ فلسطيني يحمل سكينة لتقطيع الخضار صمتت. وفي الخامس والعشرين من شهر آب من السنة ذاتها، وردّا على استهداف مُسيّرتين إسرائيليتين فوق الضاحية الجنوبية اللتين أسقطهما حزب الله دون أن تنفجرا بهدفيهما، أعلن السيّد حسن نصر الله عن قرار الحزب بإسقاط أي طائرة مسيّرة تدخل الأجواء اللبنانية. وفعلاً قام الحزب بعد أسبوعين، في التاسع من شهر أيلول، بالاستيلاء على مسيّرة إسرائيلية دخلت المجال الجوي اللبناني.

أوردت هنا أبرز المحطات التي كانت إسرائيل قد تشنّ حرباً بموجبها (أو لأقل منها) على مسببها. وكما قلنا سابقاً، نعود ونكرر: لم تعد إسرائيل قادرة على شنّ حرب متى أرادت ولوحدها. فقد فهمت مكامن ضعفها- كذلك فهم السوريون والإيرانيون وحزب الله مكامن قوتهم المتوفرة بكثرة بين أياديهم. أما سوريّة التي لا تزال تعاني من العدوان عليها منذ سنة 2011 فقد باتت هي الأخرى قادرة على الردّ بعد أن أدركت أن الردّ (وربما العودة إلى المربع الأول في تحرير الجولان) هو الأقلّ ضرراً لها إذا ما قورن بما يحصل فيها ولها منذ تسع سنوات.

3- بعد يومين من خطاب "كوخافي"، في السابع والعشرين من  الشهر ذاته، ولمدة أربعة أيّام نظمت كل من الصين وروسيا وإيران مناورات عسكرية بحرية في شمال المحيط الهندي. كنت قد بحثت كثيراً في المواقع الإعلامية والتحليلية المختلفة لفهم موقف إسرائيل منها. فاتضح لي أن إسرائيل الرسمية صمتت ووسائل الإعلام العلنية ارتبكت لأنها تعي أن هذه المناورات فوق طاقة إسرائيل الاستراتيجية. فإيران التي تحرض إسرائيل عليها ليل نهار باتت في صلب الشرعية العسكرية لكل من روسيا والصين التي تعتبر أكبر مستورد نفط منها تليها كل من اليابان والهند. وأشار بعض المحللين إلى أن العراق واليمن (كما إيران) باتا ضمن مشروع حزام الحرير الصيني. هذا ليس صداعاً لإسرائيل، بل "ميجرينا" (الشقيقة). هذا ما يدركه كل مفكر استراتيجي في الكيان. وتكمن أهمية إيران لكل من روسيا والصين، إضافة لأهميتها الاقتصادية والتجارية والعسكرية، بأنها الدولة التي تساهم معهما في محاربة وتفكيك مفخخات الحزام الأخضر السنّي الذي أوعز به بريجنسكي، مدير الحروب الأمريكية في فترة الرئيس نيكسون (1977- 1981) قبل أكثر من ثلاثة عقود للنيل من روسيا والصين اللتين استفادتا من تنظيراته أكثر من أمريكا نفسها وأوروبا التي لا تزال على عماها بالتعامل مع مفخخات اللاجئين الذين أعدهم بريجنسكي لإشغالها عن التحرر من أمريكا. فروسيا التي عانت من مفخخات الشيشان، من المتوقع أن تعاني مفخخات سنيّة أخرى. أما الصين فقد اخترعوا لها خنجراً سنيّا من "الإيجور" الذين تريدهم أنظمة السنة في الخليج ضحايا لها من أجل التقارب مع أمريكا ضدّ الصين التي لن ترحم أي كائن يهدد وحدة الأمة والوطن. فالصين التي سكتت غاضبة على اقتطاع تايوان منها سنة 1945 واستعادت هونج كونج سنة 1997 لن تقبل بإعادة سيناريو تايوان. فإذا علمنا أن إسرائيل تتغنى بتحالفها مع الأنظمة السنيّة عليها أن تدرك أن هذه العلاقة ستصبح عبئاً عليها عندما تبدأ الأحزمة الناسفة الخضراء بالانفجار بأقدام كل من روسيا والصين (...).

4- ويخصّ الداخل الإسرائيلي وحده دون سواه خاصة إذا علمنا أن خطاب كوخافي جاء في مؤتمر هرتسليا 2019 تحت عنوان "الجيش والمجتمع الإسرائيلي". فهذا الباب يخصّ سياسة نخبة "إسرائيل الثانية"- كما تُسمى في أدبيات العلوم الاجتماعية- التي يمثلها "نتنياهو" و"شاكيد"... و"ريجيف" التي جلبت إيران بالقرب من شرفة "بيتها" في الجولان وجنوب لبنان، الذي كان يعرف بالجليل الفلسطيني قبل أن تنشغل بها سكاكين سايكس- بيكو ومن والاهم من مفخخات طائفية. هذه النخبة هي التي تقوم بزعزعة أسس الإدارة التي أقامتها "إسرائيل الثانية" فهي التي عملت وتعمل على إضعاف مؤسسات البرلمان (الكنيست) والشرطة والقضاء والرقابة بدليل مسلسلات الهجوم عليها من قبل "نتنياهو" وأسرته ومن يحيطون بهما من أعضاء كنيست ونشطاء مختلفين. وكم عبّر نتنياهو وأسرته وبطانته عن عدم ثقته بأجهزة القضاء والشرطة (إذن، ماذا يقول العرب عن هذه الأجهزة؟!). يضاف إلى هذا اتساع الاستقطاب الاقتصادي وتراجع مستوى التعليم الذي بات يشرخ تجمع اليهود إلى جزأين عامودياً. وما الاستعدادات لانتخابات برلمانية للمرة الثالثة في أقل من سنة وعدم قدرة أي شرخ منهما على حسم الأمر إلّا دليل على أن شيء سيء يحصل في الكيان (...). هذا الأمر لم يكن غائباً عن خطاب (كوخافي) الذي حذر من الصواريخ المُطلقة منه وإليه حتى ليقال إنه جاء ليبرئ ذمته مما قد يحصل لسكان الكيان في أية مواجهة مستقبلية مع محور المقاومة. كذلك لم يغب عنه أن المجتمع المشروخ تقوده قيادة فاسدة باتت توصف بالعصابة، ليس فقط نتنياهو، الذي بات يوصف بأنه جنائي هارب من العدالة بعد طلبه الحصانة من "الكنيست" في الثاني من هذا الشهر، بل كل النُخب التي تدافع عنه مستخدمة شعارات شعبوية وفاشية مثل: على الشعب أن يقرر في صناديق الاقتراع إن كان نتنياهو مؤهلاً لقيادة الدولة! علما أن المستشار القضائي للحكومة مندلبليت قرر تقديم ثلاث لوائح اتهام ضدّه بشبهة الفساد وتلقي الرشوة "وخيانة الأمانة". أي أننا أمام نخب ونصف مجتمع يؤيد الفساد ويريد مأسسته باعتباره قيمة يجب الدفاع عنها. أما ملف الفساد والرشاوى في قضية الغواصات الألمانية فسيبقى سريّا، بسبب مضامينه الأمنية والسياسية وسواها.

*     *     *     *

بدأ (كوخافي) خطابه باقتباس ما دوّنه "بن جوريون" في الساعات المتأخرة من ليلة الرابع عشر من شهر أيار بالتقويم العبري قبل يوم واحد من إعلان ميلاد الكيان الصهيوني، الذي كتب: "في الرابعة عصراً أُعلن الاستقلال اليهودي وأقيمت الدولة التي سيظل مصيرها بأيدي قوى الأمن" (التشديد على اليهودي). هذا الاقتباس يعزز ما اعتبرته في بداية المقال ملتقى طبقات النصّ، أي جوهر خطابه الذي يمكن اعتباره محاضرة مدرسية غير لامعة، لكنها مهمة، لأنه ذكر ما له وما عليه في أية مواجهة مستقبلية تحدث فيها عن أهمية ودور الجيش في الدولة والمجتمع، ودوائر التحديات الثلاثة التي باتت تهدد الكيان وإمكانية ردعها أو شنّ حرب عليها. ذكر سيناريوهات الردّ، و"الضربة الاستباقية" و"الحرب الوقائية" التي يعتقد أنها محتملة أو واقعيّة وكذلك خطورتها باهظة النتائج والتداعيات بدليل قوله: "فلتعلموا أن هذا هو الواقع – فرؤوس الصواريخ ومداها ازداد. ستكون شدة النار على الجبهة الداخلية كبيرة، في الحرب القادمة. وهم يخططون لإطلاق الصواريخ على المناطق الحضرية. يجب أن نعرف هذا ونستعد له. في السلطات المحلية وعلى المُستوى الذهني". ثم أضاف محذراً: "لن تكون حرب دون مصابين ولا أعد بحرب قصيرة. سنكون مطالبين بحصانة وطنية [...]. في الحرب القادمة سنهاجم بشدة المجال الحضري للعدو. وسنحذر السكان. وفور ذلك سنهاجم أيضاً شبكات الوقود، والكهرباء والطرق في الدولة التي تستضيف وتشجع منظمة الإرهاب التي في داخلها" (هل هذا مُرشد لمحور المقاومة أم تحذير أم غباء؟!) ثم أضاف: يحاول حزب الله جلب صواريخ دقيقة. نحن نبذل جهوداً كبيرة كي لا نسمح لأعدائنا بالتزود بسلاح دقيق، نفعل هذا بشكل سريّ، وعلني بمخاطرة للمواجهة". أصبحت الصواريخ الدقيقة الشغل الشاغل لإسرائيل لأنها تدرك أنها موجودة في كل من إيران وسورية ولبنان واليمن والعراق مؤخراً، وأنها خطيرة للغاية: تحمل ما بين 500- 800 كيلوغرام مواد متفجرة، وخطأ إحداثيتها هو 10 أمتار فقط في مداها الأقصى 750 كيلومتراً ، كما وصفها المفكر الاستراتيجي أنيس النقاش في مقابلة أجرتها الإخبارية السورية في المساء الأخير من العام الفائت، 2019. أي أننا أمام ما بعد بعد بعد حيفا، ويجوز أيضاً ما بعد بعد بعد ديمونا.

يمكن القول إن المُعطيات والسياقات التي أتيت على ذكرها في هذا المقال، من جهة- والمعطيات التي ذكرها (كوخافي)، من جهة أخرى، هي التي لا تزال تمنع إسرائيل من شنّ ضربة أو حرب استباقية. فلو كانت إسرائيل تضمن نتائج ضربتها أو حربها لأقدمت عليها من زمن. خاصة وأن إعلامها يوهمنا أن أبناء الأمة الإيرانية ينتظرون إسرائيل لتحررهم من نظام "آيات الله" وما على إسرائيل إلا أن تصل طهران ليستقبلوها بالورود والأرز والملح. إضافة لما تقدم نذكر أهمّ ما أورده الإعلام الإسرائيلي عن خبايا حرب تشرين 1973 عندما "خزقت" جولدا مئير آذان الأمريكان بضرورة تقديم مساعدات أمريكية مُستعجلة لكيانها، فقالوا لها: نحن نقف مع المنتصر! في هذه الظروف محور المقاومة ليس مهزوماً، لا بل يتقدم في الكثير من الميادين. لذا فهمت أن "كوخافي" لم يهدد محور المقاومة كما قال الإعلام الإسرائيلي وعربانه والطيّبون من المحللين العرب، بل توجه إلى القوى المؤثرة في المنطقة والعالم بضرورة استبعاد أسباب أو ضربة أو حرب استباقية من الطرفين، وليس من إسرائيل فقط. كما وأكد للإسرائيليين طالما أنهم لا يتقدمون في سبيل نزع فتيل الضربة الاستباقية أو الحرب فقد باتوا في ورطة!

تنويه- لم آت على ذكر المقاومة الفلسطينية لأن الشقّ العلماني منها بات يعمل مقاولاً ثانوياً عند أذرع الحرب الناعمة ضد شعبه، والجانب الإسلامي استبدل حاضرة الأمويين بحضرة "سموّ الأمير". واستبدل دماء الشهداء بحقائب الدولارات القَطَرية. ولم يدرك الطاقة الكامنة في مسيرة العودة بعد الأولى مباشرة فأضاعها!

والحديث عن ورطة "إسرائيل" لا يعني أن محور المقاومة بألف خير بدليل تخلف المقاومة اللبنانية عن المشاركة الفاعلة في الاحتجاجات الاجتماعية، واغتيال قائد فيلق القدس، الجنرال سليماني صبيحة يوم الجمعة، الثالث من الشهر الجاري، الذي يعبّر عن تردد محور المقاومة في التصعيد المُباشر من جهتها.