مركاز هراب، المدرسة الصهيونية الدينية

إنعام حامد
15-09-2022
تحميل المادة بصيغة PDF

دراسات

مركاز هراب، المدرسة الصهيونية الدينية

إنعام حامد

 

مُقدمة

يُركز التعليم الديني اليهودي على التربية ثم التعليم بشكل كبير، فالهدف من التربية ترسيخ القيم الدينية، مما يؤدي إلى وقوع نتائج سياسية واجتماعية وثقافية، جعلت من الدين أساسًا له الأثر الأكبر على النظام السياسي والحياة العامة في "إسرائيل". فمن أبرز التطورات الهامة التي عمل عليها نظام التعليم الديني، هو إنشاء مؤسسات ومدارس تعليمية دينية، والتي أعلاها مكانًة وشأنًا، مدرسة "مركاز هراب".

يُعدّ مركاز هراب معسكرًا دينيًا قائمًا على أساس ربط الديانة اليهودية بالصهيونية، ومن ثمّ فهو يختلف عن المدارس الأرثوذكسية[1]، فمن هذه المؤسسة انطلقت وتفرعت مُعظم المدارس الدينية الصهيونية المُتشددة في مستوطنات الضفة الغربية، فقد تخرج مؤسسوها من مركاز هراب. فيُمكن القول إن التربية الدينية هذه غايتها تكمن في تعزيز الإيمان بفكرة أرض "إسرائيل الكبرى" وليس تعزيز دينية الدولة.

كما تجب الإشارة إلى الدور الكبير للحاخام تسفي كوك في إدارة مركاز هراب، فقد عززت إدارته من هيمنة هذه المدرسة داخل الأوساط الدينية، وعملت على توطيد علاقتها بتيار همزراحي[2]. ففي إطار هذه المؤسسة تأسست منظمة غوش إيمونيم.

 

تطور نشأة مركاز هراب

في عام 1920 بدأ التمييز بين التيار المزراحي والذي تحوّل إلى تيار تعليم رسمي، وبين التيار الديني الحريدي المُستقل. ومن ثمّ انقسم التعليم الديني إلى تيارين رئيسين: التعليم الديني الحريدي والتعليم الحكومي الديني. وعند قيام"إسرائيل" أصبح التيار المزراحي تيارًا مُستقلًا تحت مُسمى التعليم الحكومي الديني، مع توضيح أنّ مُصطلح ديني تعني طريقة الحياة[3]. فقد شكل تيار المزراحي دورًا في تطور اليشيفوت القومية، لكونها وسيلة للرد على ابتعاد الشباب التابعين للتيار الصهيوني المتدين عن نمط الحياة الديني. كان هذا النمط من اليشيفوت مختلفًا عن ما هو دارج وتقليدي، فقد تبنت يشيفاه مركاز هراب تثقيف المجتمع الصهيوني في مواجهة الحداثة. وذلك على العكس من أسلوب التعليم الديني القومي.

اتجه مركاز هراب نحو تعزيز دور الدين في جميع مجالات الفرد والمجتمع، مع منحها معنى دينيًّا حتى لو كانت ذات علاقة بالحداثة، ومن ثمّ منح "إسرائيل" والصهيونية معنىً دينيًا، كونهما علامة على الخلاص بمفهومه الديني، مع التأكيد على الولاء الديني المُطلق بوصفه مصدرًا أساسيًّا للتوجه العام[4]، فقد كانت الرسالة الأساسية ليشيفاه مركاز هراب، قائمة على أساس تربية طلاب المركاز على التعامل مع المجتمع الصهيوني والانفتاح على المجتمع اليهودي.

شكّل عهد الحاخام تسفي كوك[5]، فترة ذهبية غدت على أثرها مركاز هراب رائدة العلوم الدينية في "إسرائيل"، فقد تعززت قيمة هذه المدرسة في السياسة خاصةً بعد اندماج مدارس دينية أُخرى لها قبيل حرب 1967. ثم ساعدها نشوء حركة غوش إيمونيم الاستيطانية، فقد خرّجت مدرسة مركاز هراب أبرز رموز التطرف الديني والاستيطاني في "إسرائيل"، واهتمت بتعزيز فكرة "أرض إسرائيل الكاملة" ووجوب تحويلها إلى دولة دينية. بالإضافة إلى نجاح خريجي هذه المدرسة بإقامة الكثير من المدارس الأشد تطرفًا وعنصرية في كافة المستوطنات[6].

 

اليشيفاه في التراث الديني اليهودي

تُشكل المدارس الدينية (اليشيفوت) دورًا هامًا في إنتاج حراك اجتماعي وسياسي، وذلك عبر انخراط خريجيها داخل المُجتمع الإسرائيلي. فإنّ اليشيفاه تحمل عبر طياتها رسالة تلمودية ترغب بتحقيقها وفق أهداف مُحددة، إذ تُعرف اليشيفاه بأنها: حلقات تلمودية ومعاهد حاخامية تجري فيها دراسة التراث الديني والفقه التربوي اليهودي. فضمن هذا المفهوم تعمل هذه المؤسسات على ترسيخ القيم الدينية داخل صفوف روادها، مما يؤثر على مجريات الأحداث داخل النسيج الإسرائيلي[7].

أقدم الراب أبراهام كوك، وهو الحاخام الإشكنازي الأكبر، على إقامة اليشيفاه المركزية العالمية، لأنه قد كان مُتأثرًا بأفكار الحاخامين "تسفي كالشير" و"يهودا القلعي"، اللذين أصروا على ضرورة الهجرة إلى فلسطين وإقامة المستوطنات فيها خلال القرن التاسع عشر. كان اليشيفوت قد تبنّى فكرًا يُعدّ في نظر المتدينيين التحامًا بالوقائع التاريخية، فقد تطور هذا التوجه واستُخدم في التدريس نصوصًا من أفكار الحاخام كوك، والتي تؤكد على مركزية "أرض إسرائيل"، وتقديس فكرة الاستيطان فيها. وإقامة يشيفوت"ههسدير العسكري" الذي يقوم بإرسال شبان إلى الخدمة العسكرية مع المحافظة على علاقتهم باليشيفاه، ومن ثمّ تشكيل مُعسكر يأتمر بأمر رجال الدين أصحاب فكر الكوكزم[8]،[9].

 

مركاز هراب

مركاز هراب، وتعني مركز الحاخام. بالإضافة إلى أنّه يُسمى أيضًا يشيفات مركاز هراب ، وهي عبارة عن مدرسة تلمودية توراتية في القُدس، يُدرّس فيها الطلاب المؤمنون بالصهيونية بوصفها أيديولوجية دينية. عمل على تأسيسيه الحاخام أبراهام كوك سنة 1924، ثم باشر ابنه الحاخام تسفي كوك التدريس فيه وتولى إدارته بعد وفاة والده، وقد لعب دورًا بارزًا في تعزيز حركة الاستيطان الديني في الضفة الغربية بعد عام 1967. يُعدّمركاز هراب معقلًا للصهيونية الدينية، ومكانًا لولادة الاستيطان. وله تسمية أخرى وهي "اليشيفاه" أي المدرسة الدينية العالمية، تأسست في فلسطين مع إقامة المشروع الاستيطاني الصهيوني فيها[10]. مؤسسها هو الراب كوك، والذي عمل على إقامة المركاز في منزله الذي يتوسط القدس، ليكون المقر بالقرب من مركز المدينة، وحاليًا مقرها الرئيسي في "كريات موشيه"غربي القدس، لتُصبح مركزًا للعمل على تأهيل وتدريب التلامذة المعول عليهم بأن يُصبحوا زعماء ومُربين مستقبليين للأجيال القادمة في الدولة الصهيونية. أصبحت يشيفات مركاز هراب نموذجًا تبعه عدد من المعاهد الدينية والوطنية التابعة للتيار الصهيوني الديني، فهي المدرسة الدينية الأولى التي ربطت بين الديانة اليهودية والصهيونية[11]، لذلك فهي توصف بأنّها أم اليشيفوت الصهيونية[12].

يضم مركاز هراب داخله مدرسة وكلية عليا، فيها أكثر من 1000 طالب تزيد أعمارهم عن 14 سنة. تعدّاليشيفاه سفينة الراية للصهيونية الدينية ورائدتها الروحية والقومية في صفوف الشباب المُتدين[13]، والدفيئة المركزية التي ترعرعت داخلها الأفكار والجماعات الأكثر عُنفًا وتطرُفًا في المُجتمع الإسرائيلي صهيونيًا ودينيًا، بدايًة من حركة غوش إيمونيم الاستيطانية[14]، يليها التنظيم الإرهابي اليهودي، انتهاءً بالحركات والمجموعات الاستيطانية، مثل: شبيبة التلال وغيرها من المجموعات[15]

 

تطور المركاز

شهد توجه مدرسة مركاز هراب تطورات مع مرور السنوات، مالت إلى مزيد من التطرف اليميني تحديدًا في فترة تولي كوك الابن رئاسة اليشيفاه، فقد أضاف تفسيرات أكثر تطرفًا حين أجاز استخدام العنف بهدف تعزيز الاستيطان اليهودي في فلسطين لكون ذلك خطوة ضرورية للتعجيل في الخلاص المسياني. لم تكن الصهيونية بالنسبة لهذا التيار الفكري والتربوي (مركاز هراب)، سوى المرحلة العلمانية الأولى في عملية الخلاص تكون خاتمتها الخلاص الديني، إذ تحول فيما بعد إلى نموذج مركزي في الصهيونية الدينية[16]. وذلك لتشجيعه للعنف والاستيطان، إضافًة لدمجه المتدينيين في الحياة العامة.

اهتمت النخبة الحاخامية المُنتمية إلى مركاز هراب بضرورة الالتزام الصارم بسائر التعاليم والنواهي الدينية المُتعلقة بكافة جوانب الحياة اليومية، وإقامة الفروض ومهاجمة الثقافة الغربية برمتها، والتركيز على تأكيد مركزية "أرض إسرائيل" ونزاهة الشعب اليهودي في الوعي الديني[17]. استنادًا لما سبق فقد أذن رجالات مركاز هراب لذاتهم التغاضي عن المسائل السياسية الدولية، بالمقابل شددوا على فريضة استيطان فلسطين والتأكيد على عدم جواز تقديم أي تنازلات إقليمية في مقابل أي عملية السلام[18]. أصبح خريجو اليشيفاه عاملًا مركزيًا في جهاز التعليم التابع والمرتبط بالصهيونية الدينية، وباتوا مُرشدين ومركزّين في دور المُعلمين على اختلاف أنواعها، حتى غدا العديد من أبناء المُجتمع الإسرائيلي مُتأثرين بأفكار مركاز هراب ومروجين لأيديولوجية المركاز[19].

 

السياسة الدينية وهيمنة الأيديولوجيا

أخذ العديد من الأهالي يرسلون أبناءهم إلى المدارس التوراتية الدينية العسكرية[20]، والتي أُنشأت بالأساس بوحي نموذج مركاز هراب في مختلف أنحاء البلاد، وفضّل الكثيرون من الآباء المدارس الجديدة عن المدارس التقليدية السابقة التي تراجعت شهرتها بشكلٍ لافت، على الرغم من أن عددًا كبير من الإسرائيليين لم يكُن لديهم أيديولوجيا وأفكار دينية، وإنما رغبوا في منح أبنائهم تعليمًا نخبويًا توضح أنّه هيمن وأثبت نفسه[21].

ومع نهاية السبعينيات تأكّد أنّ الهيمنة الأيديولوجية الصهيونية الدينية تتمثل بصورة جلية في يشيفات مركاز هراب، فقد كان التوجه الذي مثّلته اليشيفاه يقوم على "الوحدة الأيديولوجية بين التوراة وأرض إسرائيل"، بالإضافة إلى وجهة النظر الصهيونية المُتطرفة في صورة "أرض إسرائيل الكاملة"، وتوراتية مُتشددة إزاء كُل ما يتعلق بمجريات الحياة العصرية والحديثة، منها ما هو مُتعلق بالاحتشام. وبسبب هذه النقطة عمل عدد من حاخامات مركاز هراب في بدايات السبعينيات على تأسيس جهاز للتعليم الرسمي يكون بديلًا للتعليم الحكومي الديني، والذي عُدّ مُتقاعسًا من الناحية الدينية، كونه مُختلطًا بين البنات والبنين[22]. لذلك تأسست شبكة تعليم للذكور سنة 1972 باسم نوعم[23]، ثم بعد وفاة الحاخام تسفي كوك أُقيمت شبكة التعليم الخاصةبالإناث[24] وحملت اسمه[25].

كما شكلت حرب 1967 انطلاقة حثيثة بالنسبة للأيديولوجيات الصهيونية دينيًا وقوميًا، والتي كانت جل أهدافها يصُب في المطامع التوسعية، فما تمخض عن الحرب من احتلال للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء، ألهب مشاعر الحماس الديني داخل نفوس حاخامات وتلاميذ مركاز هراب بشكل خاص، وأتباع تيار الصهيونية الدينية بشكل عام. فتحول مركاز هراب إلى معقل ودفيئة مركزية لنمو الأفكار لدى الجماعات الدينية المُتطرفة.

رسّخ مركاز هراب سرير ميلاد المشروع الاستيطاني في فلسطين وكان درعًا قويًا وصلبًا بالدفاع عنه، وداعمًا له[26]. نستنتج هُنا أنّ ما نتج عن الحرب ساهم في إثبات حقيقة التوجه الأيديولوجي الصهيوني، بالإضافة لتمكينها من تحول اليشيفاه إلى مركز لنشر الثقافة التربوية بين أوساط الجمهور الصهيوني المُتدين. لقد حوّلت عقيدة الخلاص المسيانية ذات الطابع الشمولي، القومية إلى جزء من العقيدة الخلاصية، وأصبح التدين جزءًاأساسيًّا في مركزها، بمعنى أنّها تحولت من صهيونية متدينة إلى دين صهيوني وأصبحت "أرض إسرائيل" الأساس في العقيدة بدلًا من "دولة إسرائيل"، فلا معنى سياسيًّا لـ "إسرائيل" بلا ديني شمولي، ولم يعد ممكنًا الفصل بين الدين والدولة[27].

لكن الانطلاقة الحقيقية لتلك الأفكار التي نشأت وترعرعت في مركاز هراب، لم تحدث إلا في مُنتصف السبعينيات وذلك خلال حرب تشرين الأول 1973[28]، وما تولد من شعور بالانتكاسة داخل المجتمع الإسرائيلي، بكل قطاعاته التي أخذ إحساساها بالإحباط يتفاقم، ويتحول إلى نقمة وقعت بالأساس على السلطة الحاكمة في "إسرائيل"[29]. انتهز حاخامات مركاز هراب تلك الأجواء المُخيمة على الإسرائيليين، ورأوا فيها الفرصة الملائمة لانطلاق أفكارها الخلاصية القيامية. ففي عام 1974، وبعد قيام حكومة إسحق رابين، انطلقت فورًا حركة غوش إيمونيم بتنفيذ أولى حملاتها الاستيطانية مُستمدة قوتها وغطاءها الديني من مركاز هراب. هنا استطاعت غوش إيمونيم بث الحماس في صفوف الصهيونية الدينية، ووسط هذا الاندفاع والحماس سطع نجم مركاز هراب بقوة، وجرى وضعها بمنزلة مرجل الثورة الجديدة في الصهيونية الدينية، فالتأكيد على الدور الذي لعبته يشيفات مركاز هراب يتلخص فيما أعرب عنه الكاتب الإسرائيلي حاييم بار، قائلًا:  "لو وجِدت في إسرائيل في تلك الأيام يشيفاه صهيونية عصرية أخرى لكنها أقل تطرفًا من مركاز هراب من الناحية الدينية والسياسية وأقرب إلى نموذج اليشيفاه الجامعية اليهودية غير المُتطرفة لكان تاريخ الصهيونية الدينية مُختلفًا"[30].

كذلك أكد الباحث يائير شيلغ المُتخصص في شؤون المُجتمع الديني والحركات الدينية في "إسرائيل"، على أنّ عملية التحول والانتقال من صهيونية دينية إلى دينية صهيونية، مع مرور الوقت أصبحت أكثر حدّية، وذلك عندما قامت حركة غوش إيمونيم بالحسم في مسائل أمنية وسياسية عن طريق الإفتاء الديني، مثالًا على ذلك ما حدث في الاتفاقيات السياسية التي شملت الانسحاب من مناطق احتُلّت عام 1967[31]، وهو ما تسبب في خلافات وبوادر تصدع عنيفة في صفوف التيار القومي الديني[32]. ويعيد شيلغ ظهور ذلك الانقسام في المركاز في الفترة التي أعقبت وفاة زعيم تيار الثورة التوراتية في الصهيونية الدينية، ورئيس مركاز هراب الحاخام تسفي كوك، فقد نشب في اليشيفاه صراع الخلافة، وامتد ليُصبح صراعًا فكريًا بين تيارين، إذ كانت الغلبة للتيار الأول بزعامة الحاخام أبراهام شابيرا[33]، والذي اشتهر بمُمانعته الشديدة وفتاويه الدينية المُعارضة لاتفاقيات أوسلو وما تبعها من انسحابات لعدد من المستوطنات، بينما مثّل التيار الثاني: تسفي طاو[34]، والذي تبنى توجهًا أقل تطرفًا على هذا الصعيد[35].

إنّ هيمنة نظرية مركاز هراب في الأوساط الصهيونية الدينية أخذت تشهد منذ وقت عملية انحسار متواصلة، لم يكن العامل فيها فقط الصراعات الداخلية، وإنما لظهورعوامل أخرى، من أهمها الضربة التي وجهتها اتفاقية كامب ديفيد ثم أوسلو، لمفهوم الخلاص على طريقة الحاخام كوك الذي طوّر مفهومًا للخلاص بوصفه حالة تسير إلى الإمام باستمرار، لا أنّ تشهد انسحابًا وإخلاءً لمستوطنات بأكملها. بالإضافة إلى التغيير الحاد الذي طرأ على الأجندة الصهيوينة الداخلية وذلك نتيجة لما طرأ من تغييرات على المُجتمع الإسرائيلي برمته[36]. وبالرغم من ذلك فإنّ شيلغ وغيره من الباحثين، يؤكدون أن تأثير الأفكار والقيم التي أرستها يشيفاه مركاز هراب ما زال جليًا في صفوف النخبة من الحاخامات داخل التيار الصهيوني الديني[37].

وفقًا لمجلة قضايا إسرائيلية، والتي تصدر عن مركز مدار، فإن الجمهور المُتدين صار يدمج بين الخصوصية التقليدية وبين الفعالية السياسية وفقًا لطريقة مركاز هراب، وبناءً على ذلك أدى تفعيل الميول الخصوصية إلى تطور مواقف سياسية راديكالية في العلاقات مع الفلسطينيين، فقد تأثرت هذه التطورات من نمو وتوسع جهاز اليشيفوت القومي، والذي ساهم في تعزيز أثر مركاز هراب في المعسكر الصهيوني الديني.

كانت هذه التطورات متلازمة مع أحداث تاريخية عززت تأثير المزج بين الخصوصية التقليدية وبين النشاط السياسي في الجمهور المُتدين في "إسرائيل" لاسيما حرب 1967 وحرب 1973، فالحرب ألهبت حماس الخلاص المسياني والذي تُرجم بواسطة حركة غوش إيمونيم وعلى رأسه طلاب يشيفاه مركاز هراب. كان للحروب تأثير كبير على نظرة الطلاب في اليشيفوت القومية إلى النخب السياسية الحاكمة. فقد شكلت حركتهم تمردًا عد أول رفض من نوعه لهيمنة الصهيونية العلمانية، فحسب تفسيرهم لنظرة الراب كوك هناك خطة ربانية في إطارها وصل العلمانيون نهاية دورهم في بناء "إسرائيل"، وأن عليهم إخلاء مكانهم، وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم قد يشوشون العملية الخلاصية التي لها مؤشرات واضحة، حرب 67 وحرب 73، الأولى تُشير لبداية الخلاص والثانية شكلت إنارة لإصلاح الشذوذ السياسي عن الخط الذي يؤدي إلى الخلاص[38].

أخيرًا، لا تزال يشيفاه مركاز هراب تُمثل المعقل المركزي للجماعات اليمينية الأشد عنفًا وتطرفًا في المُجتمع الإسرائيلي. ونظرًا لمكانتها المهمة في الحياة بالنسبة لـ "إسرائيل" اعتاد رؤساء الدولة على مدار السنوات وإلى الآن، المشاركة في الاحتفالات التي تقام في كل عام داخل مدرسة مركاز هراب بمناسبة قيام "إسرائيل"[39]. كما أثارت عملية المقاومة الفلسطينية بتاريخ 6 آذار/ مارس 2008، والتي استهدفت مركاز هراب، كثيرًا من التساؤلات حول المكان الذي تم استهدافه، فقد وصف إيهود باراك وزير الدفاع وقتها تلك العملية، بأنها ضربة موجهة إلى مكان يرمز إلى القوة والمنعة اليهودية، وعدّها أحد زعماء التيار الديني القومي كارثة كبرى ضربت قلب الصهيونية الدينية والمكان الذي وُلِد فيه الاستيطان. إزاء ذلك نستنتج بأن معهد مركاز هراب ليس مؤسسة دينية عادية تُركز على مبادئ الاعتقاد والإيمان فحسب، وإنما مؤسسة تعمل على إعداد طلاب وقيادات دينية مُتطرفة تنشط في القطاع الديني وفي الجيش، وتعمل على تخطيط وتبني أعمال إرهابية ضد الفلسطينيين. وأن استهداف العملية لأكبر وأقدم المعاهد الدينية الصهيونية وأخطرها في فلسطين شكل صدمة للجماعات الدينية المتطرفة في "إسرائيل"[40] .

 

[1]  أي الحريدية.

[2] تيار همزراحي، الذي أصبح لاحقًا حزبًا سياسيًا "المفدال".

 [3] حيدر. عزيز، ظاهرة اليشيفوت (المدارس الدينية القومية).

[4] المرجع السابق.  

[5]  ترأس كوك مدرسة مركاز هراب منذ أواخر الأربعينيات حتى وفاته سنة 1982.

[6]  موسى. حلمي، "مركاز هراب" المعقل الأول للتطرف الصهيوني.

[7]  يُعد حدث مقتل إسحق رابين على يد يغئال عمير، من أوضح الأمثلة على نتاجات الأيديولوجيا المستقاه من اليشيفوت، وتحديدًا مركاز هراب، وذلك انعكاس للصراع العلماني والديني، المُستند للمدارس الدينية. (حسان، كمال علي، المدارس التلمودية: اليشيفاه ومكانتها في الدولة والمجتمع الإسرائيلي. ص21.).

 [8] حيدر. عزيز، مرجع سبق ذكره.  

[9]  لم يكن باستطاعة التيار الديني القومي أنّ يتمكن من عبور المؤسسة الدينية والجيش دون الاستعانة بالمؤسسات التربوية الدينية، والتي ساهمت في إعداد الشباب المتدينين للاندماج في الخدمات العسكرية. النعامي، صالح، في قبضة الحاخامات، ص281.

[10]  عمل الحاخام كوك كأكبر حاخام في فلسطين خلال الانتداب البريطاني، فقد أسس هذه المدرسة سنة 1921، عن طريق جمع النواة الأولى من الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد أعضاءً في مركاز هراب. موسى. حلمي، مدرسة"مركاز هراب"، المعقل الأول للتطرف الصهيوني.

[11] موسى، حلمي. مرجع سبق ذكره.

[12] عياش، سعيد. مرجع سبق ذكره.

[13] موسى، حلمي. مرجع سبق ذكره.

[14] للاستزادة حول حركة غوش إيمونيم. مركز القدس للدراسات. إنعام حامد.https://2u.pw/dqqIJ.

[15] نشأة المدرسة الدينية- الصهيونية (مركاز هراف) وفكرها وتطورها.

[16] عياش.سعيد. مرجع سبق ذكره.  

[17]  كان من الضروري التشديد على تلازم هذين العنصرين في الثقافة التربوية القائم على أساسها مركاز هراب. أي مركزية فكرة "أرض إسرائيل" وضرورة الولاء لها في الهوية الدينية، إضافًة لإظهار خصوصية الشعب اليهودي "شعب الله المُختار". 

 [18] عياش، سعيد. نظرة على نشأة مركاز هراف وفكرها ومكانتها.

[19] المرجع السابق.  

[20] "يشيفوت ههسدير".

[21] عياش، سعيد. مرجع يبق ذكره.   

[22] المرجع السابق.  

[23] "تعليم ابتدائي نخبوي".

[24] "تسيفيا".

[25] شيلغ،يائير. المتدينون الجدد، نظرة راهنة على المجتمع الديني في إسرائيل.ص43.

[26] عياش، سعيد. مرجع يبق ذكره.    

 [27] حيدر.عزيز. مرجع يبق ذكره.

 [28] حرب يوم الغفران.

[29] أي سلطة حزب العمل.

[30]  عياش، سعيد. مرجع سبق ذكره.     

[31] يُقصد هنا، اتفاقية الانسحاب من سيناء، ثم مسألة شرعية حكومة إسحق رابين، واتفاقيات أوسلو التي وقعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية.

[32]عياش، سعيد. مرجع يبق ذكره.       

[33]  الذي أصبح لاحقًا الحاخام الإشكنازي الأكبر في إسرائيل، ويُعد المرجع الديني الأعلى لحزب المفدال.

[34] “zvi Tao”

[35] نشأة المدرسة الدينية- الصهيونية (مركاز هراف) وفكرها وتطورها.

[36] شيلغ، يائير. المتدينون الجدد، نظرة راهنة على المجتمع الديني في إسرائيل. ص62-63.

[37]  عياش، سعيد. مرجع سبق ذكره.       

[38] حيدر.عزيز. مرجع سبق ذكره.  

[39]عياش، سعيد. مرجع سبق ذكره.          

[40]للاستزادة: (عملية القدس استهدفت وكراً للإرهاب الصهيوني الديني،آذار-2008). http://mesc.com.jo/Studies/Studies_10.html