مسيرات العودة تربك حسابات "إسرائيل"

عماد أبو عواد
24-03-2018
عماد أبو عوّاد *مركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني

مع انطلاق الدعوات لمسيرات العودة الضخمة والتي أطلقها ناشطون من غزة، بدعم العديد من التنظيمات فيها، بدأت "إسرائيل" والتي حاولت تجاهل الموضوع في البداية، والتقليل من شأنه، والاستعداد من أجل الوقوف بوجه تلك المسيرات، على المستويين السياسي والأمني.




فمن الناحية السياسية، بدأت "إسرائيل" تتحدث عن عدم تحمّلها للحصار المفروض على قطاع غزة، في إشارة واضحة، إلى أنّ المسؤولية عن ذلك، تتعلق بالانقسام الفلسطيني الداخلي، وحاولت تجميل صورتها ببعض الدعوات التي طالبت بضرورة تحسين الوضع الإنساني لسكان القطاع المحاصر، في ظل دعوات أخرى سياسية أيضاً، بضرورة استخدام القوّة، أو شن حرب جديدة لردع القطاع.




الجانب الأمني، والذي إلى الآن، لم يعلن عن خطته لمواجهة تلك المسيرات، أعلن عن إجراءات عادية قد تتناسب مع اعداد من المتظاهرين اعتادت "إسرائيل" مواجهتهم، أي الحديث في أحسن الأحوال عن بضع آلاف، وفق ترجيحات بعض القوى الأمنية، وبعض التقارير الإعلامية، الأمر الذي سيجعل المستوى الأمني في مأزق في حال كانت الأعداد ضخمة، وامتازت بالطابع السلمي، الأمر الذي من غير الواضح كيف ستتعامل معه "إسرائيل"، خاصة أنّ الحدث سيحظى بتغطية إعلامية كبيرة.




بعيداً عن طبيعة الإجراءات الإسرائيلية، والتي في الغالب تتميز بالقمع، والمواجهة بالقوّة، إلّا أنّ هذه السلسلة من المسيرات لها طابع خاص ومميز، حيث من الناحية التكتيكية هي تغيير استراتيجي في طبيعة مواجهة العدو، حيث ستُساهم هذه المسيرات في ارباك حسابات المنظومة السياسية والأمنية الإسرائيلية، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: من الناحية الدعائية، تُمثل هذه المسيرات أمام العالم، مطالبة بحق طبيعي ومشروع، تقرّه غالبية مواثيق الأمم المتحدة، المنحازة إلى "إسرائيل"، والأهم من ذلك، تتبناه غالبية الشعوب، وتتعاطف معه جموع كبيرة في العالم، الأمر الذي سيضع "إسرائيل" في مأزق حقيقي في ظل التغطية الإعلامية.




ثانياً: تعيد هذه المسيرات، قضية اللاجئين إلى مركزية التغطية، ويأتي ذلك في ظل التراجع العام للقضية الفلسطينية، الأمر الذي من شأنه، التشويش على العديد من المشاريع التي تهدف إلى القضاء على الحق الفلسطيني بالعودة، مشاريع تتبناها وللأسف بعض الأطراف العربية.

ثالثاً: من الناحية الأمنية قد تُشكل المسيرات تهديداً أمنياً على "إسرائيل"، حيث ترى قوى الأمن أنّ إمكانية قيام بعض المتظاهرين باختراق السياج والاحتكاك مع الجنود، قد يؤدي إلى مخاطر أمنية، رغم أنّ منظمي المسيرات أعلنوا سلميتها.

رابعاً: المسيرات ستُمثل، وضع "إسرائيل" في زاوية الاتهام وحدها فيما يتعلق بقضية حصار غزة، وتحمّل تبعية الواقع المُعاش فيها، وهذا يُعتبر انجازاً كبيراً للفلسطينيين، من حيث إبقاء بوصلة المواجهة مع الاحتلال فقط.




هذا إلى جانب أنّ "إسرائيل"، تعتبر أنّ تصاعد الأحداث في غزة، ربما يُساهم في زيادة العمليات الفردية في الضفة الغربية، والتي باتت روتيناً متصاعداً خلال العامين الأخيرين، الأمر الذي سيجعل الاحتلال في مواجهة جبهتين، احداهما يُمثل تهديداً عسكرياً مؤثراً، وفق ما تصدره المنظومة الأمنية الإسرائيلية عن المقاومة في غزة، فيما التهديد الثاني متمثل، بالمواجهة التي باتت على شكل استنزاف في الضفة الغربية، استنزافٌ فكري، لفكرة الأمن الذي يحظى به المشروع الصهيوني في الضفة، إلى جانب تشكيله تهديداً أمنياً مستمراً، ذي موجات غير مضبوطة، تجعل أمر مواجهته صعباً.




وحول الرؤية الإسرائيلية للمواجهة، فإنّ "إسرائيل" من المتوقع أن تعمل على جبهات مختلفة، أولاها الجبهة الدعائية، الموجهة للعالم، بتكثيف دعايتها التي تتهم حماس بتحمّل سوء الواقع المعاش في قطاع غزة، وعلى أنّها من تتحمل عدم وصول المساعدات للغزيين، في ظل استغلالها الملايين وفق ادعاء الاحتلال من أجل بناء قوّتها العسكرية.

ثانيها، ستقوم "إسرائيل" بالعمل على إيصال رسائل مباشرة للمواطنين في غزة، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وربما القاء المنشورات الورقية على الأرض، ليلتقطها السكان، تحمل تلك المنشورات بطبيعة الحال تهديدات متنوّعة، وتحميل المسؤولية عن الحصار للفلسطينيين أنفسهم.




الأمر الثالث، ستعمل "إسرائيل" على التواصل مع القيادة المصرية وربما غيرها، من أجل التواصل مع حركة حماس، ومحاولة منع تلك المسيرات، وربما اللعب على وتر استعدادها تخفيف الحصار، أو اجراء مفاوضات جادّة، أو إيصال رسائل مفادها أنّ تنظيم هذه المسيرات، ربما سيدفع "إسرائيل" لحرب جديدة على القطاع، وقد يكون هذا التكتيك الإسرائيلي للتسويف وتمرير فترة احياء الفلسطينيين لذكرى نكبتهم السبعين.




ختاماً، "إسرائيل" تنظر بعين الخطورة لتلك المسيرات، لما فيها من تهديد أمني حقيقي، إلى جانب تشكيلها دعاية، تُقارن ما بين ما تقوم به "إسرائيل" على الأرض، وما بين المحارق النازية، وعلى الرغم من عدم بلّورتها استراتيجية مواجهة تلك المسيرات إلى الآن، إلّا أنّ السلوك الإسرائيلي المعتاد المتميز بالقمع، قد يدفعها لشن حرب جديدة على القطاع، إلى جانب استهداف المتظاهرين بالرصاص الحيّ، في حال فشل تفريقهم بالطرق الاعتيادية.

معركة الوعي تتطلب جهداً كبيراً، والتفكير خارج الصندوق في مواجهة الاحتلال، والأخذ بعين الاعتبار تأثير الساحة العالمية على الاحتلال وكشف سوءته، هو من أكثر ما يزعج "إسرائيل"، ومن أفضل ما يُحسب للمقاومة في قدرتها على تغيير تكتيها ضمن استراتيجيتها الواضحة في انهاء الاحتلال.